الاجتهاد: إن الإمام الشهيد الخامنئي (قدس سره) يعد بحق من زمرة نوادر الأيام. فهو شخصية سابرة للأغوار، فإلى جانب اضطلاعه بزعامة سياسية إسلامية عامة، جاب طائر علمه الآفاق الفسيحة للرؤى السوسيولوجية، والبدائع واللطائف الأدبية، والمسابر الحضارية، والمعارف الدينية العميقة، والإشراقات التفسيرية، والبراهين الكلامية الرصينة، فاستلهمها ودانت له قطوفها.
وفي خضم هذه الأضلاع المتداخلة والساحات المذهلة، فإن ما ينهض بهيكل هذا الفكر الشامخ ويكون له بمثابة العمود الفقري، وما يمنح القوام للشاكلة الأصيلة لهذه الهندسة المعرفية، إنما هو جهازه المنهجي في العلوم الإسلامية، وفي إقليم الفقه على وجه أخص.
وما يسطر في هذه الوجيزة إنما هو سعي حثيث لاستكشاف المنطق المنهجي الذي ارتكز عليه ذلك الفقيه الشهيد في هندسة الاستنباط وإعادة بناء المعرفة.
1. اصطياد القواعد الفقهية وتجاوز الظواهر المتناثرة
وفي مضمار اقتناصه للقواعد الفقهية من محيط الأدلة، تتجلى أمامنا ركيزتان أساسيتان تفيضان بالعمق والروعة:
أولاهما: تأسيس قاعدة الحرام هو اللهو المضل:
إنه في ساحة التحليل الخطابي لمفردة اللهو، لم يتوقف عند حدود دراسة رواية واحدة، بل من خلال رصده لظاهرة اللهو في رحاب الآيات القرآنية، أدرك أن التجارة تارة، وأصل الحياة الدنيا تارة أخرى، قد سُميا لهوا، لكن لم يُطبع على جبينهما ختم الحرمة قط. ومن تقاطع هذه التقريرات المتناثرة، يقتنص قاعدة ذهبية وشاملة؛ ألا وهي أن مطلق اللهو والتسلية ليس بمحرم في الشريعة، بل إن القانون الكلي ومدار الحرمة يدور حصرا حول محور اللهو المضل عن سبيل الله، أي التسلية التي توقع في الضلال. وهذا هو عين العبور من جزر الكلمات المتناثرة والوصول إلى الروح الواحدة للتقعيد.
ثانيتهما: التوالد السلسلي للقواعد:
إن اصطياد القاعدة في الهندسة الفكرية لهذا الفقيه الإمام لا يمر دائما عبر مسار تجميع النصوص المتجانسة، بل يتجلى أحيانا من خلال شق هيكل حكم منفرد والنفوذ إلى أعماقه العقلانية.
ففي إحدى الموارد، ومن خلال توظيف شبكة متشابكة من الملازمات العرفية، وتنزيه كلام الشارع عن أي لغوية، يبسط شباك اجتهاده في أعماق نص ظاهري.
وهكذا، متجاوزا قشرة حكم الشارع بجواز سلوك ما، يصطاد قاعدة خفية ومتلازمة في سماء غاية الحكم، ليرتقي بالفقه نحو الفاعلية والديناميكية في ساحة الحياة الاجتماعية.
ننقل كلامه أولا ثم نشرع في تحليله:
“المورد الثاني الذي هو محل الاستثناء، صورة تظلم المظلوم. لأنه بناء على مناسبة الحكم والموضوع، يدرك الإنسان أنه متى ما جاز تظلم المظلوم، وجب أن يكون استماعه جائزا أيضا؛ فلماذا يجوز تظلم المظلوم وذكر عيب الظالم؟ إما لكي يسلي عن نفسه مثلا ويريح قلبه، فقد أعطوا هذا الإذن للمظلوم. أو ليتمكن من استجلاب نصرة الآخرين وعونهم لرفع الظلم. فإذا كان هذا الإذن من أجل أن يتسلى أو يستجلب نصرة الآخرين، فإن هذا يدل بدلالة الاقتضاء على أنه يجب أن يكون الاستماع إليه جائزا للسامع أيضا، وإلا فإن هذا الإذن سيكون لغوا بحقه. إذن، العرف يدرك التلازم بين جواز تظلم المظلوم وبين جواز استماعه”.
وبالإمعان العميق في هذه القطعة المذهلة من الهندسة الاجتهادية لذلك الفقيه، ندرك أنه لم يحبس نفسه في هذا المقام داخل أسوار قاعدة أحادية البعد، بل وظف بمهارة منقطعة النظير سلسلة متشابكة من القواعد، ليستمع من النص الصامت لحكم ما، صرخة من العقلانية والواقعية.
في الحقيقة، تعتبر هذه العبارات مجلى لعملية استنباطية متعددة القواعد، تتوالد فيها كل قاعدة من رحم أخرى، وتتلاطم فيها الأمواج موجا إثر موج.
أولا، نقطة انطلاق الفقيه في هذا الاستنباط هي اكتشاف غاية الحكم وهدفه؛ فهو لا يكتفي بالهيكل الجاف لجواز التظلم، بل ينفذ من خلال طرح تساؤل جذري إلى الروح والغاية الكامنة فيه، متسائلا: لماذا يجوز تظلم المظلوم؟ وهنا، عبر استنشاق نسائم مقاصد الشريعة، يقتنص غايتين عقلائية ونفسية: إحداهما تسلية قلب المظلوم، والأخرى استجلاب نصرة وعون الآخرين. وهذه هي قاعدة الرؤية الغائية والالتفات إلى هدف التشريع، والتي تمهد الطريق للخطوات اللاحقة.
ثانيا، بمجرد أن تتضح غاية الحكم، يرسي الفقيه الشهيد فورا قاعدة استدلاله على الصخرة العاتية لقاعدة نفي اللغوية. ومن خلال نظرة حكيمة لساحة المشرع، يدرك أنه لو أذن الشارع للمظلوم بالصراخ، ولكنه أصم آذان الآخرين عن سماع هذا الصراخ، لكان ذلك نقضا للغرض، ولأحال قانونه إلى أمر عبثي لا طائل منه. إذن، صيانة حكمة الشارع تقتضي أن يكون الحكم منزها عن أي لغوية.
ثالثا، من صميم هذا الفرار من اللغوية، وبالاستناد إلى مناسبة الحكم والموضوع، تدور عجلة الاستنتاج وتتولد دلالة الاقتضاء. ودلالة الاقتضاء هنا تعني أن العقل والعرف يدركان، بمقتضى صحة ومعقولية كلام الشارع، أن خلف ستار جواز القول يكمن جواز الاستماع أيضا.
رابعا، إن مآل هذا الموج الهادر هو الوصول إلى شاطئ الدلالة الالتزامية واكتشاف التلازم العرفي. وفي النهاية، من خلال المزج بين تلك الغاية وهذا التنزيه عن اللغوية، يصطاد الفقيه طائر التلازم، ويظفر بهذه القاعدة الذهبية القائلة بأن هناك رابطة لا تنفصم بين جواز التظلم وجواز الاستماع.
وعليه، في التحليل المنهجي لهذه الفقرة، لا ينبغي انتقاء إحدى هذه القواعد وترك الأخرى، بل يجب إدراك الإعجاز المنهجي للفقيه في كونه قد دمج غاية الحكم بمثابة الجذر، ونفي اللغوية بمثابة الجذع، والدلالة الالتزامية بمثابة الثمرة لهذه الشجرة الباسقة؛ ليقتنص من قلب نص يبدو في ظاهره بسيطا، قاعدة اجتماعية وشاملة.
2. النزعة التفكيكية تجاه الاثار الشرعية للموضوع
قد تبدو الاثار الشرعية المترتبة على موضوع واحد، في النظرة الاولى، كأنها كتلة واحدة متماسكة، بحيث يتولد من هذا الظهور الابتدائي تصور ضمني بان ما يطرأ على احد تلك الاثار من ثبوت او سقوط يمكن ان ينسحب، بنحو خفي وغير ملتفت اليه، على سائر الاثار المرتبطة به. ومن هنا ينشأ نوع من سراية الحكم الناعمة، لا على مستوى الموضوعات فحسب، بل حتى على مستوى الاثار المتفرعة عن الموضوع الواحد.
غير ان الشريعة، بما انها قائمة على هندسة دقيقة للواقع، ومبنية على حساب محكم للحقائق والخصوصيات، لا تفسح المجال لمثل هذا التوسع غير المنضبط. فهي لا تجيز انتقال حكم موضوع الى موضوع آخر من دون جامع معتبر ومناط ثابت، كما لا تسمح بانتقال حكم اثر الى اثر آخر، ولا سيما من جهة السقوط، ما لم يقم عليه دليل خاص. وهذا هو مقتضى الدقة التي تحكم بنية التشريع، حيث لا يختلط حد بحد، ولا يندمج اثر باثر، وان اشتركا في الانتساب الى موضوع واحد.
ومن ابلغ ما يكشف عن هذا المعنى ما ورد في حديث الامام الباقر عليه السلام:
“إن الله تبارك وتعالى جعل لكل شيء حدا، وجعل عليه دليلا يدل عليه”
فهذا النص يفتح افقا منهجيا عميقا في فهم الشريعة، اذ يدل على ان الاشياء ليست متروكة للتماهي والامتزاج، بل لكل واحد منها حد يفصله، وعلامة تعرفه، ومجال يختص به. واذا كان لكل شيء حد، كان من مقتضى ذلك ان لكل حكم حدوده، ولكل اثر دائرته، فلا يتعدى احدهما الى الآخر الا ببرهان.
وعلى هذا الاساس، فكما لا ينسحب حكم موضوع على موضوع آخر لمجرد نوع مشابهة او مجاورة، كذلك لا ينسحب سقوط اثر شرعي على اثر آخر لمجرد اجتماعهما في موضوع واحد.
وهذه النكتة الدقيقة هي مما يتجلى بوضوح في نظر هذا الفقيه الشهيد، حيث يتعامل مع الاثار الشرعية بوصفها جهات متعددة، لكل جهة حسابها الخاص، فلا يجعل سقوط واحد منها اعلانا بسقوط غيره، ولا يسترسل مع وحدة المظهر الى حد الغاء الفوارق الدقيقة بين المقامات.
ففي البنية الاجتهادية عند هذا الفقيه الشهيد، يعد الميل الى التفكيك ورسم الحدود الدقيقة بين نتائج الموضوع الواحد من ادق ملامح صناعته الفقهية. لقد كان ينظر بعين فاحصة تقطع الصلة الظاهرية بين تبعات الحكم، حتى لا تختلط المباحث ولا تمتد الاحكام على غير وجه حق في مجال الحقوق والتكاليف.
وتظهر هذه الدقة وهذا التشريح الاصولي بوضوح في بحث الغيبة ومسألة انكشاف العاصي وتركه الستر على نفسه. ففي هذا الموضع، يقبل الفقيه بان الشخص اذا هتك ستره بيده واظهر معصيته للناس، فان حرمة الستر تسقط في تلك الجهة بعينها، ويسقط معها اثرها الشرعي، وهو حرمة الغيبة بالنسبة الى الذنب الذي اعلنه وكشفه.
ومع ذلك، ووفقا للمنهج التفكيكي نفسه، يصرح بوضوح وحزم بان هذا السقوط الجزئي لاثر شرعي معين لا يمنح مطلقا اذنا بانتهاك كامل حرمة الشخص، ولا يبيح التلصص على خفايا حياته ولا اقتحام مستور احواله. فتمزق ستر واحد بفعل صاحبه لا يفتح باب التفتيش والفضول وكشف سائر عيوبه المستورة. [دروس مبحث الغيبة]
وفي هذه المنظومة الفقهية، يسير كل اثر شرعي في مداره الخاص ومجراه المستقل، ولا يعني زوال اثر واحد ان تنهار معه سائر الحرمات الشرعية او يعلن سقوطها جميعا.
بقلم الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد مبلغي
الاجتهاد موقع فقهي