خاص الاجتهاد: الحكومة في النظرة الإسلامية هي جهاز تنفيذ الدين في المجتمع، وفي عصر الغيبة تُوكَّل إلى الفقيه العادل، القادر وعلى دراية بالزمان.
بناءً على ذلك، يُعرّف الفقيه الذي يمتلك صلاحية تفوق باقي الفقهاء في زمانه من قبل الإمام العصر (عج) كنائب عام. هذه الحقيقة تُظهر أن مؤسسة الإمامة في المجتمع الإسلامي ليست كيانًا غير فعال. إنّ هذا الأمر يحمّل المسلمين مهمةً عظيمة: عندما تُفقد القيادة الإلهية، يجب أن يبحثوا فورًا عن قيادةٍ شرعية ذات أعلى الصلاحيات.
وقد ذكر أمير المؤمنين (ع) في حديثٍ مرتبط بذلك: «… وَالْوَاجِبُ فِي حُكْمِ الله وَحُكْمِ الإِسْلَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا يَمُوتُ إِمَامُهُمْ أَوْ يُقْتَلُ ضَالًّا … أَنْ لَا يَعْمَلُوا عَمَلًا وَلَا يُحْدِثُوا حَدَثًا وَلَا يُقَدِّمُوا يَدًا وَلَا رِجْلًا وَلَا يَبْدَأُوا بِشَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ إِمَامًا يَجْمَعُ أَمْرَهُمْ…» (بحار الأنوار، ج 33 ص 144)
المهم أن نُدرك أن الواجب ليس اختيار الإمام فحسب، بل هو البحث عن القيادة الصالحة والمستحقّة للإمامة التي تُرضي إمام العصر والزمان (عج). في هذا الطريق قد يتبادر إلى ذهن الإخوة والأخوات المؤمنين المنتظرين عندما يشعرون في هذه الساعات الحزينة بواجبٍ عظيمٍ ومصيبةٍ شديدة: هل يمكن أن تكون القيادة مثل الإمام الخامنئي، الذي كان يتمتع بمستوى الفقه والحكمة والقدرة السياسية والعامة التي سحرت العالم بقدراته، وأظهر في مسار الوقوف صمودًا جعل من الشرق والغرب يخرّان إجلالًا أمام عظمة الإسلام والمسلمين، ورفع راية الجمهورية الإسلامية إلى أعلى القمم العلمية والسياسية والعسكرية في العالم، ليصل بهذه السفينة الكبيرة إلى برٍ آمنٍ في أحد أحلك الفترات في تاريخ الشيعة؟
هل يمكن حقًا ملء هذا الفراغ وتعويض هذا الضرر؟ كيف نطمئن إلى القائد الجديد الذي يختاره خبراء القيادة؟
هذه التساؤلات تنبع من همّةٍ دينيةٍ وحرّيةٍ إيمانيةٍ لدى الإخوة والأخوات المسلمين في إيران والعالم، من الرجال والنساء الذين فقدوا حتى الآن كل ما يملكون من أولاد، مال، ونفوسٍ في سبيل الإسلام وإيران، والذين اليوم ينظرون بقلقٍ وعلى قلوبٍ مملوءةٍ بالإيمان إلى المستقبل ويسألونه.
في الرد على هذا الهمّ المقدس، هناك عدة نقاط تستحق الذكر:
1‑ الإمام الشهيد الخامنئي قبل وبعد القيادة:
النقطة الأولى هي أنه يجب أن ندرك أن ما نحتفظ به في الذاكرة عن القيادة الفريدة للامام الشهيد الخامنئي (قدس سره) سيظل محفورًا إلى الأبد في تاريخ المقاومة والجهد داخل الجمهورية الإسلامية. لكن ما كان قبل القيادة وما بعد القيادة يختلفان كثيرًا. فحتى قبل توليه القيادة، كان السيد علي الخامنئي شخصية متميزة، كالشمس الساطعة بين تلاميذ الإمام الخميني (قدس سره) وكان نورًا في مجالس الثورة. ومع ذلك، لا يمكن مقارنة دوره بعد القيادة بما كان عليه قبلها. كان ذلك بفضل العناية الإلهية التي منحت الإمام الشهيد الخامنئي مقامًا رفيعًا في رئاسة العالم الإسلامي، وما زال الله هو الله.
2‑ الهداية من عند الله
«وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ»؛ وهذه الهداية مضمونة لمن غاصوا في بحر الجهاد على نهج الله: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا». واجبنا هو تقبل الهداية الإلهية، والسير في طريق الله دون كلل، وعدم الانصات إلى أصوات الشيطان، وعدم الانغماس في عالم الأضواء الزائفة للملوك الصغار والكبار. والله هو من يضيء سُبل الهدى.
هل وفَّت المجتمع الإيراني عهده؟
ابتسامة رضا الإمام الشهداء وشكره للناس، وموقفة أمام هذا المجتمع قبل أيام من استشهاده (بعد مسيرة 22 بهمن) وثقته في الشعب حين قال: «أمتنا الإيرانية تعرف دروسها الإسلامية والشيعية جيدًا» (28/11/404) وإلى أنه قال، إذا حدثت مصيبة للبلاد، فإن الله سيُعَيّن هذا الشعب للتصدي لها، وأن الشعب سيكمل العمل (12/11/404).
هذه الأقوال تدل على رضا وثقة القيادة في الشعب.
الآن، وبناءً على ذلك، حان الوقت لانتظار النصر الإلهي.
هل يمكن أن تكون هناك أمة سارية في طريق الله ولا يهديها الله؟ الله قد وعدنا بـ«ولينصرن الله من ينصره»؛ فالوعد الإلهي هو أن يُعِين مثل هذه الأمة، وأي وعد من وعود الله هو الصادق الأحق؟
٣‑ ليست هذه المرة الأولى وربما لا تكون الأخيرة التي تواجه فيها الأمة الشيعية اختبارًا من هذا النوع، وقد يكون هذا الاختبار أسهل من الاختبارات السابقة من نواحي مختلفة. إذا نظرنا إلى صفحات التاريخ المليئة بالصعوبات والمخاطر، نجد أن اختبار الولاية كان دائمًا يلازم الشيعة حتى في زمن ظهور الأئمة المعصومين؛ فبعد أيام شديدة الحزن من وفاة النبي (ص) أصبحت صفحة مؤلمة من التاريخ حيث ارتفعت الفتن إلى أعلى مستوياتها حتى جرت واقعة استشهاد بنت النبي (ص) في المدينة، حيث قُتلت ودفنت غريبةً.
بعد استشهاد الإمام الصادق (ع) كان الشيعة في حالة حيرة وضياع، فقام الإمام الصادق (ع) لتجنب إزدراء الإمام الكاظم (ع) بإعلان خمسة أشخاص كوصاة له (سيرة القادة، ص ٤٣٢). ذلك أدى إلى ارتباك كبير بين الشيعة حتى أن بعض الصحابة المخلصين مثل مومن الطاق وحشام بن سالم شكّوا في البداية، ولكن الله هدّى قلوبهم الصافية إلى الحق (كاشي، رجال الكشي، ص ٢٨٢‑٢٨٣).
في بداية عهد الإمام الجواد (ع)، وبسبب صغر سنه آنذاك، تكرّر الأمر وتسبب في انقسامات جدية بين بعض خواص الشيعة.
في عصر الغيبة، بعد رحيل الشيخ الأنصاري، لجأ الناس باستمرار إلى تلاميذه لتحديد مصير في أمر التقليد. هذا ما دفع كبار الحوزة وفضلاء تلاميذ الشيخ إلى البحث عن حلول وإرشاد الناس، وهذا ما أدى بعد مرور بعض الوقت إلى اختيار الزعيم الميرزا الشيرازي الكبير، الذي أصدر الفتوى الشهيرة بشأن التبغ وفي سياق استقلال إيران، فأدهش العالم.
يجب أن نعلم ونستشعر أن الله سيهدي قلوب المؤمنين مرة أخرى إلى الطريق السليم.
٤‑ أعضاء خبراء القيادة، بطبيعة الحال، ليسوا معصومين. لا شك في ذلك، لكن القلوب بيد الله. إذا أراد الله أن يهدي، فبإمكانه فعل ذلك، وهو يعلم كيف يوجه القلوب إلى الخيار الأنسب.
النظام الذي وضع في الدستور للدولة الإسلامية هو نظام قوي، دقيق، فعال، ومبني على تعاليم الأئمة (ع). في رواية نقلت في كتاب «الكافي» يقرأ أن يَعقوب بن شعيب سأل الإمام الصادق (ع) «ماذا نفعل إذا وقع حادث للإمام؟» فأجاب الإمام بالإشارة إلى الآية ١٢٢ من سورة التوبة، موضحًا أنه يجب على مجموعة من أهل الفقه أن يبحثوا عن الإمام التالي. ثم شدد على أن الذين يبحثون عن الإمام أو ينتظرون أن يقدم لهم الإمام خلال هذه الفترة يكونون معذورين أمام الله (الكافي، الجزء الأول، ص ٣٧٨). هذه هي الطريقة المثلى لاكتشاف الاختيار الأمثل؛ وكما لم يُصدق الناس في زمن الإمام الراحل (ره) أن مستوى كفاءة هذا الخليفة مقبول، فإن الله يوجه القلوب كما يشاء، وسيستمر ذلك إن شاء الله.
٥‑ يجب أن يكون القائد هو أرفع وأكمل شخص في المجتمع من حيث الفضيلة. لكن ظهور هذه الفضائل يعتمد على مشاركة الناس وإخلاصهم في البيعة والالتزام بمعاهدة الطاعة والنصرة، كما كان ظهور أهل البيت (ع) في فترات مختلفة متفاوتًا؛ ففي بعض الفترات استفاد المجتمع أكثر من نعم الأئمة المعصومين، وفي أحيان أخرى أقل، رغم عدم وجود فرق في فضائل الأئمة الذين — بحسب قول الإمام الشهيد — كانوا كإنسان في مأتين وخمسين عاما.
لا يتحقق أي نجاح بدون مشاركة وتضامن الشعب مع القائد، حتى لو كان القائد هو نبي الله (ص): «هو الذي أعَدّك بنصره وعلى المؤمنين».
كما شدد القائد الشهيد للأمة في أول وآخر خطبة له على دور الشعب، وكانت سيرة عمله في جميع الأمور دليلًا على ذلك؛ لذا يجب أن يُدرك أن القائد القادم، مهما كان، يحتاج إلى تضامن ومساندة الشعب لتحقيق أفضل توجيه للمجتمع.
(مستخلص من أبحاث معهد الفقه النظام)
الاجتهاد موقع فقهي