خاص الاجتهاد: «لماذا لا تُعقد مقاعد التفكير الحر هذه في قم؟ ما المانع من ذلك؟ إن حوزاتنا العلمية كانت على الدوام مركزاً ومهداً للتفكير العلمي الحر، وما زلنا إلى اليوم نفخر ولا نجد لها نظيراً في الحلقات الدراسية خارج الحوزة العلمية؛
حيث يشكل الطالب على أستاذه أثناء الدرس ويشتد في النقاش، ولا يشتم الأستاذ منه عداءً ولا غرضاً ولا مرضاً. الطالب يشكل بحرية كاملة دون أي تحرج من أستاذه، والأستاذ بدوره لا يتألم من ذلك مطلقاً ولا ينزعج؛ وهذا أمر في غاية الأهمية. حسناً، هذا دأب حوزتنا. لقد وجد في حوزاتنا العلمية أكابر ممن تسلكوا في الفقه أذواقاً ومناهج متنوعة، وكذا في بعض المسائل الأكثر أصولية؛ فكان فيهم الفيلسوف، والعارف، والفقیه، وعاشوا جميعاً جنباً إلى جنب وعملوا معاً. هذا هو تاريخ حوزاتنا: أحدُهم يتبنى مبنى علمياً، والآخر لا يقبله. ولو طالعتم تراجم العظماء والعلماء لشاهدتم هذا النمط كثيراً». — قائد الثورة الإسلامية الشهيد آية الله الخامنئي
إن الحديث عن التفكير الحر في الحوزة العلمية ليس استجلاباً لمفهوم غريب عن التقاليد الحوزوية؛ بل على العكس تماماً، فإذا قرأنا تاريخ الحوزات الشيعية بدقة أكبر، لوجدنا أن إحدى المزايا المرموقة لهذا التقليد العلمي تمثلت في إمكانية التعايش بين المباني المختلفة—بل والمتعارضة—ضمن فضاء علمي مشترك. فقد كان بوسع الطالب أن يشكل على أستاذه، وكان بإمكان الفقيه ألا يرتضي المبنى الأصولي لأستاذ آخر، كما كان الفيلسوف والمتكلم والفقيه يتحاورون ويتناظرون في جغرافية علمية واحدة رغم الخلافات الجوهرية في المباني، دون أن يُعد أصل الخلاف العلمي خروجاً عن ربقة العلم. وإن تأكيد قائد الثورة الشهيد على هذا السجل التاريخي للحوزة هو في الواقع دعوة لإحياء مأثور تليد، لا لتأسيس سنتٍ جديد!
وعليه، فإن قضية الحوزة اليوم لا تكمن مجرد كمن في التساؤل: هل تُقام “مقاعد التفكير الحر” أم لا؟ بل إن المسألة أعمق من ذلك؛ وتتلخص في: هل ما زالت الحوزة العلمية تعتبر نفسها بيئة تتسع لطرح الأسئلة العلمية الشائكة قبل أن تتضح إجاباتها النهائية أم لا؟ فإذا تقرر ألا يُطرح أي موضوع في الحوزة إلا بعد ملائمة نتائجه مسبقاً مع بعض الفهوم الشائعة، فلن نكون حينئذٍ بصدد “تفكير علمي حر”، بل سنكون أمام تقديم لنتائج متبناة ومسلّم بها؛ في حين أن العلم يبدأ تماماً من النقطة التي لم ينتهِ عندها السؤال وما زال الجواب فيها محلاً للبحث والنظر.
من هذا المنظر، لا ينبغي لـ “مقاصد الشريعة” أن تتحول إلى خط أحمر علمي. فقد يتبنى أستاذٌ ما رأياً في إمكان مقاصد الشريعة، أو نطاقها، أو أدلتها، أو وظيفتها، أو حجيتها، يخالف النظرية السائدة؛ وقد يعتقد فقيهٌ بأن للمقاصد دوراً أكثر فاعلية في عملية الاستنباط، بينما يرى فقيه آخر لها دوراً أضيق؛ بل قد يناقش باحثٌ في أصل بعض الصياغات الحديثة لمقاصد الشريعة. وكل هذه الأمور—ما دامت تجري في إطار المنهج العلمي وعن طريق تقديم الدليل وتقبل النقد—هي مادةٌ للعلم وموضوعٌ للنظر، لا سببٌ للإقصاء والاستبعاد.
غير أن ثمة سؤالاً جاداً يتوجه هنا إلى الفضاء العلمي في الحوزة، ولا سيما في قم: لماذا يُعد أصل طرح المسألة في بعض الأحيان أمراً مريباً حتى قبل فحص أدلتها؟ ولماذا يجد الأستاذ أو الباحث الذي يروم طرح سؤال مختلف حول أحد المباني المسلّمة نفسه مضطراً قبل الدخول في البحث إلى حساب التكاليف غير العلمية لهذا الطرح؟ هل هذه هي الحوزة نفسها التي دفع تقاليدها العلمي الطالب للإشكال على أستاذه واعتبر الاختلاف في المبنى جزءاً من الحياة الطبيعية للعلم؟
وفي هذا الصدد، يجب التمييز بدقة بين “المخالفة العلمية” و”الأساءة العلمية”. فالتفكير الحر لا يعني هتك حرمة الأستاذ أو التغافل عن التراث العلمي للحوزة؛ بيد أن حفظ حرمة الأستاذ لا ينبغي أن يؤول إلى تحصين مبناه من النقد. إن شأن الأستاذ في الحوزة يقتضي منه أن يقف بوجه النقد العلمي، ويقيم الدليل، ويجيب عن الإشكالات، ويراجع مبناه إن دعت الحاجة. فإذا قُدّر للمكانة العلمية للأستاذ أن تتحول دون قصد إلى درع يقي النظرية من النقد، فنحن في الحقيقة نضعف المرجعية العلمية من الداخل بدل أن نعززها.
إن الميزان النهائي في المدرسة الاجتهادية الشيعية هو “الحجية”؛ لا مدى شهرة النظرية ولا حجم الحساسية التي قد تثيرها في الفضاء العام. فإذا طرحت نظريةٌ ما بشأن مقاصد الشريعة، فلا بد من التمكن من مناقشة أدلتها القرآنية، والروائية، والعقلائية، والأصولية، والفقهية؛ ويجب توضيح نسبتها مع النص، والظهور، والإطلاق، والعموم، وسيرة العقلاء، والقواعد الأصولية، والمباني الكلامية؛ كما ينبغي تحرير المراد من “المقصد”، وكيفية إحرازه، ونسبته إلى علة الحكم، وفي أي الظروف يمكن أن يؤثر في الاستنباط.
فإن سقطت نظرية في هذه المحاكمة العلمية، وجب استبعادها بالنقد العلمي، لا أن تُحرم أصل الفرصة في الطرح.
ومن اللطيف أن إحدى المشكلات التي تقع أحياناً في المباحث الحوزوية هي الخلط بين “عدم حجية نظرية ما” و”عدم جواز طرحها”. إذ لا ملازمة بين الأمرين مطلقاً؛ فقد تكون وجهة نظر ما فاقدة للحجية بنظر أرباب الفن، لكن طرحها يبقى ضرورياً للكشف عن نقاط ضعف النظرية وقوتها. إن كثيراً من النظريات العلمية في تاريخ المعرفة بدأت على شكل سؤال أو احتمال، ولم تتخذ صيغتها النهائية إلا بعد مواجهتها للانتقادات الجادة. فالأبحاث التي تمنع من طرح السؤال تجرد نفسها في واقع الأمر من القدرة على توليد إجابات قوية.
وبطبيعة الحال، فإن الدفاع عن التفكير الحر لا يعني القبول العشوائي بأي ادعاء كان؛ إذ لا يمكن للحوزة العلمية أن تخلط بين “الحرية في طرح المسألة” و”الحرية من الضوابط العلمية”. إن الحرية العلمية تعني القدرة على القول: “إنني لا أرتضي هذا المبنى” مع إقامة الدليل عليه، لا أن يُعد كل ادعاء معتبراً لمجرد كونه مختلفاً. إن مقاعد التفكير الحر يجب أن تكون ميداناً لتصادم الدليل بالدليل؛ فكل من يقدم نظرية في مقاصد الشريعة عليه أن يكون مستعداً لتقبل النقد الموجه لأدلتها من قبل الأصولي، والفقيه، والمحدث، والمفسر، بل وحتى الباحثين في العلوم الأخرى. وقد تنتهي هذه العملية إلى تأييد النظرية، أو تعديلها، أو طرحها جانباً؛ وكل هذه النتائج الثلاث صالحة ومفيدة للعلم.
وهنا ينبغي التحرز من سوء فهم تاريخي آخر؛ إذ يُقال أحياناً لدفع منهج أصولي أو رفضه إن المبنى الفلاني “وافدٌ من أهل السنة”، ويكون هذا الانتساب التاريخي كافياً في نظر البعض لإسقاط اعتباره. إن هذا الأسلوب يتطلب دقة أكبر من حيث تاريخ العلم والمنهج الاجتهادي؛ فإن كثيراً من مفاهيم اصول الفقه قد تشكلت في الفضاء المشترك للحضارة الإسلامية، ولا يمكن تفكيكها ببديهية عبر التخوم المتأخرة بين الشيعة والسنة. وما مفاهيم مثل “الإجماع” و”خبر الواحد” إلا نموذج واضح على ذلك. فإن أصل الاهتمام باتفاق الآراء أو نقل خبر الواحد لا يختص بمذهب دون آخر، وله جذور بين المسلمين قبل الصياغات المتأخرة لعلم الأصول؛ غير أن المهم في المدرسة الإمامية هو كيفية تحليل “حجية” هذه المفاهيم.
فعلى سبيل المثال، لا يعني الإجماع في الأصول الإمامية مجرد “أن أغلبية الفقهاء قالوا بذاك”، بل إن قيمته الاستدلالية—بحسب النظرية المشهورة عند الإمامية—تتحقق عندما يكشف بنحوٍ ما عن قول المعصوم. وكذلك خبر الواحد في الأصول الشيعية لم يُقبل لمجرد كونه متداولاً في التراث السني، بل إن حجيته في المنظومة الأصولية الإمامية تتطلب بحثاً مستقلاً في أدلة اعتبار الخبر، ووثاقة الراوي، وسيرة العقلاء، وإمضاء الشارع، وغير ذلك من مباني الحجية. وبناءً عليه، حتى لو كان لأداة علمية أو مفهوم علمي سابقةٌ في المذاهب الإسلامية المختلفة، فلا يمكن جعل مجرد هذه السابقة التاريخية دليلاً على عدم مشروعيته أو عدم حجيته.
وإذا أذعنا لهذا المنطق، وجب علينا القبول بأن “المنشأ التاريخي للفكرة” و”اعتبارها العلمي” مسألتان منفصلتان. فالعلم لا يحكم على النظرية بناءً على هوية تاريخية، بل يحكم عليها وفقاً لأدلتها وقدرتها التبيينية. فإذا كانت النظرية وافدة من خارج التراث الحوزوي لكن أمكن إعادة ترميمها وإثباتها ضمن أطر المباني الاجتهادية، وجب البحث فيها؛ وإذا كانت النظرية ذات سابقة طويلة داخل التراث الحوزوي لكنها تفتقر إلى الدليل الكافي، فلا يمكن تحصينها من النقد لمجرد كونها حوزوية المنشأ.
وفي هذه النقطة بالذات يجب مناقشة “مقاصد الشريعة”؛ فلا يمكن جعلها بديلاً عن النص والدليل المعتبر، ولا يمكن في الوقت نفسه حظر أصل البحث فيها أو التشكيك فيه لمجرد سوء استغلال محتمل. فإن كان لمقاصد الشريعة دورٌ في عملية الاجتهاد، وجب تبيين ذلك الدور بمعايير أصولية دقيقة؛ وإن لم يكن لها دور، وجب إثبات ذلك بالاستدلال. أما الطريق الثالث—أي إهمال طرح المسألة أساساً لئلا تتزعزع المباني السائدة—فهو مما لا يأتلف مع روح الاجتهاد.
ولعل من المآخذ الجادة اليوم أن يُتحدث أحياناً عن “مقاعد التفكير الحر”، ولكن يُمارس عملياً تجاه بعض الأساتذة وبعض الموضوعات نوعٌ من الخطوط غير المكتوبة التي تعمل بصارمة أشد من أي لائحة تنظيمية. فقد يُدعى المرء رسمياً للحوار العلمي، ولكنه عندما يطرح مسألة حساسة من زاوية مختلفة، يُواجه بالسؤال: “هل هذا الكلام مما ينبغي أن يُقال في الحوزة؟” إن هذا السؤال يكون وجيهاً تماماً إذا كان ينظر إلى الملاحظات العلمية؛ أما إن كان معناه أن بعض المسائل يجب ألا تدخل ميدان النقد لمجرد حساسيتها أو لكونها محلاً للخلاف سابقاً، فهذا ليس من منطق الاجتهاد في شيء.
لا يمكن للحوزة أن تعتبر نفسها وارثةً لتقليد التفكير الحر وتتهرب في الوقت نفسه من المواجهة الحقيقية مع الاختلافات العلمية. فإذا كانت مقاعد التفكير الحر صُممت لتُعقد فقط في الموضوعات التي لا كلفة للاختلاف فيها، فإن هذه المقاعد ستكون أشبه بالطقوس الرسمية للتفكير الحر منها إلى التفكير الحر ذاته. إن التفكير الحر يتجلى معنىً عندما يكون الموضوع محلاً للنزاع حقاً، ويتمكن الطرفان من عرض مبانيهما دون تلعثم، ويكون التحكيم النهائي للدليل لا للانتماءات الصنفية والهوية.
إن الحوزة العلمية إذا أرادت أن تظل “مهداً للتفكير العلمي الحر”، فعليها التحرّز من تحويل الخلاف العلمي إلى خلاف هوية. إن طرح سؤال مختلف من قبل باحث حول مقاصد الشريعة، أو فلسفة الفقه، أو نسبة العقل إلى النقل، أو نطاق حجية الخبر، أو دور العرف، أو العلاقة بين الفقه والأخلاق، أو أي مسألة أساسية أخرى، لا يشكل بحد ذاته تهديداً للحوزة. بل إن التهديد الحقيقي يكمن في أن تصل الحوزة إلى مرحلة تُعد فيها بعض الأسئلة غير مشروعة قبل فحصها، وتُحاط بعض الإجابات بالقداسة قبل الاستدلال عليها.
إن الخط الأحمر للعلم هو “فقدان الدليل” لا “المساءلة والتساؤل”؛ والخط الأحمر للاجتهاد هو “الفوضى والانفلات” لا “اختلاف وجهات النظر”؛ والخط الأحمر للحوزة هو “الخروج عن الحجية” لا “تجاوز العادات العلمية المستقرة”. فلو كانت مقاصد الشريعة نظرية غير صائبة، فإن الأمثل في مواجهتها هو عقد منصة علمية جادة يعرض فيها الموافق والمخالف أدلتهما؛ فالنظرية الضعيفة تُعرف وتُرد بشكل أفضل في ميدان النقد العلمي، أما النظرية التي تُحرم من أصل الظهور في الميدان، فلا هي رُدّت ولا هي أُثبتت، بل أُحيطت بالصمت لا غير.
إن الحوزة التي لا تهاب الخلاف العلمي تزداد قوةً بالخلاف المنضبط؛ إذ إن الحقيقة فيها لا تحتاج إلى دعم إداري أو عرفي أو فئوي. فالحقيقة إن كانت حقيقة ستزداد ثباتاً وسترسخ أقدامها أمام السؤال والنقد. ولعل من أهم مصاديق تحقق التفكير الحر في الحوزة اليوم هو أن ندخل في أمهات مسائل المعرفة الدينية—ومنها مقاصد الشريعة—لا بسبق القبول ولا بسبق الرفض والاطراح، بل بفرضية “السبر الدقيق والمنهجي للمسألة”. فهذه هي الروح التي تبقي الاجتهاد حياً، وتحول الحوزة من مدرسة لتكرار إجابات الماضي إلى مؤسسة للفهم المستمر للدين في مواجهة القضايا المستحدثة.
بقلم: حجة الإسلام علي إلهي الخراساني، عضو الهيئة العلمية في مؤسسة البحوث الإسلامية.
الاجتهاد موقع فقهي