الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / نشأة علم أصول الفقه / مناقشة كلام آية الله السيد حسن الصدر .. محمد أبو زهرة
أصول الفقه

نشأة علم أصول الفقه / مناقشة كلام آية الله السيد حسن الصدر .. محمد أبو زهرة

الإمامية يدعون أن أول من دوّن علم الأصول وضبطه الإمام محمد الباقر بن على بن زين العابدين (عليهما السلام) وجاء من بعده ابنه الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام)، وقد قال في ذلك آية الله السيد حسن الصدر: واعلم أن أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإمام أبو جعفر محمد الباقر (عليه السلام)، ثم من بعده ابنه الإمام وقد أمليا على أصحابهما قواعده، و جمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه روایات مسندة إليها متصلة الإسناد.

الاجتهاد: نشأ علم أصول الفقه مع علم الفقه، وإن كان الفقه قد دون قبله، لأنه حيث يكون فقه يكون حتماً منهاج للاستنباط، وحيث كان المنهاج يكون حتماً لا محالة أصول الفقه. فإذا كان استنباط الفقه ابتدأ بعد الرسول ﷺ في عصر الصحابة، فإن الفقهاء من بينهم كابن مسعود، وعلى بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، ما كانوا يقولون أقوالهم من غير قيد ولا ضابطة.

فإذا سمع السامع على ابن أبي طالب يقول في عقوبة الشارب: إنه إذا شرب هذى ، و إذا هذى قذف فيجب حد القذف، يجد ذلك الإمام الجليل ینهج منهاج الحكم بالمآل، أو الحكم بالذرائع، وعبد الله بن مسعود عندما قال في عدة المتوفى عنها زوجها الحامل: إن عدتها بوضع الحمل، واستدل بقوله تعالى: و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، ويقول في ذلك أشهد أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى، يقصد أن سورة الطلاق نزلت بعد سورة البقرة – وهو بهذا يشير إلى قاعدة من قواعد الأصول، وهي أن المتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه، وهو يلتزم بهذا منهاجاً أصولياً ، وهكذا يجب أن نقرر أن الصحابة في اجتهادهم كانوا يلتزمون مناهج ، وإن لم يصرحوا في كل الأحوال بها.

۶- حتى إذا انتقلنا إلى عصر التابعين وجدنا الاستنباط يتسع لكثرة الحوادث و لعكوف طائفة من التابعين على الفتوی کسعيد بن المسيب و غيره بالمدينة، وكعلقمة ، وإبراهيم النخعي بالعراق، فإن هؤلاء كان بين أيديهم كتاب الله وسنة رسولهﷺ وفتاوى الصحابة، وكان منهم من ينهج منهاج المصلحة إن لم يكن نص، ومنهم من ينهج منهاج القياس، فالتفريعات التي كان يفرعها إبراهيم النخعي وغيره من فقهاء العراق كانت تتجه نحو استخراج علل الأقيسة وضبطها والتفريع عليها، بتطبيق تلك العلل على الفروع المختلفة .
وهنا نجد المناهج تتضح أكثر من ذي قبل ، وكلما اختلفت المدارس الفقهية كان الاختلاف سبباً في أن تتميز مناهج الاستنباط في كل مدرسة.
۷- فإذا تجاوزنا عصر التابعين ووصلنا إلى عصر الأئمة المجتهدين نجد المناهج تتميز بشكل أوضح ، ومع تمييز المناهج تتبين قوانين الاستنباط و تظهر معالمها، و تظهر على ألسنة الأئمة في عبارات صريحة واضحة دقيقة ، فنجد أبا حنيفة مثلا يحد مناهج استنباطه الأساسية بالكتاب والسنة ففتاوی الصحابة يأخذ ما يجمعون عليه، وما يختلفون فيه يتخير من آرائهم ولا يخرج عنها ، ولا يأخذ برأي التابعين لأنهم رجال مثله ، ونجده يسير في القياس والاستحسان على منهاج بيّن، حتى لقد يقول عنه تلميذه محمد ابن الحسن الشيباني ، كان أصحابه ينازعونه في القياس فاذا قال استحسن لم يلحق به أحد .

ومالك رضي الله عنه – كان يسير على منهاج أصولى واضح – في احتجاجه بعمل أهل المدينة، وتصريحه بذلك في كتبه ورسائله، وفي اشتراطه ما اشترطه في رواية الحديث، وفي نقده للأحادیث نقده الصير في الماهر، وفي رده لبعض الآثار المنسوبة للنبيﷺ، لمخالفته المنصوص عليه في القرآن الكريم، أو المقرر المعروف من قواعد الدین، کرده خبر «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم غسله سبعا، و کرده خبر خيار المجلس، و کرده خبر أداء الصدقة عن المتوفي.
وكذلك كان أبو يوسف في كتاب الخراج، وفي رده على سير الأوزاعی يسير على منهاج بين واضح، منهاج اجتهاده .

الشافعی یدون علم أصول الفقه :

حتى إذا جاء دور عالم قريش، وهو الشافعي وجدناه يتجه إلى تدوین ذلك العلم الجليل، فيرسم مناهج الاستنباط و يبين ينابيع الفقه ، ويوضح معالم ذلك العلم .
فقد جاء الشافعی فوجد الثروة الفقهية التي أثرت عن الصحابة والتابعين وأئمة الفقه الذين سبقوه ، ووجد الجدل بين أصحاب الاتجاهات المختلفة – فوجد المناظرات قائمة بين فقه المدينة و فقه العراق، فخاض غمارها بعقله الأريب، فكانت تلك المناقشات مع علمه بفقه المدينة الذي أخذه عن مالك، وفقه العراق الذي أخذه عن محمد بن الحسن، وفقه مكة تنشأته وإقامته فیها۔ هادية له إلى التفكير في وضع موازين يتبين بها الخطأ من الصواب في الاجتهاد فكانت تلك الموازين هي أصول الفقه .

ولا غرابة في أن يكون البحث في فروع الفقه و تدوينها متقدماً على تدوين أصول الفقه، لأنه إذا كان علم أصول الفقه موازین لضبط الاستنباط ومعرفة الخطأ من الصواب فهو علم ضابط ، و المادة هي الفقه، وكذلك الشأن في كل العلوم الضابطة ، فالنحو متأخر عن النطق بالفصحى، و الشعراء كانوا يقولون الشعر موزوناً قبل أن يضع الخليل بن أحمد ضوابط العروض والناس كانوا يتجادلون ويفكرون قبل أن يدون أرسطو علم المنطق . .

۸- ولقد كان الشافعي جديرا بأن يكون أول من یدون ضوابط الاستنباط، فقد أوتي علماً دقيقاً باللسان العربي، حتى عد في صفوف الكبار من علماء اللغة، وأوتي علم الحديث فتخرح على أعظم رجاله، وأحاط بكل أنواع الفقه في عصره، وكان عليماً باختلاف العلماء من عصر الصحابة إلى عصره، وكان حريصاً كل الحرص على أن يعرف أسباب الخلاف، والوجهات المختلفة التي يتجه إليها أنظار المختلفين.
بهذا و بغيره توافرت له الأداة لأن يستخرج من المادة الفقهية التي تلقاها، الموازين التي توزن بها آراء السابقين و تكون أساساً لاستنباط اللاحقين، يراعونها فيقاربون ولا يباعدون .

فبعلم اللسان استطاع أن يستنبط القواعد لاستخراج الأحكام الفقهية من نصوص القرآن والسنة ، وبدراسته في مكة التي كان يتوارث فيها علم عبد الله ابن عباس الذي سمی ترجمان القرآن عرف الناسخ والمنسوخ، و باطلاعه الواسع على السنة و تلقيه لها عن علمائها وموازنتها بالقرآن استطاع أن يعرف مقام السنة من القرآن، وحالها عند معارضة بعض ظواهرها لظواهر القرآن.

وقد كانت دراسته لفقه الرأي وللمأثور من آراء الصحابة أساساً لما وضعه من ضوابط للقياس، وهكذا وضع الشافعي قواعد للاستنباط. ولم تكن في جملتها ابتداعاً ابتدعه، ولكنها ملاحظة دقيقة لما كان يسلكه الفقهاء الذين اهتدى بهم من مناهج في استنباطهم لم یدونوها، فهو لم يبتدع منهاج الاستنباط ولكن له السبق في أنه جمع أشتات هذه المناهج التي اختارها ودونها في علم مترابط الأجزاء، ومثله في ذلك مثل أرسطو في تدوينة لمنطق المشاءین، فما كان عمله فيه ابتداعاً لأصل المنهاج، بل كان إبداعه في ضبط المنهاج .
هذا هو نظر الجمهور من الفقهاء في تقريرهم الأسبقية للشافعي في تدوين ذلك العلم ، ولا أحد منهم يخالف في ذلك.

ادعاء الشيعة الإمامية أن أول من دون العلم محمد الباقر :

۹- ولكن الإمامية يدعون أن أول من دوّن علم الأصول وضبطه الإمام محمد الباقر بن على بن زين العابدين وجاء من بعده ابنه الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق، وقد قال في ذلك آية الله السيد حسن الصدر: واعلم أن أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإمام أبو جعفر محمد الباقر، ثم من بعده ابنه الإمام وقد أمليا على أصحابهما قواعده، وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه روایات مسندة إليها متصلة الإسناد.

وإنا نناقش ذلك الفقيه الجليل في هذه الكلمة مناقشة خفيفة ولا نناقشه في أصل نسبة هذه القواعد إلى الإمامين الجليلين رضي الله عنهما، وإنما نناقش ما قاله، فهو يقول ۔ أملیا – ولم يقل إنهما صنّفا، وإن الكلام في أسبقية الشافعي إنما هو في التصنيف، وفي أنه أفرد کتاباً خاصاً لهذه المناهج، ولم يدع الفقيه الكبير أنهما أفرداً کتاباً في ذلك أملياه أو كتباه،

وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن نسبة هذه القواعد إلى الإمامين کنسبة الحنفية في أصولهم أقوالا لأئمة المذهب الحنفي في الأصول، كقولهم أن رأى أبي حنيفة وأصحابه في العام أن دلالته قطعیة، وقولهم في الخاص إنه لا يخصص العام إلا إذا كان مستقلاً ومقترنا به في الزمن إلى آخر ما ذكروه، فإن هذه الآراء أثرت عن الأئمة مطبقة على الفروع، ولقد قال السيد الجليل آية الله السيد حسن الصدر بأنه لم يكن ثمة تصنيف للإمامين الجليلين، وأن ثمة إملاء غير مرتب، فإن قيل إنهما سبقا الشافعي في الفكرة فقد قررنا أن المناهج كانت مقررة ثابتة في عقول المجتهدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وجرت على ألسنة بعضهم، واستقام عليها فقههم، فإذا كان الإمام جعفر قد أملى بعضها على صحابتة ، وتناولوه من بعده بالترتيب و التبويب، فقد كان الزمن كله في عصر الإمام أبي عبد الله جعفر، وأبيه الإمام محمد الباقر ينحو في الجملة إلى ناحية ملاحظة المناهج . ولذلك تميزت المدارس الفقهية في مناهجها.

۱۰- وإذا كان الإمامان الجليلان لم يصنفا تصنيفاً مبوباً منظماً فهما إذن لم يسبقا الشافعي بالتأليف و التنظيم.

والحق أن الشافعی رتب أبواب هذا العلم وجمع فصوله، ولم يقتصر على مبحث دون مبحث، بل بحث في الكتاب، وبحث في السنة وطرق إثباتها، ومقامها من القرآن، وبحث الدلالات اللفظية، فتكلم في العام والخاص والمشترك والمجمل والمفصل، وبحث في الإجماع وحقيقته، وناقشه مناقشة علمية لم يعرف أن أحدا سبقه بها، وضبط القياس، و تكلم في الاستحسان .

وهكذا استرسل في بيان حقائق هذا العلم مبوبة مفصلة، وهو بهذا لم يسبق، أو على التحقيق لم يعلم إلى الآن أن أحداً سبقه، ولا يغض هذا مقام من سبقوه، فلا يغض هذا من مقام شيخه مالك، ولا من مقام شیخ فقهاء القياس أبي حنيفة، فإن التدوين في عصرهما لم يكن قد تکامل نموه .

ولا نقول إن الشافعي قد أتى بالعلم كاملاً كل الوجوه، بحيث إنه لم يبق مجهوداً لمن بعده، بل إنه جاء من بعده من زاد و نمی، وحرر مسائل كثيرة في هذا العلم، كما فعل الذين جاءوا من بعد أرسطو في المشرق والمغرب، بالنسبة لعلم المنطق فقد حرروه و نموه، وإن كان الأصل في جعله علماً متناسق الأجزاء قائماً يرجع إلى أرسطو.

المصدر : مقدمة كتاب ” أصول الفقه” لـ “محمد أبو زهرة” نشر: دار الفكر العربي

 

عن عربی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics