خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / أخبار مميزة / آية الله السبحاني يتناول “مقاصد الشريعة” في مأدبة علماء مشهد

آية الله السبحاني يتناول “مقاصد الشريعة” في مأدبة علماء مشهد

خاص الاجتهاد: أُقيمت مساء يوم الأربعاء، الخامس من شهر ربيع الأول لعام ١٤٤٨ هجرية، مأدبةٌ علميةٌ جمعت نخبةً من التلامذة والعلماء والأساتذة المشاركين في البرنامج الصيفي للحوزة العلمية بمشهد، إلى جانب حضور كوكبةٍ من علماء المدينة.

وفي ختام المأدبة، قدّم الحضور طلباً إلى سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني لإلقاء كلمة، فاستجاب سماحته وتناول بالبحث موضوع “مقاصد الشريعة” في محاضرةٍ تأصيليةٍ استعراضية.

أبرز ما تضمنته المحاضرة

أولاً: التأصيل التاريخي للمسألة

استهل سماحته بالقول إنّ أوّل من طرح مسألة مقاصد الشريعة هو الإمام أبو إسحاق الشاطبي في القرن الثامن الهجري، من خلال كتابه “الموافقات“. وأشار إلى أنّ دافع الشاطبي كان يتمثّل في الحاجة إلى الإجابة عن المسائل المستجدة، بالنظر إلى قلة ما بين أيدي فقهاء أهل السنّة من نصوص صحيحة (خمسمائة حديث فقهي فقط، إلى جانب أربعة آلاف حديث مرسل وضعيف السند). لكنّ هذا الطرح لم يلقَ قبولاً واسعاً في زمانه، وظلّ الكتاب منسيّاً حتى وفاة مؤلفه سنة ٧٩٠ هجرية.

ثانياً: الإشكال الكلامي في طرح الشاطبي

أثار سماحته سؤالاً محورياً: كيف يمكن للشاطبي، وهو من أتباع المذهب الأشعري الذي يرى أنّ أفعال الله غير معلّلة بعلة أو غرض، أن يتبنى نظرية مقاصد الشريعة التي تقوم على غائية التشريع؟ ورأى أنّ الإجابة تكمن في كون الشاطبي قد اجتهد في هذه المسألة وخالف المبدأ الأشعري الراسخ فيها.

ثالثاً: إحياء الفكرة على يد ابن عاشور

بعد سبعمائة عام من وفاة الشاطبي، جاء الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (المتوفّى ١٣٩٤ هجرية) ليُحيي هذه الفكرة في بيئة كانت مهيّأة نسبياً لإعادة النظر في بعض مسائل المذهب الأشعري، ومنها غائية التشريع.

رابعاً: مراتب المقاصد عند ابن عاشور

قسّم ابن عاشور مقاصد الشريعة إلى ثلاث مراتب:

1. الضروريات: ما يتوقف عليه بقاء الإنسان، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
2. الحاجيات
3. التحسينيات

وبيّن سماحته أنّ ابن عاشور رتّب الضروريات الخمس في حالة التزاحم، مقدّماً الدين على النفس، والنفس على العقل (كما في جواز استخدام المسكرات علاجياً للحفاظ على الحياة)، والنفس على العرض، والنفس على المال.

خامساً: الضوابط الأصولية في التعامل مع المقاصد

أوضح سماحة آية الله السبحاني أنّ الفقه الإمامية تمنع “تخريج المناط” أي استنباط مناط الحكم بالعقل القاصر، مستشهداً برواية أبان بن تغلب التي تعجّب من دية المرأة، وردّ الإمام (عليه السلام) عليه بقوله: “إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ”.

لكنه استدرك بأنّه إذا وردت العلّة التامّة في لسان الشرع نفسه، جاز التعدية من المورد المنصوص إلى غيره، على أن تكون العلّة تامةً لا مجرّد حكمة.

سادساً: أمثلة تطبيقية من الكتاب والسنّة

قدّم سماحته أربعة أمثلة توضيحية:

1. تعليل البئر بأنّه “واسع لا يفسده شيء” لأنّ له مادةً، فيُسرّى الحكم إلى العين المتصلة بالمادة.
2. تقديم الصلاة بطهارة ترابية في الوقت على الصلاة قضاءً بطهارة مائية، استناداً إلى قاعدة “لا صلاة إلاّ من خمس: الطهور”.
3. استنباط حرمة كلّ ما يؤدّي إلى العداوة والبغضاء من الآية الكريمة: “إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ لِيُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ”.
4. استفادة حرمة الإهانة لمقدسات الآخرين من الآية: “وَلَا يَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ… فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ”.

ثم خلص سماحته إلى التفريق بين مفهومين:

· المقاصد بالمعنى الممنوع: استنباط الملاك ذاتياً، وهو عين “تخريج المناط” المحرّم.
· المقاصد بالمعنى الجائز: استخدام العلل المنصوصة الواردة في الكتاب والسنّة، وفهمها عرفاً على أنّها علل تامة، مما يسمح بتعدية الحكم.

كما نبّه إلى ضرورة التمييز بين استحكام القاعدة وسوء استخدامها، محذّراً من أن إسنادها إلى الجهّال يؤدي إلى نتائج سلبية.

ثم روى سماحته موقفاً طريفاً حدث له في مكة المكرمة، حيث رأى رجلاً يأكل لحوماً تُذبح خارج الجزيرة العربية، وعندما استشهد بقوله تعالى: “لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ”، أجابه الرجل: “عندما آكل، أقول بسم الله”!

نص الكلمة

بسم الله الرحمن الرحیم

في يوم الأربعاء، الخامس من شهر ربيع الأول لعام١٤٤٨، أُقيمت مأدبةٌ لتلامذة العلوم الدينية، حضرها جمعٌ من العلماء والأساتذة الذين شاركوا في البرنامج الصيفي للحوزة العلمية بمشهد، بالإضافة إلى حضور بعض علماء مشهد أيضًا. في هذا المحفل، طُلِبَ من سماحة آية الله العظمى السبحاني أن يُلقي كلمةً، فتناول موضوع «مقاصد الشريعة».

افتتح سماحته كلامه فقال:

يجب بدايةً أن نستعرض تاريخ هذه المسألة. فقد طرحها أوّل مرّة الشاطبي في القرن الثامن الهجري، وألّف في هذا المجال كتابًا سمّاه «الموافقات»، طُبع ونُشر. وكان الدافع وراء طرحه لهذه القاعدة هو إمكانية الإجابة عن المسائل المستجدّة؛ لأنّ ما بين يدي فقهاء أهل السنّة هو خمسمائة حديث فقهي، بالإضافة إلى أربعة آلاف حديث مرسلٍ ومقطوع السند، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الإمكانات لا تستطيع الوفاء بحلّ المسائل النازلة إلى يوم القيامة.

وقد طرح هذه المسألة، لكنّها لم تلقَ قبولاً، وتوفّي المؤلّف، أي أبو إسحاق الشاطبي، سنة ٧٩٠ هجرية، وبوفاته نُسي هذا الكتاب أيضًا.

وهنا ينبغي أوّلاً أن نتساءل: إنّ مذهب الأشاعرة يرى أنّ أفعال الله، تكويناً وتشريعاً، غير معلّلة بعلّة أو غرض، ويزعمون أنّ وجود الغرض في فعل الله يدلّ على حاجته إلى ذلك الغرض. وأمّا مدى صحّة هذا القول فقد نوقش في موضعه. لكنّ السؤال هنا: كيف يمكن للشاطبي، وهو من أتباع مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، أن يطرح مثل هذا المبدأ؟ لأنّ مقاصد الشريعة هي نقيضُ الركن الركين في مذهب الأشاعرة؛ إلاّ إذا قلنا إنّه كان مجتهداً في هذه المسألة ولم يتبع ذلك الأصل.

ومضت سنون طويلة، ولم يُذكر هذا الأصل بين أهل السنّة. ولكن بعد سبعمائة عام من وفاة الشاطبي، قام رجلٌ يدعى ابن عاشور (المتوفّى سنة ١٣٩٤ هجرية) بإحياء هذه الفكرة، وكانت البيئة مهيّأة إلى حدّ ما لطرحها؛ إذ إنّ بعضهم في ذلك الزمان كان قد أعاد النظر في مسائل الأشاعرة، وكانت إحدى تلك المسائل هي غاية التشريع الإسلامي.

ويطرح ابن عاشور المسألة في ثلاث مراتب، ويقول: إنّ المجتمع يمرّ خلال عمره بثلاث مراحل:

الأولى: الضروريات،

الثانية: الحاجيات،

الثالثة: التحسينيات.

والمراد بالضروريات: ما يتوقّف عليه بقاء الإنسان، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.

ثمّ يقول: إنّ هذه الضروريات وإن كانت كلّها ضرورية، فهي متفاوتة في المرتبة عند التزاحم. وبيان ذلك: إذا تزاحم الدين والنفس، قدّم الدين على النفس. وإذا تزاحم النفس والعقل، قدّمت النفس على العقل؛ لذا يُستخدم الدواء المخدّر والمسكر للحفاظ على حياة الإنسان، وإن كان يزيل العقل بشكل مؤقّت.

وإذا تزاحم النفس والعرض، قدّمت النفس. فإذا أُكره الإنسان على فعل حرام وإلاّ قُتل، فعليه حفظ نفسه.

وإذا تزاحم حفظ النفس والمال، فإنّ حفظ النفس واجب ويُتجاوز عن المال.

وتسري هذه المراتب نفسها في الحاجيات، ثمّ في التحسينيات. (وإضافةً إلى هذه الموارد المتعلّقة بالتزاحم، فإنّهم يذكُرون أدوارًا استنباطية أخرى لمقاصد الشريعة، ولكننا لا نتعرض لها الآن.)

فلنعد لننظر: وفق المباني الأصولية، ما مدى فعالية مقاصد الشريعة؟

قبل ذلك، نذكّر بمقدّمة صغيرة: إنّ تخريج المناط في الفقه الإمامية ممنوع. فلا يمكننا بعقولنا القاصرة أن نستنبط مناطات الأحكام ونفتي على أساسها.

لذلك ورد في الروايات، كالرواية المشهورة عن أبان بن تغلب، حيث تعجّب من دية المرأة: أنّ قطع إصبع واحد فيها عشرة دنانير، وإصبعين عشرون ديناراً، وثلاثة ثلاثون ديناراً، فإذا قُطعت أربعة أصابع تكون العشرون ديناراً.

فاستغرب من هذا الحكم الإلهي وقال: «هذا قول الشيطان»، حتى وصل إلى محضر الإمام (عليه السلام)، فقال الإمام كلمته المعروفة: «إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ».

فإذا أردت أن تستنبط الدين الإلهي عن طريق القياس، فإنّ الدين يُمحى، والقياس هنا بمعنى تخريج المناط.

أمّا إذا ورد في لسان الشرع نفسِه مناط الحكم وميزانه بصورة العلّة التامّة، فمِن الممكن حينئذٍ التعدية من المورد المنصوص إلى غيره، بشرط أن تكون العلّة تامّةً لا حكمة. ونوضّح ذلك بأربعة أمثلة:

الأول: ورد في الروايات: «البئر واسع لا يفسده شيء»، حتى قال: «لأن له مادةً». وهذا التعليل ورد في البئر، ولكن يمكن استنباط حكم العين منه أيضاً، فإنّ العين وإن كانت قليلة، إلاّ أنّها متّصلة بمصدر غزير. وهنا يمكن إطلاق اسم مقاصد الشريعة، حيث إنّ الشريعة تُعدّ قوّة المصدر حافظةً من سراية النجاسات.

الثاني: إذا كان الشخص في الوقت فاقداً للماء، ولكنه يستطيع الحصول عليه خارج الوقت، يقول الفقهاء هنا: صلِّ في الوقت بطهارة ترابية، فهي مقدّمة على الصلاة قضاءً بطهارة مائية، لأنّ الروايات ورد فيها: «لا صلاة إلاّ من خمس: الطهور»، إلى آخر الرواية.

المثال الثالث: يقول القرآن الكريم: «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ لِيُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ». ومن هذا نفهم أنّ كلّ عمل يؤدّي إلى العداوة والبغضاء والإخلال بالنظام في المجتمع، فهو حرام، ولو لم يكن من الخمر أو الميسر.

المثال‌الرابع: يقول القرآن الكريم: «وَلَا يَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ…» إلى آخر الآية حيث يقول: «فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ». أي لا تسبّوا آلهة المشركين، فإنّهم سيجترئون على ربّكم بالمثل.

ومن هذه الآية نفهم أنّ كلّ نوع من الإهانة لمقدسات غير المسلمين غير جائز، لأنّ ذلك يقود إلى الإهانة لمقدّساتنا؛ أي على المرء أن يتكلّم بالمنطق. وهذا في مجال الاستنباط.

كما يمكن القول: إنّ باب التزاحم يُعمل فيه بالأقوى ملاكاً؛ أي إنّ قوّة الملاك تُفهم من الحديث، ويُقدّم الأقوى. وحتّى في مسألة الترتب وما شابهها، يُطرح هذا المبحث نفسه.

فنستنتج: إذا كان المقصود من مقاصد الشريعة هو استنباط الملاك استنباطاً ذاتياً، فهذا ممنوع؛ وهو عين تخريج المناط، وهو حرام.

أمّا إذا استُفيدت العلّة ومناط الحكم من نفس الآية والروايات، وأدرك الفقيه عرفاً العلّة التامّة، فيمكنه تعدية الحكم إلى غيره. ولهذا فإنّ الاتّفاق الأصولي قائم على أنّ العلّة المنصوصة حجّة، لا العلّة المستنبطَة.

ونذكّر بالمناسبة: إنّ استحكام القاعدة مسألة، وسوء استخدامها مسألة أخرى. فلا ينبغي أن نجعل من سوء استخدام الجُهّال لهذه القاعدة سبباً لإرخاء عراها. فإنْ أُعطيت القاعدة لجاهل، كانت العاقبة سيّئة قطعاً.

وهنا أضيف هذه الذكرى:

كنت في مكّة، فرأيت رجلاً يأكل من لحوم تُذبح خارج الجزيرة العربية. فقلت له: كيف تأكلها مع أن القرآن يقول: «لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»؟

فأجاب: حينما آكل، أقول «بسم الله».

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *