الرئيسية / التصنيف الرئيسی / آراء وأفكار / رواد الفقه المقارن في مدارس المذاهب الإسلامية .. بقلم آية الله الشيخ محمد إبراهيم الجنّاتي
محمد ابراهيم الجنّاتي

رواد الفقه المقارن في مدارس المذاهب الإسلامية .. بقلم آية الله الشيخ محمد إبراهيم الجنّاتي

اهتم العلماء الكبار منذ زمن قديم بالمناظرات و المباحث التي تقارن بين رؤى المذاهب الاسلامية في مختلف المجالات من الفقه و الاصول و الكلام و التفسير و الحديث و التفتوا الى ضرورة مثل هذه البحوث لحصول التقريب بين المذاهب وانجاز اهداف الشريعة الاسلامية من التعاون و الوحدة.

خاص الاجتهاد: عند ما نراجع الى العصور المتقدمة نجد ان هناك حوارات و مناظرات بين علماء المذاهب الاسلامية في جو هادئ ودي عار عن التصلب و العصبية بكامل الاحترام و اهتموا بها و جعلوها طريقا للوصول الى التقريب بين المذاهب الاسلامية. و وصلت في دراساتي في هذا المجال ان دراسة الرؤى المختلفة يصير سببا لحسن التفاهم و التقارب بينهم. يقول ابن خلدون في مقدمته: هذا العلم نافع يوجب ان يعرف اسس و مبادئ ائمة الفقه.

عقد المجالس العلمية

اهتم علماء الشيعة من المتقدمين و المتأخرين بمثل هذه المباحث تبعا لأئمة اهل البيت (ع) و ربما ساهموا في عقد مثل هذه المجالس و شاركوا بجد و اهتمام و حاوروا مع الآخرين في مختلف قضايا المقارنة من الفقه و الاصول والكلام. من الجدير ان نذكر هؤلاء الطبقة الذين ساهموا في تعزيز المنهج المقارن.

الشيخ المفيد

الشيخ محمد بن محمد بن نعمان الملقب بالمفيد (م 413) يعتبر من المراجع العلمية العظام للشيعة في نهاية القرن الثالث و بداية القرن الخامس و اهتم بالمنهج المقارن في حواراته و كتاباته. و كان له مناظرات مع علماء المذاهب الاسلامية. و من المعروف انه كان حافظا في خزانة ذهنه لجميع الآراء و النظريات و الفتاوى للمذاهب المعروفة.

يعتبر العصر الذي عاش فيه الشيخ المفيد للمجتمع الاسلامي عصر الازدهار و التقدم و الاشراق من ناحية العلم و الحضارة و الثقافة و قد تطور المجتمع الاسلامي في هذا العصر من جهات كثيرة و يعتبر المجتمع الاسلام رواد العلم و الحضارة في العالم. و آنذاك يعتبر بغداد المركز السياسي للأمة الاسلامية و في نفس الوقت كان يعتبر مركز العلم و الثقافة و قد ظهر فيها علماء كبار من المذاهب الاسلامية و کان مركزا لاجتماع علماء الاسلام.

و حاول في هذا العصر اتباع مختلف المذاهب الاسلامية الدفاع عن رؤى و معتقداتهم الدينية، و كتب كتابات و رسائل مختلفة لايضاح مذهب و الدفاع عن رؤى و نظرياتها. و قد شعر علماء المذاهب الاسلامية ان ازدهار العلم يتحقق في احضان الفكر و الفكر يحتاج الى الحرية و من هنا باشر علماء المذاهب الاسلامية المباحثات و المناظرات بينهم و في ظل هذه الحوارات و صراعات الافكار تحققت ارضية مناسبة لتنمية الفكر و الثقافة. نعم قد يوجد صراعات بين ابناء المذاهب، لكن هذا المقدار من الصراعات يعتبر ضئيلا بالنسبة الى حريات الفكر و المباحثات الحرة العلمية.

و من الشخصیات البارزة العلمية في هذا العصر هو الشيخ المفيد، كان عالما خصيصا في مختلف فروع العلم والمعرفة. و شارك في المناقشات و المناظرات العلمية مع اهل كل مذهب و عقيدة و دافع باسلوب جيد عن العقيدة و مذهب الشيعة (سیر اعلام النبلاء، ج-17، ص-344؛ و المنتظم، ج-8، ص-11(. و بالالتفات الى اطلاله على رؤى و نظريات و مستندات الآخرين كان قادرة على حل الاشكاليات و الشبهات التي تواجهه من جانب الآخرين. (ادب‌المرتضی، ص-83، حکایة عن تاریخ الیافعی و مقدمة تهذیب الاحکام).

الشیخ المفید كان له دورا هاما في التقاء اصحاب الملل و المذاهب و تعزيز العلاقات بينهم و له مناقشات و مناظرات كثيرة قد جمع مقتطف هذه المناقشات في كتابي «العیون» و «المجالس» ثم لخصهما تلميذه السيد الشريف و سماه باسم «الفصول المختاره» (الشریف المرتضی، الفصول المختارة، مقدمة الکتاب).

و يظهر من الكتاب انه اضاف اليها جملة ما املى عليه الشيخ المفيد و لا شك ان اصل الكتاب من الشيخ المفيد و لا وجه لتردید بعض الباحثین في صدوره من الشيخ المفيد، و قد طبع الكتاب في جزئين في النجف الاشرف.

و قد كان للشيخ المفيد شهرة و معروفية بين كبار علماء المذاهب الاسلامية و الملل و النحل المختلفة من المعتزلة و المجبرة و الحشوية و الناصبية و الزيدية و الكيسانية و الاسماعيلية و القرامطة و المباركة و الناووسية و السمطية و الفطحية و الواقفية و البشرية و غيرهم لاجل مناظرات و مناقشاته العلمية. و له مناظرات مهمة مع القاضي ابي بكر الباقلاني و عبد الجبار المعتزلي و القاضي ابي بكر بن سيار و القاضي العماني و ابي بكر دقلق و ابي عمرو و الشطوي.

كان ملتزما بان يراعي في مقام الجدال و المناقشات امورا منها:
1. كان ملتزما بان يعقد الحوار و المناظرة في جو هادئ على اساس نيات حسنة و حصول المفاهم عار عن العصبية و التصلب.
2. كان ملتزما بان يحترم الرؤى و نظريات المذاهب و يناقش بهدوء و احترام و اذا واجه دليلا قويا يقبله.
3. و في مقام الحوار يذكر ادلة و مستندات مقبولة لمن يحاروه و يناظره و لا يذكر ادلة و مستندات غير مقبول لدى الطرف الآخر.

و من هنا استطاع ان يقع مورد القبول و الاحترام من جانب الفقهاء و المتكلمين في ذلك العصر، و هذا لم يحصل الا من جهة سلوكه و اخلاقه و تعامله مع الآخرين سلوكا حسنا و لاجل ذلك نجد ان كبارا من علماء الاسلام يرحلون اليه من قريب او بعيد و و يحاوروه و يناظروه في مختلف القضايا العلمية من الفقه و الكلام و كان مجالسه محفلا ساخنا للابحاث الفقهية و الكلامية.

الشريف المرتضى

على بن الحسين المعروف بالشريف المرتضى (م 436ه) تلميذ الشيخ المفيد و رئيس الشيعة في عصره بعد استاذه الشيخ المفيد و يعتبر من اعلام الشيعة و له مناظرات و حوارات مع علماء المذاهب الاسلامية و تاليفات في هذا المجال يعني ما يتعلق بالمذاهب الاسلامية و المقارنة بينها و بين آراء الشيعة و المهم منها كتاب الانتصار في انفرادات الامامية و الناصريات.

الشيخ الطوسي

الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (م 460ه) زعيم الشيعة في عصره و انتقل المرجعية الدينية بعد استاذه السيد اليه و تربى بيده شخصيات كثيرة و له كرسي في تدريس في المعهد العلمي لبغداد و له حوارات و مناظرات مع مختلف علماء البلاد و المهم ما بقي منه من الآثار في مختلف المجالات و في خصوص ما يتعلق بنظريات مختلف المذاهب الاسلامية في الفقه كتابه المعروف بالخلاف.

الشهيد الاول

الشهيد محمد بن مكي العاملي (م 786هـ) المعروف بالشهيد الاول من اعلام الشيعة في القرن الثامن. كه له اهتمام بالغ في التقريب بين المذاهب الاسلامية و يشارك في الندوات و الحفلات التي تقام لاجل تبادل المعلومات و يناقش و يناظر مع علماء المسلمين و قرء اكثر كتب الفرق الاسلامية عن عمق و دقة و سافر لاجل المشاركة في الندوات العلمية للمذاهب الاسلامية و لاستيلائه على الرؤى و النظريات و عمقه و دقته صار سببا لاعجاب الآخرين و لاجل لذلك كان له مكانة مرقومة عند معاصريه من العلماء الكبار. و من هنا نال بشرف اخذ اجازة نقل الرواية من كثير من علمائهم. هو يقول في اجازته لابن خازن:

و أمّا مصنّفات العامّة و مرويّاتهم فإنّي أروي عن نحو من أربعين شيخا من علمائهم بمكّة و المدينة و دار السلام بغداد و مصر و دمشق و بيت المقدس و مقام الخليل إبراهيم عليه السّلام، فرويت صحيح البخاري عن جماعة كثيرة بسندهم إلى البخاري، و كذا صحيح مسلم و مسند أبي داود و جامع الترمذي و مسند أحمد و موطّأ مالك و مسند الدار قطني و مسند ابن ماجة و المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، إلى غير ذلك ممّا لو ذكرته لطال الخطب. (رسائل الشهيد الأول، ص: 307).
و اضاف بانه نال بشرف اخذ الاجتهاد منهم في مختلف العلوم مثل الصرف و النحو و المنطق و الحديث و الرجال. هذه الميزة يختص بها الشهيد الاول و لعله لا يوجد في غيرهم من العلماء و الباحث على مرّ التاريخ.

الشهيد الثاني

زين الدين بن علي بن احمد المعروف بالشهيد الثاني (م 966هـ) من كبار علماء الشيعة و فقهائهم و قل ما يوجد فقيه مثله في مجال الفقه و مصنفاته في غاية الدقة و العمق. و كان من الباحثين الذين يهتم بالحوار و المفاوضات مع علماء الاسلام و شارك كثيرا من المجالس العلمية و الندوات التي تقام في القضايا الاسلامية.

قال بعض الباحثين في سيرته الذاتية:

يعد الشهيد نموذجاً حياً للوحدة الإسلامية، فتراه يدرس مذاهب العامة على علمائها، فقد اشتغل على كثير من علماء الشافعية كالشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي، و الشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي، و الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القادر الشافعي؛ و من علماء الحنفية كالشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقي الحنفي، و من علماء الحنبلية الشيخ شهاب الدين بن النجّار الحنبلي، و من علماء المالكية الشيخ زين الدين الجرمي المالكي، و‌ الشيخ المحقق ناصر الدين اللقاني المالكي.

و لما التزم المدرسة النورية ببعلبك، أقام فيها خمس سنين، يدرِّس في المذاهب الخمسة، و يعاشر كل فرقة بمقتضى مذهبهم. و تراه يمضي في كتبه- و بالخصوص هذا الكتاب (تمهيد القواعد الاصولية)- على نفس السيرة، فينقل المطالب الصحيحة من كتب العامة و الخاصة على السواء، و ينقل بعض الاصطلاحات من كتب العامة و طريقتهم إلى كتب الخاصة، و هذا مشهود في كتبه. (تمهيد القواعد الأصولية و العربية، ص: 16- 17).

عقد المحاضرات في فقه المقارن

التفاعل السلمي بين علماء المذاهب الاسلامية اوجد ارضية مناسبة للحوار و النقاش في مختلف المجالات العلمية من الفقه و الكلام و الاصول و لذلك عقد كثير من علماء المذاهب الاسلامية مجالس الدرس و البحث في الفقه و الكلام و شارك طلاب علوم الدين شيعة و سنة في محاضرات علماء مذهب آخر، فنجد ان طلاب علوم الدين من الشيعة يشاركون في مجالس علماء اهل السنة و يشارك طلاب علوم الدين من السنة في مجالس علماء الشيعة و هذا كان امرا متعارفا بين الفريقين و يعتبر نموذجا بارزا من الوحدة و التقارب بين اتباع المذاهب الاسلامية.

الشيخ المفيد

الشيخ محمد بن محمد بن نعمان المفيد باشر التدريس في بكريات شبابه و صار وحيد عصره و كان مجلس درسه مجلسا ممتليا من مئات طلاب العلم و يشارك فيها جملة من كبار علماء الشيعة و السنة. يقول ابن كثير في تاريخه: و کان مجلسه یحضره کثیر می العلماء من سائر الطوائف. (البداية و النهاية، ج12، ص 15).

كان لدرسه ميزات خاصة منها ان يقدم البحث على اسلوب المقارن في الفقه و الكلام و لعله يعتبر اول عالم كبير طرح المباحث على هذا المنهج ثم اقتفى اثره تلاميذه الشريف المرتضى و الشيخ الطوسي. و يشهد لذلك ما تركه من التراث. و كان له قدرات خاصة في الفقه المقارن و يوضح القضايا الفقهية و الكلامية ببيان رصين و يبرهن عليها و يناقش كي يصل الى الرأي الصحيح و يختار. و استطاع ان يطور الفقه و الكلام المقارنين الى مرحلة عالية، ثم لعب الذين تربوا بيده دورا هاما في تصعيى الفقه و الكلام المقارنين.
كما ان جملة من كبار اهل السنة شاركوا دروس الشيخ المفيد و هو نفسه ايضا شارك مجالس دروس جملة من اعلامهم كعلي بن عيسى الرمان و القاضي عبد الجبار المعتزلي. و قد ذكرت في مقالتي التي نشرت في عدد 46 من مجلة كيهان فرهنگی اسماء و عدد اساتذته من اهل السنة و الجماعة.

الشريف الرضي

محمد بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف الرضي (م 406هـ) مؤلف كتاب نهج البلاغة و هو يحتوي كلمات الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب و قد مضى على سبيل استاذه الشيخ المفيد في مجال الوحدة و التقارب بين المسلمين. كان اساتذته من اهل السنة القاضي عبد الجبار المعتزلي و علي بن عيسى الرماني و ابي جعفر الكناني و ابي اسحاق ابراهيم بن احمد بن محمد الطبري فقيه مالكي. (مفاخر اسلام، ج-3، ص-297).

الشريف المرتضى

الشريف تلمذ عند جماعة من علماء السنة و كذلك تعلم عنده جماعة من علماء اهل السنة. قال في وفيات الاعيان: کان هذا الشریف ائمة العراق بین الاختلاف والاتفاق الیه فزع علماؤها و عنه اخذ عظماؤها. (وفیات الاعیان، ج-3، ص-313).

الشيخ الطوسي

حضر الشيخ الطوسي دروس جملة من اعلام اهل السنة كابي الحسن سوار المغربي و ابي علي شاذان و ابي منصور السكري. ثم بعد ان ارتقى الى مرحلة عالية من العلم و المعرفة و بلغ مرتبة الاجتهاد و اوكل اليه الخليفة القائم بامر الله كرسي درس الكلام في الجامعة العلمية لبغداد آنذاك. و الاعتماد على هذا الكرسي كان علامة بارزة للمكانة العلمية و يعتمد عليه من يتفوق على اقرانه و نظائره من علماء الاسلام.

و في هذا المجلس يشارك جماعة كبيرة من العلماء شيعة و سنة و قد نقل جماعة من هؤلاء الاحاديث و الروايات عن الشيخ و ذكر اسمائهم ابن حجر العسقلاني في كتابه لسان الميزان. يقول:
سمع الروايات ابو علي بن جعفر عن ابيه عن ابي الطيب الطبري و خلال و التنوخي، ثم صار في مشهد علي (ع) فقيه الشيعة و امامهم. و استمع عنه الحديث ابو الفضل بن عطاف، هبة الله السقطي و محمد بن محمد النقي. (لسان المیزان، ج-2، ص-35).

الشهيد الاول

تلمذ الشهيد الاول في دمشق و هي من المراكز العلمية المهمة آنذاك في العالم الاسلامي عند جماعة من اهل السنة و تخرج على يده جماعة من طلاب علوم الدين من اهل السنة و من الذين تلمذ عنده هو قطب الدين الرازي الفقيه الفيلسوف المعروف من اهل السنة و يقول في اجازته لابن الخازن في حقه:

و منهم: الإمام العلّامة سلطان العلماء و ملك الفضلاء الحبر البحر قطب الدين محمّد بن محمّد الرازي البويهي، فإنّي حضرت في خدمته- قدّس الله لطيفه- بدمشق عام ثمانية و ستّين و سبعمائة، و استفدت من أنفاسه، و أجاز لي جميع مصنّفاته و مؤلّفاته في المعقول و المنقول أن أرويها عنه، و جميع مرويّاته. و كان تلميذا خاصّا للشيخ الإمام جمال الدين المشار اليه. (الکنی و الالقاب، ج-3، ص-62).

الشهيد الثاني

من الذين اهتم بتدريس الفقه و الابحاث الكلامية لطلاب العلم من مختلف المذاهب الاسلامية هو الشهيد الثاني، و هو ايضا تلمذ عند جماعة كثيرة من علماء اهل السنة و تعلم في الحديث عند شمس الدين بن طولون الدمشقي الحنفي و في الهيئة و الهندسة عند الشيخ شهاب الدين النجار الحنبلي و النحو عند زين الدين المالكي و الحساب عند شمس الدين محمد بن عبد القادر الغرضي الشافعي.

و سافر لاجل التعلم عند جماعة من علماء اهل السنة الى فلسطين و مصر و يقول في هذا المجال:

و أمّا مصنّفات العامّة و مرويّاتهم فإنّي أروي عن نحو من أربعين شيخا من علمائهم بمكّة و المدينة و دار السلام بغداد و مصر و دمشق و بيت المقدس و مقام الخليل إبراهيم عليه السّلام، فرويت صحيح البخاري عن جماعة كثيرة بسندهم إلى البخاري، و كذا صحيح مسلم و مسند أبي داود و جامع الترمذي و مسند أحمد و موطّأ مالك و مسند الدار قطني و مسند ابن ماجة و المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، إلى غير ذلك ممّا لو ذكرته لطال الخطب.

و يقول في سيرته الذاتية:
و سافرتُ لزيارة بيت المقدس منتصف ذي الحجّة سنة 948، و اجتمعتُ في تلك السفرة بالشيخ شمس الدين بن أبي اللطف المقدسي، و قرأتُ عليه بعضَ صحيح البخاري و بعض صحيح مسلم، و أجازني إجازةً عامّةً.

و يقول في ما يتعلق بسفره الى مصر و هي من المراكز العلمية للعالم الاسلامي:
و رحلتُ إلى مصر في أوّل سنة 942 لتحصيل ما أمكنَ من العلوم و اجتمعتُ في تلك السفرة بجماعةٍ كثيرةٍ من الأفاضل، فأوّل اجتماعي بالشيخ شمس الدين ابن طولون الدمشقيّ الحنفيّ، و قرأتُ عليه جملةً من الصحيحين، و أجازني روايتَهما مع ما يجوز له روايته، في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.

و كان وصولي إلى مصر يوم الجمعة منتصف شهر ربيع الآخر من السنة‌ المتقدّمة (942)، و اشتغلتُ بها على جماعةٍ: منهم: الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي، قرأتُ عليه منهاج النووي في الفقه و أكثر مختصر الأُصول لابن الحاجب و شرح العَضُدي مع مطالعة حواشيه، منها: السعديّة و الشريفيّة. و سمعتُ عليه كتباً كثيرةً في الفنون العربية و العقلية و غيرهما: فمنها: شرح التلخيص المختصر في المعاني و البيان لملا سعد الدين.(رسائل الشهيد الثاني (ط – الحديثة)، ج‌2، ص: 865- 866).

هذا الفقيه العظيم كما حكى عنه تلميذه الملصق به قد لقى اكثر من ثمانية عشر استاذا في مصر في الفقه و الحديث و التفسير و القراءة و الادب و الرياضيات.

ثم اقام بعد هذه الرحلات العلمية في بعلبك و انشأ مدرسة فقه المذاهب الاسلامية و اكد على ضرورة تعلم فقه المذاهب في العالم الاسلامي و قد اقبل اليه الطلاب و العلماء الى هذه المدرسة لاجل تعلم فقه المذاهب الاسلامية. و كان له اشراف كامل بفتاوى مختلف المذاهب الاسلامية و لذلك صار مصدرا مطئمنا لاخذ فتاوى ائمة مذاهبهم عنه.

قال ابن العودي:
«كنتُ في خدمته تلك الأيّام، و لا أنسىَ و هو في أعلى مقام و مرجع الأنام و ملاذ الخاصّ و العامّ، و مفتي كلّ فرقةٍ بما يوافق مذهبها، و يدرّس في المذاهب كُتبَها، و كان له في المسجد الأعظم بها درس مضافاً إلى ما ذكر، و صار أهل البلد كلّهم في انقياده و من وراء مراده، بقلوبٍ مخلِصةٍ في الوِداد، و حسن الإقبال و الاعتقاد، و قام سوق العلم بها على طبق المراد، و رجعتْ إليه الفضلاء من أقاصي البلاد، و رقى ناموس السادة و الأصحاب في الازدياد، و كانت عليهم تلك الأيّام من الأعياد ..» (الدرّ المنثور، ج 2، ص 182).

كان يعتبر بعلبك في هذا الزمن من المراكز العلمية المهمة و قد ارتحل اليها كثير من العلماء و الباحثين من مختلف البلاد الاسلامية من مذاهب مختلفة لاجل اكتساب العلم و المعرفة من مجلس درسه و الاستفادة من علمه. و بالامكان ان نعتبره اول مؤسس لتدريس الفق المقارن في بعلبك. و في نفس الوقت اهتم بالتعاون و التقارب بين المسلمين و يسعى للوحدة بينهم و حصل له التوفيق في هذا المجال ان يمحي الاختلاف و التفرقة من بين اتباع المذاهب المختلفة و استطاع ان يؤلف بينهم على اساس الاخوة. لكن مع الاسف الشديد قد استشهد رحمه الله جريمة كونه عالما شيعيا و قد حرم العالم الاسلامي عن فيض وجوده.

العلامة الحلي

حسن بن يوسف بن مطهر الحلي المعروف بالعلامة الحلي (م 726هـ) و قد تلمذ هو ايضا عند كثير من علماء السنة منهم الشيخ جمال الدين حسين بن ابان و الشيخ برهان الدين النسفي و الشيخ نجم الدين عمر بن علي الكاتبي القزويني الشافعي و الشيخ تقي الدين عبد الله بن علي الصباغ الصنفي الكوفي و الشيخ عز الدين الفاروقي الواسطي و شمس الدين محمد بن محمد بن احمد الكيشي و قد نال بشرف اخذ اجازة الحديث عن رضي الدين حسن بن علي الصنعاني الصنفي.

و كذلك تلمذ عنده جماعة من علماء اهل السنة منهم قطب الدين الرازي و قد قرء عند العلامة كتاب قواعد الاحكام و استنسخ منه و نال بشرف اخذ اجازة نقل الحديث و يقول العلامة الحلي في اجازته له:
قرأ عليّ هذا الكتاب الشيخ العالم الكبير الفقيه الفاضل المحقّق المدقق ملك العلماء و الأفاضل، قطب الملّة و الدين، محمد بن محمد الرازي أدام الله أيّامه، قراءة بحث و تدقيق و تحرير و تحقيق، و سأل عن مشكلاته، و استوضح معظم مشتبهاته، فبيّنت له ذلك بيانا شافيا، و قد أجزت له رواية هذا الكتاب بأجمعه، و رواية جميع مصنّفاتي و رواياتي و ما أجيز لي روايته و جميع كتب أصحابنا السابقين رضوان الله عليهم أجمعين، بالطرق المتّصلة منّي إليهم، فليرو ذلك لمن شاء و أحبّ على الشروط المعتبرة في الإجازة، فهو أهل لذلك، أحسن الله تعالى عاقبته. و كتب العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي مصنّف الكتاب في ثالث شعبان المبارك من سنة ثلاث عشرة و سبعمائة بناحية ورامين. (غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، المقدمة، ص: 46‌).

السيد البروجردي

من الذين اهتم بتدريس البحوث المقارن هو المرجع الديني سماحة السيد البروجردي و كان يؤكد على تدريس الفقه المقارن و دراسته و قرائته و كان يقول: يجب ان يدرس فقه الشيعة مقارنا لآراء سائر المذاهب الاسلامية و لذلك كان يتعرض في محاضراته في خارج الفقه رؤى و نظريات علماء اهل السنة.

السيد الامام الخميني

السيد الامام الخميني ايضا كان يهتم بالفقه المقارن و يقول: ان معرفة فقه المذاهب الاسلامية لها دور مهم في الاجتهاد و الاستنباط. و في مباحثه في الاجتهاد و التقليد يعتقد ان معرفة آراء مذاهب اهل السنة من شرائط الاجتهاد. و يقول:
وكذا الفحص عن فتاوى العامّة، سيّما في مورد تعارض الأخبار، فإنّه المحتاج إليه في علاج التعارض، بل الفحص عن أخبارهم؛ فإنّه ربّما يعينه في فهم الأحكام. (الاجتهاد و التقليد، النص، ص: 17).

و قد شعر كاتب هذه السطور مدى سنوات باهمية و ضرورة فقه المقارن و دوره في مجال الاستنباط في جملة من المسائل؛ من هنا قمت بدراسة و تدريس ثمانية عشر مصدرا من مصادر الفقه و ادوار الاجتهاد من وجهة نظر المذاهب الاسلامية و جمعتها في جزئين و سميتها بـ “مصادر الاجتهاد من وجهة نظر المذاهب الاسلامية” و “ادوار الاجتهاد من وجهة نظر المذاهب الاسلامية” و هما بالفارسية يسمى بـ” منابع اجتهاد از دیدگاه مذاهب اسلامی” و “ادوار اجتهاد از دیدگاه مذاهب اسلامی” و قد طبع كلا الجزئين.

و كذلك قمت بتأليف الحج من وجهة نظر المذاهب الاسلامية في مجلد واحد و قد نشر الكتاب. و كذلك الفت كتابا يحتوي دورة كاملة فقهية من وجهة نظر المذاهب الاسلامية في اربعة اجزاء باسم دروس في الفقه المقارن و قد طبع جزئين من هذا الكتاب و استعد للطبع الجزءان الآخران. و قد بحثت و درست علوم الحديث و علوم القرآن من منظور المذاهب الاسلامية و طبع هذا الكتاب.

اهتمام اهل السنة بالفقه المقارن

اهتم جماعة من كبار علماء اهل السنة و الجماعة بالفقه المقارن. و من العلماء البارزين في هذا المجال و الذي دور مهم في تطور الفقه المقارن و ترويجه بين اهل السنة و الجماعة هو الشيخ عبد المجيد سليم و قد انشأ فرع المقارن في جامعة الازهر الشريف. و ارسل اليه سماحة المرجع الديني السيد البروجردي كتاب المبسوط في فقه الامامية للشيخ الطوسي و هو كان يقول: اني كلما اردت ان اذهب الى شورى الافتاء طالعت هذا الكتاب عن دقة.
ثم جاء بعده اعلام آخر كالشيخ محمود شلتوت و الشيخ محمود المدني و لهم نشاطات مهمة في هذا المجال و عقدوا مجالس الحوار و المناظرة في مجال الفقه المقارن و وصلوا الى نتائج قيمة.

كان الشيخ محمود شلتوت مفتي الازهر الشريف يقول: حولت مواد كثيرة من قانون الاسرة و عملت فيه وفق فقه الشيعة.
قد تحصل مما تقدم ان سيرة الشيعة و سيرة اهل السنة و الجماعة من القدامى و المتأخرين كانت على هذه الوتيرة ان يشارك كل منهم في مجالس التعليم و التدريس للآخر. و نأمل ان يستمر هذه السيرة الحسنة و يهتم به اكثر.

في الختام اتذكر انه من الواجب على الذين يشاركون الندوات و الحفلات التي تقام لاجل التقريب بين المذاهب الاسلامية ان يهتم بامور:
1. الايمان بالتقريب بين المذاهب الاسلامية؛
2. التجنب عن العصبية و التصلب الفكري؛
3. الاحترام برؤى و نظريات الآخرين؛
4. المؤهلية العلمية للحضور في حوارات التقريب؛
5. التمتع من سعة الصدر؛
6. التمتع من حسن النية في مثل هذه المباحثات؛
7. التعاون السلمي في المباحثات العقدية.

 

 

آية الله الشیخ محمّد ابراهيم الجنّاتي

 ولد سماحة آية الله العظمى الشیخ محمّد ابراهيم الجنّاتي (مد ظله العالي) في عام (1932 م) ، في مدينة شاهرود . وعند بلوغه ست سنوات أشار عليه والده بتعلّم القرآن الكريم ، وآداب اللغة الفارسية . وفي سن الحادية عشر التحق بمدرسة شاهرود العلمية ، وأنهى خلال أربع سنوات مرحلة المقدمات وجزءاً من مرحلة السطوح . وأتم مرحلة السطوح العالية في الفقه والأصول مضافاً إلى كتاب المنظومة للسبزواري وهو لم يكمل الثامنة عشر من عمره . ولمواصلة دراسته الحوزوية هاجر إلى مدينة مشهد المقدسة ، ونهل من علوم أساتذتها البارزين . وبعد مدة هاجر إلى مدينة قم المقدسة ، وحضر دروس بحوث الخارج في الفقه لآية الله البروجردي وعلم الأصول للإمام الخميني .

ثم هاجر إلى مدينة النجف الأشرف وأقام فيها مدة خمسة وعشرين عاماً قضاها في حضور دروس الآيات العظام : الشاهرودي والحكيم والشيرازي والحلي والزنجاني والخوئي .

كان سماحة آية الله العظمى الجنّاتي وبالإضافة إلى حضوره حلقات الدروس العالیة في النجف الأشرف يقوم بتدريس الکتب العمیقة کالرسائل وشرح اللمعة . وقد خصص جزءاً من وقته للتأليف والتصنيف . كما قام سماحته بتدريس طلاب مرحلة السطح كل من کتاب الرسائل والمكاسب والكفاية لمدة ثلاث دورات . وفي السنوات الأخيرة من إقامته في مدينة النجف الأشرف قام بتدريس بحوث الخارج في الأصول بمدرسة المرحوم الآخوند الخراساني . وقد أنهی تأليف كثير من الكتب القیمة ومن جملتها تقريرات بحوث الخارج لآية الله العظمى الشاهرودي .

بعد عودته إلى ايران سنة (1979 م) أقام في مدينة قم المقدسة مستمراً على نهجه في التدريس والتأليف وكتابة المقالات العلمية .

وكان يدرس – ولا يزال – طلاب بحوث الخارج في الفقه والأصول بشكله التقليدي في الحوزة ، وكذلك الفقه والأصول وعلوم القرآن وعلوم الحديث ، بشكلها المقارن في مدينة قم المقدسة .

ويعتبر سماحة آية الله العظمى الجنّاتي من أول الشخصيات العلمية في مدينة قم المقدسة الذين يقومون بتدريس الفقه والأصول وعلوم الحديث وعلوم القرآن بصورة مقارنة من وجهة نظر إثنين وعشرين مذهب إسلامي ، من مائة وثمانية وثلاثين رأياً فقهياً وردت في تاريخ الفقه الإسلامي .

وهي :
مذهب الإمامية ، الحنفية ، المالكية ، الشافعية ، الحنبلية ، الزيدية ، الاباضية ، الظاهرية ، الأوزاعية ، الثورية ، الليثية ، الراهوية ، النخعية ، التميمية ، الطبرية ، الجبيرية ، الكلابية ، الشبرمية ، مذهب ابن أبي ليلى ، الزهرية ، العيينية ، والجريحية .

وتم طبع هذه الدروس ضمن المجموعات الآتية :
الفقه المقارن ، مصادر الإجتهاد ، مراحل الإجتهاد ، مراحل الفقه ومناسك الحج طبق المذاهب الإسلامية .

وقسم من هذه المجاميع تحت الطبع مثل :
علوم الحديث وعلوم القرآن طبقاً للمذاهب الإسلامية .

وجدير بالذكر أن مؤلفات سماحته وآرائه العلمية تم طبعها وشرحها في عشرات الكتب ، ومئات المقالات ، وكذلك اللقاءات التي كان يجريها في داخل وخارج ايران ، بلغات العالم المختلفة .

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics