الرئيسية / التصنيف الرئيسی / الأوراق المالية: اجرتها، اقراضها، رهنها .. آية الله الشيخ حسن الجواهري
الأوراق المالية

الأوراق المالية: اجرتها، اقراضها، رهنها .. آية الله الشيخ حسن الجواهري

إنَّ الناس ـ بما فيهم البنك أو الشركات ـ يقبلون على شراء السندات لغرض الربح الذي ينتج من الفرق بين قيمة الشراء والبيع، كما أن الاحتفاظ بها يكون عبارة عن سيولة ، حيث يمكن تحويلها الى نقد بسرعة، فهل هذا العمل صحيح شرعاً ؟

الاجتهاد: الأوراق المالية المقصودة هنا بالبحث هي الأسهم والسندات :

١ ـ السهم : ونقصد به الصك الذي يمثل جزءاً من رأس مال الشركة المساهمة يزيد وينقص تبعاً لرواجها وعدمه ، وقد يسمى عند الاقتصاديين نصيباً أيضاً ، ولذا يعرّف بأنّه : نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال ، أو الجزء الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة ، وكلامنا هنا يدور حول الأسهم العادية المتساوية القيمة والحقوق والواجبات وكانت تدور في نطاق المباحات.

٢ ـ السند : وهو صك يمثل جزءاً من قروض الحكومة أو الهيئات الرسمية أو غير الرسمية ، فيصدر الصك بقيمة ألف دينار الى أجل محدَّد ولكنه يباع بتسعمائة دينار نقداً ، وحينئذ يكون السند في حقيقته وثيقة بدين مع التزام المصدِّر بدفع نصيب من الفائدة في تاريخ محدد.

ثم إنّ هذه الأوراق ( السهم والسند ) تصدر بقيمة محددة ، ولكنَّ اسعارها تتغيّر بعد ذلك كبقية السلع ، مثلاً السهم له ثلاث قيم :

١ ـ القيمة الأسمية : وهي التي تحدد للسهم عند انشاء الشركة ، فيكون مجموع القيم الاسمية يساوي رأس مال الشركة عند انشائها.

٢ ـ القيمة الحقيقية : وهي عبارة عن نصيب السهم من صافي اُصول الشركة بعد اعادة تقديرها وفقاً للاسعار الجارية بعد ملاحظة الارباح والديون.

٣ ـ القيمة السوقية : وهي عبارة عن القيمة التي يباع بها السهم ، وهذه القيمة مرتبطة بنجاح الشركة أو فشلها وبحسب رأس مالها الاحتياطي والظروف والأزمات المالية والسياسية والرغبة والدعاية وغير هذه الأمور ممّا هو دخيل في قيمة السهم السوقية.

وهكذا الأمر بالنسبة للسندات ، فإنّ اسعارها تتغيّر بعد ذلك ، فيكون لها قيمة سوقية غير قيمتها الاسمية التي اشتريت بها (١).

ولهذا السبب فإنَّ الناس ـ بما فيهم البنك أو الشركات ـ يقبلون على شرائها لغرض الربح الذي ينتج من الفرق بين قيمة الشراء والبيع ، كما أن الاحتفاظ بها يكون عبارة عن سيولة ، حيث يمكن تحويلها الى نقد بسرعة ، فهل هذا العمل صحيح شرعاً ؟

الجواب : يوجد فرق بين السهم والسند ، فالسهم الذي يمثّل جزءاً من رأس مال الشركة المساهمة يكون بيعه وشراؤه جائزاً إذا كانت هذه الشركة تدور اعمالها في نطاق المباحات ، لأنَّ هذا السهم يمثل جزءاً من أعيان الشركة يجوز بيعه بأيّ ثمن أراد البائع بيعه.

أمّا بالنسبة إلى السندات ففي واقعها هي ربا محرّم يمنع من التعامل به إلاّ في حدود خاصة وهي :

١ ـ شراء سندات صدرت من أشخاص لا يؤمنون بالإسلام.

٢ ـ شراء سندات صدرت من بنوك حكومات لا تؤمن بالإسلام.

والسبب في هذا المخرج هو ما ورد من الفتاوى والنصوص (2) التي تجوِّز التعامل بالربا مع الكافرين ( الذمي بشرط أن نأخذ منه الزيادة ) وهذه النصوص وإن كانت ضعيفة السند ولكن أخذ بها كل علماء الإمامية الذين يرون الشهرة الفتوائية جابرة لضعف السند (3). وذهب الى هذا القول بعض علماء المسلمين من غير الإمامية كالامام الحنفي. وأرى أنَّه على وفق القاعدة إذا نظرنا الى حكم الكافر غير الذمّي ( الحربي ) الذي جوّز لنا الشارع قتله ، فكيف بأخذ المال منه بطريقة سلمية وباختياره !!

وعلى كل حال فإنْ كان بيع هذه الأوراق صحيحاً بالقيود التي ذكرت له ، فهل يمكن للبنك أن يقوم بالتوسط لبيعها أو شرائها ؟

والجواب : أنَّ عملاء البنوك عندما يأمرون البنوك بشراء كمية من هذه الأوراق أو بيعها لهم ، يقوم البنك ـ بعد التأكّد من سلامة هذه الطلبات ـ بالاتصال بالبورصة مباشرة عن طريق ممثله أو بواسطة سماسرة الأوراق المالية ، لأجل الوقوف على سعر الأوراق لإنجاز عملية البيع أو الشراء بالسعر المتفق عليه ، والبنك من حقه أن يطلب أجراً أو جعلا على هذه العملية المشروعة.

ولا بأس بالتنبيه على أن بيع أو شراء هذه الأسهم إنّما يكون بعد تكوّن الشركة كلها أو أغلبها من العينيات ( السلع والعروض ) وإن كان اساسها من النقد ، بناءً على أنَّ العبرة بالغالب لا بالقليل والتابع.

وأمّا إذا كانت هذه الشركة تتعامل بالأوراق النقديّة فقط أو كان غالب عملها هو هذا ، فهل يجوز بيع السهم وشراؤه ؟ الجواب : نعم يصح إذا باع سهمه الذي هو من الأوراق النقدية المختلفة بورق نقدي واحد نقداً أو نسيئة ، حيث لا نشترط التقابض هنا ، كما ذهب الى ذلك المشهور ـ كما سيتّضح عند بحثنا للأوراق النقدية.

أمّا بيع ورقة ونقده بنفس الورق فالارتكاز العرفي يقول : بأنَّه قرض لا يجوز الزيادة في رده ولو نسيئة.

وهنا قد يطرح سؤال آخر ـ وهو المقصود بالبحث ـ وهو :

هل يجوز تأجير الأسهم ؟ وهل يجوز اقراضها ؟ وهل يجوز رهنها وإعارتها ؟

أمّا بالنسبة لتأجير السهم ، الذي هو : عبارة عن حصة من الشركة مشاعة ، فقد ذكر الفقهاء : « أن كل ما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه ، تصح إعارته وإجارته ، وينعكس في الاجارة كلياً دون الاعارة ، لجواز إعارة المنحة (4) مع أن المقصود منها هو اللبن ، ولا تبقى عينه ، ولا تصح اجارتها لذلك » (5) بعد أن كان ذلك بدليل ،

ولا يفرق فقهاء الإمامية بين الملك الخاص المتميز والمشاع حيث يمكن استيفاء المنفعة من الملك المشاع بموافقة الشريك ، فيدخل تحت قوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) وتشمله ـ أيضاً ـ خصوص اطلاقات الاجارة.

نعم لا تسلّم العين إلى المستأجر إلاّ بإذن الشريك ، ولو أبى الشريك الإذن ، رفع المالك أمره إلى الحاكم الشرعي ليجبره على الإذن أو يأذن الحاكم الشرعي في التصرف إذا عاند الشريك.

نقول : إنَّ كلامنا في تأجير السهم الذي هو حصة مشاعة من الشركة التي تعمل وفق إدارة لها، وبما أن المستأجِر للسهم لا يريد استلام العين التي استأجرها ، بل يريد أن ينتفع بحاصلها الذي يُعلم في ضمن سنة مثلاً ، فقد انتفى مشكل تسليم العين إلى المستأجر إذا لم يوافق الشريك ، وقد عرفنا أنَّه لا يمنع من صحة الاجارة للمشاع.

ولكن لا يتمكن هذا المستأجر لهذه الحصة أن يؤجرها الى غيره بأكثر مما استأجرها ، ليأخذ الفارق بين الأجرتين بدون عمل يبرر هذا الأخذ ، وهذا يختلف عن حصول المستأجر على ربح السهم المشاع إذا سُلِّم إليه وكان أكثر من مال الاجارة ، إذ أنَّ المستأجر قد استحق حصة السهم المشاع من الربح المتلبس بالأعيان، وقد قُدِّرت هذه بالنقد الورقي ، فكأنَّ المستأجر حينما يستلم النقد الورقي قد باع ربح السهم المشاع الذي استأجره ، والمتلبس بالأعيان بالنقد الورقي أو بادله بذلك فلا ينطبق عليه أنَّه ربح بدون عمل ، بل انَّ أمواله النقدية قد حوّلها الى منافع السهم المشاع ، وقد حصلت وبادلها بالنقد ، فيكون كالمشتري للدار التي يربح من بيعها ولو لم يعمل فيها عملاً.

وأمّا بالنسبة لرهن السهم : فكذلك لا يوجد اشكال في ذلك ، لأنّ رهن السهم عبارة عن رهن الحصة المشاعة من الشركة عند آخر لأجل التوثيق للدين ، ورهن السهم هنا لا يحتاج إلى تسليمه إلى المرهون عنده حتى نحتاج الى رضا الشركاء ، بل معناه تسجيل الحصّة في قائمة الحصص الممنوعة من البيع والاجارة والهبة والأرث إلاّ بعد سداد الدين للمرتهن الذي رهنت الحصة عنده. وان لم يدفع الراهن ما عليه عند تمامية مدة الدين يكون الحق للمرتهن من بيع هذه الحصة المشاعة وسداد مقدار دينه وارجاع الباقي إلى الراهن ، وهذا شيء صحيح يجري في كلّ عين مرهونة سواءٌ كانت محددة ومشخّصة أو مشاعة ، وقد ذكر الفقهاء في شرط الرهن : « أن يكون عيناً مملوكة يمكن قبضها ويصح بيعها » (6).

وعلى هذا فهل يمكن قبض الحصة المشاعة ؟

الجواب : نعم يصح قبضها بإذن الشريك ، فيقبض المرتهن الحصة المشاعة ويمنع الراهن من التصرف فيها الى سداد الدين وفك الرهن.

أمّا بالنسبة لاقراض هذه الأسهم للغير ، فلا تخرج عن كونها إمّا أن تحسب من الأعيان المثلية أو القيمية ، والقاعدة هي جواز اقراضها للغير وهو معنى تمليكها مع الضمان ، ونطبق عليها قواعد القرض ، فإنْ كانت مثلية فيجب عليه إرجاع مثلها ، وإن كانت قيمية فيجب عليه ارجاع قيمتها حين اقترضها كما هي القاعدة في باب القرض.

والخلاصة : أنّ السهم الذي هو عبارة عن حصَّة مشاعة في الشركة يترتب عليه جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك ، من بيع وهبة وإعارة وإرث وإجارة وغيرها. ولا نحتاج لأجل إحكام العقد الذي حصل بين المالك والمشتري والواهب والمستأجر مثلاً من قبول الجهة المصدِّرة للسهم البائعة له بعد أن كان السهم ملكاً لغير هذه الجهة إلاّ إذا اشترطت الجهة المصدِّرة والبائعة له أن يكون الانتقال بإذنها ، فإنَّ « المسلمون عند شروطهم » يوجب أخذ الإذن من الشركة في كل هذه التصرفات إلاّ الارث الذي هو حكم شرعي نافذ ولو بدون رضا المصدِّر للسهام ، حيث يكون شرطه هنا مخالفاً للكتاب والسُنَّة فيكون باطلاً.

 

الهوامش :

(١) هناك اشتراك بين الأسهم والسندات في تساوي القيمة الأسمية لكل فئة ، وقابليتها للتداول وعدم قابليتها للتجزء ، ومع هذا يوجد فرق بين السند والسهم يتلخّص في هذه الأمور :

أ ـ السند يعتبر شهادة دين على الشركة بينما السهم هو جزء من رأس المال.

ب ـ السند يحصل صاحبه على الربا من دون أن يرتبط بربح الشركة أو خسارتها بخلاف السهم.

ج ـ صاحب السند لا يشارك في إدارة الشركة بخلاف صاحب السهم.

د ـ يحصل صاحب السند على قيمة سهمه وفوائده في الوقت المحدّد بخلاف صاحب السهم الذي ينتظر عادة تصفية الشركة للحصول على سائر أمواله.

ه‍ ـ صاحب السند له ضمان على موجودات الشركة فيحصل على حقّه في حالات التصفية مقدّماً على صاحب السهم.

(2) وسائل الشيعة : ج ١٢ ، ب ٧ من أبواب الربا ، ح ٢ و ح ٣ و ح ٥.

(3) أمّا الإمام الخوئي ; الذي لا يقول بأنّ عمل المشهور الفتوائي جابر لضعف سند الرواية ( حسب ما حقّقه في الاُصول ) فقد ذكر « جواز أخذ الربا من الكافر الحربي بعد وقوع المعاملة من باب الاستنقاذ » في رسالته العملية « منهاج الصالحين : ج ٢ ، ص ٦١ مسألة ٢١٨ » فكأنّه يفرق بين الحكم الوضعي والتكليفي فقال بجواز أخذ الربا وضعاً بعد تمامية المعاملة ، أمّا نفس المعاملة الربوية مع الكافر الحربي فهي محرمة لأنّه تمسك بإطلاق « حَرَّم الربا ».

ولكن الصحيح أن « حَرَّم الربا » غير شامل للحربي ، حيث أن الحرمة إنّما تكون لمن كان لماله حرمة بحيث لا يجوز التصرف فيه ، وأمّا الحربي الذي حكمه القتل فهو مهدور الدم فلا حرمة لدمه فضلا عن ماله فلا تشمله « حَرَّم الربا » فتكون منصرفة عنه ، وبهذا يكون أخذ الزيادة منه جائزاً بلا حاجة الى نص خاص وقد يقال : إنَّ دعوى الانصراف توجب الالتزام بجواز احراق أموال الكافر أو القائها في البحر باعتبار عدم حرمتها ، ولكن هذا لا يجوز لأنّه تبذير ، وحرمة التبذير لا تتأثر بعدم حرمة المال.

والجواب : ان الانصراف المدعى هو لعدم حرمتها بحيث لا يجوز التصرّف فيها ، أمّا التصرف بنحو تكون حراماً من ناحية ثانية فهو أمر آخر.

(4) المنحة : هي الناقة التي تستعار للبنها.

(5) شرح اللمعة الدمشقية ، للشهيد الثاني : ج ٤ ، ص ٣٣١ ( كتاب الاجارة ).

(6) المصدر السابق : ص ٦٥ كتاب الرهن.

المصدر: كتاب: بحوث في الفقه المعاصر – المجلد الثاني – ص : 195

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics