خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 5 مذكرة / المشروطة والمستبدة قراءة معاصرة للصراع بين الآخوند الخراساني والسيد اليزدي وأنصارهما
المشروطة

المشروطة والمستبدة قراءة معاصرة للصراع بين الآخوند الخراساني والسيد اليزدي وأنصارهما

الاجتهاد: تناولت في هذا الموضوع قضية المشروطة والمستبدة، وحاولت استعراض بعض أحداثها وأبرز مواقف شخصياتها، وذلك بهدف أخذ العظة والعبرة بما حدث من صراعات وفتن بين بعض العلماء وأنصارهم حول هذه القضية، وذلك لكي لا نعيد انتاج نفس الأخطاء التي وقعت في الماضي بهيئة جديدة. / بقلم: سلمان عبد الأعلى*

منذ فترة ليست بالقليلة والفكرة في الكتابة حول قضية المشروطة والمستبدة تراودني، فلقد كنت أبحث عن نموذج تاريخي يمكن الاستفادة منه لفهم حقيقة ما يجري من خلافات واختلافات بين العلماء وأتباعهم في الوقت الحاضر، ولم أجد أفضل من قضية المشروطة والمستبدة للاستفادة منها في هذا المجال، ولعل أبرز ما دعاني لذلك هي أنها قضية مضى على وقوعها فترة زمنية طويلة، وهذا الأمر كفيل بأن لا يثير عواطف البعض ممن لا تروق له مثل هذه الأحاديث، إذ أن نتائجه وتداعياته لن تكون كما لو تم تناول بعض القضايا المعاصرة أو التي لم يمضي عليها زمناً طويلاً.

والأمر الآخر وهو الأهم؛ أن هذه القضية اختلف حولها علمين كبيرين من علمائنا الذين لا يُشك في مكانتهما ومقامهما العلمي، حيث ما زالا يحضون بالاحترام والتقدير في الأوساط الحوزوية، أعني بهما: الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب كتاب (كفاية الأصول)، وهو من الكتب الأصولية المهمة التي لا غنى لطلاب العلوم الدينية عنها، والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب كتاب (العروة الوثقى)، وهو أيضاً من الكتب المهمة، حيث أنه الكتاب الذي ما زال عليه مدار البحث في الكثير من أبحاث الخارج في الحوزات العلمية.

ونحن إذ نتناول هذه القضية؛ فإننا لا نريد الإساءة لأحد هاذين العلمين الكبيرين أو لغيرهما من علمائنا لاسمح الله، ولا نريد كذلك أن نتجاوز الحقيقة بهدف المبالغة في تنزيههما والعياذ بالله، وإنما نريد الاستفادة من تجربتهما في جانبها الإيجابي والسلبي، فكما نستحضر إسهاماتهما العلمية ونتناول نتاجهما ونظرياتهما بالدراسة والمباحثة، علينا كذلك أن لا نغفل عن استحضار الخلافات التي كانت دائرة بينهما ونتناولها بالدراسة والتحليل.

وهذا الأمر له أهمية كبرى، فهو مدخل مهم يمكن من خلاله فهم ملابسات الكثير من القضايا الشائكة التي نعاني منها في واقعنا المعاصر، والتي قد تكون متشابهة مع قضية المشروطة والمستبدة ولو في بعض الوجوه، فعلماؤنا المعاصرون كعلمائنا السابقين يختلفون مع بعضهم البعض في القضايا والمسائل العلمية وفي غيرها أيضاً، فهم ليسوا كما يصورهم البعض وكأنهم وفي كل حالاتهم منسجمين مع بعضهم البعض، ولا توجد بينهم أية اختلافات إلا في بعض النواحي العلمية !

عموماً، سنتناول في هذا الموضوع بعض ما جرى من وقائع وأحداث حول هذه القضية المهمة والحساسة، ولكن لن يكون ذلك على صورة سرد لوقائع تاريخية جامدة مرت وانتهت أو كترجمة لسيرة علمية -لبعض العلماء- لم يبقى منها سوى بعض الذكريات،

وإنما نريد أن نتناول هذه القضية ونعيش معها باعتبارها قضية مستمرة معنا عبر الزمن، أي نريد أن نتناولها وكأنها وقائع وأحداث مستمرة ولم تنتهي بعد، بمعنى أننا نريد أن نقرأها ونغوص في أعماقها، ونحلل وقائعها وأحداثها، وندقق في مواقف شخصياتها وأبطالها، ونتعمق في فهم ردود الأفعال التي أثيرت حولها،

وذلك بهدف ربطها بما يحدث في واقعنا الراهن في بعض القضايا المماثلة أو المشابهة، إذ ليس الهدف من وراء ذلك هو تحقيق الانتصار لطرف على طرف آخر، وإنما الهدف هو أن نتعرف على كيفية التعامل مع مثل هذه الوقائع والأحداث، وذلك من خلال تحديد الموقف الصحيح والمناسب المبني على فهم حقيقتها ومعرفة الخلفيات المؤثرة فيها والمسببة لها.

نظرة حول قضية المشروطة والمستبدة

ما هو المشروطة والمستبدة ؟

قبل أن نتناول أبرز المحطات التي مرت بها حركة المشروطة، والصراعات التي حدثت بسببها أو نتيجة لها،فإنه لابد لنا من معرفة ما هو المراد من (المشروطة)؟ وكذلك ما هو المراد من (المستبدة)؟.

ولو رجعنا للمصادر التي تحدثت عنها لوجدنا أن المراد من المشروطة أو المشروطية هي الحركة الدستورية التي كانت تطالب بكتابة دستور مكتوب يقيد به سلطة الحاكم في حكمه، “وهي إنما سميت بهذا الاسم لأن القائمين بها اعتبروا مواد الدستور بمثابة “الشروط” التي يجب أن يتقيد بها الملك في حكم رعيته، وهذه فكرة مستمدة من نظرية “العقد الاجتماعي” التي شاعت في أوروبا بعد قيام الثورة الفرنسية ومنها جاءت إلى تركيا وإيران”. وأما المراد بالمستبدة فهي الحركة المناوئة لها والتي كانت ترفض كتابة الدستور لاعتقادها بعدم امكانية تحقيق تطابق كامل بين الدستور ومرادات الشريعة.

المشروطة في تركيا

ظهرت المشروطة في تركيا قبل ظهورها في إيران بما يزيد على ثلاثين سنة، ويعود سبب ذلك إلى قرب تركيا من أوروبا وشدة تأثرها بالحضارة الأوروبية. يجب أن لا ننسى أن الصراع بين القديم والجديد بدأ في تركيا منذ منتصف القرن الثامن عشر، أما في إيران فقد بدأ هذا الصراع منذ منتصف القرن التاسع عشر وذلك من جراء دخول بعض المخترعات والنظم الحديثة إلى إيران على عهد الشاه ناصر الدين.

وعلى الرغم من اعجاب الشاه ناصر الدين بالحضارة الأوروبية إلا أنه كان يخشى تأثير الافكار الأوروبية على رعاياه ويكره أن تنتشر بينهم فكرة المشروطية على منوال ما انتشرت في تركيا. وقد صرح ذات مرة: أنه يود أن يكون محاطاً بحاشية من الأغبياء لا يعرفون عن بروكسل هل هي مدينة أم نوع من الخس.

المشروطة في إيران

على خلاف ما أراده الشاه ناصر الدين انتقلت المطالبة بالمشروطة إلى إيران، وكان من أبرز وجوهها السيد محمد علي الطباطبائي، وبغض النظر عن السبب الذي أدى لذلك، إلا أنها لم تتمكن من استكمال مطلبها إلا بعد مقتل الشاه ناصر الدين عام (1896) وتولي الشاه مظفر الدين الحكم من بعده، حيث ازدادت حركة المطالبة بالدستور وإنهاء الاستبداد، وتحت الضغط والمطالبة أصبحت إيران لأول مرة في تاريخها المعاصر دولة ذات حكم دستوري، وذلك في العام 1906 وهي نفس السنة التي توفي فيها.

ولم يدم الأمر طويلاً إذ بدأت مرحلة جديدة مع خلفه الشاه محمد علي الذي بدأ منذ بداية حكمة بالكيد للحركة الدستورية، حيث صار يبذل الأموال ويحشد الأنصار في سبيل القضاء على حركة المشروطة في بلاده، و”كان الشعار الذي رفعه في ذلك هو أن الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية.

وقد أيد الشاه في موقفه هذا لفيف من رجال الدين الكبار على رأسهم الشيخ فضل الله النوري، وكان هذا الرجل من أنصار المشروطة في أول الأمر ثم انفصل عنهم واخذ يحاربهم حرباً لا هوادة فيها ويتهمهم بأنهم بابيون وزنادقة. أما أنصار المشرطية فكان يتزعمهم السيد محمد الطباطبائي والسيد عبدالله البهبهاني. وبهذا انقسم الشعب الإيراني إلى حزبين متطاحنين، وصار كل حزب مهم يكفر الحزب الآخر ويدعو إلى محاربته”.

وبعد صراع عنيف بين الشاه والمجلس النيابي استطاع الشاه في حزيران 1908 أن يوجه للمشروطية ضربة قاصمة، فأعلن الأحكام العرفية ووجه جنود “القوزاق” بقيادة لياخوف الروسي لتطويق مجلس الشورى (البرلمان)، ثم أمر بإطلاق المدافع عليه. وانتشر الرعب في طهران، وأخذ أنصار المشروطية يلوذون بالفرار، فاستطاع بعضهم أن يلتجئ إلى المفوضية البريطانية وينجو بنفسه بينما وقع البعض الآخر في قبضة القوات الحكومية.

وقد شنق من المقبوض عليهم اثنان احدهما الميرزا جهانكير خان صاحب جريدة “صور اسرافيل” الثورية، والثاني هو الميرزا نصر الله الاصفهاني الذي كان من أشد وعاظ المشروطية تأثيراً في الجماهير حتى كان يلقب بـ “ملك المتكلمين” وهو الذي لا يزال تمثاله قائماً في أحد شوارع طهران”. وبعد أن انتصر الشاه في طهران أبرق إلى ولاته في أنحاء إيران يأمرهم بإلغاء المشروطية وتشتيت شمل أنصارها وسد نواديهم. وأخذ الولاة ينتقمون من أنصار المشروطية، فكانوا يجلدون من يقع في أيديهم منهم أو يبعدونه أو يحبسونه”.

لم يهنأ الشاه بانتصاره طويلاً، فقد هبت الثورات عليه في بعض المدن إلى أن سيطرة المشروطة على المدن الإيرانية، ليتم عزل الشاه المستبد ويتولى مكانه نجله أحمد شاه، وعلى أثر ذلك كلفت الآراء الصريحة ضد الدستوريين صاحبها الشيخ فضل الله النوري حياته فأعدم سنة 1909 عندما عادت سيطرة المشروطة ثانية.

الشيخ النوري وتغير الموقف

يقول الدكتور توفيق السيف: “يعتبر الشيخ فضل الله النوري من اكثر رجال الحركة الدستورية إثارة للجدل، فقد اختلف مبكراً مع ابرز زعماء الحركة الدينيين، حين شكك في مطابقة دستور المشروطة للشريعة الإسلامية. ورغم ان مناهضته للدستور، قد أثمرت عن تعديله بصورة جعلته اقرب إلى متبنيات المجتمع الديني إلا ان النوري دفع ثمناً غالياً لهذا الموقف. ويبدو لي ان أهم عيوب حركته كانت في اختياره أسوأ الأوقات لإعلان مطالبه، وتوسله بوسائل لا تنم عن الحكمة، في محاولاته تأكيد المضمون الديني للدستور.

ولعله فهم بصورة خاطئة، الاشارات الدالة على رغبة التيار الديني في هذا، فظنها تنطوي على تأييد مطلق للأساليب التي اتبعها في تلك المحاولات. كما ان هذه الاساليب اعطت بدورها اشارات خاطئة إلى مختلف التيارات، بما فيها التيار الديني، حيث فهم تركه باعتباره تأييدا لمحمد علي شاه، الذي كان يسعى للحد من خسائر البلاد على الصعيد الدستوري، مما افقد الشيخ فضل الله كثيرا من مصداقيته في المجتمع الديني”.

وأما عن سبب تغير موقف الشيخ النوري، فيعتقد: “إن المبرر الرئيسي لمواقف النوري هو ما وجده من استعجال الدستوريين في وضع متمم الدستور، وكان قلقاً من ان يؤدي هذا الاستعجال إلى وضع دستور سقيم أو غير محكم، يتحول في المستقبل إلى مبرر لكل سياسة تخالف الشريعة أو يؤدي إلى سوق الدولة بعيداً عن الاطار الشرعي”.

المشروطة في العراق

كان للأحداث الواقعة في إيران صداها في العراق، و”منذ مطلع العام 1324 وصل إلى النجف الأشرف، عدد كبير من رجال الدين الذين فروا من وجه السلطات، كما تضاعف عدد الرسائل التي بعثها علماء من أقاليم ايران، طالبين رأي فقهاء النجف أو نصرتهم. وفي جمادى الاول، وردت أنباء تشير إلى اعتزام عدد بارز من علماء ايران، الهجرة إلى النجف، احتجاجاً على رفض مظفر الدين شاه الاستجابة لمطالب المعارضة، فاقترح الآخوند (الشيخ محمد كاظم الخراساني) تشكيل خلية عمل لمتابعة الوضع الايراني واقتراح المواقف المناسبة.

وتشكلت هذه الهيئة فعلاً، من تلاميذ الآخوند وأنصاره، وتولت الرد على الرسائل الواردة، وبعث التعليمات إلى ايران. ضمنت اللجنة التي ترأسها الآخوند، العلامة النائيني والسيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ محمد المحلاتي والسيد مسلم زوين، وثلاثين شخصاً آخر.

وكان مقر اجتماع اللجنة ونشاطاتها في دار الآخوند، ثم في المدرسة العلوية التي أسسها بعض أفراد المجموعة في العام التالي (1325) وتحولت ناد ومركز عمل للدستوريين، اضافة إلى نشاطها التعليمي. وفي الظروف العصيبة اجتمعت الهيئة في سراديب تحت الأرض، خوفاً من إيذاء العوام وأنصار السيد اليزدي المناوئين للحركة الدستورية”.

أسباب الانقسام بين الآخوند الخراساني والسيد اليزدي

يذكر الدكتور الوردي أن الرسائل والاستفتاءات أخذت تنهال من إيران على كبار المجتهدين في النجف تسألهم عن المشروطة هل هي حلال أم حرام؟ وينقل جواباً لأحد هذه الاستفتاء جاء فيه: “ان قوانين المجلس المذكور على الشكل الذي ذكرتموه هي قوانين مقدسة ومحترمة وهي فرض على جميع المسلمين أن يقبلوا هذه القوانين وينفذوها. وعليه نكرر قولنا: ان الاقدام على مقاومة المجلس العالي بمنزلة الاقدام على مقاومة أحكام الدين الحنيف، فواجب المسلمين أن يقفوا دون أي حركة ضد المجلس”.

وقد وقع على هذه الفتوى (الآخوند) الملا كاظم الخراساني بالنيابة عن زملائه المجتهدين، ولم يشد عنهم في ذلك سوى مجتهد واحد هو السيد كاظم اليزدي إذا امتنع عن التوقيع. وكان امتناع هذا المجتمع بداية الانقسام بين المجتهدين، ثم أخذ الانقسام يشتد ويستفحل بمرور الأيام”.

وأما السيد النجفي القوجاني، وهو أحد تلامذة الآخوند الخراساني فينقل أن سبب الخلاف والانقسام بدأ عندما رفض السيد اليزدي التوقيع على الدستور، حيث يقول: “وقد جيء بالدستور بعد ذلك إلى الميرزا حسين بن الميرزا خليل الذي كان من كبار العلماء وأكبرهم سناً وله كثير من المقلدين في طهران ونواحيها فختمه بختمه.

وقد قال بعض الحاضرين هناك لنذهب به إلى بقية العلماء كالآخوند والسيد محمد كاظم اليزدي ليختموه أيضاً فقال الميرزا لا داعي لذلك، فإن أختامنا تكفي كي يُنفذ. إلا أنهم أخذوه إلى الآخوند فختمه. وحين أخذوه إلى السيد محمد كاظم اليزدي الذي كان قد بلغه قول الميرزا حسين أعلاه فقال لا ضرورة لختمي، فختم الميرزا كاف. ولم يختمه، فاستعاضوا عنه بختم الشيخ عبدالله المازندراني”.

الانقسام في النجف وتداعياته

ليس من المهم عندي هنا معرفة تفاصيل قصة الانقسام (بين الآخوند الخراساني والسيد اليزدي) ومتى بدأت بالضبط، لأن ما يهمني هو التداعيات التي آلت إليها الأمور بعد ذلك، حيث “انقسم أهل النجف إلى فريقين متعادين: أحدهما يدعو إلى المشروطية بزعامة (الآخوند) الملا كاظم الخراساني، والآخر يدعو إلى الاستبداد بزعامة السيد كاظم اليزدي.

وكان فريق المشروطة الذي تزعمه الآخوند الخراساني يضم طلبة الميرزا الشيرازي ومعهم أكثرية الطلبة الشباب، ويمكن القول بأن أكثر أنصار الآخوند الخراساني من النخبة ففي ظله انتعش النشاط الثقافي والأدبي في الحوزة العلمية، ونما تيار التجديد والاصلاح بخلاف منافسه السيد كاظم اليزدي الذي كان أكثر من قلده من العامة.

وهذا الأمر بظني مما ساهم في تباعد وجهات النظر بين أتباع الفريقين، لأن هناك اختلافات جوهرية في الطبيعة الذاتية لكل منهما، وبالإضافة إلى ذلك يرى الدكتور الوردي إن طبيعة المجتمع النجفي تشجع على الصراعات، إذ يقول: “ويجب أن لا ننسى في هذا الصدد ما في المجتمع النجفي من ميل مفرد إلى الجدل بوجه عام، فلما جاءت قضية المشروطية كانت حافزاً جديداً فيه حيث انثال الناس يتجادلون حولها بعنف شديد إلى درجة لم يسبق لها مثيل من قبل. وقد أشار أحد الشعراء إلى ذلك حيث قال.

تغيرت الدنيا وأصبح شرها يروح بإفراط ويغدو بتفريط

إلى أين يمضي من يروم سلامة وما الناس إلا مستبد ومشروطي”

وينقل الدكتور الوردي هذه القصة التي تبين الدرجة التي وصلت إليها حدة الانقسام بين الناس وقتذاك، حيث يقول: “حدثني الكتبي النجفي عبدالحميد زاهد: أنه كان في تلك الأيام صبياً يلعب مع أقرانه في الازقة، فكان الصبيان عند اللعب يقسمون أنفسهم إلى فريقين: مستبد ومشروطة، ثم نشبت المعارك بينهم تقليداً لما يقع بين الكبار”.

وهذه القصة تذكرني بما عشناه في منطقتنا في فترة الطفولة، حيث كان الأطفال كثيراً ما يتخلون عن طفولتهم البريئة ويتشاجرون فيما بينهم حول بعض القضايا والمسائل الدينية كمسألة المرجعية والتقليد، ومسائل العقيدة ومقامات أهل البيت (ع)، وغيرها من القضايا الدينية التي يختلفون حولها، ويتعصبون لها أشد التعصب دون أن يكون لهم نصيب من معرفتها أو استيعابها جيداً، لأنهم كانوا فقط يرددون ما يتناقله آبائهم في مجالسهم.

السيد اليزدي وموقفه من المشروطة

كان السيد محمد كاظم اليزدي اليزدي في بداية الحركة الدستورية (المشروطة) متعاطفاً مع الدستوريين كالشيخ فضل الله النوري في إيران، ولكنه تخلى عنها بعد ذلك، وهناك عدة أمور قد تفسر اتخاذ السيد اليزدي لهذا الموقف السلبي منها:

أن تطورات الوضع في طهران، لا سيما إعلان الشيخ فضل الله النوري اعتراضه على الدستور والمجلس، قد يكون أثار في نفس السيد اليزدي شكوكاً عميقة حول المصير الذي تتجه إليه إيران بسبب المشروطة.

أن أبا القاسم الشيرواني -وهو رجل دؤوب واسع الحيلة، عينته الحكومة الروسية حديثاً كقنصل فخري لها في النجف الاشرف- قد استطاع التأثير على اليزدي لجهة الحذر من أن تكون بريطانيا وراء المشروطة، أو أن تكون المشروطة مدخلاً للتحرر من قيود التقاليد والأعراف التي لها ظلال دينية. وثمة إشارات في مصادر أخرى إلى دور الشيرواني توكد انه كان يسعى فعلاً إلى انشقاق الحوزة العلمية ومنع اتحادها وراء الحركة الدستورية.

أن التنافس المعتاد بين العلماء ربما كان المؤثر الأهم، أو انه احد المؤثرات الهامة في تباعد السيد اليزدي، فقد كان منافسه الأقرب هو الآخوند الخراساني، زعيم الدستوريين، وكان ارتفاع نجمه يعني نزول اليزدي إلى المرتبة الثانية، بينما كان يهيئ نفسه للمرجعية العامة.

مهما يكن، فإنه من الصعوبة الجزم بالتفسير الصحيح لاتخاذ السيد اليزدي للموقف السلبي من الحركة الدستورية، وإن كانت مواقفه صعبة التبرير كما يصفها الدكتور توفيق السيف بقوله: “وحتى اليوم فان مواقف اليزدي لا تزال صعبة التبرير، فهل كان موقفه السلبي من المشروطة رد فعل للمذبحة التي تعرض لها الايرانيون في كربلاء ليلة القدر، خاصة وانها جرت بعد اعتصامهم بالقنصلية البريطانية كما فعل دستوريو طهران ام هو امتداد للتنافس على المرجعية. على أي حال فان اليزدي نفسه لم يقدم أي تبرير، كما لم يقدمه أي من مؤيدي موقفه، وهذا سيتحول تالياً إلى علامة استفهام كبيرة حوله، لاسيما إثر موقفه المتردد من المقاومة العراقية ضد سياسة الانكليز في العراق”.

وما يحتمله الدكتور السيف من أن موقف السيد اليزدي هو امتداد للتنافس على المرجعية بينه وبين الآخوند الخراساني يصرح به الدكتور علي الوردي في قوله: “كان قد برز منذ أواخر أيام الخليلي مجتهدان كبيران هما الملا كاظم الخراساني والسيد كاظم اليزدي، وكان التنافس بينهما شديداً. وقد ظهر تنافسهما بوضوح في قضية المشروطية”.

وبغض النظر عن صحة هذا الكلام من عدمه في قضية الخلاف الحاصل بين السيد اليزدي والآخوند الخراساني حول الحركة الدستورية (المشروطة)، فإن علينا أن نأخذ هذا العامل بعين الإعتبار في الخلافات التي تدور بين العلماء والمراجع في وقتنا الحالي، لأن هذا العامل من المهم الالتفات إليه، وإن كان غير واضح دائماً، فليس بالضرورة أن تكون الخلافات التي تدور بين العلماء على الشكل المعلن عنه أو الظاهر به لدى عموم الناس، فقد يكون هذا الخلاف بسبب مواقف شخصية وليس دينية، ومع ذلك يظهر للناس بكونه من أجل الدفاع عن الدين أو المذهب أو العقيدة أو أهل البيت (ع) أو ما شاكل ذلك.

وما يراه الدكتور توفيق السيف صعب التبرير يخالفه فيه الشيخ فوزي السيف، إذ يقول الأخير عن السيد اليزدي: “كان يتخوف المتريثون في أمر الحركة الدستورية من سيطرة المتغربين على الأوضاع حيث أن الكفاءات المطلوبة كانت في جانبهم أكثر من المتدينين، وكانوا يحصلون على الدعم الأجنبي بشكل كبير، وهؤلاء لم يكونوا يخفون أنه يريدون مجتمعاً بلا حاكمية للدين فيه، وحرية بلا حدود، وتغريباً يلحق إيران بالغرب بشكل صريح وواضح وسريع أيضاً”.

ونتيجة لموقفه من المشروطة كما يقول الشيخ السف: “تعرض السيد اليزدي أعلى الله مقامه، إلى تجن كبير على شخصيته من قبل بعض الكتاب حيث وصمه بعضهم بعدما لم يكلف نفسه بالبحث الدقيق بأنه من أنصار الاستبداد وأنه لم يكن على وعي سياسي كاف. والناظر إلى أدواره السياسية المختلفة يجد فيه فقيهاً مجاهداً، وعالماً واعياً، يتحرك في أكثر من صعيد لمحاربة الاستعمار والنفوذ الأجنبي في بلاد المسلمين، ولم يكن يرى نفسه وقفاً على إيران أو على الشيعة حتى، بل كان يرى دائرة مسؤوليته تمتد لتشمل الدفاع عن بلاد المسلمين عموماً”.

وهذا الأمر وارد وغير مستبعد، ولذا يمكن الاستفادة منه في وقتنا الحاضر أيضاً، فقد تكون مواقف بعض العلماء والمراجع بحسب وجهة نظر البعض صعبة التبرير، ولكنها قد تكون مبررة عنده، وذلك لأن لديه رؤية معينة تمنعه من السير بحسب ما يراه هؤلاء، ولهذا لا ينبغي الاستعجال في اتخاذ المواقف السلبية ضد العلماء، وإن كانت مواقفهم كما تبدو في الظاهر يصعب تبريرها.

على كل حال، فإن السيد محسن الأمين يشرح موقف السيد اليزدي بقوله: “وفي أيامه ظهر أمر المشروطة في إيران وأعقبها خلع السلطان عبدالحميد في تركيا وكان هو ضد المشروطية وبعض العلماء يؤيدونها كالشيخ ملا كاظم الخراساني وغيره وتعصب لكل منهما فريق من الفرس وكان عامة أهل العراق وسوادهم مع اليزدي خصوصاً من لهم فوائد من بلاد ايران لظنهم أن المشروطية تقطعها وجرت بسبب ذلك فتن وأمور يطول شرحها وليس لنا إلا أن نحمل كلاً منهما على المحمل الحسن والاختلاف في اجتهاد الرأي”.

وإذا كان من الممكن حمل أصل الخلاف بين الآخوند الخراساني والسيد اليزدي على اجتهاد الرأي كما يقول السيد محسن الأمين، فإنه من الصعب جداً حمل جميع المواقف والكلمات التي صدرت أو اُتخذت من قبلهما أو من قبل بعض أتباعهما على هذا المحمل، كما سيأتي فيما بعد.

ولا يفوتنا أن ننبه أن بعض العلماء كالشيخ عبدالكريم الأردبيلي (1274-1355هـ) عندما قامت الحركة الدستورية ورأى انقسام عصا الوحدة بين العلماء آثر مغادرة النجف والإقامة في كربلاء المقدسة البعيدة عن هذه الأجواء السياسية. وقد يكون ذلك في بداية هذه الأزمة، لأنها بعد ذلك عمت مختلف المدن العراقية، ولم تقتصر فقط على مدينة النجف الأشرف.

آثار الانقسام حول المشروطة والمستبدة في العراق

سوف نستعرض الآن موقف أنصار السيد اليزدي من حركة المشروطة، وبعدها سنستعرض موقف أحد أنصار الخراساني من الذين يقفون ضدها، وذلك في الآتي.

موقف أنصار اليزدي من المشروطة

يقول الدكتور علي الوردي: “استطاع اليزدي ان يستميل إليه الكثير من العامة ومغاير المحلات من رجال “الزقرت” و”الشمرت”، فكان إذا خرج إلى الصلاة حف به المسلحون من أعونه وهم يهتفون بالصلاة على محمد وآل محمد- تحدياً لانصار المشروطية. وصار الاشاعات تروج في أوساط العامة حول المشروطية بأن المقصود منها هو هدم الدين وافساد الاخلاق”.

ونلاحظ هنا؛ كيف تبدل حال أنصار المشروطة من كونهم يريدون كتابة دستور يحد من صلاحيات وسلطات الحاكم إلى كونهم يهدفون من وراء حركتهم لهدم الدين وافساد الأخلاق!! ولم يكن من يقفون ضد المشروطة أحسن حالاً منهم، فلقد وصموا من قبل أنصار المشروطة بأنهم يشجعون على الاستبداد، رغم كونهم يقفون ضد الحركة الدستورية لاعتقادهم بأنها مخالفة للدين، وليس لأنهم يدعمون الاستبداد ويشجعون عليه!!

ومما يؤسف له أن الكثير من الصراعات ذات الطابع الديني كثيراً ما تظهر على خلاف حقيقتها، فهذا الأمر ليس مقتصر فقط على قضية المشروطة والمستبدة، بل نجده في غيرها أيضاً، حيث تشوه الحقائق ويتم إشاعة بعض الأمور التي لا أساس لها من الصحة. ولذلك قد تستغرب عندما تجد أحد العلماء يناقش مفردة دينية معينة بهدف المحافظة على الدين وتنقيته مما علق به، فيُشاع عنه من قبل مخالفيه بأنه يريد التشكيك في الدين أو تضعييف المذهب والعقيدة، ونحو ذلك من التهم التي تلقى جزافاً، والتي لا يعتمد مروجوها على أية أسس علمية أو شرعية سليمة.

مهما يكن، فإنه مما زاد الاحتقان لدى اتباع السيد اليزدي هو أنه: “وفي أحد الأيام ظهر على بعض الجدران في النجف اعلان فيه صورة يد تمسك مسدساً وفيه تهديد لليزدي بأنه سيقتل إذا لم ينزل على إرادة أنصار المشروطية، فهاج العوام لذلك وثارت بهم “الغيرة على ابن رسول الله” باعتبار أن اليزدي سيد من ذرية الرسول. وصار أنصار المشروطية عرضة للاعتداء والضرب في الاسواق والطرقات بحجة أنهم زنادقة مارقين عن الدين”.

وهذه القصة تذكرني بقصة تشابهها، وهي تُروى وتكرر على الألسن، وهي أن أحد الزعماء الدينيين البارزين وضع له خنجر في محراب صلاته في المسجد الذي كان يقيم الصلاة فيه من قبل فريق آخر لا ينتمي له، وذلك بهدف تهديده بالقتل، وهذا الأمر أثار الفريق التابع له ضد الفريق الآخر، وحدثت على أثر ذلك الكثير من الصراعات والفتن.

ومثل هذه القصص وبغض النظر عن صحتها من عدمها إلا أن فكرتها تتكرر بشكل أو بآخر، ولا يهمنا هنا التحقق من صدقها أو عدمه، ولكن يهمنا التركيز على التداعيات التي قد تحدثها، حيث ستؤدي إلى المزيد من التوترات مما يسهم في زيادة الصراعات والانقسامات والفتن.

الخلاف يعم المدن العراقية

كما كانت الحركة الدستورية في تركيا وانتقلت إلى إيران، ومن ثم انتقلت إلى العراق، فإنها لم تقتصر في العراق على مدينة النجف الأشرف فقط، بل عمت مدن العراق، وينقل الدكتور علي الوردي أيضاً هذه القصة: “حدثني أحد المسنين من أهل الكاظمية عما جرى في هذه البلدة من نزاع شديد وجدال حول المشروطية، فقد كان أكثر العامة من دعاة الاستبداد ويعدون الملا كاظم الخراساني هو واتباعه كفاراً ولا يكادون يسمعون عن أحد العلماء أنه “مشروطة” حتى ينتفضوا عنه ويلعنوه ويتركوا الصلاة خلفه”.

ومثل هذه الأجواء ليست ببعيدة عن ما نعيشه في مجتمعاتنا في أجواء الصراعات ذات الطابع الديني، فهي وإن كانت تبدو أخف وطأة نوعاً ما، حيث لا يصل الأمر إلى الاتهام بالكفر علانية في الكثير من الحالات، إلا أن حملات التضليل والتفسيق أضحت مشهداً شائعاً ولابد من حصوله، حيث تجد شتى أنواع التهم تلاحق المغضوب عليهم جزافاً وبلا أي دليل، ونتيجة لذلك نجد اطلاق بعض الألقاب والنعوت كعدو الزهراء وعدو أم البنين، وعدو الحسين، وعدو الشعائر، وعدو المذهب، وعدو المرجعية وغيرها من النعوت التي تدور في فلكها، والتي تطلق على شخصيات لا يمكن ثبوت هذه الأمور إليهم.

خطباء المنبر الحسيني يدخلون على الخط

ولكي نعطي نبذة عن دخول خطباء المنبر الحسيني على خط الصراع في قضية المشروطة والمستبدة، سوف ننقل ما ذكره الدكتور الوردي بنصه في الآتي:

“كان الوضع في كربلاء يختلف عن الوضع في النجف من بعض الوجوه،فقد كان في كربلاء حينذاك واعظ إيراني من أنصارالاستبداد واسمه السيد أكبر شاه، وكان خطيباً مصقعاً له لحية طويلة وتأثير قوي على العامة. إنه كان يعظ ضد المشروطية قبل اعلان الدستور العثماني، وظل يخطب بعد اعلانه من غير أن يخشى أحداً.

وفي شهر آذار من عام 1909 وصل كربلاء واعظ إيراني من المشروطيين اسمه الشيخ جواد، وبدأ منذ ذلك الحين نزاع شديد بين الرجلين من على المنابر. وانقسم أهل كربلاء إلى فريقين، كل فريق التزم واعظاً، وصار يكفر بعضهم البعض.

كان قتل الحسين من المواضيع التي اتخذها الفريقان مستنداً لهما في الجدل. فأنصار المشروطية يعتقدون أن الحسين إنما قتل بسيف الاستبداد وأنه لو كان نظام المشروطية سائداً في زمانه لاختاره المسلمون خليفة عليهم بدلاً من يزيد. أما أنصار الاستبداد فرأيهم أن المشروطية تعنى الشورى وأن الشورى هي التي أدت إلى ضياع الخلافة من أهل البيت ووصولها إلى رجل مثل يزيد”.

ما أشبه اليوم بالبارحة

في خلافاتنا المعاصرة يبرز دور خطباء المنبر الحسني لما يمتلكون من تأثير كبير على الناس، وللأسف الشديد أن الكثير منهم لا يتدخلون من أجل تخفيف الاحتقانات والتشنجات الدائرة بين الناس، بل يتدخلون لزيادة النار حطباً كما يُقال، فنلاحظ بعضهم يتدخل في بعض القضايا المختلف حولها بين بعض العلماء -كبعض الممارسات التي يعدها بعض العلماء من الشعائر الحسينية كالتطبير مثلاً- ليكيل للطرف الآخر الذي لا يتفق معه أبشع أنواع التهم، ولم يقتصر الأمر على الخطباء فحسب، بل دخل في الآونة الأخيرة على الخط بعض الروايد والشعراء بصورة لافتة !!

المشروطة في رواية أحد أنصار السيد اليزدي:

يقول السيد محمد مهدي الموسوي الكاظمي -وهو من أنصار السيد اليزدي- في ذم المشروطة: ” إنها هي التي أنزلت الملوك عن عروشها والسلاطين عن تخوتها، وقتل فيها العلماء الورعون والوزراء العادلون، وأحدثت في الإسلام ثلمة عظيمة لا يسدها إلا ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه وسهل لنا مخرجه، وقد ذهب أبالسة المشروطة إلى حجة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي، عليه الرضوان، ليخلوه في حزبهم العاطل.

كما أغفلوا جماعة من معاصريه، ولكن سيدنا المعظم استعلم سراً عن أحوال الحزب المشروطي من أهالي بعض المدن الإيرانية، ممن يثق بقولهم، فلما كتبوا له حقيقة الأمر لم يدخل في الحزب، وقعد في داره خائفاً يترقب. وقد أرادوا قتله. لكن رؤساء أعراب النجف، وهم أهل الغيرة والحمية والديانة والفتوة حفوا به وطافوا حول داره كطوافهم حول الكعبة المشرفة لم ير العدو الفرصة في قتله”.

لاحظوا هنا شدة الخطاب باستعمال بعض المفردات كـ”أبالسة المشروطة” وغيرها من المفردات الحادة !!

صدى وفاة الآخوند الخراساني

ينقل الدكتور الوردي هذه القصة بقوله: “حدثني أحد المسنين من أهل الكاظمية: أنه كان عند وفاة الخراساني صبياً وكان يسمع باذنه سب الخراساني وتكفيره شائعاً على ألسنة الكبار المحيطين به، وصادف أن ذهب إلى النجف مع أهله للزيارة في تلك الأيام فوجد المآتم والفواتح تقام للخراساني في كل مكان، فكان عجبه شديداً وأخذ يسأل أهله: كيف يجوز للناس أن يقيموا المآتم للكافر أي الخراساني؟ ولم يستطع أهله أن يقدموا له جواباً مقنعاً”.

موقف أنصار الخراساني من جماعة السيد اليزدي

مر بنا سابقاً ما جرى على أنصار المشروطة من ظلم واضطهاد، ولكن لم يستمر وضعهم على حاله، إذ تغير حالهم بعد اعلان الدستور العثماني، فبعد أن كان أنصار المشروطة مستترين في سراديب كما مر بنا سابقاً، تغير الحال وأصبح من صالحهم، “فقد انكمش العوام أتباع (السيد) اليزدي وأصبح الجو ملائماً لاتباع (الآخوند) الخراساني يصولون فيه ويجولون.

ونظم الشيخ علي الشرقي قصيدة يهجو بها اليزدي<ويتشفى به، كما نظم السيد صالح الحلي بعض الابيات اللاذعة من الشعر قارن في أحدها بين اليزدي ويزيد”.

أتباع اليزدي في كلمات أحد أنصار الخراساني

سوف نذكر ما قاله السيد النجفي القوجاني بشيء من التفصيل كنموذج لرؤية بعض أتباع الآخوند الخراساني لأتباع السيد اليزدي، وسنرى كيف بالغ السيد النجفي القوجاني في تمجيد أتباع المشروطة، وفي المقابلة سنرى مدى إسرافه في ذم أعدائها.

يقول السيد النجفي القوجاني: “وكان الطلاب والفضلاء والزاهدون في الدنيا والنابهون وأهل الأذواق والسرائر النقية من مؤيدي الحركة الدستورية متحلقين حول الآخوند. أما الذين في قلوبهم مرض بل أمراض وزادهم الله مرضاً. الذين كانوا يعبدون ذواتهم من مؤيدي (المستبدة) فكانوا يحومون حول مركز الاستبداد ويسجدون لآلهتهم وجامعة جمعهم يوم التناد”.

ويقول: “وقد انهمك بعض أنصار اتجاه (المستبدة) من الحمير المتظاهرين بالقداسة ومن المحتالين في الشيطنة واستخدام الأساليب السياسية ضد أنصار (الدستورية) حيث عرضوا أرواح وأموال وأعراض وكرامات أولئك المساكين للخطر. ولم يتركوا تهمة أو بهتاناً وانتساباً للبابية أو الارتداد عن الإسلام إلا ألصقوه بهم.

وقد ادعوا أن الشيخ الآخوند هو من أصل إفرنجي وأنه غير مختون. وإن أماكن الحجر الصحي في العراق التي أصبحت سبباً لإلحاق الأذى بالزوار بل موتهم قد أُقيمت بأمر من الآخوند وإلى غير ذلك من الاتهامات التي أُلصقت بطلبة العلوم الدينية التي كانت تهمة البابية واحدة منها. ولم تكن تلك الدعايات مقتصرة على داخل مدينة النجف، بل تعدتها إلى العراق بأسره وإلى العشائر إلى الحد الذي لاقى فيه الطلاب الأذى على أيدي إعراب البادية.

ولم يكن هناك أمان حتى في النجف. وازداد الوضع تردياً حتى أن الطلاب لم يجرؤا على الذهاب لزيارة كربلاء لمدة سنة. كما لم يستطيعوا الذهاب إلى الكوفة للنزهة أو المبيت فيها وفي “السهلة” خوفاً على أرواحهم، وظلوا سجناء داخل جدران سور المدينة”.

ويردف بقوله: “وقد تحسن الوضع بعد إعلان الإصلاحات الدستورية العثمانية حيث نصت القوانين على ضرورة احترام طلاب العلوم الدينية في النجف وضمان سلامة أرواحهم. إلا أن الحمير اللابسين مسوح القداسة واصلوا تحريض أهالي الأرياف الذين تحمسوا لقتل أي طالب إيراني يرونه في خلوة. ولذا فقد حرم هؤلاء الطلاب من السفر من النجف إلى كربلاء أو الكوفة لإداء بعض الأعمال العبادية المستحبة كتلك الزيارة التي تعادل تسعين حجة وعمرة حجك وعمرة النبي (ص)”.

ومما قاله كذلك: “ولما كان أغلب الكربلائيين من علماء وعامة من مؤيدي (المستبدة) حتى أنهم قد أظهروا الأفراح ووزعوا المرطبات والحلوى وأقاموا الزينة عندما توفي الميرزا حسين بن الميرزا خليل وهو من المجتهدين الكبار الموقعين على ورقة الحركة الدستورية. فقد سمعنا منهم في تلك الأيام التي جئنا فيها نحن الطلاب من الكاظمية بعد أن توقفت حركة جند الله نحوها، سمعنا الكثير من اللوم والهزء من الكربلائيين أصدقاء كانوا أم أعداء. وقد استمروا في تلك السخرية طويلاً. كان هناك أمام الجماعة الهندي الذي كنت على علاقة معرفة به نظراً لعلاقة عائلة زوجتي به، والذي كانت (الدستورية) لديه تعني الكفر، ويرى في الآخوند كافراً”.

ويقول أيضاً: “ولم ينقض وقت طويل حتى رفع السلطان عبدالحميد كنظيره محمد علي ميرزا راية العصيان اغتراراً بما في نفسه من القوة والعظمة بهدف إلغاء مجلس المبعوثان. فانطلقت ألسن الطلاب والمشايخ من أشرار وذئاب العراق وأنصار (المستبدة) عديمي الحياء بالسوء. وانشغلوا في إثارة الاضطراب. ولقد أدركت آنذاك حقيقة قول النبي (ص) (ما أوذي نبي مثلما أوذيت) الذي لم أكن أدركته قبلها. قلت: أي أحداث جسام تلك التي يشهدها قرننا هذا؟”.

أعتقد بأنه يمكن أخذ تصور كامل عن ما أردت إثباته من خلال إيراد هذه الكلمات، فهي لا تحتاج إلى أي تعليق أو إضافة !!

مشكلة الخراساني واليزدي أم مشكلة أتباعهم

قد يقول قائل: أن المشكلة ليست بين المرجعين (الآخوند الخراساني والسيد اليزدي)، بل بين أتباعهما، سواءً من العوام أو من الحاشية أو من بعض رجال الدين المحيطين بهما.

وقد تذكر في هذا الصدد بعض القصص التي تبين مقدار احترام كل منهما للآخر مما يعزز هذه النظرة، وهذا أيضاً ما يفعله البعض بالنسبة للخلافات بين العلماء والمراجع المعاصرين، وهذا الأمر وإن كان صحيحاً في بعض الحالات، إلا أنه لا يمكن أن يكون صحيحاً في جميعها، لأن بعض الخلافات كثيراً ما تكون بين المراجع أنفسهم، ومن ثم تنتقل إلى حواشيهم، ومنها إلى عامة الناس، وإن كان ذلك قد لا يبدو واضحاً للجميع.

مهما يكن، فإن هناك بعض الكلمات والمواقف التي تدلل على أن أصل الخلاف حول المشروطة والمستبدة كان بين الآخوند الخراساني والسيد اليزدي، وليس بين أتباعهما فقط، ففي خطاب للآخوند الخراساني يخاطب فيه الشاه بشدة وينذره ويتوعده يقول فيه: “يا منكر الدين ويا أيها الضال الذي لا نستطيع مخاطبتك بقلب شاه.

كان المرحوم أبوك أعطى الدستور ليرفع الظلم والتصرفات غير القانونية عن الشعب الذي كان في ظلام دامس قروناً عديدة حيث انه لا يوجد المشروطية شيء يخالف الدين … ولكنك من اليوم الأول الذي تبوأت فيه عرش السلطة وضعت تحت أقدامك جميع الوعود والايمان وعملت بجميع الحيل ضد المشروطية.

وقد تجلى لنا خطأنا فيك حيث سعيت أن تجعلنا آلة بيدك ضد المجلس… والآن سمعنا أنك أرسلت إلينا أحد رجالك المقربين لشراء ذممنا بالذهب، ولست تعلم أن سعادة الشعب أثمن كثيراً من ذهبك… ان ذكرك للدين والشريعة كذب وهراء أردت بكذبك هذا اغفال البسطاء المتمسكين بالدين لتمنع الدستور وتجعل الناس في ذل وفقر.

وعلى هذا انت عدو للدين المقدس وخائن للوطن وتشبه السارق الذي يسرق الناس باسم الدين والشريعة… إنك أنت والمجتهدون المرتزقة الذين يدعون بمخالفة المشروطية للشرع يتجاهلون حقيقة الدين بأن العدالة شرط حتى في الأمور الجزئية… وإذا حصل تأخير منك عما قلنا فاننا سوف نحضر جميعاً إلى إيران ونعلن الجهاد ضدك. ولنا في إيران اتباع كثيرون، والمسلمون كثيرون أيضاً. فإننا أقسمنا على ذلك”.

فهذا الخطاب الحاد من قبل الآخوند الخراساني ليس موجهاً للشاه فقط، بل ويشمل من أسماهم المجتهدون المرتزقة الذي يدعون مخالفة المشروطية للشرع كما جاء في كلماته. كذلك نجد أن بعض الفقهاء الذين وقفوا مع المشروطة، ومن ضمنهم الآخوند الخراساني وجهوا برقية إلى طهران في 24 ذي القعدة 14325 (29/12/1907) ضد الشيخ فضل الله النوري شخصياً تطلب كف يده، ومنعه من التدخل في الشؤون العامة، نظراً لأن الشيخ النوري في رأيهم مخل بالاستقرار، ولذلك فإن تصرفاته في كل الأمور حرام في رأيهم.

وهذه المواقف والخطابات الشديدة لأنصار المشروطة ضد من يقف ضدها، يقابله أيضاً مواقف شديدة من مناوئيهم، إذ تُنقل عن السيد اليزدي وأنصاره بعض المواقف، منها ما سوف ننقل في الآتي:

“عندما أنذرت روسيا الحكومة الإيرانية وأعطت مهملة لمجلس الشورى لتنفيذ مطالبها يومين وإلا سوف تزحف قواتها المرابطة في الشمال على العاصمة الإيرانية… وفي هذه الاثناء انشغلت النجف وكربلاء بالانذار الروسي، وعطلت الدروس وصلوات الجمعة، لا سيما إثر وصول برقية رئيس المجلس إلى السيد إسماعيل الصدر في 13 ذي الحجة 1329 (3 ديسمبر 1911) الذي يخبره فيها عن دخول الجيش الروسي إلى قزوين، ويطلب دعم العلماء لموقف المجلس الرافض للانذار، حيث عقد الصدر اجتماعات مع العلماء الاخرين.

وبدا أن المشكلة الرئيسية التي تعترض قيام موقف قوي في الحوزة العلمية، هو الصراع الذي اشتد في الآونة الاخيرة بين الدستوريين وانصار اليزدي.

ولذلك تركزت الجهود على مصالحة اليزدي والآخوند، فأرسل الآخوند الشيخ محمود النجفي إلى اليزدي مع رسالة السيد الصدر وبرقية رئيس المجلس، طالبا منه اقتراح ما يراه مناسبا وأنه سيكون طوع أمره. وكانت هذه مبادرة غير مسبوقة من جانب زعيم الحوزة، لكن اليزدي الذي علم بالأمر من أوساط الآخوند اعتذر عن مقابلة النجفي بحجة المرض.

وكرر النجفي زيارة بيت اليزدي أملاً في أن يؤذن له بالمقابلة فلم يحصل على ما أراد. وفي الاسبوع التالي قام شيخ العراقين والصدر والميرزا محمد تقي الشيرازي بمحاولة ثانية مع اليزدي، لكن هذا كرر الاعتذار، فقرر العلماء تنظيم اجتماع شعبي في حرم الامام علي لعرض الموقف، ففوجئوا باليزدي يتقدم نحو مصلاه المعتاد، فحاول الصدر محادثته، كما حاول رجل آخر قادم من ايران الاستغاثة به واسترحامه، وانكب على قدميه يقبلهما راجيا منه ان يوحد موقفه مع بقية العلماء، الا انه اعرض عنه.

وفي الاثناء بدأ بعض أتباع اليزدي يرفعون اصواتهم قائلين إن ثمة مؤامرة لقتل السيد، فاشتبك الناس مع بعضهم وضرب كثيرون، بينما انسحب اليزدي إلى احدى الغرف في صحن الحرم، ولم تهدأ الامور الا بعد تدخل الشرطة التي فرقت الناس بالقوة”.

وكل ما ذكرناه فيما سبق، سواءً عن الآخوند الخراساني أم السيد اليزدي يدلل على أن الخلاف بين هذين المرجعين لم يكن مقتصراً على الأتباع فحسب، بل كان بينهما أيضاً، وهذا الأمر لا يتصور وجوده في هذه القضية فقط، بل ينبغي أخذه بعين الاعتبار في نظرنا لبعض القضايا المعاصرة.

ونحن بهذه الكلام لا ننكر وجود بعض المشاكل التي لا دخل للمراجع بها، وإنما هي من صنع الحواشي والأتباع، ولكن ليس كل المشاكل هي على هذه الشاكلة.

كلمة الختام

تناولت في هذا الموضوع قضية المشروطة والمستبدة، وحاولت استعراض بعض أحداثها وأبرز مواقف شخصياتها، وذلك بهدف أخذ العظة والعبرة بما حدث من صراعات وفتن بين بعض العلماء وأنصارهم حول هذه القضية، وذلك لكي لا نعيد انتاج نفس الأخطاء التي وقعت في الماضي بهيئة جديدة، فلقد أردت أن أقدم بذلك نموذج تاريخي يمكن الاستفادة منه لفهم بعض القضايا الشائكة في واقعنا المعاصر، فهذا هو المهم بالنسبة لي، وهذا أيضاً كل ما أردته في هذا الموضوع لا أكثر ولا أقل.

 

المصدر: موقع المطيرفي

 

* سلمان عبد الأعلى : هو سلمان بن عبد الأعلى المعيوف، كاتب سعودي وباحث مهتم بالقضايا الإسلامية، ولد في الأحساء سنة 1405هـ (۱۹۸5م)، نشأ ودرس في مسقط رأسه ونال شهادة الدبلوم في إدارة الأعمال المكتبية من المعهد التجاري بالهفوف، والشهادة الجامعية (بكالوريوس إدارة أعمال) من جامعة الملك سعود بالرياض، ودبلوم دراسات عليا (ماجستير) من معهد الإدارة العامة بالرياض، يعمل إدارياً بالإدارة العامة للعلاقات والإعلام والتوعية الصحية بوزارة الصحة،

وإلى جانب الدراسة الرسمية أخذ العلوم الإسلامية والحوزوية على يد مجموعة من مشايخ الأحساء، من مؤلفاته : مناوشات فكرية.. دعوة لمناقشة بعض القضايا الدينية والاجتماعية، مشروع المرجعية الدينية وآفاق المستقبل (مع مجموعة كتاب)، المرجع الديني السيد كمال الحيدري، نبذة عن حياته، منهجه، مشروعه الإصلاحي (مع مجموعة كتاب).

يمكنكم قراءة عدد من مقالاته على موقع نصوص معاصرة

Slider by webdesign