الرئيسية / التصنيف الرئيسی / آراء وأفكار / دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (2)
السعداوي

دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (2)

دراسات فقهيّة تتناول قانون الأحوال الشخصيّة العراقي ومدى مطابقته للشريعة الإسلامية، ومدى الاحتياج إلى تعديله، كما تتناول الموانع الفقهية عن تقنين الأحكام الشرعية ووضعها في قوالب ذات صياغة قانونية. كما أنها تسلط الضوء على القانون الجعفري للأحوال الشخصيّة وإمكان جعله بديلا عن قانون الأحوال الشخصية العراقي. دراسة تحاول إيجاد حلول لهذه التساؤلات بالمقارنة بين المذاهب الإسلامية، ومنها إلى القانونين المُشار إليهما. الكاتب : سماحة الشيخ یحیی السعداوي

الاجتهاد:

المطلب الثاني: دراسة في الأسس والمباني العامة لقانوني الأحوال الشخصية العراقي والجعفري:

ذكر المشرّع العراقي قواعد عامّة في المادّتين الأولى والثانية من قانون الأحوال الشخصية العراقي سالكاً بذلك المسلك المتبع في القانون المدني”،(٥٤) وهو منهج عام لتطبيق القانون. وقد نقلها مشرّع مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري نصّاً في المادة (٢٤٥) وغيرها.

المادة الأولى: سريان وتطبيق قانون الأحوال الشخصية، ومصادر قانون الأحوال الشخصية.

المادة الأولى: الفقرة (١): سريان النصوص وتطبيقها..
١. (تسري النصوص التشريعية في هذا القانون على جميع المسائل التي تتناول هذه النصوص في لفظها أو في فحواها)

يقابل المادة الأولى / الفقرة (١) من قانون الأحوال الشخصية العراقي المادة (٢٤٥) أولاً من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، حيث نصّت المادة (٢٤٥) أولا: (تسري النصوص التشريعية في هذا القانون على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها ومضمونها).

والفقرتان من المادّتين لا فرق بينهما نصّاً إلّا بكلمة (ومضمونها)؛ لأنّ الذي شرّع مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفريّ نقلها نصاً بإضافة كلمة (ومضمونها)، ولا أثر لإضافة هذه الكلمة؛ لأنّ (مضمونها) و(فحواها) بمعنى واحد في الاستعمال اللغوي، فكلاهما بمعنى ما يُفهم من الكلام ومعناه ؛ لأنّ (فحو: الفحوى: معنى ما يعرف من مذهب الكلام)”(٥٥) وهذا هو المعنى الأول، ويسمى (المنطوق) تسمية المدلول باسم الدال، کما أنّ له معنی ثان: (فحوی الکلام فهو ما ظهر للفهم من مطاوی الکلام ظهور رائحة الفحا من القدر كفهم الضرب من الأف)”،(٥٥) ويسمى (المفهوم)، وهذا المعنى يطابق المعنى الاصطلاحي لمفهوم الموافقة. أما (ضمن: عنى، وفهمت ما تضمّنه کتابك، أی ما اشتمل علیه و کان في ضمنه)”.(٥٦).

نعم، يمکن أن یکون عطف تفسیر للفحوی ان کانت الفحوی بالمعنی اللغوی، وكلمة (فحواها) تحتاج إلى بحث معمّق، لاختلاف معناها بين اللغة والاصطلاح وبين المذاهب الفقهية، ولا يسعه هذا المختصر،

ولكن نشير إليه باختصار فنقول: ما ذكر في نصّ المادة الأولى الفقرة (١)، أو المادة (٢٤٥) أولا من قوله: (وفحواها) في القانونين العراقي والجعفري ليس بالمعنى الاصطلاحي الفقهي وهو المعنى اللغوي الثاني، ولذا أشكال الزلمي”(٥٨) عليه.

ولكنّ الظاهر من إشكال الزلمي على النص (في لفظها أو في فحواها) أن المقصود منها المعنى اللغوي الأول (معنى النص) المنطوق أو عند الحنفية دلالة النصّ، وليس المعنى اللغوي الثاني الذي يسمّى (مفهوماً) في الاصطلاح الغالب عند فقهاء المسلمين؛ ولذا اقترح الزلمي أن يكون النصّ (بمنطوقها ومفهومها) بدلاً عن (لفظها أو في فحواها).

وأما إذا حملنا اللفظ على حكم اللفظ والفحوى على حكم الفحوى فلا يرد الإشكال على النصّ، وأنّه شامل للمنطوق والمفهوم، ولكن لا يشمل مفهوم المخالفة؛ لأنّ الفحوى مفهوم الموافقة.

ولم يتّضح لي المقصود من (الفحوى) عند شرّاح القانون، وإن كان قد يبدو أنّهم يحملونه على المعنى اللغوي الأوّل (معنى اللفظ) أو معناه في الفقه الحنفي (دلالة النصّ)، وليس بالاصطلاح الفقهي (المعنى الثاني).

وكيفما كان، فالمشرع بهذه العبارة ألزم القضاة بالمصدر الأصلي وهو نصوص القانون، وعليهم الالتزام بأخذ الأحكام من ألفاظ النصوص وعباراتها، واستنباط الأحكام من فحوى النصوص ومعانيها، ولا يجوز لهم الانتقال إلى مصدر آخر – غير النصّ.

إلا بعد التأكّد من خلوّ النصّ لفظاً وفحوى من الانطباق على القضية المعروضة أمامهم. والفقرتان تبيّنان سريان نصوص هذا القانون، وتطبيقها، والمصدر الأصلي لها، فتشمل كلّ واقعة ينطبق عليها أي نصّ من نصوص هذا القانون وتكون مصداقاً له، سواء أكان هذا الانطباق لفظاً أم فحوى، فهذا التشريع واجب التطبيق وملزم لهم.

ولدراسة الفقرتين دراسة فقهية يلزم أن نبحث في موقف الفقه الإسلامي من التقنين وتدوين النصوص القانونية أولاً، وإلزام القضاة بها ثانياً، ولكن البحث لا يختصّ بالبحث عن التدوين أو التقنين ؛ لأنّ تدوين الأحكام الشرعية أمر مستحب كما سنثبته.

وأما التقنين فهو أمر مستحدث أجازه بعض الفقهاء ومنعه آخرون ؛ ولذا سنختصر البحث فيهما، ونتوسع في البحث عن المانع الفقهي الشرعي من تقنين وتدوين الأحكام الشرعية وتوحيد قانون يحكم المسلمين، وهو تقييد القضاة بمذهب معين وإلزامهم به، وهو عين السبب الذي جعل مالك يرفض أن يكون كتابه الموطأ مرجعاً للقضاء ؛

ولذا سنبحث هذا المطلب في مقصدين:

المقصد الأول: التقنين أو تدوين الأحكام الشرعية ثبوتاً وإثباتاً، وفيه فرعان:

الفرع الأول: تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في القوانين ثبوتاً.

و سنذکر هنا أمرین:

الأول: إنّ من أسباب تدوين القوانين في الدولة الإسلامية كما يقول الشيخ السبحاني: (ولاية القضاء: فقد كان الخلفاء يختارون القضاة أوّل الأمر من المجتهدين لا من مقلّديهم، ولكنّهم فيما بعد آثروا اختيارهم من المقلّدين، ليقيّدوهم بمذهب معين، و یعیّنوا لهم ما يحکمون علی أساسه) (٥٩).

وبعبارة أوضح: إن أسباب تدوين القوانين في الدولة الإسلامية هي:

١. أنّ القضاة مقلّدون لا مجتهدون.

٢. تقييد القضاة بمذهب معيّن يرتضيه الخليفة.
٣. تشريعات الخلفاء حسب مصالحهم وأهوائهم.

والآخر: الموانع والإشكالات على تقنين الأحكام الشرعية وتدوينها وإلزام القضاة بها وسلبياته ومميزاته وإيجابياته حسب الواقع والحاجة إلى ذلك ثبوتاً عقلاً:

ويمكن أن أذكر ما استفدته من دراستي للفقه والقانون ومن مطالعاني للمقالات وما كتب في هذا الموضوع وأصيغه بشكل إشكالات والردّ عليه وعلى النحو الآتي:

الإشكال والمانع الأوّل: إنّ الكتب الفقهية تكفّلت بتنظيم كلّ ما يتعلّق بالإنسان من عبادات ومعاملات وإيقاعات وحدود وديات وما يستحدث منها، و هذا یعني تنظيم الأحكام الشخصية والمدنية والجنائية للمكلّف، مضافاً إلى كون باب الاجتهاد مفتوحاً وهذا ممّا يقوّي ملكة الاجتهاد والقدرة على الاستنباط بما يواكب العصر، فما الداعی لتدوین قوانین أُخر؟

ويمكن الجواب عنه: بأنّ الكتب الفقهية تكتب من طرف أهل العلم وليست أحكاماً باتّة نافذة ملزمة للناس كالقانون، ولا توجد آلية متبعة لكتابة الأحكام المدونة، وأغلبها ليس لها ضابط موضوعي، وقد قالوا: إنّ مسائل الفقه يستحيل ثبوت موضوع لها”(٦٠) بمعنى لا موضوع لعلم الفقه ؛ لذا نحتاج إلى تدوينها وصياغتها بقوانين.

الإشكال والمانع الثاني: أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الإسلامية ذكرت جميع المسائل التي يحتاج إليها القاضي في جميع أبواب الفقه، فيلزم القاضي الحکم بها من دون الحاجة إلى الاستعانة بالقوانين الأُخر المستندة إلى شرائع أخر أو أهواء الحكام ومصالح الدول، ويساعد القاضي على تحقيق العدل والحكم بالحق بظاهر الشريعة الإسلامية.

أما تدرين القوانين الذي يقتصر على النصوص المدوّنة في كل قانون فهي غير شاملة لجميع المسائل التي يحتاج إليها القاضي: فتکون ذریعة للقاضي للاستعانة بقوانين لا تستند إلى الشريعة الإسلامية، وتحدّ من الوصول إلى الحكم بالحقّ.

والجواب عنه: أنّ إرجاع القضاة إلى أمّهات الكتب الفقهية واختلافها في الآراء والأساليب والأدلة يكون سبباً لتأخير فضّ النزاعات التي قد تسبّب مشاكل أكبر، وقد يؤدي إلى ترك القاضي واجتهاده، فيختلف الحكم في قضية واحدة، فتنعدم وحدة الأحكام القضائية، فيختل العدل والحكم بالحق.

وأما تدوينها فيساهم في وحدة الأحكام القضائية، ويتحقق الحكم بالحق والعدل ؛ ولذا نحتاج في تدوين القوانين من الأحكام الشرعية الإسلامية إلى آلية معينة لتكون معيناً لا ينضب ومصدراً أساساً أو رئيساً للتشريع يغطي جميع الأحكام القضائية.

الإشكال والمانع الثالث: أن التقنين بدعة وخطوة تمهيدية لهجر أحكام الشريعة، والانتقال إلى القوانين الوضعية وسلب سلطة فقهاء الأمة. كما أنّه يؤدي إلى إلزام الأمة إما بمذهب فقهي معيّن، وإمّا بنصّ ليس من شرع الله في شيء، وهو مدخل للتبديل والتغيير في أحكام الشريعة بزيادة أو نقصان، أو تبديل أو تعديل مما يستلزم الحكم بغير ما أنزل الله.

