الرئيسية / التصنيف الرئيسی / آراء وأفكار / دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (3)
الشيخ-السعداوي

دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (3)

دراسات فقهيّة تتناول قانون الأحوال الشخصيّة العراقي ومدى مطابقته للشريعة الإسلامية، ومدى الاحتياج إلى تعديله، كما تتناول الموانع الفقهية عن تقنين الأحكام الشرعية ووضعها في قوالب ذات صياغة قانونية. كما أنها تسلط الضوء على القانون الجعفري للأحوال الشخصيّة وإمكان جعله بديلا عن قانون الأحوال الشخصية العراقي. دراسة تحاول إيجاد حلول لهذه التساؤلات بالمقارنة بين المذاهب الإسلامية، ومنها إلى القانونين المُشار إليهما. الكاتب : سماحة الشيخ یحیی السعداوي

الاجتهاد:

المقصد الآخر:

دراسة فقهية في التقييد بمذهب معين أو الراجح من الأقوال أو مشهورها، وإلزام القضاة به:

إنّ التقنين هو تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين أو مواد قانونية ملزمة، ويترتب على مخالفتها الجزاء، ويلزم منه التقييد بمذهب معين أو القول الراجح أو المشهور، وإلزام القضاة به، وهذا هو المانع الفقهي الشرعي من تقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين،

ولذا سنبحثه في فرعين:

الأوّل: آراء المذاهب الفقهية في التقييد بمذهب معين أو القول الراجح أو المشهور، و إلزام القضاة به.

والآخر: معالجة التعارض بين المذاهب الفقهية في تقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين.

الفرع الأوّل:

أوّلاً: المذهب الجعفري: تقييد الحكام والقضاة بمذهب أهل البيت وهو الحقّ الذي يجب التشريع منه والحكم به، ولا يجوز الحكم بالمذاهب المخالفة إلّا للتقية والإكراه ماعدا الدماء والفروج: لما ورد عن ابن إدريس الحلي”(٨٨) وأبي الصلاح الحلبي”(٨٩) والمحقّق الحلّي” (٩٠)والعلّامة الحلّي في التذكرة”(٩١) وفي الإرشاد(٩٢) والشهيد الأول”(٩٣) والمحقّق الأردبيلي”(٩٤) والشهيد الثاني”(٩٥) والفاضل الهندي”(٩٦) وغيرهم مع اختلاف عباراتهم بل لا خلاف أجده بينهم: لا يجوز لمن يتولّى الفصل بين المختلفين والقضاء بينهم أن يحكم إلّا بموجب الحقّ، ولا يجوز له أن يحكم بمذهب أهل الخلاف.

أقول: يستفاد من كلمات الأعلام الإجماع على التقييد بمذهب أهل البيت(ع) والحكم به؛ لأنّه الحقّ، والمدار في الحكم على الحكم بالحقّ إلّا في حال التقية والاضطرار فجوزوا الحكم بمذاهب أهل الخلاف، وكلامنا ليس في حال الاضطرار والتقية الذي فيه تفصيل: على النفس لا كلام فيه، وعلى الغير فيه مناقشة بضعف أساتيد الروايات من جهة، وعدم دلالتها على المطلوب من جهة ثانية.

وأمّا مع عدم التقية والاضطرار كما نحن فيه، فالتقييد بمذهب أهل البيت، ولا يجوز للقاضي الحكم بمذاهب أهل الخلاف، لا تشريعاً، ولا تطبيقاً.

تنبيه: يمكن أن يقال: إنّ الحكم بالحقّ من القرآن والرسول محمد (ص)، فيمكن الحكم والاستنباط من القران والرسول (ص) من دون الأخذ من أهل البيت (ع) أو الأخذ منهم من دون اعتناق مذهبهم، فهل يصحّ ذلك؟ خصوصاً أنّ ما استدلوا عليه من وجوب الحكم بمذهب أهل البيت يمكن المناقشة فيه والاستدلال ضده وأنّ الطاغوت من يحكم بغير الحقّ مبالغة من الطغيان، وأمّا من يحكم بالكتاب وما ثبت عنده من السنة باجتهاده المطلق ويقضي بالبينات والأيمان لا نستطيع القول: إنه يحكم بغير الحقّ.

نعم، وردت روايات عن أهل البيت (ع) في المنع من التحاكم لغير العارف بأحكامهم والذي لا يحكم بحكمهم وما إلى ذلك، منها ما عن أمير المؤمنين (ع)، (كل حكم حكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت)” (٩٧) وهذه الرواية صريحة بالحكم بقول أهل البيت (ع)، وكذا رواية أبي خديجة وغيرها كلها تشير إلى أن الحكم والقضاء بالحقّ هو حكم أهل البيت (ع)، ولا خلاف ولا نقاش في ذلك، إنّما الذي أريد أن أقوله وأناقش فيه: هل يستوي الاجتهاد في مذهب أهل البيت (ع) في زمان الغيبة مع الاجتهادات في المذاهب الأخر؟

والجواب: أن هذا خلط واضح: لأن اجتهاد فقهاء أهل البيت (ع) في تحصيل أحكامهم واتّباع رواياتهم وقواعدهم التي أسّسوها لهم، والقواعد الأصولية من نور فيضهم، وقد أذنوا بل أوجبوا على أتباعهم الرجوع إليهم، وأمّا اجتهاد غيرهم فهو اجتهاد مع وجود النصّ وفي مقابلهم، وأنّ المخالفين لهم وسّعوا المدارك إلى ما يشمل القياس والرأي والاستحسان وسدّ الذرائع وغيرها، وقد ذمّها أهل البيت عليهم السلام ولم يقبلوها كأدلة للحكم الشرعي، فهي باطلة عندهم بل صرّح الأئمة(ع) أنّ الرشد خلاف فتاواهم.

والله سبحانه وتعالى يقول: (قل أرأيتُم مَّا أنزل الله لَكُم من رزق فجعلتم منه حراماً و حلالاً قل ءآلله أذن لكم أم علی الله تفترون» (٩٨). ثانياً: المذاهب الفقهية الأربعة: فقد أجمعوا على عدم جواز تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين وإلزام القضاة بها من مذهب معين أو بالقول الراجح، فقد تقدّم في المبحث الأول نهي (مالك) تدوين كتابه الموطأ ليحكم به، وكذا علماء الأزهر.

ولنستعرض آراء المذاهب وعلى النحو الآتي:
١. المذهب الشافعي: لا يجوز تقييد القضاة بمذهب معيّن يرتضيه الخليفة، لما ورد عن النووي”(٩٩) والماوردي”(١٠٠)، ولا يجوز أن يعقد تقلد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه لقوله عز وجل: (فَاحكُم بين الناس بالحق)”(١٠١) والحقّ ما دلّ عليه الدليل، وذلك لا يتعيّن في مذهب بعينه، فإن قلّد على هذا الشرط بطلت التولية؛ لأنّه علّقها على شرط، وقد بطل الشرط فبطلت التولية.

٢. المذهب المالكي: تقييد القاضي المجتهد بمذهب معين: أما العقد فغير جائز وينبغي فسخه وردّه، أو التولية صحيحة جائزة والشرط باطل. ونسب للمازري الجواز مع الاضطرار، أي جواز تقيد القاضي بمذهب معين إذا كان مقلّداً، ولا يحرم ذلك لما ورد عن مالك”(١٠٢) وابن الحاجب: (وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه كان الشرط باطلاً والتولیة صحیحة…هکذا نقله الطرطوشی عن الباجی، و هو جهل عظیم منهم، یرید لأنّ الحقّ ليس في شىء معين، وهذا القول عمل بمقتضى السياسة، ومقتضى الأصول خلافه، و المشروع اتّباع المجتهد مقتضی اجتهاده)”.(١٠٣)

٣. المذهب الحنفي: المجتهد يعمل باجتهاده إلّا إذا وجد أفقه منه فاختلفوا في جواز الرجوع إلى الأفقه، ولا يقيّد بمذهب معيّن وإن كان الحكام نصبوا الحنفية للقضاء حتى وصل القول بأنّ عيسى بن مريم يحكم بمذهبهم ولكن لا يصحّ إلّا الصحيح؛ ولذا صرّح عقلاء المذهب ومجتهدوه بأن المجتهد إذا اجتهد في واقعة بحكم يمتنع عليه تقليد غيره فيها اتفاقاً، وأما المقلد إن عرف أقوال الفقهاء وحفظها على الاختلاف والاتفاق حكم بما يعتقد قوله حقّ، وإن لم يحفظها عمل بفتوى أهل الفقه في بلده، وإن لم يكن إلا فقيه واحد يسعه العمل به. وهذا يعني حتى المقلد لا يقيد بمذهب معين، لما ورد عن ابن عابدین”،(١٠٤) و أبي بکر الکاشاني(١٠٥) .

٤. المذهب الحنبلي: لا يجوز أن يُقلّد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، والحقّ لا يتعيّن في مذهب، وأما المقلّد ففيه اختلاف وتفصيل، فقالوا بعدم جواز حكم المقلد بغير مذهب مقلده. وذهب الماوردي وغيره إلى جوازه. وقيل بالتفصيل بين المتبحر وغيره، وتقدّم أنّه يراعي ألفاظ إمامه ومتأخّرها ويقلّد كبار مذهبه في ذلك. وإن حكم بغير مذهب إمامه فإن كان قد ولّي على أن يحکم بمذهب معین لم ینفذ حکمه لقصور ولایته؛ لما ورد عن عبدالله بن قدامة(١٠٦)، والشافعي الصغير”(١٠٧)، والبهوتي”(١٠٨).

وقد تحصّل ممّا ذكرنا: أن تقييد القضاة بمذهب معيّن وإلزامهم به يختلف باختلاف المذاهب :

1. أمّا المذهب الجعفري فبالإجماع على التقييد بمذهب أهل البيت والحكم به؛ لأنّه الحق، والمدار في الحكم على الحكم بالحق وتقييد الحكام والقضاة بمذهب أهل البيت وهو الحق الذي يجب أخذ التشريع منه والحكم به، ولا يجوز الحكم بالمذاهب المخالفة إلّا للتقيّة والإكراه ماعدا الدماء والفروج. ويشمل استنباط الأحكام الشرعية من المجتهدين من فقهاء أهل البيت علیهم السلام.

٢. وأمّا المذاهب الفقهية الأربعة فآراؤهم متفقة على أن المجتهد المطلق لا يجوز أن يعقد تقلد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه، لقوله عز وجل: (فَاحكُم بين الناس بالحق)”(۱۰۹)، والحقّ ما دلّ عليه الدليل، وذلك لا يتعيّن في مذهب بعينه، وابن الحاجب يقول: (لأنّ الحقّ ليس في شيء معيّن) “.(۱۱۰) والمقلّد فيه خلاف وتفصيل، قیل: بجواز تقييده بمذهبه، وقیل: بعدم الجواز، وقيل: بالتفصيل بين كونه متبخراً فلا يجوز، وغير المتبحر فيجوز تقييده على أن يحكم بمذهبه.

وعلى قول الأصوليين: إنّ المجتهد إذا اجتهد في واقعة بحكم يمتنع عليه تقليد غيره فيها اتفاقاً، لما ذكره أعلامهم أعلاه.

سؤال: إذا كان الحقّ ما دلّ عليه الدليل، والحقّ لا يتعيّن في مذهب بعينه؛ فهل يجوز الحكم بمذهب أهل البيت عندهم أو لا؟

الجواب: أذكر جواب اثنين من أعلامهم لحصر الحقّ في المذاهب الأربعة ونقل الإجماع على ذلك؛ فيخرج مذهب أهل البيت عنها: أحدهما: ابن عابدين بقوله: (المراد بالفقه ما يشمل مذهبنا وغيره، فإنه بهذا المعنى لا يقبل الزيادة أصلا، فإنّه لا يجوز إحداث قول خارج عن المذاهب الأربعة)”.(۱۱۱)

والآخر: البهوتي بقوله: (لكن في الإفصاح أنّ الإجماع انعقد على تقليد كلّ من المذاهب الأربعة وأنّ الحقّ لا يخرج عنهم)”.(۱۱۲)

۳. السلفية: حرمة التقنين والإلزام بمذهب معين أو بالراجح من الأقوال، واستدلوا بالقرآن والسنّة والإجماع وأنّ تقنين الأحكام الشرعية وإلزام القضاة بالحكم بها هو خلاف ما عليه الإجماع العملي للقرون المفضلة.

الفرع الآخر: معالجة التعارض بين المذاهب الفقهية في تقنين الأحكام الشرعية و تدوینها:

إنّ تدوين الأحكام الشرعية مستحب شرعاً؛ لما ورد من إجازته، بل أمره بالكتابة والصحف التي ذكرناها والأحاديث المتكثرة في حثّه على الكتابة، وفعله وفعل أمير المؤمنين وابنه الحسن ومجموعة من الصحابة، فهل يتعارض هذا الاستحباب مع تحريم المذاهب الفقهية والسلفية له؟ وهل يمكن الخروج بأطروحة صالحة لولادة مشروع قانون إسلامي شرعي بجميع فروعه ولجميع المذاهب الفقهية وخصوصاً في الأحوال الشخصية ؟

الجواب: لا تعارض بينهما؛ لأن المستحب الذي فعله رسول الله(ص) وحثّ عليه وفعله الأئمّة والصحابة هو تدوين الأحكام الشرعية الثابتة من الله ورسوله، والذي لم تجوّزه المذاهب الفقهية الأربعة والسلفية هو تدوين وتقنين الأحكام الشرعية من مذهب معين أو بالقول الراجح، وإلزام القضاة المجتهدين به، ولذا يكون التعارض بينهم وبين الفقه الجعفري في التدوين بمذهب معين؛ لأن الفقه الجعفري يدّعي أن الحق في مذهبه، والمذاهب الأخرى تدّعي أن الحق لا يخرج عنها، فهل يمكن معالجة التعارض والخروج بأطروحة صالحة لولادة مشروع قانون إسلامي شرعي بجميع فروعه ولجميع المذاهب الفقهية وخصوصاً في الأحوال الشخصية؟

والجواب عن ذلك يمكن أن نبحثه في موضوعين:

الأول: المقصود من الحكم بالعدل. لا خلاف بين المسلمين في وجوب الحكم بالحق وبما أنزله الله تعالى: (فاحكُم بين الناس بالحق)”، (١١٣) فالحكم بالعدل ليس إلا الحكم بالحق المأمور به، فقد يصدق على الحكم بالواقع، وهو حكم بالحق أو أن الحكم بالعدل أعم مما ذكر، فكل حكم بالحق حکم بالعدل دون العکس. ويمكن أن يقال: إن الحكم بالعدل مورده الأحكام الحكومية والنظامية التي يحكم بها الحاكم حسب ما تقتضيه إدارة النظام ومصالحه، وأما ما يتعلق بحقوق الناس والماليّات ممّا يقع فيه بينهم التنازع والتخاصم، فالحكم فيه يجب أن يكون حكماً بالحق.

و يمكن أن يجاب عليه أيضاً بأن ما هو الواجب في مقام القضاء هو الحكم بالعدل لا الحكم بالواقع؛ لأنّه يحتاج إلى العلم بالغيب وإعماله ممن كان عنده بإذن الله تعالى. والحكم بالعدل يتحقق بحكم القانون والقواعد القضائية، وبأحكام الله الحقّة، فالحكم بالواقع حکم بالحقّ بکلا معنیه وان کان الحاکم غیر عالم بکونه حکما بالواقع، و يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى خطاباً لداود: (فَاحكُم بَيْنَ الناس بالحق)”(١١٤) الحكم بالواقع.

هذا بالنسبة إلى الحكم الكلي والقوانين التي يحكم بها بين الناس، وأمّا فضّ النزاعات والخصومات، وتطبيق الحكم بين الناس عمليا فيظهر مماروي عن رسول اللّه(ص) من قوله: (إنما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان)”،(١١٥) وفيه إشارة وتوطئة لبيان أنه لا يقضي بعلمه بالواقعيّات، بل يقضي كغيره بالبينات والأيمان في الموضوعات الخارجية.(١١٦)

وأن الحكم بالحق يصدق على ما وصل إليه المجتهدون على حسب الموازين التي قررها النبي وأهل بيته عليهم السلام، واختلاف المجتهدين بسبب اختلاف الموازين التي قرّرها صاحب الشرع لمعرفة الأحكام غير قادح في كون الجميع مما أنزل الله تعالى شأنه من الحكم، فإن ظنيّة الطريق لا تنافي قطعية الحكم كما قرّر في محلها”.(١١٧)

الموضوع الآخر: منصب القضاء شرعاً.

لا شكّ في أنّ آلية تدوين الأحكام الشرعية بقوانين تتوقف على معرفة منصب القضاء شرعاً؛ لأنّ المنصب إذا انحصر بالقاضي المجتهد المطلق فلا داعي للتدوين ولا مبرر له؛ لأنّ كلّ مجتهد مطلق يحكم برأيه ويحرم عليه تقليد غيره في الفتوى فضلا عن القضاء لما ثبت في الأمر الأول وعليه تكون الرسالة العمليّة لكلّ مجتهد هي القانون الذي يحكم به.

وإن كان منصب القضاء للمجتهد المطلق وغيره فتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين أمر ضروري وحاجة ماسة له فما هي آراء المذاهب الفقهية الإسلامية في منصب القاضي ؟ و کیف یمکن تجویز اطلاق القاضی علی الفاسق من القضاة في زماننا؟
وهذه الفقرة تتناولها نصوص الدستور، وفي هذا البحث أتناول آراء المذاهب الفقهية لا بوصفها نصّاً دستورياً، وإنّما بمقدار ارتباطها بالبحث، والنتائج التي تتوقف عليها في البحث الفقهي.

أوّلاً: الفقه الجعفري و منصب القاضي.

والقدر المتيّقن منه (المجتهد المطلق)، وأمّا بالنسبة إلى غيره فنقول: تارة يقال بأنّ حكم الحاكم موضوع للنفوذ ووجوب الامتثال، وأخرى يقال بأنه بيان لحكم الإمام، فيكون كناقل الحكم، فبناء على الثاني ينفذ حكمه سواء كان مجتهداً مطلقاً أم متجزئاً أم مقلداً.
وعلى الأول يكون لحكمه موضوعية، فيتوقف جواز الرجوع إلى المقلد والمتجزئ ونفوذ حكمهما على حجّة شرعية، ومع الشك فالأصل عدم النفوذ.

وآراء فقهاء الإمامية في ذللث یمکن حصیرها في ثلاث:

الرأي الأول: ما هو المشهور بين الفقهاء – بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه – من أنّ منصب القضاء للمجتهد المطلق الجامع للشرائط، ولا يحلّ لفاقدها أو بعضها تولي منصب القضاء حتی لو کان مجتهداً متجزئاً فضلا عمّن دونه، منهم: الشيخ المفيد، وظاهر ابن إدريس”(١١٨)، والمحقق الحلي”(١١٩)، والفاضل الآبي”(١٢٠) والمحقق الأردبيلي”(١٢١) والعلامة في تذكرة الفقهاء”(١٢٢)، والشهيد الثاني”(١٢٣)، و السيد الخوئي”(١٢٤)، والسيد محمد باقر الصدر”(١٢٥)، والسيد عبد الأعلى السبزواري”(١٢٦)، والسيد محمد محمد صادق الصدر”(١٢٧)، والشيخ محمد إسحاق الفیاض(١٢٨).

و استدل بعضهم بالروايات والإجماع القطعي، بل الضرورة، وأن علماء الإمامية ومجتهديهم في جميع الأعصار والأمصار کانوا یباشرون القضاء والحکم بین الناس، و لا أحد منهم أنکر عليهم، فکان ذلك إجماعاً مستفاداً من السيرة مفيداً للقطع بالحكم، بل إجماع فقهاء الإسلام كما سيتضح.

نعم، قد يناقش في انحصاره به، وفي شموله للمتجزئ أو المقلد كما سيأتي في محله. ومع ذلك يرد عليهم بعض الإشكالات:

منها: دلالة المقبولة والمشهورة وغيرهما على العارف بأحكامهم، فهل يصدق على المجتهد المنسد عليه باب العلم والعلمي – بناءً على الحكومة – ومن رجع إلى الأصول العملية العقلية؟

الجواب: نعم، بناء على الكشف لا على الحكومة يصدق عليه أنّه عارف بحلالهم وحرامهم، كالمجتهد الذي قامت عنده الأمارة فيكون مشمولا للمقبولة”(١٢٩). والمراد بحكمهم احترازاً من أن يحكم بحكم المخالفين، أو أهل العرف، أو بحكم العقل، أو بحکم السلطان.

الرأي الثاني: ما عن الشيخ الأنصاري من أنّه: (لا فرق بين المجتهدين المطلق والمتجزئ على الأقوى وفاقاً للمصنف والشهيدين وغيرهم)”(١٣٠).

أقول: المقصود بالمصنف (العلامة الحلي)”(١٣١)، والشهيدين (الأول) في الدروس”(١٣٢)، وأمّا الشهيد (الثاني) فلم يثبت لي قوله بالجواز للمتجزئ، حيث إنه قال في الروضة: ( والاجتهاد في الأحكام الشرعية وأصولها) (١٣٣) فكلامه وإن كان مطلقاً إلا أنّا لا نستطيع أن نستظهر شموله للمتجزئ خصوصاً بعد تصريحه في المسالك حیث قال: ( والمراد بكونه عالماً… كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض علی القول بتجزّئ الاجتهاد)”(١٣٤)،

وقال المحقق السبزواري في کفایة الاحکام: (و کیفما كان فمع تيسّر المجتهد المطلق لا يكفي المتجزّئ ؛ لما دلّ على تقديم قول الأعلم)”(١٣٥). والشيخ حسين العصفور في اللوامع”(١٣٦) حيث عدّ مقام العلماء في عصره من قبيل الاجتهاد المتجزئ، و لذا جوّزه.

وملّخص القول: إنّ الاختلاف في جواز القضاء للمتجزئ يرجع إلى أمرين:

أحدهما: في المقصود بالمتجزئ، فمن جوّزه يريد المعنى الذي قيّده الشيخ الأنصاري، وهذا عند من منع مجتهد مطلق وليس متجزئاً كما يظهر من أقوالهم. والآخر: الأدلة على جواز تولّي المتجزئ للقضاء. استدل الشيخ الأنصاري بالأدلة الآتية:

1. الظاهر بل المقطوع أنّ المنصوبين في زمن النبي (ص) وأمير المؤمنين، لم يكن لبعضهم ملكة استنباط جميع المسائل، وإطلاق بعض أدلة النصب في حال الغيبة كما سيجيئ.

٢. الرد على الإجماع المنسوب للشهيد الثاني بما ذكره الشيخ الأنصاري: (الإجماع في المقام على اعتبار كون القاضي مجتهداً محل نظر يظهر لمن لاحظ عبارة المسالك…الخ) “.(١٣٧)
٣. رواية أبي خديجة: (ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً)”(۱۳۸)، وهي عمدة الأدلة على تولي المتجزئ للقضاء لأنها واضحة الدلالة على كفاية العلم ببعض أحكامهم أو قضائهم في رواية أخری.

والكلام فيها يقع في أمرين:

أحدهما: ضعف السند، ويظهر من بعضهم أنّ ضعف سندها بمعلّى وأبي خديجة، وأجاب الشيخ الأنصاري بقوله: (وأما الكلام في سند المرفوعة، فحقيق بالإعراض عنه بعد إطلاق المشهورة عليها، وركون المشهور إليها ولو في غير المقام بل في المقام …إلخ)”(۱۳۹).

أقول: الرواية منجيرة بالشهرة العظيمة لروايتها، حتى أنّ الأصحاب سمّوها بمشهورة أبي خديجة، ولذا يقول في المسالك عنها وعن مقبولة ابن حنظلة: (وفي طريق الخبرين ضعف، لكنهما مشتهران بين الأصحاب، متفق على العمل بمضمونهما بينهم، فكان ذلك جابراً للضعف عندهم)”.(۱۴۰)

وأفاد السيد الخوئي : (بأن الرواية ليست ضعيفة بعد توثيق النجاشي، وتضعيف الشيخ (الطوسي) لا يمكن الأخذ به في نفسه في المقام، فتوثيق النجاشي ومدح ابن فضال يبقى بلا معارض، فالرواية صحيحة)”(۱۴۱).

والآخر: دلالة الرواية على تولي المتجزيء للقضاء ؛ وذلك..

أوّلاً: إنّ (من) للتبعيض؛ لأنّ المفرد إذا وقع بعد (من) مضافة للجمع تفيد التبعيض لا البيان.

وثانياً: مقبولة عمر بن حنظلة لا معارضة ولا مقيدة لها؛ لعدم التنافي بينهما. بناءً على إفادة الجمع المضاف للعموم ؛ لأنّ المقبولة واردة في مقام بيان المرجع وتعريفه، فالقيود فيها احترازية.

وثالثاً: الرواية تدل على القاضي المنصوب ابتداءً لا قاضي التحكيم؛ لأنّ المشهور يعدّ (العلم) لإخراج المقلّد والمناسبة الحكم والموضوع ولصريح كثير من المجتهدين بأن دلالتها تامة على القاضي المنصوب.

فالرواية دالة على الاجتهاد خلافاً للسيد الخوئي”.(١٤٢) أقول: ولكن ذكر الشيخ الأنصاري في رسائله ما لفظه : (فالتأمل في الخبر المخالف للمشهور إنّما هو إذا خالفت الشهرة نفس الخبر، لا عمومه أو إطلاقه، فلا يتأملون في عمومه إذا كانت الشهرة على التخصيص)”.(١٤٣) والحال أنّ الشهرة مخالفة لإطلاق الخبر، فليتأمل.

الرأي الثالث: ما عن صاحب الجواهر في منصب القاضي: وهو جواز تولي القضاء لكل مؤمن عارف بالأحكام ولو تقليداً بشرط الحكم بالحق. قال: (إن المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحقّ والعدل والقسط من كل مؤمن. كقوله تعالى: (وَإِذَا حكمتُم بين الناس أن تحكُمُوا بالعدل إنّ اللّه نِعِمّا يعظكُم به إن الله كانَ سميعاً بصيراً)”) (١٤٤) و(ولا يجرمنّكُمْ شنآن قومٍ على ألّا تعدواً)(١٤٥)

والنصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالة على أنّ المدار الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته عليهم السلام، كقول الصادق (ع) : (القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة… ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة). وخبر أبي خديجة عنه : (إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا…) بناءً على إرادة الأعمّ من المجتهد، بل لعلّ ذلك أولى من الأحكام الاجتهادية الظنيّة.

وفي خبر عبدالله بن طلحة – الوارد في اللص الداخل على المرأة وقتل ولدها وأخذ ثيابها- عن الصادق، عليه السلام حيث أمر السائل بالقضاء بينهم بما ذكره الإمام.

ولعلّ غيره أيضاً كذلك، فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل.
وحينئذ فتظهر ثمرة ذلك بناء على عموم هذه الرئاسة أنّ للمجتهد نصب مقلّده للقضاء بین الناس بفتاواه التي هي حلالهم و حرامهم، فیکون حکمه حکم مجتهده، و حکم مجتهده حکمهم، و حکمهم حکم اللّه تعالی شأنه، و الرّاد علیه رادّ على الله تعالى)”(١٤٦).

ويمكن الرّد على أدلته:
بأنّ إطلاق الآيتين اللتين ذكرهما ممنوع؛ لإهمالهما وورودهما في مقام بيان حكم آخر. ولو سلّمنا الإطلاق القابل للاستدلال بأنّ المأمور بالحكم هو الذي كان عالماً بالحقّ وبما أنزل الله تعالى في الشبهات الموضوعية التي هي محل استعمال القاضي للبينة والایمان”(١٤٧).

وأمّا الروايات الدالة على أن المدار الحكم بالحق فالأولى مرفوعة، ودلالتها قاصرة عن المدعى، والثانية. بعد القول بحجيتها وتمام سندها ودلالتها فقد أثبتنا دلالتها. على خصوص الاجتهاد، لا الأعم من الاجتهاد لتشمل أي مؤمن، والثالثة ضعيفة سنداً؛ لمجهولية عبدالله بن طلحة، ولو تنزلنا عن ضعف السند فالدلالة على المطلوب غير تامّة، إمّا لأنّها في واقعة خاصة أذن له الإمام بالقضاء فيها، أو لأنّ الإمام اطّلع على الواقعة وقضى بها وأمره بنقل قضائه إليهم، أو ربما يكون المخاطب مجتهداً وأمره الإمام بالقضاء ، ويحتمل غير ذلك.

وأمّا قوله: (قد يقال: باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد أو التقليد الصحيحين وحكم بها بين الناس، كان حكماً بالحق والقسط والعدل)

فالجواب عنه: إنّ المدار على الحكم بالحق صحيح، ولكن من يستطيع أن يحقّق الحكم بالحق خصوصاً بين المتنازعين بالأمور المالية؟ وما روي عن رسول الله صلوات ربي عليه وآله قوله: (إنّما اقضی بین کم بالبینات والایمان)”(١٤٨)، و لم یقل اقضی بینکم بالحقّ. نعم، یمکن تحقیق الحكم بالعدل الذي هو أعمّ من الحكم بالحقّ حسب الضوابط والقواعد التي أسّسها رسول الله وأهل بيته عليهم السلام… وأنّى للمقلّد الاطّلاع عليها ودقّة تطبيقها، وإن علم بها فهو ليس بمقلّد.

وأمّا الإذن منهم: لما روي عن الصادق(ع)، في خبر سليمان بن خالد: (أتقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، كنبي أو وصي نبي)”.(١٤٩)

فأقول: نعم، لو ثبت الإذن منهم (صلوات الله عليهم) لتصدي المقلّد للقضاء لوجب علينا القبول والتسليم، ولكنه لوكان لبان. ولو سلم عدم الإذن لما جاز لهم التصدّي قطعاً؛ لأن الأصل في إلزام الحكم من شخص على شخص آخر هو المنع؛ وإلزامه به يحتاج إذن الشارع الأقدس، وقد أذن للنبي ومن نصبه ومن أذن له، فيخرجون عن الأصل؛ لثبوت الإذن، فيبقى من لم يؤذن له داخلاً بالمنع، وهو من دون المجتهد کالمقلّد.

وهنا مسألتان:

(مسألة ۱): القضاء من وظائف المجتهد، فهل له تفويض أمره إلى المقلّد أو لا؟ وعلى فرض العدم، فهل له توكيله في أصل القضاء بجميع مقدّماته أم لا؟ وجوه واحتمالات.

والجواب: يعتمد على بيان مقدّمتين:

الأولى: قابلية المقلّد للتصدّي له بحسب الحكم الجعلي الإلهي.

والثانية: ولاية المجتهد وسلطنته على إعطائه له. ومن دون واحدة من المقدّمتين لا مجال لإثبات ذلك. وما قرّر عن السيد الخوئي: (فيما إذا لم يتمكن من ذلك، يجري عليه حكم قاضی التحکیم، فیحکم طبق رأي نظر مجتهد آخر)”.(۱۵۰)

فنقول: إنّ المقدمة الأولى فرع إثبات عدم دخل الاجتهاد في أصل موضوع القضاء شرعاً، والمحل غير قابل؛ إذ من البديهي أنّ مثل هذه العمومات لا تصحّ للمشرّعية،

ولا يثمر في مورد لم يحرز من الخارج قابلية محلّه. وإثبات مثل هذا العموم في غاية الاشکال .

يبقى الكلام في المقدمه الثانية – في صلاحية الفقيه لمثل هذا التفويض – ويمكن منعه أيضاً باعتبار أنه ليس من الأمور الحسبيّة التي عُلم من الشارع مطلوبية وجوده، فهو موقوف على ثبوت الولاية العامّة، وأن ما للإمام لهم، وهو أيضاً في غاية الإشكال.”(١٥١)

أقول: وهذا الكلام لا يصحّ دليلاً للمنع عند من يقول بالولاية للمجتهد المطلق لسببين: الأول: تنصيب أولي الأمر للفقهاء وجعلهم حاكمين.

والآخر: السيرة العملية القطعية، حيث أجاز الفقهاء للمقلد الحكم والقضاء بشرط أن يكون الحكم بالحق والتمكّن منه خصوصاً للضرورة، ولعدم تعطيل الأحكام والفصل بين المنازعات والخصومات.

(مسالة ۲): هل يجوز توکیل القضاء أو تجویزه لمن لم یکن مؤمناً ولا مقلّدا أو کان فاسقاً كما عليه القضاء في الدول الإسلامية في زماننا؟

الجواب: لا خلاف ولا إشكال في عدم تولّيه منصب القضاء بنوعيه القاضي المنصوب وقاضي التحكيم؛ لأنّه غير قابل للإمامة ولا تقبل شهادته، فلا يجوز له التصدي للقضاء بطريق أولى، فهذا كلّه خلاف الشريعة المقدّسة، وتسميته بالقاضي تحكّم ظاهر، وتجري على الله عصمنا الله وإياكم من منابر أهل الضلال والجور والنار، والوضوحه لا نحتاج إلى ذكر الأدلة وآراء المذاهب في هذا المختصر.

ثانياً: آراء المذاهب الفقهية الإسلامية الأخر في منصب القاضي:

۱. أمّا المذهب الشافعي فيشترط في القاضي الاجتهاد المطلق، وهو القادر على الاستنباط المباشر من الكتاب والسنة، ولا يجيز تولي غيره للقضاء ممّن دونه، لما ذکره الماوردي: (فإن قلّد القضاء فحکم بالصواب أو الخطا کان تقلیده باطلاً، و حکمه وإن وافق الصواب مردود)”.(١٥٢) نعم، قد يفهم من النووي جواز تولّي من دون المجتهد المطلق”(١٥٣)، والرملي: (فولّى السلطان أو من له شوكة… فاسقاً أو مقلداً… ولو جاهلاً نفذ قضاؤه)”.(١٥٤)

٢. وأما المذهب المالكي فمع فقد المطلق يقولون بجواز تولي المقلد الأمثل، لما ذكره الخطّاب الرعيني بقوله: (وقدرة على الترجيح بين أقاويل أهل مذهبه)”.(١٥٥)
٣. وأما المذهب الحنفي فمع تعذره… فيصحّ تولية العامي… فلا بدّ من كون الحاكم في الدماء والفروج عالماً ديناً كالكبريت الأحمر”(١٥٦). وهم يجوّزون قضاء المقلّد ويعدونه فاسداً في نفسه، لما ذكره أبو يوسف”(١٥٧)، وابن عابدين”.(١٥٨)

٤. وأمّا المذهب الحنبلي فقد ادّعى الإجماع، والمفتي لا يجوز أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى. ونسب إلى بعضهم القول بجواز تولّي العامي ورفضه الأغلب، لماذكره ابن قدامة (١٥٩).

فالنتيجة في منصب القاضي:
أنّ المجمع عليه أنّه منصب المجتهد المطلق، وجوّز بعض الإمامية تولّي المجتهد المتجزئ القضاء؛ لصحيحة أبي خديجة في المقام خصوصاً، على نسخة (قضائنا) – كما في الكافي”(١٦٠) والوسائل”(١٦١) بسند آخر – بدل قضايانا؛ لتاميتها سنداً ودلالة على تولّي المجتهد المتجزئ القضاء إن كان مجتهداً بالمسائل التي تخصّ القضاء في المسألة المتنازع فيها كما يجوز للمجتهد المطلق.

وجواز تولي القضاء للمتجزئ مطلقاً أو إذا تعذر الوصول إلى المطلق أو تعسّر ويمضي حكمه مطلقاً. وجوّزت المذاهب الفقهية الأربعة لمجتهد المذهب تولي منصب القضاء، وكذا المقلد الأمثل. الذي هو محتاط عند الإمامية ومجتهد فتوى عند المذاهب.

خلافاً للمشهور. وجوّز صاحب الجواهر لكلّ مؤمن عارف بالأحكام ولو تقليداً، وبعض الحنفية للعامي والجاهل إن نصّبه السلطان ذو الشوكة؛ ولكن لا يمكن المساعدة عليه لما ذکرنا. نعم يجوز للمجتهد المطلق تفویض القضاء الى المقلد، أو توکیله و الحکم بفتوی المجتهد المطلق : لولايته العامة على القضاء.

أقول: إن المقلد والعامي لا يعدّ قاضياً، وإنما قاضي تحكيم أو قاضي ضرورة وهو الصحيح ؛ لعدم قابليته لمنصب القضاء. وأمّا الفاسق وغير المسلم فلا يجوز توليه؛ لأنّ هذا خلاف الشريعة المقدّسة وتسميته بالقاضي تحكم ظاهر وتجوّز على الله، عصمنا الله وإيّاكم من منابر أهل الضلال والجور والنار.

فالنتيجة النهائية لهذا الفرع:
أنّه يمكن معالجة التعارض بين المذاهب الفقهية الإسلامية في التقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين والحكم بها بعد ثبوت أمرين:
۱. یمکن تحقیق الحکم بالعدل الذي هو أعم من الحکم بالحقّ حسب الضوابط والقواعد التي أسّسها رسول الله وأهل بيته عليهم السلام وعمل بها المجتهدون من فقهاء المذاهب الإسلامية.
٢. عدم انحصار منصب القاضي بالمجتهد المطلق، وقد ثبت جواز تولي القضاء لغيره.
وبهذا ينتهي المبحث الأو.ل،

ويليه المبحث الثاني، والذي فيه مطلبان: دراسة تحليلية وفقهية لعنوان الباب الأوّل (الزواج) والمادة الثالثة (ف١) من قانون الأحوال الشخصية العراقي، وما يقابلها عنوان الباب الثاني (النكاح) والمادة (٤٢) من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري.

ودراسة تحليلية وفقهية للمادة الثالثة (ف٤) تعدّد الزوجات، و ما یقابلها المادة (۱۰۲) و (۱۰٤) من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري في العدد القادم إن شاء الته تعالى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش

(٨٨) ینظر: السرائر الحاوي لتحریر الفتاوي: ٦/ ۲۹۲.
(٨٩) ینظر: الکافي في الفقه: ٤٢٢.
(٩٠) ینظر: شرائع الاسلام:١/ ٢٦٠.
(٩١) ینظر: تذکرة الفقهاء: ۹/ ٤٤٨
(٩٢) ینظر: ارشاد الاذهان: ۱/ ٣٥٥.
(٩٣) ينظر: غاية المراد في شرح نكت الإرشاد: ٧/ ٥٥٠
(٩٤)ينظر: مجمع الفائدة والبرهان: ۷/ ٥٥٠.
(٩٥) ینظر: مسالاف الافهام : ۱۱۲/۳، ۱۳/ ٣٣٤.
(٩٦) ینظر: کشف اللثام: ۲/ ۳۲۱.
(۹۷) ینظر: الوافي: ١٦/ ٨٨٦
(٩٨) یونس: ٥٩
(٩٩) ينظر: المجموع: ٢٠ / ١٢٨
(١٠٠) تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به: ١٣٢
(١٠١) سورة ص: ٢٦.
(١٠٢) ينظر: المدخل الفقهي العام: ١/ ١٧٨
(١٠٣) ينظر: مواهب الجليل: ٨/ ٨٠
(١٠٤) ينظر: حاشية رد المحتار: ١/ ٦٠
(١٠٥) ينظر: بدائع الصنائع: ٧/ ٦
(١٠٦) ینظر: الغني:۱۱/ ٤٨٢
(١٠٧) ينظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: ٨/ ٢٤٢.
(١٠٨) ینظر: کشف القناع : ٦/ ۳۷۲-۳۹۹، ٦/ ٥٦٥.
(١٠٩) سورة ص: ٢٦.
(١١٠) مواهب الجلیل: ۸/ ۸۰.
(١١١) حاشية رد المحتار: ١/ ٥٢
(١١٢) كشاف القناع: ٦/ ٣٧٤
(١١٣) سورة ص: ٢٦
(۱۱۴) سوره ص: ۲۶
(۱۱۵) الکافي: ۷/ ۴۱۴، التهذیب: 6/229، معاني الاخبار: ۲۷۹
(۱۱۶) ینظر: ثلاث رسائل فقهية: ٤٠
(١١٧) ينظر: جواهر الكلام: ٤٠ / ٢٣
(۱۱۸) ینظر: السرائر: ۳/ ۵۴۲.
(۱۱۹) ینظر: الشرائع: ۴/ ۸۰.
(۱۲۰) ینظر: کشف الرموز: ۲/ : ۴۹۴
(۱۲۱) ینظر: مجمع الفائدة: ۷/ ۵۵۲، ۱۲/ ه.
(۱۲۲) تذکرة الفقهاء: ۱ / ۴۵۹.
(۱۲۳) ینظر: مسالك الافهام: ۱۳/ ۳۲۱.
(١٢٤) ینظر: شرح العروة الوثقی : ٢٩٦.
(١٢٥) ینظر: الفتاوی الواضحة: ۳۰.
(١٢٦) ینظر: مهذب الاحکام في بیان الحلال و الحرام: ٢٧/ ٤٧.
(١٢٧) ینظر: ماوراء الفقه : ۹/ ۷۵.
(١٢٨) ینظر: منهاج الصالحین: ۱/ ۱۷.
(١٢٩) ینظر: النور الساطع في الفقه النافع : ١/ ٥٧٧.
(١٣٠) القضاء والشهادات : ٦٢.
(١٣١) ینظر: قواعد الاحکام: ۳/ ٤٢٣ ، تحریر الاحکام: ٥ / ۱۱۱.
(١٣٢) الدروس الشرعية: ۲/ ٦٦.
(١٣٣) الروضة البهية: ٣ / ٦٢.
(١٣٤) المسالك: ١٣/ ٣٢٨
(١٣٥) كفاية الاحكام: ٢/ ٦٦٢
(١٣٦) اللوامع: ١٤/ ١١
(١٣٧) القضاء و الشهادات: ٣٢
(١٣٨) وسائل الشیعة: ۲۷/ ۱۳ ح٥.
(١٣٩) القضاء والشهادات: ٣١.
(١٤٠) مسالك الافهام: ۱۳/ ۳۳۵.
(١٤١) ينظر: معجم رجال الحدیث : ۹/ ۲۸، مباني تکملة المنهاج: ۱/ ۸.
(١٤٢) ینظر: مبانی تکملة المنهاج: ١/ ٨
(١٤٣) فرائد الاصول: ۱/ ۱۷۰.
(١٤٤) سورة النساء: ۵۸.
(١٤٥) سورة المائدة: ٨.
(١٤٦) ینظر: جواهر الکلام: ٤٠/ ۱۵ – ۱۹، بتصرف و تلخیص،
(١٤٧) ینظر القضاء: ۱ / ۲۹.
(١٤٨) الکافی: ۷ / ٤١٤. التهذیب : ٦/ ٢٢٩، معانی الاخبار: ۲۷۹.
(١٤٩) من لا يحضره الفقیه: ۳/ ٥ ح ۳۲۲۲، تهذیب الاحکام: ٦ / ۲۱۷، و فیه : (لنبی )، وسائل الشیعة (۱۷/۲۷، باب: ۳. ح۳.)
(١٥٠)صراط النجاة: ١/ ٤٢٤
(١٥١) ينظر: شرح تبصرة المتعلمين( القضاء): ١٦
(١٥٢) الأحكام السلطانية والولايات الدينية: ٦٦.
(١٥٣) ینظر المجموع: ۱۲۷/۲۰.
(١٥٤) أبحاث هیئة کبار العلماء: مادة: ۳، ص ١٢٤ و مادة: ۳، ص۱۳۲.
(١٥٥) مواهب الجليل: ٦٩/٨، وأبحاث هيئة كبار العلماء: مادة: ٢، ص١٣١.
(١٥٦) ینظر: الدر المختار شرح تنویر الابصار:۵ / ۵۰۵. بتصرف.
(١٥٧) البسوط : ۱۰/ ١٨٤.
(١٥٨) حاشیة رد المحتار : ٥/ ٥٠٥.
(١٥٩) المغني: ١١/ ٣٨٠- ٣٨٣
(١٦٠) الكافي: ٧/ ٤١٢.
(١٦١) الوسائل: ٢٧/ ١٤ و هامش ص 13

دراسات علمية

 

المصدر: العدد الحادي عشر من مجلة ” دراسات علمية” (مجلة دراسات علمية: مجلة نصف سنوية تخصصية تصدر عن المدرسة العلمية (الآخوند الصغرى), في النجف الأشرف وتُعنى بنشر كل ما يهم طالب الأبحاث العليا في الحوزة العلمية, من الفقه والأُصول والرجال والحديث ونحوها.)

 

دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (1)

https://goo.gl/whqzZp

 

دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (2)

https://goo.gl/LtuRCT

 

عن سيد محمود عربی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics