الرئيسية / التصنيف الرئيسی / آراء وأفكار / نظرية المعرفة الفقهية أو فلسفة علم الفقه .. الدكتور عمار جيدل
عمار جيدل

نظرية المعرفة الفقهية أو فلسفة علم الفقه .. الدكتور عمار جيدل

فلسفة الفقه بمعنى نظرية المعرفة الفقهية تعني ببحث أصل المعرفة الفقهية وطرق تكوينها ومناهج بحثها ونشأتها و اكتمالها إضافة إلى التثبت من درجة صحة منتجها المعرفي، فتبحث تقويم المنتج الفقهي و الأحكام معرفيا، أي لا يتناول عبر تقویم المعرفة من حيث كونها معرفة، وبالتالي ليس من غرض هذا المسلك أن تقوم فلسفة الفقه مقام سائر التخصصات فضلا عن الفقه نفسه بقدر ما ترمي إلى التكامل معها من حيث بحث و تمحیص قيمة المعرفة الفقهية بوصفها معرفة، إضافة إلى تمحيص طرق تكوينها و مسالك البحث فيها.

الاجتهاد: يكبر على الباحث الحصيف في ظل التدفقات المعرفية الكبيرة أن يصم آذائه أمام كم متلاطم من الموجات المعرفية التي من شأنها التأثير على تلقي المعارف الناشئة تبليغا وتفسيرا لما ورد في الوحي(۱) من جهة وتقويمها من الناحية المعرفية الصرف من جهة أخرى، فضلا عن الموقف منها، و المتولد عن تأثير تلك المعارف في تشكيل عقليات بعض المفتين أو المحسوبين عليهم فضلاً عن أثرها صوغ شخصيات المتلقين اجتماعياً، بل قد يصل أثرها حد تشكيل اهتماماتهم الشخصية.

يشتغل الفقيه أو المحسوب عليه عند المسلمين بموضوع يعرف في أدبياتهم بالفقه الإسلامي، والفقيه أو المحسوب عليه كغيره من المتلقين – الخلق – يتأثر بتلك المعارف فيستحضرها في إصدار الفتاوی و تصبغ آراءه الفقيه بها.

و الفقه الإسلامي بوصفه عنصرا رئيساً في التعبير عن المحتوى المعرفي- صيغة مباشرة أو غير مباشرة(۲) – للوحي في مضمونه المتعلق بالأحكام الفرعية التفصيلة المكتسب من أدلتها التفصيلية ، يتأثر في ثروته و قابل منتجه بنوع الفقيه المشار إليه أعلاه، فإن كان ممن أسلم نفسه لمعارف من نسق معرفي مخصوص ظهر أثره في آرائه الفقهية وفتواه، كما تتجلى في الفتاوى والآراء الفقهية النشاز التي تمثل في الغالب الأعم استجابة لرغبات التكيف مع طلبات الغالب الوقتي. سواء كان محلياً أو جهوياً أو دولياً معرفياً أو اقتصادياً أو عسكرياً.

وما دام الفقه وفق ما عبر عنه بعض أئمة الفقه: “معرفة النفس ما لها وعليها عمليا”(٣)، وقد عبر عنه بقول أخرين:” العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية(٤)، والمراد بالحكم النسبة التامة الخبيرة التي العلم بها تصديق وبغيرها تصور، فالفقه عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية المتعلقة بكيفية العمل، تصديقا حاصلا من الأدلة التفصيلية، التي نصبت في الشرع على تلك القضايا (٥).
كما نقل أن الفقه في عرف المتشرعين مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية بالنظر والاستدلال (٦) كما نقل عن علم آخر ما يقرب من هذا المعني، يشهد له قوله: ” العلم بالأحكام الفرعية العملية بالاستدلال (٧)، وذكر تلك المعاني أحد المتأخرين في تعريف علم الفقه، فهو عنده علم استنباط الأحكام الشرعية، أو علم عملية استنباط الأحكام الشرعية(۸)

وبيّن من مجموع المفاتيح الأساسية (معرفة الأدلة / مكتسب…) لتلك التعريفات أن علم الفقه قائم على جهد الفقيه في النظر والاستدلال من أجل استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، ومركزية الفقيه في العملية إشارة واضحة إلى وجوب استحضار المعارف التي تحكم عملية الاستنباط من جهة، ودرجة تحكم الفقيه في تلك الأدوات المعرفية، بل توجب إحاطة بمجموع ما يتوقف عليه حيازة ملكة الاستنباط، وهذا بدوره قائم على دراية بمجموع العلوم الميسرة للاستنباط.

بل حتى تقويم جهود الاستنباط – من حيث كونها استنباطا يفرض توقر المستوى المشار إليه، الكشف عن القيمة المعرفية لعملية الاستنباط يفرض إحاطة مجملة بأصول الاستنباط من جهة وقيمتها المعرفية من جهة أخرى.

يتناول القسم الأول من المباحث (أصول الاستنباط) عالم أصول الفقه، وليس من اختصاصه تقويم القيمة المعرفية للمعرفة الفقهية المنتجة، فمن بمقدوره أن يحقق القول في القيمة المعرفية لتلك المعارف الفقهية؟

يطلب بعض الباحثين (۹) وبإلحاح إبداع تخصص معرفي جديد بمقدوره تيسير تقویم المعرفة الفقهية بوصفها معرفة – بصرف النظر عن موقفنا منها – وقد اقترح هذا الفريق لهذا التخصص عنوان: “نظرية المعرفة الفقهية” وعبر عنه فريق آخر “بفلسفة علم الفقه” (۱۰)
يصطدم هذا المقترح بوجه ما بقول بعضهم: إن أصول الفقه تمثل منطق الفقه(۱۱) ولكنه يصطدم بشكل أوضح بقول فريق آخر بأن “علم أصول الفقه يمثل فلسفة الفقه (۱۲)، وبناء عليه لا حاجة لتأسيس علم جديد بعنوان “فلسفة علم الفقه” بمعنى “نظرية المعرفة الفقهية”، كما أن جهدنا في هذا السياق يختلف عما كتبه بعض الأساتذة تحت عنوان “الضوابط المعرفة” (۱۳) ذلك أنه يتناول موضوع المنطق باسلوب قريب منه، بل يكاد أن يكون نسخة منه.

اقترح فريق تحقيقا لمسعى معرفة فلسفة الفقه التفصيل في دراسة الأصول (أصول الفقه) بينما مال الفريق الثاني إلى القول بأن تلك المعارف (أصول الفقه) لا تغني عن دراسة فلسفة الفقه، فما درجة صحة الموقفين، وما مبررات الميل إلى أحد الرأيين؟ هذا ما تحاول الورقة تحليله ومناقشته.
يفرض تفصيل المقال في المسالة عرض المراد بأصول الفقه ومقاصده و استمداده وصلة تلك المعارف بفلسفة علم الفقه، ثم نردفها ببيان صلة التخصص المقترح (فلسفة علم الفقه) بعلم الفقه.

اولا: أصول الفقه وفلسفة علم الفقه

معلوم لدى الباحثين في علم أصول الفقه أنه يمثل أدلة الفقه، وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل لها، من جهة الحملة لا من جهة التفصيل، ويتناول موضوعه أحوال الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية المبحوث عنها فيه و اقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها على وجه كلي (۱۴)، ويرمي هذا العلم إلى تحصيل ملكة استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من ادلتها التفصيلية (۱۵) بغرض الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية، فكانت مسائله باحثة في أحوال الأدلة المبحوث عنها.

ويستمد علم أصول الفقه من مجموعة من المعارف اتفق الجمهور على كثير منها، واختلفوا في بعضها الآخر، فمن المتفق عليه أنه تستمد من علوم اللغة العربية، كون الأصولي مدفوعا إلى الكلام في مباحثها وفق ما يیسر له استنباط الأحكام، بحسب تقدير هذا الأصولي أو ذاك ؛ فتراهم يبحثون المبادئ اللغوية من نحو، أنواع اللفظ، وحقيقته وأقسامه وأقسام الدلالة، وأقسام المفرد، إضافة المباحث المتعلقة بالاسم وأقسامه، و اللفظ المشترك، … وغيرها كثير والحق بها بعضهم القول في المبادئ الكلامية،

وقد وجد في المتأخرين و المتقدمين من اعترض على إقحامها في أصول الفقه، واعتبرها غريبة عن موضوع الأصول، وبحث من أدرجها مسائل ذات صلة بها من نحو قول الأمدي: “أما علم الكلام ، للتوقف العم بكون أدلة الأحكام مفيدة لها شرعا، على معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، و غير ذلك مما لا يعرف في غير علم الكلام (۱۶)
كما قالوا بأنها تستمد من الفقه المعبر عنها بالأحكام الشرعية، وذلك من جهة أن الناظر في علم أصول الفقه، إنما ينظر في أدلة الأحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الأحكام، ليتصور القصد إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل ، بضرب الأمثلة، وكثرة الشواهد، و يتاهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال (۱۷)
وبين مما سبق تقريره أنه ليس من مقصود هذا العلم تقويم القيمة المعرفية للمنتج الفقهي بصفته معرفة، كما ليس بمقدوره تقويم نفسه بنفسه، فيراجع العلم مكوناته ومبادئه المؤسسة له، فضلا عن عجزه على استيعاب الظروف الفكرية و التربوي والاجتماعية والسياسية و المساهمة في تنشئة الفقيه وصقل مواهبه وتحديد شخصيته، فضلا عن الإكراهات الملجنة على الإفتاء أو الإختیار الفقهي ، لهذا لا يمكن أن يكون درس الأصول بديلا عن فلسفة الفقه أو يستعاض عنه كبديل عن التاسيس لنظرية في المعرفة الفقهية.

وما دام ليس بمقدور أصول الفقه أن يكون بديلا عن “فلسفة الفقه “فمن أولی أن لا يكون الفقه بديلا، ذلك أنه يتناول المسائل الفرعية الجزئية ولا يتناول تمحيص الخلفية المعرفية من حيث كونها معرفة.

ثانيا: فلسفة علم الفقه

شاع تداول مصطلح: “فلسفة العلم” في كثير المعارف الإنسانية والاجتماعية وإضافة إلى العلوم الصرف (۱۸)، ولا نعني به في هذا السياق التعبير عن مقاصد المعارف المبحوثه، إذ اختار بعض الباحثين التعبير عن مقاصد المعارف المبحوثة بعنوان فلسفة المسائل المبحوثة، وقد كتب بهذا العنوان كثير من الكتب و البحوث منها على سبيل المثال لا الحصر:
– فلسفة الصوم .
-فلسفة الزواج .
– فلسفة التشريع في السياسة والحكم.
– فلسفة أصول سياسة التشريع الدولي الكفيلة بإقامة التكافل الاجتماعي في الإسلام (١٩)
واضح من البداية أنه ليس من أهداف “فلسفة الفقه” دراسة مقاصد “المقاصد الفقه” فليس من مقصودنا بحثه وفق الدلالة المشار إليه في المؤلفات و البحوث الإنفة الذكر ، بل نرمي بها إلى الحديث عن موضوع مختلف تماما ومتميز عله تمام التميز، إن موضوع يبحث “نظرية المعرفة الفقهية”.
بحث “نظرية المعرفة” أو “فسلفه العلوم” ليس بحثاً جديدا بإطلاق بل عرفه درس الفلسفة منذ القدم، فقد عرف بعض مباحثه اليونان؛ فنقل بعض الاهتمام بها عن سقراط (٢٠) القائل “عرف نفسك بنفسك”، كما عرف بعضا منها في صورتها البسيطة افلاطون (٢١) وتلميذه سقراط (٢٢)، وورث تلك المعارف وزاد عليها ونماها كثير من فلاسفة الغرب؛ فظهر القول بنظرية المعرفة عند جون لوك (٢٣)، وخاصة في كتابه “مقالة في الذهن البشري”، ثم ظهر إما نويل كانت (٢٤) بفكرة الفلسفة الوضعية.

وقد صادف ميلاد هذا الاهتمام القديم المجدد اهتماما لافتا بدراسة فلسفة العلوم، و عمم درس نظرية المعرفة على سائر مباحث الإنتاج الفكري والعلمي، فظهرت دراسة الفلسفة التي يقوم عليها العلم، وبدا الاهتمام بفلسفة كثير من العلوم، ولا يقصد بها في هذا المقام مقاصد ذلك العلم أو أهدافه، بل يراد به معنى يعبر عنه في درس الفلسفة ب “الإبستيمولوجيا (٢٥) وفق المتداول في المعاجم الإنجليزية التي تعبر عنها “بنظرية المعرفة” وتعني عندهم : “البحث في أصل المعرفة، وتكوينها، ومناهجها وصحتها”(٢٦)، وهي أوسع مما نقل في الاصطلاح الفرنسي على الخصوص، و المعبر عنها في معاجمهم “بدراسة نقدية” لمبادئ العلوم المختلفة، وفروضها، ونتائجها ، وتهدف إلى تحديد أصلها المنطقي و قيمتها الموضوعية” (۲۷).

وفلسفة الفقه بمعنى نظرية المعرفة الفقهية تعني ببحث أصل المعرفة الفقهية وطرق تكوينها ومناهج بحثها ونشأتها و اكتمالها إضافة إلى التثبت من درجة صحة منتجها المعرفي، فتبحث تقويم المنتج الفقهي و الأحكام معرفيا، أي لا يتناول عبر تقویم المعرفة من حيث كونها معرفة، وبالتالي ليس من غرض هذا المسلك أن تقوم فلسفة الفقه مقام سائر التخصصات فضلا عن الفقه نفسه بقدر ما ترمي إلى التكامل معها من حيث بحث و تمحیص قيمة المعرفة الفقهية بوصفها معرفة، إضافة إلى تمحيص طرق تكوينها و مسالك البحث فيها.

لهذا يرمي درس فلسفة الفقه إلى تحقيق القول في مسائل معرفية واضحة بينة ، تنتهي في أخر خلاصة لها إلى خدمة الفقيه و الفقه تمحيصا وتاسيسا واستدراكا على المنتج السابق من حيث الأسس المعرفية التي قوم عليها ثم من حيث طرق إنتاجه، ولكنها لا تنتج فقها وليس بمقدورها أن تنتجه، رغم أنه بمقدورها أن تسهم في تقويمه معرفيا.

و يتلخص دور فلسفة الفقه في تحقيق مجموعة من الأهداف، نوجزها فيما ياتي :
۱- الكشف عن قيمة المعرفة الفقهية من حيث كونها معرفة – بصرف النظر عن موقفنا الفقهي- ، ولا يتاتي الخلوص الموضوعي إلى هذه النتيجة بغير الإحاطة بمجموعة من المعارف الأساسية التي يقوم عليها الفقه في نشاته و نموه و اكتماله.
۲- يتعين للكشف عن القيمة المعرفية لعلم الفقه الإحاطة بالمعارف الأساسية التي يقوم عليها صلب المادة الفقهية فضلا عن قيمتها المعرفية، و أؤكد بهذا الصدد أنها تبحث بوصفها معرفة لا بوصفها آراء فقهية تناصر هذه المدرسة أو تلك.

۳- الكشف عن المعطيات الاجتماعية التي شكلت عقلية الفقيه وصقلت مواهبه وكونت شخصيته الفردية والاجتماعية ، و أثر كل تلك المعارف الاجتماعية في مواقفه الفقهية، إضافة إلى أثر هذه المعطيات في فتاواه واختياراته الفقهية، ولا شك أن لاستحضار هذه المعطيات في التحليل أثر عظيم في الكشف عن القيمة العلمية للآراء الفقهية و الفتاوی.

۴- يتعين للكشف عن القيمة المعرفية للفتاوى والآراء الفقهية الفصل بين المعارف المستند إليها في الثروة الفقهية نشاة ونموا و اكتمالا من جهة والفقه نفسه من جهة أخرى، فليس كل ما اعتمد عليه علم الفقه في نشأته ونموه واكتماله فقها، والقيمة المعرفية لتلك المعارف التي يبنی عليها الفقه موثرة في قيمة المعرفة الفقهية، فتقویم المعطيات الأساسية التي يقوم عليها الفقه مفيدة في تقويم قيمة المعرفية الفقهية ، ذلك أن الرأي الفقهي أو الفتوى تتأثر سلبا و إيجابا بتلك المعارف.
٥ – تمحيص مناهج الاستنباط و الاجتهاد من حيث قيمتها المعرفية، فيهتم المشتغل بفلسفة الفقه بما تقوم عليه مناهج الاستنباط والاجتهاد وتقويمها من الناحية المعرفية الصرف، ذلك أنه ليس من اختصاصات الفقيه و الأصولي الكشف عن قيمتها المعرفية من حيث كونها معرفة، مع سعي دائب إلى الكشف عن الأصول الأساسية التي تقوم عليها عملية الاستنباط .
٦ – التأكيد على أهمية تمحيص المعارف الأساسية التي قوم عليها الفقه ليس معناه إعادة النظر مطلقا في المنتج الفقهي، إذ ليس من غرض درس “فلسفة الفقه” إعادة تشكيل أراء فقهية أو موقف من مسائل فقهية، ذلك أن فلسفة أي علم لا تتدخل في ذلك العلم بصفة مباشرة، بل تساعد المشتغلين به على تقويم المعارف التي يقوم عليه العلم نفسه من جهة وتقويم تلك المعرفة من جهة أخرى، ولا شك أن لهذا المسلك اثر محمود على بعث حيوية في درس الفقه، يسهم في تطوير الثروة الفقهية و استنباط الأحكام.

٧- يسعف التخصص في فلسفة الفقه في اكتشاف الخلفية الفكرية أو المعرفية التي تحكم المفتي أو المحسوب على المفتين، وهو أيسر سبيل لاكتشاف كثير من المحاولات المشوشة على الفقه الأصيل:
– اكتشاف محاولات التكيف القصري مع رغبة الغازي أو الغالب الوقتي. (الفتاوی في هذا المجال لا تكاد تحصی عدا)
– اکتشاف محاولات تأسيس الفقه الضرار الذي يعمل جاهدا على طرد الفقه الأصيل من ثقافة الأمة أو التشويش عليه على الأقل.
– اكتشاف محاولات توطين الفكر الوافد من خلال التأسيس الفقهي لقبول مروره أو التأسيس للسكوت عنه.
– تيسير الكشف عن الفتاوى النشاز المخالفة لما تلقته الأمة بالقبول من الآراء الفقهية المنقولة سلفا عن خلف، كما تيسر لنا بعث حيوية في العلم النقدي في علم الفقه.
٨ – فلسفة الفقه ليس من غرضها إلغاء المذاهب الفقهية، بل على النقيض من ذلك تماما، فيكون مما ترمي إليه حث المنتسبين إلى المذاهب على معرفة مذاهبهم في الطور الأول، ليتسنى لهم المساهمة في تحصيل فلسفة الفقه، و التي تخول لهم تمحيص ما ينسب إلى مذهبهم في الطور الثاني ثم تمحيص ما جادت قرائح الفقهاء من معارف فقهية في الطور الثالث.
٩- لا يمكن التأسيس الموضوعي لتمحيص ما جادت به عقول الفقهاء أو المنتسبين إليهم إلا بمعرفة الأسس التي يقوم عليه الفقه وإنتاجه، وبالتالي يصبح من متطلبات تشجيع تخصص “فلسفة الفقه” تشجيع الدراسات الأصولية المستوعبة لأصول وطرائق الاستنباط، ولهذا فالدعوة لفلسفة الفقه دعوة لتنمية قدراتنا في الدرس الأصولي (أصول الفقه).

10 – يفرض تقويم جهود المنتسبين إلى الفقه من المتأخرين، إحاطة بمجموع المعطيات التي شكلت عقلياتهم وشخصياتهم، وخاصة أولئك الذين خالفوا الأحكام العملية التفصيلية التي دلت عليها النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة، ولا تتلخص تلك المعطيات في الوسط الاجتماعي الذي يحركون (بفتح الراء) فيه أو يتحركون فيه، بل يتعداها إلى البحث في المعارف التي يستندون إليها في عملية الاستنباط، بل يجاوزها إلى اكتشاف الإطار المعرفي النظري الذي يحكم منظوماتهم الفكرية ويرسم اهتماماتهم الاجتماعية،

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الإطار المعرفي النظري الذي يحكم تصورات هذا الفريق أو ذاك، وهذا بدوره يفرض تضافر جهود الباحثين الرساليين و استفادة البحث في فلسفة الفقه من مجموع الجهود المعرفية في إطار شمولي متكامل.

١١- يتعين أن تفهم المقترح وفق ما ورد في سياق الورقة نفسها، فنبتعد عن القول بإعادة النظر في كل الأحكام الشرعية أو المعارف المؤسسة للاستنباط المتضمنة في درس الأصول، فضلا عن الدعوة إلى إعادة النظر في المبادئ المعبر عنها في أدبياتنا بعلوم الآلة من نحو مبادئ العربية وغيرها من المباحث الخادمة لاستنباط الأحكام، ولكنه في ذات الوقت ننبه إلى عدم إسلام النفس لكل ما جادت بها. قرائح الفقهاء أو المنتسبين إلى الفقه.

١٢- يتعامل بحذر مع ما ظهر بأنه قد يؤثر في الموقف من المعرفة الفقهية، وذلك باستصحاب الخلفية النظرية المؤسسة لهذه المعارف التي لها أثر بوجه من الوجوه في إنتاج المعرفة عموما و المعرفة الفقهية على الخصوص أو تمحيصها.

١٣ – ليس من غرض هذه الورقة التأسيس لإعادة النظر في كل المعارف المستصحبة في التأسيس للمعرفة الفقهية القديمة، فليس من غرضنا التأسيس للبداية الصفرية، وهو في ذات الوقت تنبيه للتعامل بحذر مع المعارف التي جادت بها عقول مخصوصة وفق شروط معرفية مخصوصة وفي ظروف خاصة جدا – يعرف كل من تخصص بتلك المعارف -، ذلك أن من الشروط الموضوعية التنبه المستمر إلى الظروف المساهمة في تنشئة المعارف التي يراد استيرادها في تقويم المعرفة الفقهية أو غيرها من المعارف المعبرة عن الخبرة الإسلامية في علوم الشريعة الإسلامية وفق الدلالة العامة للمصطلح.

نؤكد في ختام المقال أننا لسنا في مقام الانتصار إلى ما انتهي إلى بعض الباحثين، وخاصة في قولهم بما يشبه السفسطائية (الحسبانية) الجديدة القائمة كسلفها على أفكار تتدثر بالمغالطة (٢٨)، وتشتم منها رائحة تصفية الحسابات السياسية أو الفكرية بطريق المعرفة.

فنحن لسنا بصدد تصفية حسابات فكرية أو معرفية أو سياسية، أي أننا لا نقصد أي مسلك من المسالك المشار إليه سابقا، بل قصارى ما ترمي إليه تحقيق البلاغ عن الله في الأحكام الفقهية وهذا يفرض تمحيصا دائما ودائبا للمعرفة الفقهية، وهذا بدوره يفرض حيوية مستمرة في تقويم المعرفة الفقهية من خلال التأسيس لفلسفة علم الفقه أو نظرية المعرفة الفقهية، ولا يتأتى بلوغ المراد إلا إذا مكنت المعرفة الفقهية والأصولية من الانتشار في مجتمع الباحثين الأكاديميين المتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية على تنوع تخصصاتهم، فيكون من دواعي دراسة فلسفة علم الفقه إقرار تدریس دراسة الفقه الإسلامي وأصول الفقه في أقسام الفلسفة والدراسات الفكرية فضلا عن تخصص العلوم الإسلامية بمختلف شعبه وتخصصاته الفرعية.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الهوامش

1. القرآن الكريم والسنة المطهرة.
2. الصنف الأول من نحو: ما دل عليه نص الوحي مباشرة أما الصنف الثاني من نحو ما استنبط بطريق القياس.
3- قول الحنفية في استدركهم على أبي حنيفة في قوله الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها و القول منقول عن ابن الهمام. 4. القول المنقول في تعريف الفقه عن جمهور الشافعية انظر کشاف اصطلاحات الفنون 1 /42.
5 – انظر کشاف اصطلاحات الفنون 1 /42.
6. انظر الأحكام في أصول الأحكام/ الأمدي 7/1- 8.
7- شرح تنقيح الفصول/ القرافي 107.
8- انظر: دروس في علم الأصول/ محمد باقر الصدر، الحلقة الأولى 36 بعض الباحثين المهتمين بنظرية المعرفة.
9- نشرت مجلة نقد و نظر في بعض أعدادها.
10- انظر تدريس الفقه الإسلامي في الجامعات/ بحوث المؤتمر الثاني لكلية الشريعة ، جامعة الزرقاء الأهلية الأردن، 1999، و لا سيما البحث الموسوم بفلسفة الفقه وموقعها في تدريس الفقه الإسلامي، صادق العبادي، 137- 156.
11- انظر قضايا إسلامية معاصرة / لصاحبها عبد الجبار الرفاعي، العدد الخامس ، وخاصة المقدمة.
12 – عبد العزيز الثعالبي.
13- انظر ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال و المناظرة/ عبد الرحمن حبنكة الميداني مباحث الكتاب هي ذات مباحث المنطق، قارن هذا المؤلف بكتاب المنطق/ للمظفر.
14- انظر الإحكام في أصول الأحكام الآمدي1 /7-10.
15 – انظر أبجد العلوم / القنوجي2 /70.
16- الآمدي المصدر السابق 9/1.
17- انظر الأمدي المصدر السابق 1 /9. 18 – فلسفة القانون، فلسفة علم الاجتماع، فلسفة التاريخ، فلسفة التربية، فلسفة الرياضيات…
19 – يميل كثيرا إلى بيان فلسفة القضايا المبحوثة بمعنى المقاصد العلامة الأستاذ الدكتور فتحي الدريني، و أغلب ما ذكر أعلاه من كتبه أو بحوثه.
20- ت 399 ق.م.
21- ت 347 ق.م.
22 – ت 322 ق.م.
23 – ت 1704م.
24 – ت 1804م.
25- تكتب باللغة الفرنسية Epistemologie، أما باللغة الإنجليزية فتكتب: Epistemology. انظر الموسوعة الفلسفية الجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين بإشراف م.روزنتال وب يودین 447-448.
26 – المرجع السابق نفسه.
27 – المعجم الفلسفي ص 1.
28- راجع القبض والبسط في الشريعة الإسلامية/ عبد الكريم سروش ، وانظر ما كتبه في قضايا إسلامية معاصرة، وقد كان الرجل و مازال مثار جدل كبير في المجتمع الإيراني.

*- الدكتور عمار جيدل: أستاذ التعليم العالي . كلية العلوم الإسلامية، جامعة الجزائر. مدير مناهج البحث في العلوم الإسلامية. رئيس تحرير مجلة النور للدراسات الفكرية والحضارية، المحكّمة، والتي تصدر في استانبول.

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics