خاص الاجتهاد: إضاءات فقهية معاصرة ووقفة وفاء لرحيل المرجع الفياض في العدد المزدوج الجديد من مجلة «دراسات علمية»
شهدت الأوساط الحوزوية والأكاديمية صدور العدد المزدوج الجديد (٢٧ – ٢٨) من مجلة «دراسات علمية» في سنته الخامسة عشرة، محملًا بملفات فقهية وأصولية بالغة الدقة، وبمشاركة نخبة من كبار العلماء والباحثين في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف.
وقد اتسم هذا الإصدار بخصوصية استثنائية، حيث تزامنت طباعته مع رحيل المرجع الديني الكبير سماحة آية الله الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره)، مما جعل من هذا العدد وثيقة علمية مهداة لروحه ووقفة وفاء لذكراه العطرة.
وقفة مع رحيل سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض قدس سره
بسم الله الرحمن الرحيم
صدر هذا العدد متزامناً مع رحيل المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض قدس سره، أحد كبار أعلام الحوزة العلمية في النجف الأشرف وأساتذتها، الذي أفنى عمره الشريف في خدمة العلم والدين، وبذل جهوداً مباركة في ميادين البحث والتدريس والتأليف، فكان له حضورٌ علميٌ راسخٌ، وأثرٌ بيّنٌ في رفد الدراسات الفقهية والأصولية، وتربية أجيالٍ من أهل العلم والفضل.
وقد خلّف الراحل الكبير تراثاً علمياً واسعاً وآثاراً نافعة، شكّلت امتداداً لمسيرة البحث والاجتهاد، وأثرت المكتبة الإسلامية بمؤلفاتٍ ودراساتٍ غدت مورداً للباحثين وطلاب العلم.
وقد عزّى المرجعُ الديني الأعلى آيةُ الله العظمى السيد عليّ الحسيني السيستاني دام ظله بوفاة الفقيد، واصفاً إيّاه بأنّه كان «من الأعلام البارزين في الحوزة العلمية في النجف الأشرف في العقود الأخيرة»، ومنوّهاً بما تميّز به «من جهوده الخالصة في خدمة العلم وأهله تأليفاً وتدريساً»، ومؤكداً أنّ «الخسارة بفقده فادحة والفراغ الذي تركه واسعٌ يصعب ملؤه إلّا بلطف الله تعالى وعنايته».
وإذ تصدر مجلّة «دراسات علميّة» هذا العدد في أعقاب هذا الرحيل المؤلم، فإنّها تسجّله وقفةً وفاءٍ لذكرى الفقيد، وعرفاناً بمسيرته العلميّة وما خلّفه من تراثٍ زاخرٍ رسّخ تقاليد الدرس في الحوزة، وتُهديه إلى روحه الطاهرة تقديراً لعطائه المتواصل على مدى عقودٍ طويلةٍ في خدمة العلم والدين.
و(إنّا لله وإنّا إليه راجعون).
كلمة العدد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمدٍ وآله الطاهرين، ورثةِ كتاب الله، وخزّان علمه، وتراجمة وحيه، وأمناءِ شريعته.
وبعد، فليست البحوث الفقهيّة والأصوليّة – وما اتّصل بهما – ترفاً علميّاً يضاف إلى رفوف المكتبات، ولا تكراراً لما استقرّ في المطوّلات، بل هي امتداد لحركة العقل الإماميّ في موضعٍ شديد الحساسية؛ حيث ينتقل النصّ إلى حُجّة، وتتحوّل الحُجّة إلى وظيفة عمليّة تتّصلُ بواقع المكلّفين. وحين تكون المسألة دقيقةً في مبناها، كثيرةَ الابتلاء في أثرها، فإنّ البحث فيها لا يبقى رياضةً ذهنيّةً معزولةً عن ثمرتها، بل يكون استقصاءً لحركتها العلميّة في جميع مراحلها: من تحرير مبادئها التصوّريّة والتصديقيّة، إلى إحكام وجه الاستدلال فيها، ثمّ إلى تبيّن ثمرتها، سواء في ضبط الكبرى، أو تحقيق الصغرى، أو توثيق طريق الاستناد، أو ما تنتهي إليه من أثرٍ عمليّ في وظيفة المكلّف.
ومن هنا تكتسب أعداد المجلة قيمتها، فبحوثُها لا تنتظم في بابٍ فقهيّ أو أصوليّ معيّن، ولا تنحصر في حقلٍ واحدٍ من حقول المعرفة الدينيّة، بل يجمعها النظرُ في الدليل حين تتداخل جهاتُ الفهم والتطبيق. فهي بحوثٌ تتحرّك بين الأصول والفقه، وتمتدُّ إلى مباحث الرجال والقرآن وسائر العلوم الممهّدة للاستنباط، وتكشف كيف يخرج البحث من صورته النظريّة إلى أثره العمليّ في وظيفة المكلَّف أو سائر تطبيقات هذه العلوم.
وفي هذا السياق يفتتح العددُ بحوثَه ببحثٍ شديد التركيب في منطقة تماسٍّ بين الفقه والأصول: (الدَّين المردّد بين شخصين)، حيث تقف ذمّةٌ معلومة الاشتغال أمام مالكٍ واقعيٍّ مجهول التعيين، وطرفين لا يدّعيان العلم بالاستحقاق. وهنا لا يكفي استدعاء العناوين الجاهزة: إرضاء الطرفين، أو مجهول المالك، أو القرعة، أو قاعدة العدل والإنصاف، بل لا بدَّ من اختبار كلّ وجهٍ، هل يبرئ الذمّة فعلاً؟ وهل يحفظ حقَّ المالك الواقعيّ؟
وقيمة هذا البحث أنّه لا يكتفي بمخرجٍ صالحٍ في الجملة، بل يتعقّب المسألة في جميع جهاتها المؤثّرة، من عهدةٍ واشتغالٍ وعلمٍ إجماليٍّ وحقٍّ للناس، حتّى ينتهي إلى مخرجٍ مبرئٍ للذمّة، منضبطٍ بالقواعد، مُطمَأنٌّ إليه من جهة المسؤولية الشرعيّة، جامع بين صرامة التحقيق الفقهيّ وثقل العهدة في المورد.
ثمّ تمضي البحوث إلى مسائل فقهيّة تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنّها تكشف دقّة صناعة الفتوى؛ فبحث (موقف الرجل الواحد في صلاة الجماعة) لا يقف عند هيئةٍ مكانيّة عابرة، بل يجعل موضع المأموم الواحد ميداناً للنظر في الرواية، وموقف المشهور، وإمكان القرينة الصارفة، والتمييز بين الوجوب والاستحباب؛ إذ لا يعود موضع المأموم الواحد تفصيلاً شكليّاً، بل سؤالاً عن الوقوف عن يمين الإمام هل هو شرطٌ في صحّة الجماعة، أو هيئةٌ راجحة لا يضرّ تركها إلّا بفوات الفضل؟!
ويأتي بحث (خروج المقيم عن محلّ الإقامة) ليعيد النظر في معنى الإقامة نفسها: أهي ملازمة دقيقة لحدود البلد، أم صدق عرفيٌ لا ينهدم بالخروج اليسير إلى ما دون المسافة؟ ومن هنا لا يكون البحث في وظيفة المكلّف أهي القصر أم التمام فقط؟ بل في تحرير موضوع الإقامة، ومدى سلطان العرف، وأثر النيّة السابقة أو الطارئة في بقاء حكم التمام، وفي مقدار ما تسمح به الأدلة من مرونة من غير تفكيك لموضوع الحكم.
ويقف بحث (إجزاء الوقوف بعرفة بحكم القاضي الرسمي) ليمسّ واحدةً من أكثر مسائل الحجّ حساسيةً، فالكلام هنا لا يدور حول ثبوت الهلال بوصفه مسألةً تقويميّةً، بل حول أثره في ركنٍ يتوقّف عليه مصيرُ النسك. فإذا أعلن القاضي الرسميّ يوم عرفة، ولم يثبت ذلك وفق الموازين الشرعيّة، صار السؤال عن الإجزاء: هل تكفي متابعة موقف القاضي الرسميّ، أو تبقى الوظيفة مربوطة بالثبوت الشرعيّ الأوّليّ؟ ومن هنا يفتح البحث ملفّ النصوص، والسيرة المتشرعيّة، والتقيّة، ونفي الحرج، في موردٍ تتقاطع فيه صرامة الدليل مع طبيعة الحجّ بوصفه عبادةً جماعيّةً ذات ظرفٍ واحدٍ ومشهدٍ فارد.
ثمّ ينتقل العددُ من الفروع إلى التأصيل، فيتناول بحث قاعدة (لا تنقض السنّة الفريضة) مستعرضاً آراء الأعلام الثلاثة فيها، ليكشف أفقاً أوسع من قاعدة (لا تعاد)، أفقاً يقرأ المركّبات الشرعيّة بمنطقٍ يميّز بين ما تقوم به العبادة فلا تنهض بدونه، وما يلحق بها ولا ينقض أصلها إذا تخلّف لعذرٍ. وهنا تتحوّل مفردتا (الفريضة) و(السنّة) من تعبيرين مألوفين في النصّ إلى ميزانٍ في فهم الإجزاء، وتصحيح العمل، وضبط أثر الخلل، وبيان الحدّ الذي تبقى معه العبادة محفوظةَ الأصل رغم النقص الطارئ عليها.
ثمّ تفتتحُ الحلقةُ الأولى من بحث (الشرط المخالف للكتاب والسنّة) مساراً واسعاً في فقه الشروط؛ حيث لا تكفي العناوين العامة في تصحيح العقود أو إبطالها، ولا يغني ظاهر المخالفة عن تحرير حقيقتها وحدودها. فليس كلّ شرطٍ يُتوهَّم منافاته لبعض الأحكام خارجاً عن دائرة الوفاء، كما أنّ التمسّك بعموم الوفاء بالشروط لا يكفي لإمضاء ما لم تثبت مشروعيّته. ومن هنا تضع هذه الحلقة اليد على أصل الإشكال: ما حقيقة الشرط المخالف؟ وأين تنتهي دائرة الوفاء بالشرط، ومن أين يبدأ عنوان المخالفة للكتاب والسنّة؟
ويستأنف عددُنا هذا بحثَ (محلّ تأثير القرينة المنفصلة) في حلقته الثالثة، امتداداً لما تقدّم من حلقاته السابقة، إذ يعود إلى تلك المنطقة الدقيقة التي لا يكفي فيها القول بتقديم القرينة، بل لا بدّ من السؤال الأعمق: أين تضرب القرينة أثرها؟ أفي الظهور نفسه، أم في حجّيته؟ وليس ذلك ترفاً اصطلاحياً؛ فإنّ موضع تأثير القرينة جزء من هندسة الجمع العرفي نفسها، وبه يتّضح ما تفعله القرينة بالدليل حين لا تلغيه من أساسه، ولكنّها تُعيد رسم حدوده، وتنقل النظر العقلائيّ من ظاهرٍ مستقلٍّ إلى ظاهرٍ محكومٍ بما احتفّ به.
ويُختتم العدد بتحقيق (رسالة وجوب العدول عن تقليد الميت وعدم وجوبه)، كأنّ المسار بعد أن جال في ميادين الدليل والوظيفة والتطبيق عاد إلى ذاكرة المدرسة، ليستنطق نصّاً نجفياً ظلّ حبيس المخطوط حتّى أُعيد إلى مجلس البحث. وليست قيمة التحقيق هنا في نشر أثرٍ قديم فحسب، بل في وصل الحاضر الاجتهاديّ بأصوله، وردّ جزء من تاريخ البحث إلى التداول العلميّ المنتج؛ حيث تنفتح الرسالة على مسائل الحُجّيّة، والبقاء، والعدول، ووظيفة العامّيّ حين تتردّد مرجعيّته بين قولِ مضى وصوتٍ حاضر.
ومن هنا لا يكون استمرار هذه المجلة مجرّد انتظامٍ في الصدور، ولا إضافة رقمٍ جديد إلى سلسلة الأعداد، بل إسهاماً في بناء ذاكرة علميّة تتراكم فيها الجهود، ويتحوّل فيها البحث من اللمعة المنفردة إلى البناء المتصل الذي يرجع إليه الباحث، ويستدرك عليه، ويكمل من حيث انتهى غيره. وبهذا تنتقل المسائل من الانطباعات المتفرّقة إلى أفقٍ علميّ أرسخ وأبقى.
كما تسهم هذه المواظبة في تهذيب الذوق الاستنباطيّ؛ إذ تربّي العين على التفريق بين النصّ والظهور، وبين الدليل والمؤيّد، وبين السيرة والدعوى، وبين الاحتياط المنتج والاحتياط المصطنع. وهذه التربية لا تصنعها الخطب العامّة، بل تصنعها البحوث الدقيقة المتتابعة، حتّى يتكوّن الذوق العلميّ بالممارسة والمكابدة.
إنّ هذا العدد بما ضمّه من بحوث فقهيّة وأصوليّة وتحقيقيّة، يقدّم صورةً عن حيويّة البحث الإماميّ حين يجمع بين دقّة الأداة وواقعيّة المورد، فيجد القارئ المسألة المحدّدة في ضوء مبانيها، والواقعية العمليّة في ضوء قواعدها، والتراث المخطوط بوصفه امتداداً لمسار الاجتهاد. وبذلك تبدو بحوثه متآزرة في مقصد واحد: تعميق النظر في الدليل قبل استعماله، وتحرير الوظيفة قبل تقريرها، وحفظ البحث الفقهيّ من تجريدٍ يبتعد عن مورد الابتلاء، ومن تطبيقٍ يتعجّل قبل اكتمال الحُجّة.
محتوى العدد:
كلمة العدد
هيئة التحرير
حكم مَن عَلِم إجمالاً باشتغال ذمّته بمبلغ معيّن لأحد شخصين وكان كلّ منهما ينفي علمه باستحقاقه إياه
بقلم: سماحة السيد محمد رضا السيستاني دام ظله (١٥ – ٦٨)
موقف الرجل الواحد في صلاة الجماعة / ١
بقلم: السيد عباس الهاشمي دام عزه … (٦٩ – ١١٨)
حكم صلاة الخارج عن محلّ الإقامة إلى ما دون المسافة
بقلم: الشيخ رافد الزيداوي دام عزه (١١٩ – ١٨٨)
إجزاء الوقوف بعرفات على وفق حكم القاضي الرسمي وعدمه
بقلم: الشيخ جعفر اليعسوبي دام عزه …. (١٨٩ – ٢٥٦)
مدخل إلى قاعدة لا تنقض السنّة الفريضة (دراسة في آراء الأعلام الثلاثة) / ١
بقلم: الشيخ علي ديلان دام عزه (٢٥٧ – ٣١٢)
الشرط المخالف للكتاب والسنّة / ١
بقلم: الشيخ فاضل الحساني دام عزه .. (٣١٣ – ٣٦٢)
محلّ تأثير القرينة المنفصلة في ذي القرينة / ٣
بقلم: الشيخ علي سالم الناصري دام عزه (٣٦٣ – ٤٠٢)
رسالة في وجوب العدول عن تقليد الميت وعدم وجوبه / لآية الله الشيخ فرج الله التبريزي الغروي قدس سره (كان حياً سنة ١٣٤٠ هـ)
تحقيق: الشيخ بشير رشيد الأسدي دام عزه (٤٠٣ – ٥٤٦)
الاجتهاد موقع فقهي