والجواب: تدوين الأحكام الشرعية ليس بدعة بل سنّة كما سنثبت ذلك. وأمّا التقنين فيعدّ تطوّراً في تدوين الأحكام الشرعية، ولا يعدّ هجراً للشريعة؛ لأنّه رجوع إلى فقهاء الأمة في التشريع، وعدم سلب سلطتهم خصوصاً إذا نصّ قانون المحكمة الأتّحادية على الرجوع إلى فقهاء الشريعة حيث يعدّ من أركان الدولة المدنية، فيواكب التطوّر من جهة، ويطبّق الشريعة الإسلامية – وهو الحكم بالحقّ المأمور به – من جهة أخری.

فتدوین الاحکام الشرعية بخلاصة ما وصل إليه الفقه الإسلامي يجمع بين الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة، ويبقى باب الاجتهاد للمشرّع مفتوحا يرجع إليه القاضي عند عدم وجود نصّ ينطبق على القضية المطروحة أمامه، فنحافظ على روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها وعدم الجمود على النصّ، و يسهل على القاضي تحصيل الحكم الشرعي واختصار الجهد والوقت، ويعلم الناس سلفاً ما تخضع له معاملاتهم وعقودهم من الأحكام، فيتحقّق العدل والحكم بالحقّ.

الإشكال والمانع الرابع: نص الدستور في المادة (٤١) على حرية الفرد في الأحوال الشخصية، فيحتم على المشرّع الرجوع إلى المذاهب الفقهية المختلفة، وتقييد المسلمين بمذهب معيّن خلافاً لمذاهبهم له آثاره على الفرد والمجتمع، وهذا لیس من صالح الدولة؛ لأنه يفتح مسارب الجريمة والتحلّل الخلقي أمام أبناء البلد؛ لأنها تؤدي إلى إماتة الإخلاص فيهم ؟

الجواب: نعم، هذا الإشكال علمي وحقيق بالاهتمام، وكل أطروحة لتوحيد القانون يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الإشكال، ويمكن حلّه بوضع مادة خاصة واختيارية تجيز الرجوع إلى المذاهب الفقهية كما في مسألة القسّام الشرعي في القانون العراقي.

و يمكن القول إن عدم تدوين القانون الموحّد يحوّل التعدّد والتنوع العراقي في المذاهب والأعراق من حالة تمنح القوّة والتجدد والتآلف إلى حالة تنتج الفرقة، ويضع الفرد والأسرة تحت سلطة السلطات المختلفة. وإنّ وجود قانون عصري موحّد لكل العراقيين في الأحوال الشخصية، وبشكل تراعى فيه المواثيق والاتفاقيات الدولية يعدّ دفاعاً عن قيم الحضارة والتمدّن ومفهوم المواطنة؛ لأنه يشكل أساساً لبناء العائلة العراقية ووحدة الشعب العراقی.

فالنتيجة: التقنين وتدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين أمر راجح عقلاً وواقعاً، وأما الإشكالات التي ذكرت فيمكن معالجتها ودفعها بما ذكرنا.

الفرع الآخر: دراسة فقهية في تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين إثباتاً نقلاً:

وسأتناول في هذا الفرع حرمة التقنين والرد عليها بشكل عام للاختصار المناسب للبحث.
يعدّ المذهب السلفي من أبرز المذاهب الإسلامية التي ذهبت إلى حرمة التقنين- إلى يومنا هذا- والإلزام بالراجح، واستدلوا بالقرآن والسنة والإجماع، وأنّ تقنين الأحكام الشرعية وإلزام القضاة بالحكم بما هو خلاف ما عليه الإجماع العملي للقرون المفضلة(٦١).
ويمكن الرد على أدلة حرمة التقنين بنحوين:

الأوّل. الرد حلّاً :
فقد استدل القائلون بحرمة التقنين بالأدلة الآتية:
۱. القرآن الکریم:
قول الله تعالى: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين)”(٦٢)، (يا أيها الذين آمَنُوا أطيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُولَ و أولي الأمر منكُمْ فَإِنْ تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كُنتُمْ تُؤمنون بالله واليوم الآخر”،(٦٣) وآيات أخر.
والقسط والعدل أن يحكم القاضي بما يدين الله به من الحق، لا بما ألزم به من تقنين قد یری الحاق بخلافه.

قال الشافعي: (فأعلم الله نبيّه أنّ فرضاً عليه وعلى من قبله والناس إذا حكموا أن يحکموا بالعدل، و العدل اتباع حکمه المنزل)”(٦٤). وقال البراك : (والتقنين إنما هو إلزام بالتقليد، ويكون كثيراً في أقوال مرجوحة)”.(٦٥)

ويمكن ردّه: بأن الاستدلال بالآيتين ليس بصحيح؛ لأنّ الآية الأولى خطاب للرسول (ص) للحكم بين أهل الكتاب وتخيّره بين الحكم بينهم وبين الإعراض عنهم، وهو مختصّ بالحكم لا التشريع.

وأما الآية الأخرى فهي أجنبية عما نحن فيه ؛ لأنّها في مقام بيان مفترض الطاعة، وهو (الله ورسوله وأولي الأمر). نعم، تصح دليلاً إذا كتب القانون على الأهواء والمصالح كبعض أحكام قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ؛ لذا تصدّى له فقهاء الأمة وطالبوا بإلغائه.

وأما التقنين بتدوين الأحكام الشرعية الثابتة من الكتاب والسنّة وغيرهما من الأدلة فيعدّ رجوعاً وإطاعة لله ورسوله وأولي الأمر الذين فرض الله علينا طاعتهم فهي تثبته ولا تنفيه.

٢. السنّة الشريفة. قال رسول الله(ص): (القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأمّا الذي في الجنة فرجل عرف الحقّ فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، و رجل قضى للناس على جهل فهو في النار”(٦٦).

ويردّ عليهم بأنّ الرواية وإن كانت معتبرة عندهم، قال ابن حجر: أخرجه الأربعة، و صحّحه الحاکم، و قال: (صحیح الإسناد)”.(٦٧) واستدرك عليه الألباني في الإرواء، وقال: (عزا الحافظ ثم السيوطي في (الجامع الصغير) هذا الحديث للسنن الأربعة.

ولم أره عند النسائي في الصغرى … فيحتمل أنه في الكبرى)”(٦٨)، وهو كذلك، وعندنا أيضاً مع اختلاف بعض الألفاظ إلّا أنّها خارجة موضوعاً حيث إنّها واردة في صفات القاضي وحكمه؛ وبهذا استدل النووي على أنّ القاضي لا بدّ أن يكون عالماً بالأحكام، فلا علاقة لها بالتقنين وتدوين الأحكام الشرعية.

٣. الإجماع:
قال ابن تیمیة: (و أجمع العلماء علی تحریم الحکم والفتیا بالهوی، و بقولٍ أو وجهٍ من غير نظرٍ في الترجيح ويجب العمل بموجب اعتقاده … إجماعاً(٦٩). وقال أيضاً: (قال الشافعي: أجمع الناس على أنّ من استبانت له سنّة رسول الله (ص) لم يكن له أن يدعها لقول أحد)”.(٧٠)

وقال الخطيب البغدادي: (والدليل عليه أن الصحابة أجمعت على جواز الأخذ بكلّ واحد من القولين، وعلى بطلان ما عدا ذلك…)”.(٧١)
و قال ابن تيمية: (إنّ إلزام الناس بها لم يلزمهم به الله ورسوله … والحكم به باطل بإجماع المسلمين)”.(٧٢)
وقالت هيئة كبار العلماء: (إنّ تقنين الأحكام الشرعية وإلزام القضاة بالحكم بها هو خلاف ما عليه الإجماع العملي للقرون المفضلة)”.(٧٣)

والرد على الإجماعات المذكورة:

1. أمّا الإجماع الذي ذكره ابن تيمية في تحريم الحكم بالهوى فهو يدل على وجوب الحكم بالنظر والاجتهاد، وأن يحكم باجتهاده، إنّ ثبت الإجماع، وحينئذ فهو يصحّ أن يكون دليلاً على إلزام القضاة المجتهدين باجتهاد غيرهم أو بالأحكام الوضعية التي لا تستند إلى الأحكام الشرعية الإسلامية والتدوين إن كان بمذهب معين أيضاً، ولا يصح دليلاً على تدوين القوانين من الأحكام الشرعية، وترك القاضي واجتهاده في المسائل الخلافية إن كان مجتهداً.

وأمّا ما استدلوا به من الإجماع العملي للقرون المفضلّة فهو صحيح، وهذا ما أكده السيد محسن الحكيم في اعتراضه على قانون الأحوال الشخصية العراقي وسمّاه سيرة المسلمين، ويصحّ أن يكون دليلاً على التدوين بمذهب معين، وإلزام القاضي المجتهد به، ولا يصحّ الاستدلال به إن كان القاضي مقلّداً، أو عاميّاً، أو أنّ التدوين يخصّ الثابت والمتواتر من الكتاب والسنة، والقانون لا يخالف حكماً شرعياً.

٢. وأمّا الإجماع الذي ذكره الشافعي فيصح الاستدلال به على أهل الحداثة وتدوين القوانين من الشرائع الأخر وعلى الهوى والمصالح، وكذا على القاضي الذي علم بالحكم الشرعي وحكم بغيره، ولا يصحّ دليلاً على تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين.

٣. وأمّا الإجماع الذي ذكره الخطيب البغدادي فهو على إحداث أقوال مقابل ما نقل من أقوال الصحابة، فلا علاقة له بتدوين الأحكام الشرعية الثابتة من الصحابة، ولا يصحّ دليلاً على تدوين الأحكام الشرعية وصياغتها في قوانين.

وأما الإجماع الذي ذكره ابن تيمية بقوله: (إنّ إلزامَ الناس بما لم يُلزمهُم به الله ورسُولُهُ) فهو للقاضي الذي يحكم بغير ما أنزل الله سبحانه. وهذا حرام لا إشكال فيه عند المسلمين، ولا يصحّ دليلاً على حرمة التقنين الذي هو تدوين الأحكام الشرعية الثابتة بالدليل وأنها حكم الله ورسوله.

الآخر: الردّ على حرمة التقنين نقضاً:

إنّ تدوين الأحكام الشرعية ممّا حثّ الرسول والأئمة عليه، وهو من فعله وفعلهم صلوات ربي عليه وعليهم؛ فتدوين الأحكام أمر واقع كما في تدوين الصحيفة التي نقل أنّها من إملاء رسول الله(ص) على أمير المؤمنين علي(ع)، وورثها أهل بيته (ع)، فقد تحدّث عنها أئمة أهل البيت، وشاهدها بعض من ثقات أصحابهم، ورووا عن الصحيفة التي كتبها الإمام علي (ع)، في الفرائض والديّات وأرش الخدش.
ولا ينحصر التدوين بالصحيفة، بل كانت هناك صحائف أخر وأذكر منها:

١. ما روي في البصائر، عن أبي عبدالله،”عليه السلام” أنه سئل عن الجامعة قال: (تلك صحيفة..)”.(٧٤)
وعن سليمان بن خالد مثله”(٧٥) وعن عمر بن أبان مثله”(٧٦). وبهذا المضمون روايات كثيرة رواها الصدوق والكليني والطوسي وغيرهم من أعلام الشيعة في كتبهم.

۲. وقد أخذ العامة من هذه الصحيفة كالبخاري”(٧٧)، ومسلم”،(٧٨) وأحمد بن حنبل”(٧٩) في كتبهم وغيرهم من أعلامهم.
٣. صحف أخر مدّونة منها صحيفة أبي رافع المدني (ت ٣٥هـ)، وقال النجاشي: (ولأبي رافع کتاب السنن و الاحکام و القضایا)”(٨٠) و مع ابن عباس ألواح یکتب فیها”(٨١).

وصحيفة سعد بن عبادة الأنصاري (ت ١٥ هـ). ويرى البخاري أنّ هذه الصحيفة کانت نسخة من صحیفة عبدالله بن أبي أوفى الذي کان یکتب الاحادیث بیده و کان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه”(٨٢). وصحيفة جابر بن عبدالله الأنصاري ذكرها ابن سعد في طبقاته”(٨٣)، وعبدالرزاق في مصنفه”(٨٤)، والذهبي في تذكرته”(٨٥)، وروى مسلم في صحيحه أنها كانت في مناسك الحج، ويحتمل أن يكون فيها ذكر حجة الوداع التي ألقى فيها رسول الله(ص) خطبته الجامعة، والتي عيّن فيها عليّاً، وصيّاً وخليفة وإماماً للناس بعده”.(٨٦)

٤. قال السيوطي في تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: ((اختلف السلف) من الصحابة والتابعين (في كتابة الحديث فكرهها طائفة) … (وأباحها طائفة) وفعلوها منهم عمر، وعلي، وابنه الحسن، وابن عمر، وأنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر أيضاً، والحسن، وعطاء وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز. وحكاه عيّاض عن أكثر الصحابة والتابعين، منهم: أبو قلابة، وأبو المليح ومن ملح قوله فيه : يعيبون علينا أن نكتب العلم وندونه… (ثم أجمعوا) بعد ذلك (على جوازها) وزال الخلاف. قال ابن الصلاح: ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة)”.(٨٧)

النتيجة:
١. إنّ تدوين الأحكام الشرعية مستحب شرعاً؛ لما ورد من إجازته – بل أمره بالكتابة، ومن الصحف التي ذكرناها، والأحاديث المتكثّرة في حثّه على الكتابة والتي منها: اکتبوا و لا حرج، و قیّدوا العلم بالکتاب، و فعله، و فعل أمیرالمؤمنین علی وابنه الحسن(ع)، ومجموعة من الصحابة.

٢. التقنين أمر مستحدث والفرق بينه وبين التدوين الإلزام والجزاء . كما بيّنا، كما أنّ التدوين جائز ومستحب؛ لعدم الإلزام، وأمّا التقنين فعلى القول بعدم الفرق بينه وبين التدوين فيأخذ حكمه، وأمّا على القول بالفرق بينه وبين التدوين، وأنه أمر مستحدث – وهو الصحيح – فيكون المانع الفقهي والشرعي منه هو التقييد بمذهب معيّن، وإلزام القضاة المجتهدين به كما ذكروا في أدلة حرمته، ولذا سنبحثه في المقصد الثاني.

الهوامش

(٥٤) ينظر: الوسيط في شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي : ١٥
(٥٥) العين: ٣/ ٣٠٦
(٥٦) معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٤٨٠
(٥٧) الصحاح: ٦/ ٢١٥٥
(٥٨) الوسيط في شرح الأحوال الشخصية العراقي: ١٥
(٥٩) موسوعة طبقات الفقهاء (المقدمة):٢/ ٧٨.
(٦٠) نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ: ١/ ٧_ ١٣.
(٦١) تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به: ١٣٢
(٦٢) المائده: ٤٢
(٦٣) النساء: ٥٩
(٦٤) کتاب الام:۹۳/۷.
(٦٥) ینظر: أبحاث هیئة کبار العلماء/ مادة: ۳/ اصدار ۱٤۲۱ ه – ۲۰۰۱ م/ تدوین الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به / ص : ١٣٢.
(٦٦) رواه أبو داود فی سننه: ۲/ ۱۵۸ ح۳۵۷۳، و این ماجهٔ فی سننه: ۲/ ٧٧٦ ح ۲۳۱۵، و أیضاً فی سنن الترمذي: ٣/ ٦ ح ١٣٢٢، تحقيق بشار عواد معروف ، الناشر: دار الغرب الاسلامی، ط١ ١٩٩٦، و السنن الکبری للبیهقی: ١٠/ ١١٦، و سنن النسائی : ۳/ ٤٦١ ح 5922 وغيرهم، وصححه الالباني في صحیح الجامع، و في ارواء الغلیل فی تخریج أحادیث منار السبیل: ۸ / ۲۳۵ح ؛٢٦١٤.
(٦٧) المستدرك على الصحيحين: 4/ ٩٠.
(٦٨) إرواء الغلیل في تخریج احادیث منار السبیل: ۸ / ٢٣٦.
(٦٩) الفتاوی الکبری : ٥ / ٥٥٥.
(٧٠) الروح لابن القیم: ۲/ ٧٦٩. النصائح الکافیة: ۳۳.
(٧١) الفقیه والمتفقه: ۱ / ٤٣٥.
(٧٢) مجموعة الفتاوي: ٢٧/ ٣٠٨
(٧٣) تقنين الأحكام الشرعية، تاريخه، حكمه: ٣١. تأليف: عبد الرحمن بن سعد بن علي الشثري، دار التوحید للنشر، ط۱- : ١٤٣٥ه، نقلاً عن کتاب أبحاث هیئة کبار العلماء: ۲۰۷/۳.
(٧٤) بصائر الدرجات : ١٦٣
(٧٥) بصائر الدرجات : ١٦٣
(٧٦) الكافي: ١/ ٢٣٦
(٧٧)ينظر: صحيح البخاري:١/ ٣٦، 2٢١، ٤/ ٣٠، ٦٧، ٦٩، ٨/ ١٠، ٤٥، ٤٧، ١٤٤
(٧٨) ینظر: الجامع الصحیح (صحیح مسلم) : ٤/ ۱۱۵. ۲۱۷، ٦/ ۸۵.
(٧٩) ينظر: مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٧٩، ٨١، ١٠٠، ١٠٢، ١١٠، ١١٨، ١١٩، ١٢٦، ١٥١، ١٥٢
(٨٠) رجال النجاشی: ٤-٥
(٨١) ينظر: طبقات ابن سعد : ۲ / ۳۷۱، والاصابةٔ: ۲/ ۳۳۲.
(٨٢) وسائل الشيعة/ مقدمة التحقيق: ١/ ٩.
(٨٣) طبقات ابن سعد : ۷ / ۲۲۹.
(٨٤) المصنفٔ: ۱۱/ ۲۰۲۷۷.
(٨٥) تذكرة الحفاظ: ١/ ١٢٣
(٨٦)التاریخ الکبیر: ۷/ ۱۲۵ ح ۸۲۷.
(٨٧)تدريب الراوی في شرح تقريب النواوي: ٢/ ٦٤.

 

يتبع…

دراسات علمية

المصدر: العدد الحادي عشر من مجلة ” دراسات علمية” (مجلة دراسات علمية: مجلة نصف سنوية تخصصية تصدر عن المدرسة العلمية (الآخوند الصغرى), في النجف الأشرف وتُعنى بنشر كل ما يهم طالب الأبحاث العليا في الحوزة العلمية, من الفقه والأُصول والرجال والحديث ونحوها.)

 

دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (1)

https://goo.gl/whqzZp

 

دراسات فقھیة مقارنة بين قانون الأحوال الشخصية العراقي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري (3)

https://goo.gl/2MciRb

 

عن سيد محمود عربی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics