خاص الاجتهاد: المرجع السبحاني لمبلغي الأربعين: اجعلوا من خُلقكم مرآةً لرسالة الحسين (عليه السلام) / التلاحم الإيراني العراقي في الأربعين “رصيد استراتيجي ضخم” للأمة الإسلامية
شكرٌ خاص لـ “عشائر العراق الأبية”.. آية الله السبحاني يُشيد بملحمة الضيافة العراقية في الأربعين
رسالة آية الله السبحاني إلى مبلغي الأربعين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك.
تُمثّل الأربعينية تجسيداً حياً للقوة الروحية للتشيع لِما تحمله من التواءم والالتفاف حول سيد الشهداء، الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). وإن من أوجب الواجبات في هذا الحدث الحسيني المهيب، إبرازُ الصفات والشمائل الرفيعة والمقامات السامية لسيد الشهداء ومن استُشهدوا بين يديه؛ مستثمرين هذه الفرصة السانحة لبيان حقائق الإسلام وعزة الشهداء، وكيف ألبسوا الحرية ثوباً من الصمود بارتدائهم لِأْمَةَ الشهادة، مخلّدين في التاريخ الإنساني ذلك الشعار الأزلي: «هيهات منا الذلة».
وبناءً على هذا الأصل الأصيل، يتوجب على المبلغين الأعزاء إيلاء العناية الفائقة والاهتمام البالغ بالنقاط التالية في مسيرتهم التبليغية:
أولاً: الأصالة العلمية
يجب أن يكون خطاب المبلغ مستنداً بشكل رصين إلى القرآن الكريم، والسنة القطعية، والمعارف المعتبرة المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)، معتزلاً كل طرح واهن، أو خرافة، أو رواية غير مسندة. عليكم تبيان معارف أهل البيت (عليهم السلام) بالبراهين العقلية، والشواهد القرآنية والروائية المتماسكة، لتجد طريقها وتأثيرها في القلوب المستعدة.
ثانياً: السيرة العملية
لقد علمنا أهل البيت (عليهم السلام) أن ندعو الناس بأفعالنا قبل ألسنتنا. والمبلغ الناجح هو من يغدو حسن خلقه، ووقاره، وأدبه، وتواضعه، وصبره، وطيب تعامله، مِرآةً وأفضل أداة لتبليغه. إن مداراة الزوار، والإجابة الحكيمة على تساؤلاتهم، واحترام الاختلافات الثقافية والمذهبية، تُعد من أوجب مسؤوليات المبلغ في هذه الرحلة الروحية.
ثالثاً: البصيرة ومواكبة العصر
اربطوا رسالة عاشوراء باحتياجات وقضايا المجتمع والعالم الإسلامي المعاصر. فالمبلغ الفذ هو من يجمع بين الفهم العميق لتاريخ النهضة الحسينية وأهدافها، والقدرة الفائقة على صياغة رسالة عاشوراء الخالدة وتبيانها للإنسان المعاصر.
وحيث إن زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) تشكل القطب والركيزة الأساسية لهذه الحركة المليونية العظمى، فمن الحري أن يكون تبيان «مدرسة الزيارة» أحد أهم محاور التبليغ؛ إذ تعكس الأحاديث الصحيحة والمتواترة في فضل زيارة القبور المطهرة للمعصومين (عليهم السلام) – لا سيما زيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) – والمقام الأسمى والأجر الثواب الجزيل للزائر، الآثار الروحية العميقة لهذه العبادة العظيمة. وفي هذا السياق، يلزم التنبيه على النقاط الآتية:
1. شرح فلسفة وحكم وآثار زيارة القبور المطهرة للمعصومين (عليهم السلام) للزوار: ومنها تعميق المعرفة بسيرتهم وأطروحاتهم، وتجديد العهد مع الولاية، وتعزيز الإيمان والروحانية.
2. تعريف الزوار بالمضامين السامية للزيارات المأثورة: فإن هذه النصوص الشريفة تُمثل مدرسة تربوية ومعرفية وأخلاقية كبرى، تُعنى بتأصيل الولاء وبناء الذات.
3. التأكيد على رعاية آداب الزيارة: لاسيما صون حقوق الزوار الآخرين، وحفظ النظام، واحترام الخدمة والمجاورين، والالتزام بالنظام والدور في الدخول والخروج من العتبات المقدسة، خاصة في حالات الازدحام الشديد.
4. التذكير بأن زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) عبادة ممتزجة بالمعرفة والخشوع والحزن واستذكار مصائب عاشوراء: وينبغي ألا تتحول إلى محض برنامج ترفيهي أو احتفالي (مهرجاني)، وهو الأمر الذي نأت عنه ونهت عنه روايات أهل البيت (عليهم السلام).
5. توصية الزوار بحفظ حرمة الأماكن المقدسة وقدسيتها: وخصوصاً مسيرة المشي من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة وكافة المدن العتبات؛ إذ يعد ذلك من مصاديق تعظيم شعائر الله.
6. ربط ذكر الشهداء الأبرار وأسمائهم بذكر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام): وتبيان ولائهم الخالص لساحة أهل البيت (عليهم السلام) وثقافة التضحية والشهادة، ليتجلى بوضوح امتداد طريق عاشوراء في عصرنا الراهن.
الأمل معقود في أن تنالوا جميعاً توفيقات وتأييداً وسؤدداً في هذه الرسالة النورانية، في ظل عناية بقية الله الأعظم (أرواحنا فداه) وألطاف سيد الشهداء (عليه السلام).
وفي الختام، نرى لزاماً علينا أن نتقدم بوافر الشكر وثنايا التقدير الخالص للشعب العراقي الكريم والغيور والمضياف، ولعشائره الأبية، والحكومة العراقية المحترمة، والعلماء الأعلام، ورجال الدين الأفاضل، ومسؤولي العتبات المقدسة؛ الذين واصلوا الليل بالنهار بحكمة وإخلاص وتفانٍ لتأمين إقامة هذه المراسم الأربعينية العظيمة وتقديم أفضل الخدمات لملايين الزائرين.
إن هذا الحضور المتوهج للشعب العراقي في خدمة زوار سيد الشهداء (عليه السلام) لهو تجسيد صارخ للإيمان، والولاء، والأخوة الإسلامية، والروابط الوثيقة التي لا تنفصم بين الشعبين العظيمين الإيراني والعراقي. ولا ريب أن هذا التلاحم والمحبة هما من بركات المدرسة الحسينية، ورصيد استراتيجي وضخم للامة الإسلامية.
نسأل الله العلي القدير العزة، والسلامة، والتوفيق، وقبول الأعمال لجميع الخَدَمَةِ، والزوار، والمبلغين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جعفر السبحاني
محرم الحرام ١٤٤٨
الاجتهاد موقع فقهي