خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد وجميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 55 مذكرة خاص / الحصار الجوي.. بحث فقهي استدلالي / الشيخ محمد الكرباسي

الحصار الجوي.. بحث فقهي استدلالي / الشيخ محمد الكرباسي

خاص الاجتهاد: جرى الحديث في بعض المجالس النجفية عن التحليل الفقهي لحكم الحصار الجوي المفروض على الجمهورية الاسلامية، وما يرتبط بذلك من مشاركة بعض الحكومات في منع الرحلات الجوية أو تقييدها، وما قد يصاحب ذلك من حصار اقتصادي أو مالي وضغوط تمارسها الدول الكبرى على الدول والشركات لحملها على الالتزام بالحصار.
وقد تم طرح بعض الادلة التي منها ناهضة وأخرى خارج محل البحث
وقد دون بعض الافاضل الذين لهم بحوث رصينة في هذه الحوزة العظيمة في قناته رأيه بهذه المسألة
فوددنا الاشارة وتوضيح ماذكره وإضافة بعض التحقيقات في المسئلة ومنه الحمد والمنة
فنقول
هل مشاركة الحكومات في الحصار الجوي المفروض على الجمهورية الاسلامية مشروعة أو لا؟
وهل مشاركة الحكومات في الحصار الاقتصادي عليها مطلقا مشروعة أو لا؟
وهل التهديد بقطع التعامل بالدولار أو فرض العقوبات الاقتصادية يحقق عنوان الاكراه، ومن ثم يحقق العنوان الثانوي الرافع للحرمة وهل مورده ذلك؟
وهل يجوز للحكومة دفع الضرر المتوجه اليها عن طريق ادخاله على دولة اسلامية اخرى أو شعبها؟
وهل للمسالة ارتباط بفكرة: «للبيت رب يحميه وأنا رب ابلي»، بمعنى ان كل حكومة مسؤولة عن مصالح شعبها ولا يجب عليها تحمل الضرر دفاعا عن دولة اخرى؟
وهل امتناع الشركات المتعاقدة مع الحكومات عن التعاون مع الجمهورية الاسلامية يمثل مسوغا شرعيا للحكومات للاشتراك في الحصار؟
وهل يوجد فرق في الحكم بين السفر الجوي من الجمهورية الاسلامية والسفر اليها؟
وهل المشاركة في مشروع يراد منه محاصرة دولة اسلامية تدخل تحت عنوان الركون الى الظالمين أو اعانتهم؟
وهل يمكن ان تبلغ بعض صور التنسيق السياسي والاقتصادي مع الجهة القائمة بالحصار حد التآمر على دولة اسلامية؟
والجواب الاجمالي عن ذلك ان الحكم لا يستخرج من عنوان «الحصار» وحده وان كان واضح الحرمة حصار الدولة المسلمة، ولكن لا بد من تحليل الفعل بحسب العناوين الفقهية المنطبقة عليه ايضا.
فاذا ثبت انه الحصار جائر وهذا مما لا شك فيه، وان المشاركة فيه تعد عرفا اعانة على الظلم أو اضرارا محرما بالمسلمين أو ركونا الى الظالم في ظلمه، كان مقتضى القواعد الاولية عدم جواز المشاركة فيه، ما لم يثبت عنوان ثانوي يرفع الحكم في المورد بحدوده الشرعية.
ومن هنا يقع الكلام في عدة جهات:
اولا: حرمة اعانة المعتدي على المسلمين
من المرتكزات الفقهية عدم جواز اعانة الظالم في ظلمه، ولا سيما اذا كانت الاعانة مؤدية الى الاضرار بالمسلمين في انفسهم أو اموالهم أو معاشهم أو حقوقهم.
ولا تختص الاعانة بالحرب العسكرية المباشرة، بل يمكن ان تتحقق في المجال الاقتصادي أو السياسي أو المالي أو غيره اذا صدق عرفا ان الفعل مساهمة في تحقيق المشروع المحرم.
كما لا يشترط دائما ان تكون الاعانة بفعل ايجابي، بل قد تتحقق بالترك ايضا اذا كان الامتناع عن فعل معين جزءا مقصودا من خطة الحصار ووسيلة لتحقيق آثارها.
فاذا كان ايقاف الرحلات الجوية، أو قطع المعاملات، أو منع الخدمات، جزءا من مشروع يراد منه التضييق على المسلمين والاضرار بهم وهذا ما يريدوه، كان صدق الاعانة من الواضحات، ولا يكفي للقول بالجواز ان الفعل ليس حربا عسكرية مباشرة فان الاعانة اعم.
ثانيا: الركون الى الظالم
ومن العناوين المهمة في المقام قوله تعالى:
﴿ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من اولياء ثم لا تنصرون﴾.
والركون ليس عنوانا مرادفا لكل علاقة أو تعامل مع دولة ظالمة، فلا يمكن الحكم بحرمة كل علاقة سياسية أو اقتصادية بمجرد الاستناد الى الآية.
وانما محل البحث فيما اذا تحولت العلاقة الى مساندة للظالم في ظلمه، أو اعتماد عليه في مشروعه العدواني، أو مشاركة عملية في تحقيق اهدافه المحرمة.
وعلى هذا، فاذا فرض ان دولة لم تنشئ الحصار بنفسها، ولكنها شاركت في تنفيذه، أو جعلت مرافقها وامكاناتها وسيلة لتحقيقه، أمكن ان يقع البحث في صدق عنوان الركون الى الظالم، مضافا الى عنوان الاعانة.
فتكون المسالة حينئذ ذات جهتين:
الاولى: هل الفعل اعانة على الظلم؟
والثانية: هل بلغ مستوى من المساندة والاعتماد على الظالم في ظلمه يصدق عليه الركون المنهي عنه؟
وفي هذه المسألة لا شك في صدق المساندة العرفية فيصدق الركون.
ثالثا: حرمة الاضرار بالغير ودفع الضرر عن النفس
وهذه من اهم جهات البحث؛ لان من ابرز ما يمكن ان تستند اليه الحكومات المشاركة في الحصار قولها: اننا لا نريد الاضرار بالدولة المحاصرة، وانما نريد دفع الضرر عن بلدنا، لان الجهة التي فرضت الحصار هددتنا بالعقوبات الاقتصادية أو المالية أو بحرماننا من التعامل بالدولار.
وهنا يقع السؤال الاصولي والفقهي:
هل يجوز دفع الضرر عن النفس بايقاع الضرر على الغير؟
ولابد في الجواب من التفصيل بين صور متعددة.
الصورة الاولى: ان يكون الضرر متوجها الى الشخص نفسه
اذا كان الضرر متوجها الى شخص ابتداء، فاراد دفعه عن نفسه بادخاله على شخص آخر، فمقتضى ما قرره الشيخ الانصاري في بحث قاعدة لا ضرر انه لا يجوز للانسان الاضرار بغيره لدفع الضرر المتوجه اليه.
فالفرق واضح بين رفع الضرر عن النفس وبين نقل الضرر من النفس الى انسان آخر.
ومن هنا يمكن تقريب المسالة في مورد الحصار بهذه الصورة:
اذا كان التهديد الاقتصادي متوجها الى الدولة الثانية، وقيل لها: اما ان تتحملي العقوبة الاقتصادية، واما ان تشتركي في الحصار الواقع على الدولة الثالثة، فلا يكفي ان تقول الدولة الثانية: انما اشتركنا في الحصار لدفع الضرر عن انفسنا.
لان نفس كون الفعل دافعا للضرر عن النفس لا يثبت جواز نقل الضرر الى الغير.
وهذه نقطة مركزية في البحث:
رفع الضرر عن النفس شيء، ودفعه عن النفس بادخاله على الغير شيء آخر.
الصورة الثانية: ان يكون الضرر متوجها الى الغير ابتداء
وهذه تختلف عن الصورة السابقة.
فاذا كان الضرر متوجها الى شخص آخر ابتداء، فلا يجب على الانسان – في الاصل – ان يحول ذلك الضرر الى نفسه حتى ينقذ الآخر، اذا كان ذلك موجبا لتضرره.
ومن هنا ذكر الشيخ الانصاري، في مقام الجمع بين جهتي المسالة، انه كما لا يجوز دفع الضرر عن النفس بالاضرار بالغير، كذلك لا يجب دفع الضرر عن الغير بالاضرار بالنفس.
