خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
نشوز الزوجة

معالجة نشوز الزوجة

الاجتهاد: في غير النّشوز لا يجوز للزّوج أنْ يستخدم مع زوجته أيَّ نوع من أنواع الأذيّة أو العنف، فما يقوم به البعض من استخدام العنف مع زوجته من الضّرب أو السّب والشّتم أو غير ذلك لمجرد خلاف بسيط بينهما، أو لقهرها وإذلالها وإهانتها من أجل أنْ يفرض شروطه عليها لتكون مستسلمة ومطيعة له في كل ما يريده منها، فكل ذلك مما لا يجوز ويعد ظلمًا واعتداءً صارخًا وهو مرفوض في دين الإسلام والقوانين الوضعيّة.  بقلم: شيخ حسن عبد الله العجمي

قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (1).

اهتمت الشّريعة الإسلامية الغرّاء بالأسرة اهتمامًا كبيرًا، فوضعت العديد من التشريعات من أجل المحافظة على استقرارها وحمايتها من التفكك والانهيار، ومن ذلك أنّها جعلت لنشوز الزّوجة علاجًا يحفظ للأسرة تماسكها حيث أعطت الزّوج الأسلوب الذي عليه أنْ يتعامل وفقه مع زوجته الناشز.

ويتحقق نشوز المرأة بعدم إطاعتها لزوجها فيما هو واجب عليها إطاعته فيه (2)، فلو أنّها امتنعت من تمكينه من نفسها لممارسة العمليّة الجنسيّة معها أو لغيرها من الإستمتاعات المشروعة كانت ناشزًا، لأنّ طاعة المرأة لزوجها في ذلك واجبة عليها وحق لازم من حقوق الزّوج على زوجته ما لم يكن هناك عذر شرعي يعذرها من ذلك.

وحذّرت الشّريعة الإسلامية المرأة تحذيرًا شديدًا من عدم قيامها بهذا الحق لزوجها، ففي الرّواية عن الإمام الصّادق «عليه السلام» قال: «إنّ امرأة أتت رسول الله «صلى الله عليه وآله» لبعض الحاجة فقال لها: لعلك من المسوّفات، قالت: وما المسوّفات يا رسول الله؟ قال: المرأة التي يدعوها زوجها لبعض الحاجة فلا تزال تسوّفه حتى ينعس زوجها وينام، فتلك لا تزال الملائكة تلعنها حتى يستيقظ زوجها» (3).

وعن الإمام الباقر «عليه السلام» قال: «جاءت امرأة إلى النبي «صلى الله عليه وآله» فقالت: يا رسول الله ماحق الزّوج على المرأة؟ فقال لها: أنْ تطيعه ولا تعصيه، ولا تصدق من بيته إلاّ بإذنه ولا تصوم تطوعًا إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإنْ كانت على ظهر قتب (4)، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه …» (5).

وعن النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» أنّه قال: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (6).

وعنه «صلى الله عليه وآله» قال: «إذا دعا الرّجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (7).

إنّ من أحد مقاصد الزّواج هو إشباع الغريزة الجنسيّة لكل من الرّجل والمرأة من طريق مشروع حلال، فلذلك يعد موضوع الاستمتاع الجنسي من المواضيع الحساسة في العلاقة الزّوجية، وأنّ قضية إحصان الزّوجين عن الفتنة والوقوع في الحرام من أهم ما يقوم بها الواحد منهم تجاه الآخر، لأنّ الشّريعة الإسلامية تريد لهما أنْ يعيشا في جو من النقاء والطّهر، وعليه فلا بدّ للمرأة من الاستجابة لزوجها وتمكينه من نفسها ليعفّ نفسه ويحصّنها من الحرام، ولا تمتنع عنه إلاّ بعذر شرعي، فمجرّد التّعب والإرهاق أو المرض الخفيف الذي لا يلحق بها معه الضّرر بسبب اتصال الزّوج الجنسي معها لا يعد عذرًا ولا مبررًا لامتناعها عنه كما يحصل ذلك عادة من قبل بعض الزّوجات، فترتكب الإثم وتخلق لهذا السبب مشكلة مع زوجها قد تكبر وتتفاقم لتصل علاقتها مع زوجها إلى مرحلة سلبيّة لا تحبذ المرأة أنْ تصل إليها علاقتها معه.

وللارتقاء بالعلاقة الزّوجية لتكون علاقة إنسانيّة رائعة ينبغي أنْ يكون هناك تفاهم بين الزّوجين على هذا الأمر، بحيث تراعي هي حقّه في ذلك ويراعي هو ظروفها أو تعبها.

وهناك من النّساء من تمتنع عن زوجها عنادًا منها للزّوج لأسباب عديدة، ومنها إذا لم يوفر لها ما تطلبه منه من أشياء وحاجيّات، مع أنّ ما تطلبه منه ليس مما هو بواجب على الزّوج، ولا يدخل ضمن النّفقة الواجبة عليه، كالتي تعاند زوجها فتمنعه من نفسها لأنّه لم يشتر لها هاتفًا جديدًا، أو لم يوصلها لتتسوّق في مكان معيّن مثلاً، أو لغيرها من الأسباب التي لا تعد عذرًا شرعيًا يحق للمرأة بموجبه الامتناع عن الزّوج،

فمثل هذه المرأة وكما سبق وذكرنا يلحقها الإثم وتكون في معصية لله سبحانه وتعالى ما دامت ممتنعة عن زوجها حتّى تسترضيه. بل حتّى لو كان الزّوج مقصّرًا في حقوق زوجته سواء أكان هذا التقصير في حقها في النّفقة أو غير ذلك، فلا يجوز لها شرعًا أنْ تمتنع عنه، بل يجب عليها أنْ تمكنه من نفسها متى ما أراد مقاربتها والاستمتاع بها.

وتعد ناشزًا أيضًا إذا لم تزل المنفّرات المانعة للزّوج من الاستمتاع والتّلذذ بها، وبترك التّنظيف والتّزيّن مع حاجة الزّوج إلى ذلك، وكذلك بخروجها من بيت الزّوج بدون إذنه، لأنّ من حقّ الزّوج على زوجته أنْ لا تخرج من بيته إلاّ بإذنه، فلو أنّها خرجت بدون إذنه كانت بذلك ناشزًا،

قال المرجع الديني السيد علي الحسيني السيستاني «دام ظله»: «إنّ لكل من الزّوجين على الآخر حقوقًا بعضها واجب وبعضها مستحب، والواجب منها على أقسام ثلاثة: القسم الاوّل: حق الزّوج على الزّوجة، وهو أنْ تمكّنه من نفسها للمقاربة وغيرها من الإستمتاعات الثابتة له بمقتضى العقد في أيِّ وقت شاء، ولا تمنعه عنها إلاّ لعذر شرعي، وأيضًا أنْ لا تخرج من بيتها من دون إذنه إذا كان ذلك منافيًا لحقّه في الاستمتاع بها بل مطلقًا على الاَظهر» (8).

وأمّا الطّريقة التي وجّهت الشّريعة الإسلامية الزّوج إلى اتباعها في حالة نشوز زوجته فهي ما أشارت إليه الآية الكريمة التي تصدّرنا بها الحديث، قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}، فهو علاج يتم من خلال ثلاث مراحل، لا ينتقل الرّجل إلى المرحلة التالية إلاّ إذا لم تصلح التي قبلها،

فيبدأ بالوعظ فيذكّرها بحقوقه عليها ويوجه لها النصيحة بالالتزام بطاعة الله سبحانه وتعالى والابتعاد عن معصيته، وأنْ يكون وعظه لها سرًّا، ويكون ليّنًا رقيقًا يحمل الحبَّ والود، لأنّ القصد هو الإصلاح لا التشهير بها، فعليه أنْ يبقي العلاقة بينهما بكل حيثياتها سرًّا، فلا يُطلع على خلافهما أحدًا ما دام قادرًا على حلّه بنفسه معها، ومن دون تدخل للغير، حتّى لو كان هذا الغير هو الأهل، لأنّه إنْ نشر ما بينهما فقد يكون من الصّعب بعده الإصلاح، وذلك لأنّ كلّ واحد منهما يريد أنْ ينتصر لنفسه أمام الأهل والغير، فتتعقّد الأمور، أما ما دام الأمر بين الزّوجين فإمكانيّة الإصلاح كبيرة جدًّا.

فإنْ لم ينفع معها الوعظ والنّصح فلزّوج أنْ ينتقل لعلاج نشوزها إلى المرحلة الثانية وهي الهجر في المضجع، والمراد بالهجر في المضج هو أنْ «يحوّل إليها ظهره في الفراش، أو يعتزل فراشها إذا كان يشاركها فيه من قبل» (9)، تعبيرًا لها عن عدم رضاه بتصرّفها المنافي لحقّه عليها، ولكي يشعرها بأنّه جاد في إرجاعها إلى الالتزام بحقّه والكف عن عصيانه وعصيان ربّها.

وبما أنّ المرأة لا تقبل في العادة أنْ يهجرها زوجها بأيّ طريقة من الطّرق كان الهجران، ومع شعورها بأنّه جاد في هجرانه لها فقد تتقرّب إليه وتعتذر لإصلاح ما حصل بينهما من شقاق، فتعود إلى طاعته وتقلع عن عصيانه وتكفُّ عن أذيته وعن غمطها لحقوقه.

فإنْ لم ينجع معها الهجر في المضجع كان بإمكان الرّجل أنْ يستخدم معها أسلوب الضّرب لردعها عن نشوزها «إذا كان يؤمل معه رجوعها إلى الطاعة وترك النشوز، ويقتصر منه على أقل مقدار يحتمل معه التأثير، فلا يجوز الزّيادة عليه مع حصول الغرض به، وإلاّ تدرّج إلى الأقوى فالأقوى ما لم يكن مدميًا ولا شديدًا يؤثر في اسوداد بدنها أو احمراره، واللازم أنْ يكون ذلك بقصد الإصلاح لا التشفي والانتقام، ولو حصل بالضرب جناية (10) وجب الغرم» (11).

إذًا فعلى الزّوج أنْ يتدرّج في معالجة نشوز زوجته، فيبدأ معها أولًا بالوعظ؛ من التّحذير والتّخويف والتّرهيب والتّرغيب، فإنْ لم ينجع ذلك، فليولّها ظهره في الفراش، أو ينفرد عنها فلا يشاركها الفراش، فإذا هجرها في المضجع ولم ترجع عن نشوزها جاز لها ضربها بالمقدار الذي يأمل معه رجوعها دون زيادة عليه، فإنْ لم يتحقق الغرض بذلك جاز له أنْ يتدرّج إلى ما هو أقوى من ذلك أو أكثر بشرط أنْ لا يخلّف على بدنها أثرًا يستوجب الدّية عليه،

فما يقوم به بعض الرّجال من اللجوء مباشرة إلى الضّرب في حال نشوز زوجته ومن دون أنْ يستخدم معها الوعظ أولًا ومن ثم الهجر في المضجع، أو من ضربه لها ضربًا شديدًا مبرحًا فهو مما لا يجوز شرعًا ويلحق الزّوج بسبب ذلك الإثم وعليه الدّية إنْ ترك الضّرب أثرًا في جسد المرأة.

«لذا لا يعدّ الضّرب في سياق العلاج الأسري والتّأديب التّقويمي وفق الكيفية السابقة استنقاصًا للمرأة مطلقًا. إنّما هو من أجل المحافظة على كيان الأسرة فبأيّهما يأخذ المرء العاقل إذا خيّر بين أمرين، الأول: تفكك الأسرة وانهيارها، والثاني: الأخذ بالضّرب كوسيلة للمحافظة عليها؟

أما غير ذلك من أنواع الضّرب فهو من المحرّمات الشّرعية، ويؤكده ما جاء في الحديث الشّريف عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذ قال: ألا أخبركم بشراركم؟ فقلنا: بلى. فقال: إنّ من شرّ رجالكم البهّات البخيل الفاحش، الآكل وحده، المانع رفده، الضّارب أهله وعبده» (12).

وفي غير النّشوز لا يجوز للزّوج أنْ يستخدم مع زوجته أيَّ نوع من أنواع الأذيّة أو العنف، فما يقوم به البعض من استخدام العنف مع زوجته من الضّرب أو السّب والشّتم أو غير ذلك لمجرد خلاف بسيط بينهما، أو لقهرها وإذلالها وإهانتها من أجل أنْ يفرض شروطه عليها لتكون مستسلمة ومطيعة له في كل ما يريده منها، فكل ذلك مما لا يجوز ويعد ظلمًا واعتداءً صارخًا وهو مرفوض في دين الإسلام والقوانين الوضعيّة.

والخلاصة: أنّ هناك من النساء من ينفع معها الوعظ، فيكفي تنبيهها من خلاله على خطئها في حقّ زوجها، وإرجاعها إلى طاعته وكفّها عن حالة العناد التي كانت عليها، ومنهن من لا تكتفي بالموعظة بل بهجر الزّوج لها في المضجع، فإنْ هجرها فيه عادت إلى جادة الحق والتزمت بطاعته وحقوقه،

وهناك صنف ثالث من النساء لا ينفع معهن لا الوعظ ولا الهجر في المضجع فتحتاج إلى أنْ تنبه جسديًّا بالضّرب ولكن بالمقدار المسموح به شرعًا، وعليه فإنْ أطاعت المرأة زوجها، سواء أكان عودها إلى طاعته بسبب الموعظة أو الهجر في المضجع أو الضّرب فليس له من سبيل بعد ذلك عليها، فلا يجوز له اتخاذ أي إجراء معها بعد عودتها إلى حضيرة طاعته، قال تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}.

وأخيرًا أقول: إنّ وقوع الاختلاف بين الزّوجين أمرٌ لا تكاد تخلو منه أيّ حياة زوجيّة، فلكي لا يصل الأمر إلى مرحلة من العلاقة المتوترة والمتأزّمة بينهما، ولكي لا يضطرّان إلى كشف بعض أسرار وتفاصيل حياتهما وعلاقتهما الزّوجيّة مما لا يحبّذ عادة إظهاره وكشفه أمام الآخرين، فعليهما أنْ يعالجا الأمر بتعقّل وحكمة، ويبحثا عن جذور هذا الخلاف ومسبباته لتلافيها أو الحدّ منها.

الهوامش

(*) المصدر كتاب “محاضرات في الدّين والحياة ج 2” للشيخ حسن عبد الله العجمي.

(1) النساء: 43.

(2) قال السيد الإمام روح الله الموسوي الخميني «قدّس سرّه»: «وهو-أي النشوز- في الزّوجة خروجها عــن طاعة الزّوج الواجبة عليها؛ من عدم تمكين نفسها، وعدم إزالة المنفرات المضادّة للتمتّع والالتذاذ بها، بل وترك التنظيف والتزيّن مع اقتضاء الزّوج لها، وكذا خروجها من بيته من دون إذنه وغير ذلك، ولا يتحقق النّشوز بترك طاعته فيما ليست بواجبة عليها، فلو امتنعت من خدمات البيت وحوائجه التي لا تتعلق بالاستمتاع من الكنس أو الخياطة أو الطبخ أو غير ذلك حتّى سقي الماء وتمهيد الفراش لم يتحقق النشوز» «الخميني، تحرير الوسيلة 2/503».

(3) الكليني، الكافي 5/905.

(4) القتب: ما يوضع على سنام البعير ويركب عليه.

(5) الكليني، الكافي 5/705.

(6) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم 4/751.

(7) محمد البخاري، صحيح البخاري 4/48.

(8) السيستاني، منهاج الصالحين 3/301.

(9) السيستاني، منهاج الصالحين 3/701.

(10) كالكسر أو الإدماء أو ترك الضّرب احمرارًا أو ازرقاقًا أو اسودادًا مثلًا.

(11) السيستاني، منهاج الصالحين 3/701.

(12) كاظم شبيب، العنف الأسري، صفحة 511.

 

المصدر:مكتب الشؤون الفقهية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *