الاجتهاد: أكد سماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني، في معرض بيانه للفراغات الحاصلة بعيد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مجالات تفسير القرآن، وبيان الأحكام، والإجابة عن الشبهات، والحدّ من البدع، أن الأمة الإسلامية لم تكن قد بلغت مستوى من الكمال يتيح لها معالجة هذه الفراغات، مشدداً على أن وجود شخصية تحظى بالعلوم والمعارف النبوية كان أمراً ضرورياً لسد تلك الفجوات.
وفقا للاجتهاد: تناول المرجع الديني سماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني، في الجلسة الثالثة من دروسه للطلاب ضمن الفعاليات الصيفية لمدرسة «دار العلم» المقام في مدرسة ميرزا جعفر (جامعة العلوم الإسلامية الرضوية)، في مشهد المقدسة، تبيين ماهية الإمامة وضرورة وجود الإمام بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
وأشار سماحته إلى المباحث المطروحة في الجلسات السابقة حول ماهية الإمامة قائلاً: كان مدار بحثنا اليوم -سوى البحثين السابقين- حول معرفة ماهية الإمامة؛ وهل إن ماهيتها عند الشيعة هي عين ما عليه أهل السنة، أم أن هناك ماهيتين متباينتين؟ وقد خلصنا إلى أنهما ماهيتان متباينتان؛ فالإمامة عند الشيعة من أصول الدين، في حين أنها عند أهل السنة من الفروع.
وأضاف المرجع الديني: كان محور بحثنا الساخن يدور حول وجود نظريتين في الإمامة: الأولى نظرية النص والتنصيب، ومفادها أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو من ينصب الإمام؛ والنظرية الأخرى ترى أن الأمر موكول إلى اختيار الناس. وقد قلنا: لو درس باحث محايد القضية، متسائلاً: هل كانت المصالح آنذاك تتطلب أن ينصّب النبي (صلى الله عليه وآله) إماماً، أم كانت المصلحة تقتضي تفويض الأمر إلى الأمة؟ لتوصل إلى أن المصالح دعت بحتمية إلى التنصيب من قبل النبي (صلى الله عليه وآله)، لا إلى إهماله وتفويضه للناس.
وتابع آية الله السبحاني: واليوم نسلك طريقاً آخر لإثبات المسألة عينها. والفرق أن بحث الأمس كان يتناول البعد السياسي، بينما بحث اليوم ينصب على البعد العلمي والداخلي. بالأمس كنا ندرس المسألة من الخارج، واليوم ندرسها من الداخل؛ فنقول إن شهادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أو وفاته خلفت فراغات عميقة؛ فكيف تُسد هذه الفراغات بعد رحيله؟
ولفت سماحته إلى أن مسألة اليوم تتعلق بالفراغات الناشئة عقب رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)، موضحاً: كان للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى جانب مقام الوحي مناصب أخرى؛ أولها: تفسير القرآن، وثانيها: بيان الأحكام، وثالثها: الإجابة عن أسئلة الناس، ورابعها: الصد دون ورود البدع في الدين الحنيف.
وأردف سماحته: لقد أوردنا شواهد هذه الأمور الأربعة في اليوم الأول من حياة النبي (صلى الله عليه وآله). والان لننظر كيف غدا الأمر بعد رحيله؛ إذ تتراءى أمامنا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لا أبالياً ومحياداً تجاه هذه الأمور؛ بمعنى أن يقول: لا يعنيني ما يحدث بعد رحيلي، فسر القرآن أم لم يفسر، بينت الأحكام أم لم تبين، أجيب عن الأسئلة أم لا، وُضعت البدع أم لم تُوضع.
الاحتمال الثاني: أن تكون الأمة الإسلامية قد بلغت من الكمال والمعرفة درجةً تمكنها بعد النبي من النهوض بهذه المهام الأربع بمفردها؛ فتفسر القرآن، وتبين الأحكام المستحدثة، وتجيب عن الأسئلة، وتمنع من ظهور البدع في الدين.
الاحتمال الثالث: أن يأتي بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنسان كفء وصالح، قد تربى في مدرسة الغيب، ونشأ تحت رعاية النبي (صلى الله عليه وآله) والملأ الأعلى، وحمل ذات العلوم النبوية، ليضطلع بهذه المهام الأربع؛ فيفسر القرآن، ويبين الأحكام، ويجيب عن الأسئلة، ويسد الطريق أمام البدع.
وشدد سماحته على عدم قابلية الاحتمال الأول للقبول، قائلاً: مما لا شك فيه أن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) الذي أقام هذا النظام وقدّم في سبيله كل هذه الدماء والشهداء، لم يكن ليزهد في مستقبل أمته. فلا نحن نقول بصحة الاحتمال الأول ولا أهل السنة يقولون به. وعليه، فإن مدار البحث يتركز في الاحتمالين الثاني والثالث.
وأوضح المرجع السبحاني: يفترض الاحتمال الثاني أن الأمة بلغت من الكمال ما يتيح لها القيام بالمهام الأربعة. ونحن نقول: إن من يطالع التاريخ يجد أن الأمة الإسلامية لم تملك قط مثل هذا الكمال؛ لا بمعنى أنها كانت عارية عن كل كمال، بل بمعنى أنها لم تحز الكمال الكافي لحمل هذا العبء الثقيل.
الأمة الإسلامية لم تبلغ بعد النبي (صلى الله عليه وآله) رتبة الكمال في تفسير القرآن وبيان الأحكام واستشهد آية الله السبحاني بمسألة تفسير القرآن قائلاً: أورد القرآن المجيد آية الوضوء؛ حيث يفسرها أهل السنة بنحو، والشيعة بنحو آخر؛ فأهل السنة يغسلون الأرجل ونحن نمسح عليها. فلو كانت الأمة قد بلغت مرتبة التفسير والكمال، فلماذا وقع الخلاف في آية الوضوء وهي من أظهر الآيات؟
وأضاف آية الله السبحاني: وكذا الحال في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؛ إذ قال فريق إن المراد قطع الأصابع الأربع، وقال آخرون من الكرسوع (المعصم). فلو كانت الأمة قد بلغت الكمال لما وقع الخلاف في أمور جليّة كهذه. فثبت أن الأمة لم تكن على قدر من الكمال يؤهلها للاستقلال بالتفسير. ونحن لا ننفي عنها مطلق الكمال، بل ننفي عنها الكمال المفي بالغرض لإجابة هذه المسائل.
وانتقل سماحته إلى محور بيان الأحكام قائلاً: أما من جهة الأحكام، فإن ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) لدى المسلمين لا يتجاوز زهاء خمسمائة حديث، وهذا المقدار لا يفي بالإجابة عن كافة المسائل المستحدثة. فكل ما عند أهل السنة في الفقه يربو على خمسمائة رواية مع شيء من المراسيل. ومن المؤكد أن الدين الخاتم لا يستقيم بخمسمائة حديث؛ فدلّ ذلك على أن الأمة لم تبلغ من العلم ما يخولها استنباط أحكام كافة النوازل.
وضرب آية الله السبحاني أمثلة على ذلك، قائلاً: جُلب رجل إلى أبي بكر قد شرب الخمر، فقال: نشأت بين قوم لا يعلمون أن شرب الخمر حرام، وعندهم شهود على شربي لها، لكني جاهل بالحكم الشرعي؛ فما العمل؟ فتحيّر أبو بكر في حكمه. فلو كانت الأمة حائزةً لهذا الكمال وكان رأسها كذلك، لما خانه التوفيق ووقع في الحيرة أمام مسئله كهذه.
وأضاف سماحته: والمثال الثاني مسألة العَوْل والتَّعْصِيب. والعول يتحقق عندما تزيد السهام المفروضة على أصل التركة؛ حيث تزيد السهام وتنقص المراتب. وهذه المسألة لم تطرح في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ولا في عهد أبي بكر، بل وقعت في زمن عمر.
وتابع: تُعد مسألة العول من النوازل والمسائل المستحدثة التي طرأت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في خلافة عمر؛ فتحيّر فيها عمر كيف يصنع، وآل به الأمر إلى إدخال النقص على جميع السهام ورفع المخرج ليتوزع النقص على الجميع؛ في حين يرى الإمام (عليه السلام) أن من فرض الله له سهمين فهو المقدَّم، ومن له سهم واحد فهو المؤخَّر. ومن ثم لم يصل عمر فيها إلى حجة جليّة، وقال: «والله لا أدري من قدّم الله ومن أخّر الله»، ثم قال: إن عملنا بالعدل قسمناها بينهم بالسوية. فلو كانت الأمة قد بلغت ذلك الكمال حقاً، لما قيل: لا أدري من قدم الله ومن أخر الله.
وأورد آية الله السبحاني مثالاً آخر: رجل طلق زوجته في الجاهلية تطليقتين، فلما أسلم طلقها ثالثة؛ فهل تُحسب ثلاثاً أم لا؟ لو كانت التطليقات الثلاث في الإسلام لحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، لكن تطليقتين وقعتا في زمن الكفر وواحدة في الإسلام. وقد خلت هذه المسألة أيضاً من جواب واضح.
وأكد المرجع الديني الشيخ السبحاني: تثبت هذه الشواهد أن الأمة لم تبلغ تلك المرتبة من الكمال؛ إذ لو بلغت لأجابت عن هذه المسائل بلا ريب. فعلمنا أن الأمة عانت إرباكاً في تفسير القرآن، كما عجزت عن إعطاء الإجابات الشافية في الأحكام المستحدثة.
ثم أشار سماحته إلى مسألة صيانة الدين من البدع قائلاً: كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في حياته شديد المراقبة لئلا تتسرب بدعة إلى الإسلام. وعلى سبيل المثال، قُتل نفر من قريش في الأشهر الحرم، وكان هذا الحدث كفيلاً بأن يؤسس لبدعة؛ لأن الدماء محرمة في الأشهر الحرم، فنزلت الآية الكريمة ونهى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عن ذلك.
واستدرك قائلاً: “لكننا نرى بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) كم أُحدث في الدين من البدع على أيدي من جاءوا بعده!
وأشار إلى رواية عن «حَبر» من أحبار اليهود قائلاً: جاء حبر من علماء اليهود إلى النبي (صلى الله عليه وآله) -في رواية نقلها أهل السنة- وتكلم في صفات الله عز وجل، ومما قاله: إن الله يضع السماوات على أصبع، والأراضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، ثم يهزهن ويقول: «أنا الملك، أنا الملك»”.
وتابع سماحته: فهل يُعقل أن تصدر مثل هذه الرواية في زمن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)؟
إن بعض أهل الكتاب الذين أسلموا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كانوا مصدراً لهذه البدع، وقد أخذ عنهم جماعة كأبي هريرة وغيره، فأدخلوا الإسرائيليات والأفكار اليهودية في الحديث الإسلامي.
وأوضح آية الله السبحاني مضمون هذه الرواية: جاء في الرواية أن لله أصبعاً تقع عليه السماوات، وأصبعاً للأراضين، وأصبعاً للماء والثرى، ثم يهزهن ويقول: «أنا الملك». وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال عند سماع ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾”.
وتابع: إذا قلنا إننا قادرون اليوم على تفسير القرآن وبيان الأحكام والإجابة عن الأسئلة ومحو البدع، فنحن لسنا مستقلين في ذلك، بل نستعين بأحاديث وروايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وفضلاً عن ذلك، سأل طالب آخر عن حديث «الأصبع» في صحيح البخاري، محتملاً أن يفسره أهل السنة كما يفسرون بعض آيات القرآن.
فأجاب آية الله السبحاني: السؤال هو أنكم أوردتم إشكالاً على صحيح البخاري بأن الله لا يسعه أصبع، وأن من يسعه أصبع لا ينزل في منتصف الليل. ثم ذكرتم أن القرآن يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾، والمراد بـ «الوجه» في هذه الآية هو الذات؛ أي: كل شيء هالك إلا ذاته تبارك وتعالى”.
وفي جانب آخر من الجلسة، تطرق آية الله السبحاني إلى أبيات الزمخشري قائلاً: “لقد سمعتم بالزمخشري؛ محمود الزمخشري المتوفى سنة 538 هـ، كان رجلاً عالماً ومحققا، وتفسيره بحق تفسير قيم. وقد استقال في أواخر عمره من التسنن، وبين مآخذ المذاهب ونقاط ضعفها في أبيات من الشعر.
وقرأ سماحته جانباً من أبيات الزمخشري التي أشار فيها إلى الخلافات الفقهية بين المذاهب، مضيفاً: يقول الحنفية كذا في بعض المسائل الفقهية، وللشافعية رأي آخر في نكاح البنت، وللمالكية قول في لحم الكلب (سعد)، وللحنابلة رأي في تجسيم الله، كما ذكر أصحاب الحديث وفرقاً أخرى.
مؤكدا: لم تكن هذه الرواية موجودة في عصر النبوة؛ مما يدل على أنهم لم يحولوا دون البدع، فظهرت بدع جماء.
واستشهد سماحته بروايات أخرى في مصادر أهل السنة قائلاً: في صحيح البخاري رواية تشير إلى أن الله تعالى يقول إذا مضى ثلث الليل: «هل من طالب؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟». فكيف لله الذي تجتمع السماوات كلها في أصبع من أصابعه أن ينزل إلى السماء الدنيا؟
وواصل متسائلاً: في المورد الذي تجتمع فيه السماوات في أصبع واحد، يجب أن يكون الظرف أكبر من المظروف، بينما المظروف هنا أكبر بكثير من الظرف! وقد ورد في مصادرهم بهذا الصدد أن الله ينزل في آخر كل ليلة إلى سماء الدنيا ويقول: «هل من مستغفر؟»”.
وشدد المرجع الديني آية الله السبحاني: إن الذين يروون هذه المطالب في صحیح البخاری، قد أظهروا حبر اليهود وكأنه أعلم من النبي (صلى الله عليه وآله)؛ إذ نسبوا إلى النبي مطالب تجعل السماوات بأسرها في أصبع، والأرض في أصبع آخر!
وأردف سماحته: ليست هذه إلا شواهد جزئية ونزاراً من معشار هذه البدع والأكاذيب. فالجناب البخاري يقول إنه يحفظ ستمائة ألف حديث، واختار منها ستة آلاف حديث فقط؛ مما يكشف عن أن نسبة الموضوعات والافتراءات إلى الأحاديث الصحيحة كانت عالية جداً.
وأشار آية الله السبحاني إلى تراجم الرجال عند أهل السنة: سُجل في كتب الرجال لأهل السنة نحو سبعة آلاف كذاب ووضّاع ممن كانوا يضعون الحديث. وكل هذا نتاج أن الأمة بما كانت عليه من الكمال لم تستطع سد مسدّ النبي ولا رفيع هذا الفراغ.
ولفت سماحته: لا يمكن للنبي أن يكون لا أبالياً تجاه هذه المسألة، كما لا يمكن للأمة سد هذا الفراغ في التفسير وبيان الأحكام والإجابة عن الشبهات ودرء البدع. فبطل الاحتمال الأول (وهو إهمال النبي للمستقبل)، وبطل الاحتمال الثاني (وهو استقلال الأمة بتفسير الآيات وبيان الأحكام ورد الشبهات والحد من البدع).
وعرج سماحته على الاحتمال الثالث قائلاً: الاحتمال الثالث هو أن يودع النبي أمانته، ويسلم ما تلقاه من المعارف والأحكام عن طريق الوحي إلى فرد قادر على تحمل تلك المعارف والأحكام وسد الفراغات الناشئة.
وأكد آية الله السبحاني: إن وجود مثل هذا الإنسان -الذي يماثل النبي في معارف الشريعة والدين- ضرورة لتكامل المجتمع. فلو وجد هذا المعلم في الأمة لما زلت، ولفُتح لها باب الارتقاء الروحي والمعنوي. فهذا أمر حتمي في حياة البشرية.
وأوضح سماحته: نحن في هذا البحث لا نتطرق إلى كون الإنسان مسلماً أو شيعياً، ولا نتحدث عن اسم خاص؛ بل ندرس التاريخ ونحتكم إليه؛ فنقول: إن هذه الفراغات إما أن تُترك على حالها برحيل النبي، أو تقدر الأمة على سدها، أو لابد من وجود شخص في الأمة تعلم ما علمه النبي في مدرسة الوحي ليكون مجيباً عن هذه الفراغات.
واستنتج آية الله السبحاني: والنتيجة هي أن «القالب هو نصب الإمام المعين»، أي وجوب تنصيب إمام معين، لا تفويض أمر الإمامة إلى اختيار الأمة والناس. ونحن كباحثين محايدين -ولسنا قادمين من فرنسا أو ألمانيا أو كندا- ندرس المسألة ونرى أنه وفقاً لهذه الظروف، لابد من شخص يسد هذا الفراغ، وبما أن الأمة عجزت عن ذلك، وجب وجود فرد يسد المسدّ ويجيب عن الشبهات.
ولفت سماحته إلى أن: تحديد هوية ذلك الفرد ليس محل بحثنا اليوم، بل سيأتي دراسته في الجلسات القادمة. فما طرحناه حتى الان إنما هو كليات ولم نحدد شخصاً بعينه بعد.
وخلال الجلسة، سأل أحد الطلاب عن إمكانية قيام الأمة بهذه الوظائف الأربع في زمن الغيبة، فأجاب آية الله السبحاني: لو التزمنا بهذا الكلام، لكان لازمه أن تكون الأمة قادرة في زمن الغيبة على النهوض بهذه المهام الأربع، في حين أنها لم تكن قادرة عليها في زمن النبي! فكيف تقوى بعد ألف وثلاثمائة سنة على ما عجزت عنه آنذاك؟ ومعنى هذا القول أن الإسلام لم يمتلك برنامجاً خاصاً، وأن الأمة عاشت ألف وثلاثمائة سنة بلا برنامج ثم أضحت ذات برنامج! ولم يقل أحد إن البرنامج كان مفقوداً في البداية ثم وجد، أو انقطع فترة ثم عاد؛ فهذا لغو من القول.
وأضاف: أما القول بأن فقهاءنا اليوم قادرون على حل جميع المشكلات، فإنما يتم ذلك بالاستناد إلى أخبار وأحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ هم الأئمة الذين نهضوا بهذه المهام بعد النبي (صلى الله عليه وآله). فلدينا في الأصول والفروع زهاء خمسين أو ستين ألف حديث عنهم، ونحن نستقي منها ونجيب على أساسها.
ورداً على سؤال آخر حول ما إذا كانت الأمة قادرة على القيام بهذه الأمور منذ عام 260 هـ (بدء الغيبة)، قال سماحته: نعم، بدأت الغيبة عام 260 هـ؛ ولكن ليس المراد بالأمة عامة الناس، بل يجب أن تكون الأمة متعلمة وعالمة بالقرآن والأحاديث. فعوام الناس الذين لا يعلمون القرآن لا يتأتى منهم ذلك، بل لابد من جمع يعلمون القرآن والأحاديث.
الاجتهاد موقع فقهي