خاص الاجتهاد: إنّ التعرّف على الوجوه المتمايزة في المنهج الاجتهادي لآية الله السيد موسى شبيري الزنجاني (رضوان الله تعالى عليه)، إذا اقتصر على مجرد إحصاء الفتاوى المخالفة للمشهور، فسوف يعجز عن الوصول إلى العناصر المنهجية لاجتهاده. فالأهمية في الأمثلة الآتية لا تكمن في مجرد التفاوت في النتيجة الفقهية، بل في دراسة المراحل التي يقطعها الفقيه للانتقال من الدليل إلى النتيجة؛ ومن ثمّ فإن عنوان الدليل بمفرده لا يكفي لإثبات المدّعى، بل لا بد من إحراز مستوى الكاشفية، وحدود الدلالة، والنسبة بين مقدمات الاستدلال والنتيجة النهائية بدقة.
۱. الإجماع: من اصل الكاشفية إلى تحديد المتعلَّق
عند الإمامية — وخلافاً للرأي الذي يرى الإجماع دليلاً مستقلاً في عرض الكتاب والسنة — فإنّ حجية الإجماع تعود إلى كاشفيته عن تقرير المعصوم (عليه السلام). وبمعنى آخر: إنّ الإجماع وإن كان يقع ظاهراً إلى جانب سائر الأدلة، إلا أنه في التحليل النهائي يقع في طول السنة وكاشفٌ عن موقف المعصوم. ولإثبات هذه الكاشفية، طُرِحت طرقٌ متعددةٌ يواجه كلٌّ منها إشكالاتٍ خاصة.
فـ الطريق الدخولي — الذي نُسِب إلى السيد المرتضى والمحقق الحلي وصاحب المعالم — يبتني على إحراز دخول شخص الإمام ضمن المجمعين (السيد المرتضى، الذريعة، ج۲، ص۶۲۴؛ المحقق الحلي، المعتبر في شرح المختصر، ج۱، ص۳۱؛ العاملي، معالم الدين، ص۱۷۳). ومع ذلك، فإنّ إحراز مثل هذا العلم في الخارج غالباً ما يكون غير ممكن (النائيني، فوائد الأصول، ج۳، ص۱۵۰). أما الطريق اللطفي — الذي مال إليه السيد المرتضى في فترةٍ ثم عدل عنه — فيبتني على أنّ اتفاق فقهاء عصرٍ ما، مع فرض مخالفتهم لرأي الإمام، لا يتلاءم مع الواجب الإلهي في تقريب العباد إلى الطاعة؛ إلا إذا نوّههم الإمام على الخطأ عن طريق التصرف أو إظهار المخالفة (السيد المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، ج۱، ص۳۱۱؛ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ج۲، صص۶۲۹-۶۳۰). ومع ذلك، فقد وُجّهت إليه إشكالات؛ منها كيفية انطباق هذه القاعدة على عصر الغيبة (الحائري، الفصول الغروية، صص۲۴۵-۲۴۶؛ النائيني، فوائد الأصول، ج۳، ص۱۵۰؛ الخوئي، مصباح الأصول، ج۲، ص۱۶۰).
أما الطريق الحدسي، فهو الآخر يواجه صعوبةً بالغة نظرًا لاختلاف الإجماعات المنقولة عبر التاريخ وتعارض آراء الفقهاء في العصور المختلفة؛ إذ إنّ وجود إجماعاتٍ متعارضة يمكن أن يكشف عن أنّ ما كان يُعَدّ إجماعاً في عصرٍ ما لم يكن مقبولاً في عصرٍ آخر. ومن ثمّ فإن مجرد توافق جماعةٍ من الفقهاء، دون إحراز المنشأ وكيفية اتصاله برأي المعصوم، لا يكفي لإثبات الحجية.
وفي قبال هذه الآراء، طُرِح في التقرير الخاضع للدراسة الطريق التقريري بوصفه المبنى الأصحّ في حجية الإجماع: فالإجماع — أو حتى الشهرة القدمائية — في مسألةٍ أصلية وعامة الابتلاء، إذا لم يُنقل فيها ردعٌ عن المعصوم، يمكن أن يكشف عن طرح تلك الفتوى بمَرْأًى ومَسْمَعٍ من الإمام (عليه السلام)، وبالتالي يكشف عن تقريره لها. وقد ورد في النص: «يبدو أن المبنى الصحيح في حجية الإجماع هو منهج التقرير هذا». وبناءً على هذا، يجب فهم تحليل الإجماع التعليقي والإجماع المركب بوصفه نتيجةً لهذا المبنى، لا بوصفه لازماً قطعياً لجميع المباني المطروحة في باب الإجماع.
وعلى أساس هذا المنهج، يجب التفكيك بين الإجماع التنجيزي والإجماع التعليقي. ففي الإجماع التعليقي، يتشكل اتفاق الفقهاء على حكمٍ ما على فرض تحقق أمرٍ آخر. فإذا كان ذلك الأمر الآخر بنفسه محلَّ نزاع، فإنّ سکوت الإمام بالنسبة إلى الكبرى التعليقية لا يدلّ لزوماً على التقرير؛ لأن تحقق الكاشفية التقريرية مرهونٌ بأن يكون الموضوع والمسألة المطروحة معرضاً بالفعل للبيان والابتلاء في زمان المعصوم.
ونشاهد هذا الانضباط نفسه في تحلیل الإجماع المركب أيضاً. فالإجماع المركب يتشكل في موارد اختلاف الفقهاء في الملاك أو في صورة المسألة مع اتفاقهم على نفي القول الثالث. وفي مثل هذه الموارد، يجب أولاً بحث ما إذا كان الإجماع المركب يعود إلى الإجماع البسيط أم لا. فعلى سبيل المثال، في مسألة بطلان تعليق العقود على أمرٍ استقبالي معلوم الحصول، ذهبت جماعةٌ إلى أن ملاك البطلان هو الجهالة، بينما اعتبرت جماعةٌ أخرى أن الملاك هو كون الأمر استقبالياً. وبناءً عليه، فإن دعوى الشيخ الأنصاري الإجماعَ على بطلان التعليق (الأنصاري، المكاسب، ج۳، ص۱۶۴) لا ترجع ببساطة إلى الإجماع البسيط؛ لأن الاتفاق على النتيجة مقترنٌ بالاختلاف في ملاك الحكم. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبارها — دون مزيدٍ من الفحص — كاشفةً عن الاتفاق على حكمٍ بسيطٍ وواحد. فضلاً عن أن قبول إمكان إحداث قولٍ جديد في المسائل المختلفة فيها — كما نُقِل عن الشهيد الثاني (الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج۷، ص۱۳۵) — يمنع من كون مجرد نفي القول الثالث ملازماً للحجية دون إحراز الشروط الأخرى.
وعليه، فإنه حتى في الموارد التي يمكن فيها إرجاع الإجماع المركب بنحوٍ ما إلى الإجماع البسيط، يجب البحث بصورةٍ مستقلة عما إذا كان هذا الاتفاق كاشفاً تاريخياً وعرفياً عن تقرير المعصوم أم لا. فمجرد إمكان التحليل المنطقي للإجماع المركب إلى إجماعٍ بسيط، دون إحراز اتصاله بعصر المعصوم وجهة اتفاق الأصحاب، لا يكفي لإثبات الحجية.
ويظهر وجهٌ آخر لهذا الانضباط في التحديد الدقيق لمتعلَّق الإجماع. ففي كل دعوى إجماعٍ لا بد من توضيح ما إذا كان الاتفاق شاملاً للجانب الإيجابي والسلبي معاً للقضية، أم مقتصرًا على أحدهما؛ وهل يختص الإجماع بأصل المسألة أم يشمل فروعها أيضاً؛ وهل يتعلق الإجماع بجميع المصاديق أم يختص بالأفراد المتعارفة والمبتلى بها فقط. كما يجب التفكيك بين الإجماع على الصغرى والإجماع على الكبرى، وكذا بين الإجماع على تمام العبارة والإجماع على جزءٍ منها.
فعلى سبيل المثال، إنّ دعوى الإجماع على اختصاص المضاربة بالنقدين لا تعني لزوماً الإجماعَ على نفي صحة المضاربة بغير النقدين؛ ولذا لم يرتضِ المحقق الخوئي هذا الفهم (الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، ج۳۱، ص۱۱). وكذلك في بحث خمس فاضل المؤونة السنوية، فإنّ الإجماع على ثبوت الحكم في إحدى الصور لا يثبت بمجرده الإجماعَ على نفي الحكم في الصور الأخرى (النائيني، فوائد الأصول، ج۳، ص۲۳۱؛ البروجردي، نهاية الأصول، ص۵۴۹).
وفقاً لهذا، فإن الوجه المتمايز الذي يمكن استخراجه من هذا المقطع ليس مجرد نفي حجية الإجماع، بل تحديد متعلَّق الإجماع وسَبْرُ مدى كاشفيّته الحقيقية؛ بحيث لا يُستخرج من العنوان الكلي للإجماع نتيجةٌ تتجاوز القَدْرَ المُثبَت منه..
۲. ألفاظ المنع: التفكيك بين المدلول ومنشأ إلزام
في حقيقة النهي، طرح الأصوليون آراءً مختلفة؛ فبعضهم يرى أن هيئة النهي موضوعة للحرمة، وبعضهم لطلب الترك، وبعضهم للجامع وهو الزجر (الميرزا القمي، القوانين المحكمة، ج۱، ص۲۱۸؛ الحائري، الفصول الغروية، ص۱۱۹؛ الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ص۱۲۹؛ الإمام الخميني، تهذيب الأصول، ج۲، ص۱۱). وتكمن أهمية التحليل الخاضع للدراسة في أنه لا يرى ملازمةً بلا واسطة بين المدلول الأولي لهيئة النهي والنتيجة النهائية، أي الحرمة التكليفية.
فبناءً على هذا التحليل، إذا كان المدلول الأولي لهيئة النهي هو الزجر الاعتباري، فإن هذا المدلول بمفرده لا يستوعب جميع خصوصيات الزام. بل يُفهم الزام من ناحية مقام المولوية وبملاحظة بناء العقلاء؛ بمعنى أنه في العلاقات المولوية، ما لم يثبت الترخيص من قبل المولى، يُعَدّ طلب الترك إلزامياً. وعليه، يجب التفكيك بين المدلول الوضعي للهيئة، وظهورها في مقام الاستعمال، ومنشأ انتزاع إلزام.
وهذا التفكيك نفسه ضروريٌّ في تحلیل الصيغ المختلفة للمنع. فبالنسبة لتعبير «لا ينبغي»، فإن استعماله في كلمات المتأخرين غالباً ما يُحمل على الكراهة (الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، ج۶، ص۲۲۲؛ المصدر نفسه، ج۲۲، ص۲۲۲؛ النجفي، جواهر الكلام، ج۸، ص۲۷۲). ومع ذلك، فإن مراجعة الاستعمالات الروائية وكلمات المتقدمين تُظهر أن هذا التعبير لا ينحصر لزوماً بالمعنى الاصطلاحي للكراهة (البحراني، الحدائق، ج۲، ص۲۶۱؛ ابن منظور، لسان العرب، ج۱۲، ص۷۷).
ومن حيث الجذر المعنوي أيضاً، لا ينبغي أن يبتني تحلیل التعبير على مجرد معنى «الإمكان» فحسب؛ بل يمكن اعتباره ناظراً إلى الموافقة مع القاعدة أو القانون أو المقتضى المناسب، وهو أعمّ من الزام وغير الزام. ونتيجةً لذلك، إذا أُوردت عبارة «لا ينبغي» في مقام بیان الحكم الشرعي ودون قرينةٍ خاصة، فقد ينساق ظهورها العرفي نحو المنع الشديد أو الحرمة؛ ولكن هذه النتيجة يجب إحرازها بملاحظة السياق ومقام البيان والقرائن المقترنة بها، ولا يمكن تقديمها في جميع الموارد كقاعدةٍ كليّة لا تقبل الاستثناء.
وفيما يتعلق بـ «لا يجوز»، يجب الحذر من التعميم السريع للفرق بين المتقدمين والمتأخرين. فالذي يُستفاد من بعض الموارد المبحوثة هو أن «الجواز» استُعمل في بعض التطبيقات بمعنى نفي مطلق المنع؛ فعلى سبيل المثال، استخدم الشيخ الطوسي تعبير «يجوز» في بحث النظر إلى غير العورة من المرأة التي يرغب الشخص في التزوج منها (الطوسي، الخلاف، ج۲، ص۲۲۷). وهذا الشاهد يمكن أن يكون مؤثراً في تحلیل الفضاء المعنوي للتقابل بين «يجوز» و«لا يجوز»؛ ولكنه بمفرده لا يكفي لإثبات قاعدةٍ عامة تشمل جميع استعمالات «لا يجوز» عند المتقدمين. ولذا، يجب دراسة كل استعمالٍ بملاحظة سياقه وقرائنه.
أما بالنسبة لـ «لا أحب»، فمن الضروري التفكيك بين ثلاثة مستويات: المعنى الوضعي للتعبير، وظهوره في مقام البيان، والنتيجة الفقهية الحاصلة من القرائن. ففي بعض الروايات، يمكن لسياق الكلام ومقام البيان أن يقوّيا ظهور «لا أحب» في المنع الشديد أو الحرمة؛ فعلى سبيل المثال، في روایت أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حق أهل البيت (عليهم السلام)، فإن دراسة التعبير المذكور إلى جانب موضوع الرواية والقرائن الموجودة يمكن أن تكون مؤثرةً في تعیین الحكم (الطوسي، تهذيب الأحكام، ج۷، ص۲۷۷؛ العريضي، مسائل علي بن جعفر، ص۱۱۸؛ الكليني، الكافي، ج۱، ص۵۲۵؛ المصدر نفسه، ج۶، ص۵۱۶).
ومع ذلك، لا يمكن عدّ مجرد استعمال «لا أحب» مساوياً للحرمة في جميع الموارد؛ إذ يمكن أن يُحمل هذا التعبير في بعض السياقات على المنع الشديد، وفي موارد أخرى — مع وجود القرينة — على الكراهة. وعلى هذا، فإن تعیین النتيجة النهائية مرهونٌ ببحث القرائن المقامية، ومقايسة الاستعمالات المشابهة، والالتفات إلى موضوع الحكم. والوجه المتمايز لهذا التحليل يكمن في تحاشي المماثلة المباشرة بين تعابير المنع والحكم الشرعي النهائي، وإيجاد فاصلٍ تحليلي بين الوضع والظهور والنتيجة الفقهية.
۳. تناسب الحكم والموضوع: من الأداة العرفية إلى تحديد نطاق الخطاب
يُعَدّ تناسب الحكم والموضوع من الأدوات المهمة في الفهم العرفي للأدلة، ويمكن أن يؤدي إلى توسعة نطاق المدلول وإلى تضييقه معاً. ففي الحالة الأولى، قد يؤدي تناسب الحكم والموضوع إلى إلغاء الخصوصية، وفي الحالة الثانية قد يكون منشأً لانصراف بعض الأفراد عن إطلاق الدليل. وفي هذا الأثناء، لا بد من التفكيك بين إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط.
ففي إلغاء الخصوصية، لا يلزم أن يحرز الفقيه مناط الحكم بصورةٍ تفصيلية؛ بل يكفي ألا يرى العرفُ للخصوصية المذكورة في الخطاب دخلاً في ثبوت الحكم، وأن يفهم منه معنىً أوسع. أما في تنقيح المناط، فإن تعدية الحكم إلى موردٍ آخر تبتني على إحراز وحدة المناط. وإحراز المناط في مجال الأحكام الشرعية يتوقف على معرفة مباني الشريعة، ودراسة الأحكام المشابهة، والالتفات إلى المذاق العام للشارع؛ ومن ثمّ لا يمكن مساواته بمجرد المشابهة الظاهرية بين موردين.
ولتوضيح آليّة تنقيح المناط، طُرِح في التقرير الخاضع للدراسة حديثُ «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج۲۷، ص۲۶، ح۱۶). فبناءً على المثال الفرضي، لو أُخذ لفظ «مسلم» في هذا الحديث بمعنى خصوص الرجل المسلم، فقد يتعدى الفقيه بالحكم إلى المرأة المسلمة من خلال إحراز مناط الحكم، وهو لزوم تعلم التعاليم الدينية. ومع ذلك، فقد صُرّح في هامش هذا البحث نفسه بأن شمول الحديث للمرأة المسلمة ليس من باب تنقيح المناط ولا إلغاء الخصوصية؛ بل لأن المشتق «مسلم» موضوعٌ للجامع بين الذكر والأنثى. وبناءً عليه، فإن هذا المثال إنما طُرِح لتقريب آلية تنقيح المناط فحسب، ولا ينبغي اعتباره مصداقاً حقيقياً لتنقيح المناط في تحلیل الكاتب.
والنموذج الأوضح لإلغاء الخصوصية هو تعميم حكم إفطار الصائم من المورد الخاص وهو خوف الضرر على العين بسبب الرمد إلى مطلق خوف الضرر البدني. ففي هنا، المتفاهم العرفي هو أن لخصوصية الضرر بالعين دخلاً مستقلاً في الحكم، بل الملاك هو خوف الضرر البدني؛ وإن كان لا يمكن — دون دليل — توسعة الحكم من الضرر البدني إلى الضرر مالی أو العرضي (الكليني، الكافي، ج۴، ص۱۱۸، ح۴). وعليه، فإن إلغاء الخصوصية يخضع بدوره لحدود الفهم العرفي، ولا يمكن استخراج توسعةٍ عشوائيةٍ منه.
أما في جانب التضييق، فقد يؤدي تناسب الحكم والموضوع إلى الانصراف. ومع ذلك، فإن مجرد الغلبة الوجودية لا يكفي لتحقق الانصراف؛ بل لا بد أن يكون اللفظ — بغض النظر عن الانصراف — صالحاً للانطباق على الفرد المنصرف عنه. ولذا، فإن انصراف لفظ «الحيوان» إلى غير الإنسان أمرٌ قابلٌ للتصور، بينما لا ينصرف تعبير «رجل» عن المرأة؛ لأن المرأة أساساً ليست مصداقاً موضوعياً يصلح لفظ «رجل» للانطباق عليه. وكذلك عنوان «العالِم» لا ينصرف عن الفرد الأعلم لكونه نادراً؛ لأن مجرد الندرة، دون وجود تناسبٍ مؤثر بين الخصوصية الغالبة والحكم، لا يثبت الانصراف.
كما يلعب تناسب الحكم والموضوع دوراً في تشخيص الموضوعية یا الطريقية للعنوان المأخوذ في الدليل. فعلى سبيل المثال، في فرض كراهة صوم الضيف دون إذن المضيف، قد يُستفاد من تناسب الحكم والموضوع أن عنوان «الإذن» هنا طريقٌ لإحراز رضا المضيف، لا أن للإذن موضوعيةً كأمرٍ مستقل. وفي المقابل، في بعض أبواب المعاوضات، قد تكون للإذن موضوعيةٌ فلا يحل محلّه مجرد إحراز الرضا الباطني. ولذا، فإن تعیین موضوعية العنوان أو طريقيته يجب أن يتم بناءً على القرائن والتناسبات العرفية.
والنتيجة، فإن الوجه المتمايز الذي يمكن استخراجه من هذا المقطع ليس ادعاء ابتكار أصل تناسب الحكم والموضوع، بل تطبيقه المنضبط في تحديد نطاق الخطاب، وتشخيص موارد التوسعة والتضييق، والتفكيك بين العنوان الموضوعي والطريقي.
۴. التفكيك بين حيثيات الولاية: من ظاهر الرواية إلى دلالة المتعلَّق
في بحث ولایة الأم على نكاح الولد، وبغض النظر عن الأدلة الخاصة، فإن الأصل الأولي هو عدم الولاية. فالعمومات من قبيل تسلط الأشخاص على حقوقهم وأموالهم ووجوب الوفاء بالعقود، لا تثبت بمفردها صلاحية الشخص لإيجاد تعهدٍ أو إنشاء عقدٍ نيابةً عن غيره. ولذا، فإن نفوذ العقد الذي تعقده الأم للولد يحتاج إلى دليلٍ خاص أو إحراز النيابة والوكالة.
والأدلة الخاصة يجب دراستها أيضاً مع التفكيك بين الحيثيات والالتفات إلى متعلَّق نفي الولاية. ففي بعض الروايات، نُفِيت ولاية غير الأب، وقد استدل بها صاحب الرياض وصاحب الجواهر (الطباطبائي، رياض المسائل، ج۱۱، صص۷۳-۷۴؛ النجفي، جواهر الكلام، ج۲۷، ص۱۸۱). ومع ذلك، فإن لسان هذه الروايات ليس واحداً؛ إذ ورد في قسمٍ منها: «يستأمرها كل أحد ما عدا الأب»، بينما استخدمت رواياتٌ أخرى تعبير: «لا ينقض النكاح إلا الأب» (الكليني، الكافي، ج۵، ص۳۹۳).
إنّ الاستناد إلى الرواية الأولى — بالنظر إلى اختصاصها بالبنت البالغة — لا يكفي لإثبات نفي ولاية الأم في جميع الموارد. ومن جهةٍ أخرى، فإن عبارة «لا ينقض النكاح إلا الأب» حتى مع فرض قبول دلالتها على نفي ولاية الأم، لا تنفي مباشرةً الولايةَ على أصل إنشاء النكاح؛ إذ قد يكون متعلَّق النفي في الرواية هو الولاية على نقض العقد وفسخه، لا الولاية على إيجاده وإنشائه. وعليه، يجب التفكيك بين الولاية على أصل النكاح، والولاية على الإجازة أو الرد أو النقض.
وهذه الدقة نفسها ضروريةٌ في تحليل الرواية التي زوّجت فيها الأمُّ شخصاً في غيابه (الكليني، الكافي، ج۵، صص۴۲۱-۴۲۲). فقد استدل صاحب الرياض بترَك الاستفصال من الرواية على بطلان نكاح الأم حتى بالنسبة للولد غير البالغ (الطباطبائي، رياض المسائل، ج۱۱، ص۷۴).
ومع ذلك، فإن هذا الاستدلال يتطلب البحث من جهتين:
الأولى: من جهة السند؛ حيث وُجِّه إشكالٌ رجالي لإسماعيل بن سهل الدهقان (النجاشي، رجال النجاشي، ص۲۸). ولذا، وقبل الاستناد القطعي إلى ضعف السند، يجب فحص تمام سلسلة السند والعبارة الدقيقة للمصدر الرجالي. كما أن توجيه صاحب الرياض لجبر ضعف السند بالاستناد إلى موافقة الأصل والشهرة (الطباطبائي، رياض المسائل، ج۱۱، ص۷۵) يحتاج إلى تقييمٍ مستقل، ولا ينبغي تقديمه — دون التصريح بصاحب هذا التحليل — برأيٍ قطعي لآية الله الشبيري (رحمه الله).
الثانية: من جهة الدلالة؛ إذ إنّ موضوع الرواية هو «رجل»، وتعميمه إلى الشخص غير البالغ — بالنظر إلى ذيل الرواية الذي يناط فيه قبول النكاح أو رده بإرادة «المتزوِّج» — يحتاج إلى دليل. وعليه، لا يمكن اعتبار مجرد وقوع التزويج في غياب الشخص دون فحص موضوع الرواية والشروط المذكورة فيها دليلاً كافياً لنفي ولاية الأم بالنسبة لجميع الأفراد.
وبناءً على هذا، فإن روايات لزوم إذن الأب في زواج البنت (الكليني، الكافي، ج۵، صص۳۹۱-۳۹۴؛ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج۷، ص۳۸۳) — حتى على فرض قبول دلالتها على نفي الولاية المستقلة للأم — لا تكفي بمفردها لنفي جميع الصور المحتملة للولاية؛ ومنها الولاية الجزئية أو الولاية في فرض فقدان الأب. وهذا الكلام لا يعني إثبات ولاية الأم في هذه الصور، بل يبين فقط أن نفيها يحتاج إلى دليلٍ مستقل وبحثٍ منفصل.
والوجه المتمايز في هذا المقطع هو الالتفات إلى المتعلَّق الدقيق لنفي الولاية والتفكيك بين الولاية على الإنشاء، والإجازة، والرد، والنقض؛ بنحوٍ لا يُستخرج به من روايةٍ واحدة حكمٌ أوسع من طاقتها الدلالية.
الخاتمة
تتقارب النماذجُ الأربعةُ المبحوثةُ —على الرغم من تباين موضوعاتها— في نمطٍ من الانضباط الاستظهاري وتحديد نطاق الاستدلال؛ ففي بحث الإجماع، يُرَكَّزُ على تحديد متعلَّق الإجماع وسَبْرِ مدى كاشفيّته عن تقرير المعصوم؛ وفي بحث الفاظ المنع، يُفصَلُ بين المعنى الوضعي، والظهور في مقام الاستعمال، والنتيجة الفقهية؛ وفي بحث تناسب الحكم والموضوع، تُراعى حدودُ التوسعة والتضييق العرفيَّين للخطاب، والفرقُ بين إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط؛ وفي بحث ولاية الأمّ، يُبحَثُ المتعلَّقُ الدقيق لنفي الولاية والتمايزُ بين الحيثيات المختلفة للعقد.
وبناءً على ذلك، يمكن القول في إطار النماذج المبحوثة: إنّ أحدَ الوجوه المميِّزة للمنهج الاجتهادي لآية الله السيد موسى شبيري الزنجاني (دام ظلّه) هو التحرّزُ من التسرّع في التعدّي عن عنوان الدليل أو ظهوره البدويّ إلى نتيجةٍ أوسع، دون إحراز شرائط الكاشفية، وحدود الدلالة، والنسبة المنطقية بين المقدمات والنتيجة.
بطبيعة الحال، لا تعني هذه الميزة بحدّ ذاتها انحصارَ هذا المنهج فيه أو إثباتَ الأسبقية التاريخية المطلقة له؛ إذ يتطلّبُ ادّعاءٌ كهذا مقارنةً مستقلةً وشاملةً مع آثار المتقدمين في كل مسألة على حدة. وإنما النتيجةُ التي يمكن استخلاصُها بقدرٍ أكبر من الاحتياط هي وجودُ أُنْمُوذَجٍ مُنْسَجِمٍ في النماذج المبحوثة يرتكز على تحديد نطاق الدليل، وتفكيك الحيثيات، والامتناع عن توسعة النتيجة بما يتجاوز القدرَ المُثْبَتَ منها.
الاجتهاد موقع فقهي