وهذه النكتة مهمة جدا في جواب الاستدلال بفكرة:
«للبيت رب يحميه وأنا رب ابلي».
فان غاية ما يمكن ان يستفاد من هذه الفكرة – لو تم تطبيقها – هو عدم وجوب تحمل الانسان كل ضرر لانقاذ غيره.
لكن هذا شيء، وجواز المشاركة في ايقاع الضرر على الغير شيء آخر.
وبعبارة اخرى:
عدم وجوب النصرة عند استلزامها الضرر لا يساوق جواز المشاركة في الحصار والاضرار.
فلو كان الضرر متوجها الى الدولة الاسلامية المحاصرة من دولة اجنبية، قد يقع البحث في مقدار وجوب النصرة وتحمل الضرر في سبيلها، ولكن لا ينتج من عدم وجوب تحمل الضرر جواز الانضمام الى الطرف المعتدي والمشاركة في الاضرار بالدولة المحاصرة.
الصورة الثالثة: الاكراه الحقيقي
وهذه ادق الصور.
فقد لا يكون الامر مجرد دفع ضرر متوقع، بل تكون الدولة مكرهة حقيقة، بان توجه اليها جهة قادرة تهديدا معتدا به لا يمكنها التخلص منه عادة الا بتنفيذ المطلوب.
وهنا تدخل المسالة في ادلة رفع الاكراه.
وقد بحث الشيخ الانصاري شمول ادلة الاكراه للمحرمات، ووقع البحث في مدى شمولها لما اذا استلزم الفعل المكره عليه الاضرار بالغير.
ومن جهة اخرى، ناقش السيد الخوئي بعض موارد التمسك بحديث الرفع اذا كان رفع الضرر عن شخص يستلزم توجيه الضرر الى غيره، باعتبار ان حديث الرفع وارد مورد الامتنان على الامة، فلا يكون مقتضى الامتنان رفع الضرر عن شخص بجعله على شخص آخر.
وعليه فليس صحيحا ان يقال:
يوجد تهديد بالعقوبات، اذن تحقق الاكراه، واذا تحقق الاكراه ارتفعت الحرمة مطلقا.
بل لابد من بحثين:
الاول: هل التهديد الموجود يحقق الاكراه شرعا وعرفا؟
الثاني: اذا تحقق الاكراه، فهل تشمل ادلته المورد الذي يستلزم التخلص منه ايقاع الضرر على الغير؟
وهذه الجهة الثانية تحتاج الى ملاحظة كلمات الاعلام ومقدار الضرر وطبيعة الحق الذي يقع الاعتداء عليه.
بناء على ما تقدم، يظهر ان مجرد التهديد بقطع التعامل بالدولار لا يشكل بنفسه عنوانا شرعيا مستقلا يوجب ارتفاع الحرمة.
بل لابد من ملاحظة الآثار الواقعية لذلك التهديد.
فقد يكون الامر مجرد خسارة اقتصادية محدودة أو فوات بعض المنافع.
فالميزان هو تحقق الاكراه أو الاضطرار بالموازين الشرعية، لا مجرد وجود تهديد سياسي أو اقتصادي.
وحتى بعد تحقق ذلك يبقى الكلام في حدود العنوان الثانوي، وهل يسوغ خصوص هذا المقدار من الاضرار بالغير أو لا.
ومن الكلمات المفيدة في تنقيح هذه المسالة ما ذكر في تقريرات بحث السيد الخميني من التفريق بين الضرر المتوجه الى الغير ابتداء وبين انشاء الضرر عليه.
ومثاله المعروف ما لو كان السيل متوجها الى دار شخص آخر، فلا يجب على الانسان ان يحرفه الى داره حتى يحفظ دار الغير.
ولكن اذا لم يكن السيل متوجها الى دار الغير، لم يجز له ان يحرفه عن نفسه ويوجهه الى دار الآخر.
وهذا التفصيل مفيد جدا في محل البحث.
فالسؤال الذي ينبغي طرحه على الحكومة المشاركة في الحصار هو:
هل امتنعت فقط عن تحمل ضرر كان متوجها الى الدولة الاخرى، أم انها بفعلها ساهمت في تحويل الضرر اليها أو انشاء ضرر جديد عليها؟
فان كان الاول فله بحثه في وجوب النصرة.
واما اذا كان الثاني، دخل في بحث الاضرار بالغير ودفع الضرر عن النفس بنقله الى الآخرين.
وبهذا يتضح الفرق بين عدم تحمل ضرر الغير وبين المشاركة في ايقاع الضرر عليه.
الرابع تقييد حرية السفر
ومن الجهات في المسالة ان منع الناس من السفر من الدولة المحاصرة أو اليها قد يترتب عليه اضرار متعددة.
فالسفر قد يكون للعلاج أو الدراسة أو التجارة أو صلة الارحام أو الزيارة أو العمل أو غير ذلك من الاغراض المشروعة.
وعليه فان تقييد حركة الناس يحتاج الى مسوغ شرعي، ولا يكفي في نفسه ان تكون هناك رغبة سياسية من دولة اجنبية في قطع حركة الطيران
وهذا غير دليل الضرر
: مسؤولية الحكومة وتصرفها في المصالح العامة
خامسا: الحكومة التي تتصرف في الاموال والمرافق والمصالح العامة ليست مطلقة اليد من الناحية الشرعية.
فعلى اختلاف المباني في اساس شرعية الحكومات وحدود ولايتها، يبقى التصرف في المال والمصلحة العامة مرتبطا بمصلحة من تتولى الحكومة شؤونهم وعدم التصرف على نحو يشتمل على مفسدة محرمة.
فاذا استخدمت مرافق الدولة أو اموالها أو سلطتها لتحقيق مصلحة دولة اجنبية في مشروع يضر بالمسلمين أو بشعبها، فلا يكفي في تصحيح ذلك كونه قرارا سياسيا.
بل لابد من البحث عن حدود الولاية والمصلحة والمفسدة، ومدى صلاحية الحاكم للتصرف في هذا المورد.
وهنا اصلا لا شرعية لتصرفاتها المخالفة لإعادة الشعب والمصلحة الشرعية
سادسا: قد يقال ان وظيفة كل حكومة هي المحافظة على شعبها، وليس عليها ان تعرض مصالحه للخطر دفاعا عن دولة اخرى، فيستدل بفكرة:
«للبيت رب يحميه وأنا رب ابلي».
ولكن هذا الاستدلال يخلط بين مسالتين:
الاولى: هل يجب علي تحمل الضرر لانقاذ غيري؟
الثانية: هل يجوز لي المشاركة في ايقاع الضرر على غيري حتى اتجنب الضرر عن نفسي؟
وعدم ثبوت الاول لا يثبت الثاني.
فلو فرض عدم وجوب تحمل دولة لخسارة كبيرة من اجل دفع الضرر عن دولة اخرى، فهذا لا يعني ان لها الحق في الانضمام الى مشروع الحصار وايقاع الضرر عليها.
وبعبارة موجزة:
عدم وجوب دفع الضرر عن الغير لا يساوق جواز الاعانة على ايقاعه.
وهذا التفريق يحل جانبا مهما من الاشكال.
سابعا: وقد يقال ان قرار وقف الرحلات أو التعامل ليس صادرا من الحكومة، وانما من شركات خاصة تخشى العقوبات.
وهنا لابد من تشخيص الفاعل الحقيقي.
فاذا كانت الشركة مستقلة في قرارها، ولم تلزمها الحكومة بالامتناع ولم تشارك في اتخاذ القرار، فلا يمكن نسبة فعل الشركة الى الحكومة لمجرد وجود علاقة تعاقدية بينهما.
اما اذا كانت الحكومة قد الزمت الشركة أو ضغطت عليها أو جعلت قرار الحصار جزءا من سياستها الرسمية، عاد البحث في حكم فعل الحكومة نفسها.
كما ان حكم الشركة نفسها يحتاج الى بحث مستقل في تحقق الاكراه بالنسبة اليها ومقدار الضرر المتوجه اليها وطبيعة الفعل المطلوب منها.
وبهذا يظهر ان مقتضى القواعد الاولية هو حرمة الحصار الجوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *