خاص الاجتهاد: في حفل إزاحة الستار عن كتاب “فقيهي از كربلا” (فقيه من كربلاء)، تناول المتحدثون التراث العلمي والسياسي لآية الله السيد محمد تقي المدرسي، سلطوا الضوء على الربط بين الفقه ومقتضيات العصر، وتحويل الفكر الديني إلى عمل تنظيمي وميداني.
وفقاً لما أفاده المركز الإعلامي للحوزات العلمية النسائية، أقيم حفل تدشين الكتاب القَيّم «فقيه من كربلاء»—الذي يتناول بالتحليل والدراسة الفكر السياسي لآية الله السيد محمد تقي المدرسي—يوم الخميس الموافق ۱ أكتوبر ۲۰۲۶ (۹ مهر ۱۴۰۵) في قاعة المؤتمرات بمعهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية في مدينة قم.
وفي هذا الحفل، تحدث حجة الإسلام والمسلمين السيد مهدي المدرسي عن الاقتران بين الأصالة الفقهية ومتطلبات المرحلة؛ بينما أوضح الدكتور عبد الوهاب الفراتي دوافع تأليف الكتاب ومسار تحول الفكر السياسي لدى آية الله المدرسي. ومن جانبه، شدد الباحث البحريني الدكتور راشد الراشد—من خلال وصفه بـ «فقيه الميدان»—على الحضور العملي والميداني لآية الله المدرسي إلى جانب نشاطه العلمي.
كما تناول السيد آيت بيمان مكانة الفقه في المواقف السياسية والاجتماعية لآية الله المدرسي، في حين ركز حجة الإسلام والمسلمين نجف لك زائي على مفهوم «إقامة الدين»، مستعرضاً رؤى سماحته حول مأسسة العمل، والدولة، والقيادة الدينية، ودور الأمة؛ وهي محاور قدمت في مجملها صورة تتجاوز حدود السيرة الذاتية لفقيه معاصر.

على الحوزة أن تفكر في المستقبل
في بداية الحفل، أشار حجة الإسلام والمسلمين السيد مهدي المدرسي (نجل آية الله السيد محمد تقي المدرسي) في كلمته إلى كتاب «فقيه من كربلاء»، قائلاً: «هذا الأثر ليس مجرد سرد لسيرة فقيه معاصر، بل هو فرصة للتعرف على العلاقة بين تراث الفقاهة الشيعية، ومتطلبات العصر، والمسؤولية الاجتماعية للمرجعية الدينية».
وأعرب عن تقديره للحاضرين، مضيفاً: «في بعض الأحيان، لا يقتصر تدشين كتاب على تقديم بضع مئات من الصفحات، بل يكون فرصة لفتح نافذة على فكر وتجربة وجزء من التاريخ العلمي لزماننا».
وتابع مشيراً إلى موضوع الكتاب: «لمعرفة آية الله المدرسي لا ينبغي الاكتفاء بشرح حياته الشخصية، بل يجب دراسة أفكاره ونشاطاته كامتداء لتيار حي ومستمر في تاریخ الفقه والفكر الشيعي».
وأوضح أن كل جيل من كبار الفقهاء قد استلم تراث الجيل الذي سبقه وعمل على تكميله بما يتناسب مع أسئلة عصره، وقال: «إن الفقاهة الشيعية، ابتداءً من حوزات النجف وكربلاء والحلة وسامراء العريقة ووصولاً إلى حوزات اليوم، أثبتت قدرتها على النمو والإجابة عن القضايا المستحدثة مع الحفاظ على أصالتها وجودتها».
وأكد نجل آية الله المدرسي: «تتجلى في شخصيته العلمية ثنائية “الأصالة والمعاصرة” بشكل بارز؛ إذ إنه مع وفائه للتقاليد العلمية للحوزة، يعتبر الفقه علماً حياً يجب أن يكون حاضراً في قلب الحياة الإنسانية».
وأضاف: «في رؤيته، ليس الفقه مجرد مجموعة من الأحكام الفردية، بل هو علم حي وموجه يجب أن يلامس مشكلات المجتمع ويقدم إجابات واقعية لأسئلة الإنسان المعاصر».
وأشار السيد مهدي المدرسي إلى النظرة العالمية لآية الله المدرسي، قائلاً: «لم تتحدد اهتماماته بمدينة أو بلد معين، بل كانت تحولات المجتمعات الإسلامية، ومصير الشعوب المسلمة، والتحديات الثقافية والاجتماعية، ومستقبل الجيل الصاعد دائماً في بؤرة اهتمامه».
وأردف: «تنبع هذه الرؤية من إيمانه بأن عالم الدين لا يمكنه أن يكون معزولاً أو غير مبالٍ بما يمر به أبناء الأمة الإسلامية، ولا أن يقتصر في أداء مسؤوليته على التدريس وبيان الأحكام الشرعية فقط».
الأفق العالمي في النشاطات العملية لآية الله المدرسي
وبيّن نجل آية الله المدرسي أن هذا الأفق العالمي قد انعكس جلياً في نشاطاته العملية أيضاً، وقال: «تأسيس أو دعم المراكز العلمية والثقافية والدينية في مختلف أنحاء العالم—من نيويورك في أمريكا إلى أوكلاند في نيوزيلندا—يُعد من مظاهر هذا النهج».
وتابع: «كما أن تأليف مئات الكتب في مواضيع تتنوع بين الفقه والتفسير والقضايا الفكرية والاجتماعية، والاهتمام بتربية الطلاب، والتركيز على تطوير الحوزات العلمية الافتراضية، وتعليم المعارف الإسلامية بلغات متعددة، كلها جهود صُبت في إطار إيصال رسالة الحوزة إلى مخاطبين يتجاوزون الحدود الجغرافية».
واختتم بالإشارة إلى ارتباط هذا الأفق العالمي بالمنشأ العلمي لآية الله المدرسي قائلاً: «على الرغم من اتساع رؤيته العالمية، فإنه يظل ابن مدرسة وحوزة كربلاء، وتتجلى خصائص هذه المدينة—من روح المسؤولية إلى الصمود في وجه الظلم—بوضوح في فکره ونهجه».
وأكد قائلاً: «إن جذور هذه الرؤية تكمن في كربلاء، لكن أفقها يمتد إلى العالم أجمع»؛ وذلك لأن رسالة كربلاء لم تكن منذ بدايتها محدودة بمدينة أو قومية أو فترة تاريخية معينة، بل هي قادر على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان.
وفي جانب آخر من كلمته حول مكانة الحوزات العلمية، قال نجل آية الله المدرسي: «ينبغي للحوزة، إلى جانب حراستها للتراث الماضي، أن تعمل على إعداد علماء قادرين على تلبية احتياجات المستقبل. إن الابتكار في المناهج التعليمية، وفهم القضايا المستحدثة، وتربية طلاب يجمعون بين العمق الفقهي والعلمي وبين الوعي الاجتماعي ومعرفة العصر والقدرة على التحليل، يمثل ضرورة ملحة للتحول الحوزوي كي تتمكن من التجسير بين المعرفة الدينية وتساؤلات الأجيال الجديدة».
ومعاوداً الإشارة إلى كتاب «فقيه من كربلاء»، أوضح: «يمكن لهذا العمل أن يكون نافذة للتعرف على التجربة المعاصرة للفقاهة الشيعية في الربط بين الفقه والعصر، والحوزة والمجتمع، والأصالة والابتكار، والمرجعية والمسؤولية».
وأعرب السيد مهدي المدرسي عن شكره للدكتور عبد الوهاب الفراتي على تأليف هذا الأثر، وللأساتذة والباحثين الحاضرين في الندوة، متمنياً: «ألا يكون حفل التدشين ختاماً للعمل، بل بداية لحوار علمي حول مسار الفقاهة الشيعية وكيفية حضور الفكر الديني في عالم الغد».
واختتم كلمته بالشد على أن «الكتب إنما تحيا حقيقة عندما تثير الأسئلة وتستحث الأفكار وتفتح الآفاق أمام أبحاث جديدة بعد نشرها»، معرباً عن أمله في أن يلقى كتاب «فقيه من كربلاء» هذا المسار.

الفراتي: آية الله المدرسي يرى في حضور الفقيه في الحياة السياسية ضرورة دائمية
وفي امتداد برنامج الحفل، تحدث الدكتور عبد الوهاب الفراتي، عضو الهيئة العلمية لمعهد أبحاث الثقافة والفكر الإسلامي ومؤلف كتاب «فقيه من كربلاء»، قائلاً: «إن آية الله السيد محمد تقي المدرسي ليس مجرد شخصية مناضلة أو صاحب رؤى سياسية متفرقة، بل هو فقيه يواصل مشروعاً فكرياً متكاملاً منذ عقود وحتى اليوم».
وحول دوافع تأليف الكتاب، أشار الفراتي إلى أنه: «على الرغم من إقامة سماحته في تهران لمدة ۲۴ عاماً (منذ عام ۱۹۷۹ وحتى ۲۰۰۳)، للأسف لم يكن الكثير من طلاب الحوزة والشخصيات الأكاديمية على دراية كافية بأفكاره، وكان إدراكهم يقتصر غالباً على نشاطاته في منظمة العمل الإسلامي».
وأضاف: «حتى في الأوساط والأعمال العلمية، عندما كان يُطرح اسم آية الله المدرسي، نادراً ما كان يقدم أحد صورة دقيقة عن مشروعه الفكري، بينما يتجاوز نطاق أفكاره ونشاطاته حدود العمل التنظيمي في مرحلة زمنية محدودة».
وأشار مؤلف الكتاب إلى الدافع الثاني لبحثه قائلاً: «إن آية الله المدرسي—بخلاف الكثير من علماء الدين الذين يمتلكون أفكاراً متفرقة حول الفكر الإسلامي—يمتلك بالأساس مشروعات فكرياً شمولياً، والنضال السياسي ليس إلا جزءاً من هذا المشروع».
ولفت الفراتي إلى أنه «نظراً لاستمرار آية الله المدرسي في عطائه العلمي، فإن أبعاد مشروعه الفكري آخذة في التوسع، مما يتطلب من الباحثين دراسة أفكاره ورؤاه رغم الصعوبات التي تكتنف دراسة مفكر معاصر».
وتطرق إلى مرافقة آية الله المدرسي لنهضة الإمام الخميني (قده)، مبيناً: «كان سماحته منذ البداية في طليعة العلماء الذين دعموا هذه النهضة، وبعد انتصار الثورة الإسلامية قدم إلى تهران ليدعم مسار الثورة إلى جانب نشاطاته الفكرية».
وأوضح الفراتي: «كان آية الله المدرسي يرى في تهران مركز الثقل للثورة الإسلامية، ولهذا السبب—وعلى عكس آية الله محمد الشيرازي الذي انتقل إلى قم—بقي في تهران ليكون ظهيراً ومساعداً للولي الفقيه في ذلك الوقت».
وحول نشاطات آية الله المدرسي في إيران، أردف عضو الهيئة العلمية لمعهد أبحاث الثقافة والفكر الإسلامي: «لقد شارك سماحته في النقاشات المتعلقة بمسودة الدستور لجمهورية إيران الإسلامية، وكان له دور في إطلاق أول إرسال إذاعي باللغة العربية للثورة الإسلامية وتأسيس حرس الثورة الإسلامية».
وأضاف: «كما عمل على نشر أفكار الثورة الإسلامية في الدول العربية من خلال إصدار مجلة “الشهيد”، والتي أسهمت أعدادها الأولى بشكل ملموس في نشر هذه التوجهات في المنطقة».
وبيّن الفراتي أن كتاب «فقيه من كربلاء» ليس مجرد شرح للفكر السياسي لعالم دين فحسب، متابعاً: «في نظري، يمثل هذا الكتاب جزءاً من التاريخ غير المكتوب لثوار كربلاء؛ وهو تاريخ يستوعب نشاطاتهم في كربلاء والكويت ثم في إيران».
واختتم بالإشارة إلى نقص المصادر باللغة الفارسية حول هذه المرحلة قائلاً: «لا نزال نجهل الكثير عن طبيعة النشاطات التي قام بها ثوار كربلاء خلال فترة وجودهم في الكويت، وكيف قدموا رؤية فكرية متميزة في مواجهة التيارات الإخوانية والسلفية، وكذلك التيارات الشيعية مثل حزب الدعوة».
وأضاف مؤلف كتاب «فقيه من كربلاء»: «إن آية الله المدرسي ليس مجرد فرد، بل هو تيار يمتلك فكراً ويحمل مشروعاً جامعاً، ولهذا السبب فإن معرفته تعذر تحققها دون دراسة التلازم بين آثاره العلمية، ونضاله السياسي، ونشاطاته التنظيمية».
وحول موقع النضال في هذا المشروع الفكري، قال الفراتي: «بخلاف بعض المناضلين الذين دخلوا المعترك السياسي انطلاقاً من تكليف أملته ظروف مرحلة معينة، كان آية الله المدرسي يرى في النضال جزءاً لا يتجزأ من منظومته الفكرية ولا يختزله في ضرورة عابرة».
وأشار الفراتي إلى كتاب «الثقافة الرسالية» قائلاً: «تناول آية الله المدرسي في هذا الأثر—الذي أُلّف عام ۱۹۷۱—أزمة التخلف لدى المسلمين، ورأى في العودة إلى القرآن الكريم المخرج الأساسي من هذه الأزمة».
وأضاف: «إن اهتمام آية الله المدرسي بالتدبر في القرآن وتفسيره بالنظر إلى مقتضيات العصر يمثل امتداداً لذلك النهج المبكر، مما يثبت أن المباحث القرآنية في آثاره لا تنفصل عن مشروعه الفكري والاجتماعي».
وفي معرض تحليله لمسار الفكر السياسي لآية الله المدرسي، أوضح عضو الهيئة العلمية لمعهد أبحاث الثقافة والفكر الإسلامي: «لقد تطرق سماحته إلى بحث ولاية الفقيه عام ۱۹۶۸ (۱۳۴۷ هـ.ش)، وكان يعتقد بأن التشريع والسيادة يجب أن يكونا للفقيه».
وأشار الفراتي إلى رؤية بعض ثوار كربلاء حول أسبقية طرح هذا البحث من قبل آية الله المدرسي قائلاً: «على الرغم من أن الإمام الخميني (قده) قد تناول موضوع الولاية سابقاً في آثاره الفقهية، إلا أنه بحسب رأي تلك المجموعة، فإن صياغة هذا البحث كـ “نظریة سیاسیة” في تلك الفترة كانت تحتل موقعاً خاصاً في آثار المدرسي».
وتابع مشيراً إلى كتاب «فقه الدستور؛ أحكام الدولة الإسلامية»: «في هذا العمل الذي يعود إلى عام ۲۰۰۰ (۱۳۷۹ هـ.ش) وقبل سقوط نظام صدام حسين، ابتعد آية الله المدرسي عن نموذج الدولة المركزية القائمة على الولاية المطلقة للفقيه، ودفع باتجاه النظام الجمهوري الرئاسي».
وأردف الفراتي: «في هذه الصياغة، يتم انتخاب رئيس الجمهورية عبر أصوات الشعب مباشرة، وهذه النقطة تظهر أن آية الله المدرسي قد أعاد دراسة العلاقة بين موقع الفقيه، وهيكلية الحكم، ودور الشعب في آثاره اللاحقة».
كما تطرق إلى كتاب «الحكم الإسلامي في مدرسة الإمام علي (ع)» المؤرَّخ عام ۲۰۰۸، قائلاً: «لا يقترح آية الله المدرسي في هذا الكتاب هيكلاً محدداً للدولة، بل يركز على ضرورة التزام رجالات الدولة في العراق بمعايير الحوكمة الواردة في عهد الإمام علي لمالك الأشتر».
كما سمّى مؤلف «فقيه من كربلاء» كتاب «فقه الولاية» والعمل المتأخر «في عراق الإمامين علي والحسين؛ متى وكيف تتحقق الحضارة الإسلامية؟»، موضحاً: «إن دراسة هذه الآثار تبين أن آية الله المدرسي—مع حفظه للمباني الفقهية—أخذ بالاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية للعراق أيضاً».
وبيّن الفراتي: «في ظل ظروف لم تكن تسمح بتشكيل دولة الفقيه في العراق، شدد آية الله المدرسي على دور المرجعية الدينية في الإشراف على المجتمع وحمايته لمنع انزلاقه نحو الفوضى والفساد».
واختتم قائلاً: «إن آية الله المدرسي فقيهٌ لا يتخلى في فكره عن حضور الفقيه في الحياة السياسية مبدئياً، ومن وجهة نظره، سواء في نموذج الحكم الإيراني أو في الظروف العراقية، لا يمكن تغافل موقع الفقيه في بنية السلطة أو الإشراف عليها».

الراشد: آية الله المدرسي هو «فقيه الميدان»
ومن جانبه، قال الدكتور راشد الراشد، الباحث والمفكر البحريني، كمتحدث آخر في الحفل: «إن آية الله السيد محمد تقي المدرسي—إلى جانب طرحه للأفكار الإصلاحية—سعى حثيثاً لتحويلها إلى عمل منظم وميداني، ومن هذا المنطلق يمكن تسميته بـ “فقيه الميدان”».
وأوضح الراشد أنه واكب آية الله المدرسي عن قرب لقرابة ۵۰ عاماً وحضر دروسه، متناولاً: «إن آية الله السيد محمد تقي المدرسي يستحق عن جدارة لقب “فقيه الميدان”».
وأضاف الراشد: «هذا الوصف هو نتاج سنوات طويلة من التعرف على تعاليم آية الله المدرسي وتوجيهاته وأسلوب عمله، ولتوضيح ذلك يجب التوقف عند جانبين من نشاطاته: تأسيس الفكر الرسالي، والجهد المبذول لتحقيقه عملياً».
وأشار الباحث البحريني إلى بداية النشاطات الفكرية لآية الله المدرسي قائلاً: «في مرحلة شهدت ركوداً في حركة الفكر الإسلامي والنشاط الاجتماعي، بادر سماحته إلى دراسة أسباب تخلف الأمة، وأخذ على عاتقه مسؤولية إيجاد سبيل للخروج من هذا الواقع».
واختتم بالقول: «كان آية الله المدرسي يرى أن جذر هذا الركود يكمن في فكر المجتمع وثقافته والاستسلام للواقع القائم؛ وهو الواقع الذي مهد الطريق لتغلغل القوى الاستعمارية وهيمنتها على الأراضي الإسلامية».
وأوضح الراشد أن رد آية الله المدرسي على هذا الوضع كان تأسيس «الثقافة الرسالية»، مشيراً إلى أنه: «دخل معترك الفكر لنشر ثقافة تدعو المسلمين إلى فهم قضاياهم وتحمل المسؤولية لتغيير أوضاعهم».
وأشار إلى عملين لآية الله المدرسي وهما «الثقافة الرسالية» و«الفكر الإسلامي: مواجهة حضارية»، قائلاً: «يؤكد هذان الأثران على أن الفكر الإسلامي يجب أن يعالج المشكلات الواقعية للأمة، وأن يخوض المواجهة من خلال “طرحٍ مقابل طرح، وفكرٍ مقابل فكر”».
ولفت المفكر البحريني إلى أنه: «تقع “فكرة المسؤولية” في جوهر هذا النهج؛ حيث أراد آية الله المدرسي—استناداً إلى مضمون الآية الكريمة ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾—ترسيخ الإيمان لدى المجتمع بأن الأمة مسؤولة عن واقعها ومستقبلها».
وأضاف: «من وجهة نظر آية الله المدرسي، شملت هذه المسؤولية أبعاد التخلف والفساد وتآكل القيم والأخلاق في المجالات السياسية والاجتماعية والفكرية، ولا ينبغي للمسلمين التعامل مع هذه القضايا كحقائق ثابتة غير قابلة للتغيير».
وفي معرض تطرقه إلى الأسس المنهجية لفكر آية الله المدرسي، قال الراشد: «كان سماحته يعتبر الوحي المصدر المحوري للفكر الإسلامي، ويؤكد على العودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وروايات أهل البيت (ع) لإعادة التفكير في الفهومات وإيجاد الحلول لمشكلات المجتمع».
وتابع: «لم يكتَفِ آية الله المدرسي بتقديم طرح فكري فحسب؛ إذ كان يعتقد بأن الفكر—مهما بلغ عمقه—يحتاج إلى إطار وأدوات لتحويله إلى عمل ملموس يؤثر في حياة الناس».
وأشار الباحث البحريني إلى تأسيس «الحركة الرسالية» قائلاً: «أنشئت هذه الحركة لتجسيد الفكر القائم على المسؤولية عملاً، وقامت بتربية كوادر تنشط اليوم في الدول العربية، ومنطقة الخليج، وأفغانستان، وباكستان، والهند، وأوروبا، وإفريقيا، والقارة الأمريكية».
ومسترجعاً كلمات آية الله المدرسي في انطلاقة هذه الحركة، قال: «استناداً إلى الروايات الداعية لإجابة نداء استغاثة المسلمين، دعا سماحته الجميع إلى تحمل المسؤولية تجاه مشكلات المجتمع والمواجهة الجادة لعوامل الانحراف والفساد».
وفي تفسيره لتعبير «فقيه الميدان»، بيّن الراشد: «عندما نعرض عليه المشكلات والتحديات، يطالبنا دائماً بتقديم الحلول المقترنة بها، ولا يكتفي بالحلول النظرية بل يصر على الحلول الميدانية».
دعم آية الله المدرسي لإيران
وفي معرض ارائه لنموذج من هذا النهج، قال الراشد: «عقب التطورات الأخيرة، طلب آية الله المدرسي من أنصاره ومرافقيه النزول إلى الشوارع في إيران وإقامة المواكب لإعلان دعمهم للشعب الإيراني وتنديدهم بالاعتداءات الأمريكية والصهيونية ضد جمهوریة إيران الإسلامية».
كما أشار المفكر البحريني إلى حضور آية الله المدرسي في مراسم تشييع الشهيد آية الله العظمى الإمام الخامنئي (ره) في العراق، قائلاً: «رغم التأخير الطويل في بدء المراسم، انتظر آية الله المدرسي لساعات في الموقع، ورفض التوصيات بالعودة إلى المنزل لحين انطلاق التشييع».
واختتم الراشد بالقول: «إن حضور آية الله المدرسي في ساحات التدريس والإنتاج الفكري، إلى جانب نشاط المؤسسات التي أقيمت على يديه وأيدي تلامذته، يثبت أن “فقيه الميدان” ليس مجرد تعبير لفظي في رؤيته، بل هو منهج عملي للربط بين الفكر والتطبيق».

بيمان: آية الله المدرسي ربط الفقه بالمسؤولية السياسية والاجتماعية
وفي امتداد الندوة، تحدث الدكتور آيت بيمان، رئيس المجمع العالمي لشيعة شناسي وأمين شورای دینی پژوهان في البلاد، قائلاً: «نجتمع اليوم في هذا المؤتمر العلمي لا لمجرد التكريم لشخصية علمية، بل لإعادة قراءة الخصائص الفكرية لركيزة صلبة من ركائز الفقاهة، استطاعت التجسير بنجاح بين علم الدين والسياسة الإسلامية».
وأعرب عن تقديره للبحث الذي قدمه الدكتور عبد الوهاب الفراتي، مضيفاً: «يتجاوز هذا الكتاب حدود دراسة الفكر السياسي لآية الله السيد محمد تقي المدرسي ليوضح المنظومة الفكرية لسماحته، ومن هذا المنطلق يمكن أن يشكل أساساً لمعرفة المكانة العلمية، والرؤى السياسية، والدور الاجتماعي لهذا المرجع».
وأشار بيمان إلى عنوان الكتاب قائلاً: «علمتُ أن الدكتور الفراتي كان قد اختار عنوان “فقيه كربلاء”، لكن سماحته اعترض على هذا العنوان ولم يرضَ إلا بـ “فقيه من كربلاء”؛ وهو موقف يعكس الخصال الأخلاقية والتواضع الجلي لدى آية الله المدرسي».
واختتم رئيس المجمع العالمي لشيعة شناسي بالتأكيد على أنه يجب قراءة المكانة العلمية لآية الله المدرسي في ضوء الاقتران بين التقاليد العلمية لكربلاء وقم، قائلاً: «إنه من طراز الفقهاء الذين أخرجوا العلم من نطاقه النظري المحض ليجعلوه أداة لإدارة الأمة، معتمدين في هذا المسار على المعرفة الحوزوية الأصيلة ومتطلبات المجتمع في آن واحد».
وأضاف: «لقد أثبت آية الله المدرسي أن الفقيه لا ينبغي أن يكتفي ببيان أحكام الحلال والحرام فحسب، بل يجب أن يكون له دورٌ في القضايا المصيرية للمجتمع، وأن يسهم عبر تدريس الفقه والأصول—إلى جانب تربية الفقهاء—في إعداد وتنشيط قادة الفكر للمستقبل».
وحول الفكر السياسي لآية الله المدرسي، أوضح بيمان: «في مجال الفكر السياسي، نرى مواقفه ترتكز على أصل ثابت؛ وهو أنه يعتبر الفقه المحرك والمحرض للحراك السياسي للأمة، ولهذا السبب لا يمكن اعتبار السياسة في منظومته الفكرية موضوعاً منفكاً عن الدين والمعرفة الفقهية».
ومؤكداً على الجذور الدينية لهذه الرؤية، قال: «إن فكره السياسي ليس سياسةً طارئةً أو مقحمةً على الدين من الخارج، بل هي سياسة نابعة من قلب النصوص الأصيلة والاستنباطات الفقهية، وتتحقق فيها الرابطة والتلائم بين العقل والنقل وضرورة حفظ النظام الإسلامي».
وأشار أمين شورای دینی پژوهان في البلاد إلى مواقف آية الله المدرسي تجاه قضايا العالم الإسلامي، مبيناً: «إن سماحته لا يعتبر نصرة المظلومين في فلسطين ولبنان والبحرين واليمن وإيران والعراق وأفغانستان وباكستان وكشمير مجرد موقف سياسي عابر، بل يرى حفظ حريم الإسلام والدفاع عن مستضعفي العالم تكليفاً فقهياً واجباً».
واستشهد بيمان بكتاب «القيادة الإسلامية» كأحد أهم آثار آية الله المدرسي، قائلاً: «هذا الأثر—الذي أُلّف قبل زهاء ۵۵ عاماً—قد بيّن نظرية ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية بالأدلة الفقهية، وأوضح موقع القيادة السياسية لمراجع التقليد في ظل الحكم الإسلامي».
ولفت إلى الأسبقية الزمنية لهذا الكتاب مقارنة بكتاب «ولایت فقیه» للإمام الخميني (قده)، معتبراً: «إذا كان تقييمنا دقيقاً، فإن هذا الكتاب يمثل آفاقاً جديدة في الفقه الاجتماعي، ويجدر بالباحثين إیلاؤه اهتماماً أكبر لشناسة مسار الفكر السياسي لآية الله المدرسي».
وفي جانب آخر من كلمته، شدد رئيس المجمع العالمي لشيعة شناسي على الدور الاجتماعي لآية الله المدرسي، قائلاً: «إنه يمثل رمزاً للوحدة العلمية والعملية بين الفقهاء في أوساط الأمة، وكان حضوره في مختلف الساحات مقترناً دائماً بروح الخدمة والتواضع والإخلاص».
وتابع: «لقد أثبت آية الله المدرسي بنشاطاته العلمية والاجتماعية أن المرجعية تتجاوز كونها موقعاً علمياً لتكون مسؤولية جسيمة أمام التاريخ والله والأمة، وعلى الفقيه أن يشعر بالمسؤولية تجاه مصير المجتمع الذي يعيش فيه».
ولفت بيمان إلى اتساع نطاق مؤلفات آية الله المدرسي في الموضوعات الفقهية والتفسيرية والكلامية والتاريخية والاجتماعية، قائلاً: «أقولها دون مبالغة إن مجمل تراثه العلمي يغني المحققين والباحثين في هذه القضايا عن الرجوع إلى آثار أخرى».
كما تطرق إلى نقطة أشار إلى مغفوليتها في تقديم حياة وآثار آية الله المدرسي، قائلاً: «إن النقطة التي غفل عنها الإخوة ولم تُذكر حتى في الفيلم الوثائقي المعرف بحياته وآثاره، هي تأسيس حوزة علمية لنشر وتعليم فرهنگ أهل البيت (ع) داخل السجون الأمريكية».
واختتم أمين شورای دینی پژوهان كلمته بالإعراب عن تقديره لمواقف آية الله المدرسي في الدفاع عن الشهيد آية الله العظمى الإمام الخامنئي (ره) بوجه التهديدات، واصفاً فتواه في هذا الصدد بـ «الفتوى النادرة والشجاعة» والداعية لإعادة القراءة والاهتمام.
كما وصف بيمان حضور آية الله المدرسي في مراسم تشييع القائد الشهيد بالخطوة التاريخية، قائلاً: «نحن كأبناء للمجتمع الشيعي نتقدم له ببالغ الشكر والامتنان، ونرى أنفسنا مرهونين للطفه ومحبته».

لك زائي: آية الله المدرسي ربط إقامة الدين بالتنظير ومأسسة العمل
ومن جانبه، قال حجة الإسلام والمسلمين النجف لك زائي، رئيس معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية، كمتحدث أخير في حفل تدشين كتاب «فقيه من كربلاء»: «إن آية الله السيد محمد تقي المدرسي من العلماء الذين لم يكتفوا ببيان المعارف الإسلامية وترويجها، بل دفعه همُّ إقامة الدين إلى التنظير، ومأسسة العمل، وتربية الكوادر».
واستناداً إلى الآية المباركة ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّینَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِیهِ﴾ (الشورى: ۱۳)، قال: «يمكن تصنيف العلماء والمفكرين بناءً على نسبتهم إلى الساحات الثلاث: البيان، والتبليغ، وإقامة الدين؛ ولا تكتمل دراسة فكر آية الله المدرسي دون التوقف عند الساحة الثالثة».
وأضاف حجة الإسلام والمسلمين لك زائي: «هناك فئة من أهل العلم تعتبر تطبيق الدين وتحقيقه اجتماعياً وظيفة تقع على عاتق الآخرين بعد الفراغ من بيان المعارف وتأليف الكتب والتدريس، في حين تتجاوز فئة أخرى مرحلة البيان إلى التبليغ، لكنها لا تأخذ على عاتقها مسؤولية إقامة الدين بشكل مباشر».
وأشار رئيس معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية إلى الفئة الثالثة قائلاً: «إن هؤلاء العلماء يلتفتون منذ البداية إلى الفجوة بين الواقع القائم للمجتمع والوضع الديني المنشود، ويتساءلون عن كيفية الانتقال من الظروف الراهنة إلى وضع تتجسد فيه التعاليم الدينية في الحياة الاجتماعية».
ومبيّناً أن هذه الفئة تتخذ من الرسول الأعظم (ص) أسوة لها، أوضح: «لم يكتَفِ النبي (ص) بإبلاغ المعارف وتبیینها فحسب، بل قام لإقامة الدين؛ ولهذا السبب فإن الاقتداء بسيرته يتطلب اهتماماً بالجوانب العملية والاجتماعية للدين».
وأكد حجة الإسلام والمسلمين لك زائي على ضرورت التنظيم لتحقيق هذا الهدف، قائلاً: «عندما تريد إقامة المعارف الإسلامية، فأنت بحاجة إلى منظومة وإلى مأسسة العمل»؛ ومن هذا المنطلق يجب أولاً التعرف على المؤسسات القائمة ومعرفة ما إذا كانت الأحزاب والمنظمات والحكومات تضع إقامة الدين ضمن مهامها أم لا.
ومعاوداً الإشارة إلى الآية ۱۳ من سورة الشورى، أضاف: «وردت إقامة الدين في هذه الآية مقترنةً بالنهي عن التفرق؛ وتحقيق هذين الهدفين يتطلب تشكيلاً ينظم القوى الدينية في مسار مشترك».
وحول نشأة «الحركة الرسالية»، قال رئيس معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية: «تأسست هذه الحركة في ظروف أنشأت فيها بعض التيارات هيكلية موازية للمرجعية، في حين كان آية الله المدرسي يصر على انضواء التنظيمات الدينية تحت مظلة القيادة الدينية».
ولفت إلى أنه: «من وجهة نظر آية الله المدرسي، إذا نشأت منظمة موازية للقيادة الدينية أو حكومة منفصلة عنها، فلا يمكن الاطمئنان إلى التزامها بمتطلبات إقامة الدين أو صمودها بوجه الهيمنة في اللحظات الحاسمة».
ومبيناً أن مأسسة العمل في فكر آية الله المدرسي لا تتحدد بحدود دولة واحدة، قال لك زائي: «إنه يحلل قضية العالم الإسلامي في مقياس عالمي، وكما يعبر الدكتور عبد الوهاب الفراتي، فإنه يعرف “الآخر” أيضاً بمقياس حضاري».
وأضاف: «يرى آية الله المدرسي في الحضارة الغربية تياراً يقف بوجه إقامة الدين من خلال التغلغل في هياكل ومؤسسات العالم الإسلامي، وبناءً على ذلك، يرى من الضروري اتخاذ نهج إسلامي واعتقادي وحضاري لمواجهة هذا الواقع».
وأشار رئيس معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية إلى استشهاد آية الله المدرسي بالآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ کُلِّهِ﴾، موضحاً أن الاستدلال بها يعكس أهمية الأفق العالمي في منظومته الفكرية.
وحول رؤية آية الله المدرسي للعلاقات بين الدول الإسلامية، قال: «يرى سماحته وجوب إزالة العوائق أمام تنقل المسلمين بين هذه الدول، وألا تشكل الحدود الفاصلة حائلاً دون تلاحم الأمة الإسلامية وتعاونها».
وفي تفسيره لهذه الرؤية، أوضح لك زائي: «في الوقت الذي سهّلت فيه مجموعة من الدول الغربية إجراءات التنقل فيما بينها، لا يزال العالم الإسلامي يواجه عقبات متعددة أمام حركة أبنائه، ويرى آية الله المدرسي أن هذا الوضع يتنافى مع ضرورة وحدة المسلمين».
دعم آية الله المدرسي للثورة الإسلامية
كما قيم دعم آية الله المدرسي للثورة الإسلامية وقيادتها في إطار همّه الأساسي لإقامة الدين، قائلاً: «عندما رأى التجسيد العملي للأفكار الدينية في حركة ما، سارع إلى دعمها ولم يحصر هذا الدعم في الحدود الوطنية».
وأضاف رئيس معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية أن «إقامة الدين قد تراجعت إلى الهامش اليوم في العالم الإسلامي»، متابعاً: «إن العلماء الذين يطرحون الإسلام برؤية عالمية ومناهضة للهيمنة قلّما يتم تسليط الضوء عليهم في وسائل الإعلام، ولا ينبغي اعتبار عدم بروزهم دليلاً على تضاؤل أهمية فكرهم ونشاطهم».
وأشار إلى كتاب «فقيه من كربلاء» موضحاً: «يعد فصل النظام السياسي والدولة من أكثر فصول هذا الكتاب تفصيلاً، ويمكن من خلاله تتبع إجابات آية الله المدرسي عن الأسئلة المتعلقة بضرورة الدولة، وعناصرها، وحجم صلاحيات الحكم، وعلاقة الدولة بالشعب».
وحول ضرورة وجود الدولة في هذا الفكر، قال لك زائي: «بالإضافة إلى حفظ النظام والأمن، تعمل الدولة الإسلامية على صيانة كرامة الإنسان»؛ ومن هنا لا يمكن اختزال هدفها فقط في إقرار النظام وتوفير الأمن الذي تدعيه أي دولة أخرى.
واختتم حجة الإسلام والمسلمين لك زائي بالقول: «الدولة الإسلامية من منظار آية الله المدرسي يجب أن تمهد الأرضية لإقامة الدين، وتحمي كرامة الإنسان، وتقف في وجه الهيمنة، واهتمامه بنماذج الحكم الواردة في القرآن الكريم يأتي في صلب هذه المسؤوليات».
وأشار رئيس معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية إلى عناصر الدولة الإسلامية قائلاً: «يرى آية الله المدرسي أن القيادة الإلهية هي العنصر الأساسي في هذا الهيكل، ويضع الفقيه جامع الشرائط في مركز صنع القرار، ولا يرى أي شرعية للتنظيمات التي تتشكل بصورة موازية للقيادة الدينية».
وحول حدود النظام السياسي في هذه النظرية، أوضح لك زائي: «ينظر آية الله المدرسي إلى هذه الحدود بوصفها حدوداً عقائدية وعالمية، ويعتقد بأن على المسلمين—على الرغم من شتاتهم الجغرافي—أن يكونوا متصلين ومتحابين و”يداً واحدة” في مواجهة القضايا المشتركة للعالم الإسلامي».
ولفت حجة الإسلام والمسلمين لك زائي إلى معيار حضور الأفراد في هيكل السلطة قائلاً: «في رؤية آية الله المدرسي، يُعد الإيمان شرطاً لدخول هذا الهيكل، لكن الإيمان لا يعني الاعتقاد المنفصل عن السلوك، بل يجب أن يتجلى في العمل الصالح والتنزه عن الأداء الفاسد».
وعن نطاق مسؤولية الدولة، أضاف: «إن إقامة الدين لا تقتصر على الساحة السياسية فحسب، بل إن للحكومة وظائف في المجالات الاقتصادية والثقافية والتربوية والتعليمية والصحية؛ ذلك لأن قراراتها وأداءها في كل هذه المجالات تؤثر مباشرةً في حياة الناس».
وأشار رئيس معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية إلى موقع الشعب في هذه النظرية، قائلاً: «يقيم آية الله المدرسي دوراً استشارياً للشعب، ويسند إلى الدولة مسؤولية الاستفادة من رؤاهم وأفكار النخب في إدارة المجتمع».
وتابع: «وفيما يتعلق بتقييم أداء الحكومة، تبرز أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرقابة الاجتماعية؛ وكما يقول آية الله المدرسي: “إذا عجزت دولةٌ ما عن النهوض بمسؤوليتها في إقامة الدين، فيجب إقصاؤها” ويسحب الصوت الممنوح لها».
واختتم حجة الإسلام والمسلمين لك زائي كلمته بالشد على أنه: «نحن لا نختزل نهجه في مجرد المقاربة السياسية؛ بل إن هذا النهج نهجٌ حضاري، ولمعرفته لا بد من قراءة السياسة الداخلية والخارجية جنباً إلى جنب مع الاقتصاد والثقافة ومأسسة العمل وبقية أبعاد الحياة الاجتماعية».
إزاحة الستار عن كتاب «فقيه من كربلاء»
وفي الجزء الختامي من هذا المحفل، وبعد إلقاء الكلمات واستعراض الأبعاد العلمية والسياسية والاجتماعية لفكر آية الله السيد محمد تقي المدرسي، جرى حفل إزاحة الستار عن كتاب «فقيه من كربلاء» للمؤلف الدكتور عبد الوهاب الفراتي؛ وهو أثرٌ يحلل الرؤى الفقهية والسياسية لهذا المرجع، إلى جانب إعادة قراءة جانب من نشاطاته الفكرية والاجتماعية.
الاجتهاد موقع فقهي