خاص الاجتهاد: مسار تحول فاعلية المرأة في الهيئات الدينية – الدور المهم للمرأة في إحياء مراسم العزاء وتوسيع نطاقها. / بقلم الدكتورة سمية حاجي إسماعيلي؛ عضو الهيئة التدريسية في معهد بحوث المرأة والأسرة.
إنّ دراسة فاعلية المرأة وحضورها في المراسم والهيئات الدينية تتطلب مراجعةً تاريخيةً لتحديد العصر الذي استطاعت فيه النساء التواجد في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) ومراسمه.
تذخر النصوص الدينية بالعديد من الروايات الواردة في بيان الأجر والثواب المترتب على إقامة العزاء للإمام الحسين (عليه السلام) وزيارة مرقده الشريف؛ كما حُثّ المُنشدون والمراثون على إبكاء الناس واستدرار دموعهم على مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، ورُتّبت على ذلك أجورٌ عظيمة. وكان أهل البيت (عليهم السلام) المبادِرين الأوائل لإقامة مراسم العزاء للإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ تعجّ المصادر التاريخية بالنصوص الدالة على إقامة أئمة الشيعة لمجالس الحزن والعزاء، فضلاً عن الأحاديث الحاثّة للشيعة على الاستمرار في هذا المسار، مما يعكس الأهمية البالغة لهذه المسألة في السيرة العطرة لأهل البيت (عليهم السلام).
ونظراً لسياسة التضييق والاقماع التي مارستها السلطتان الأموية والعباسية، لم تكن الظروف ملائمةً للشيعة لإقامة مراسم العزاء؛ الأمر الذي أدى إلى انطوائهم وتهميشهم الاجتماعي. ومن ثمّ، اضطلعت مجالس العزاء في تلك الحقبة بوظيفةٍ استثنائية؛ إذ شكّلت شرياناً تواصلياً وأداةً ناعمة لردم الفجوة الناجمة عن صعوبة التواصل المستمر بين الأئمة وشيعتهم. فكانت مجالس العزاء بمثابة وسيلة إعلامية فاعلة لإعادة ترميم الاتصال في ظل المناخ المسموم والأحادي الموجه ضد الشيعة.
واستمرت إقامة مجالس العزاء والحزن بعد ذلك العصر عبر التاريخ، مراراً وتكراراً بشدٍّ وجذب، حتى بلغت مرحلة التثبيت والاستقرار بحلول العصر القاجاري. فعندما اعتلى آل بويه الشيعة سدة الحكم السياسي، أضفوا الطابع الرسمي على هذه المراسم ونقلوها إلى صلب الحياة الاجتماعية للناس نظراً لانتمائهم المذهبي الشيعي. وفي العصر الصفوي، مع إعلان المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد، أُدرج إحياء الطقوس المذهبية المرتبطة بهذا العزاء بشكل أكبر على جدول أعمال الملوك الصفويين. ولا يعني حدوث هذا التحول في العصر الصفوي انعدام أرضياته المسبقة، بل كانت تمهيدات ذلك متوفرة قبل الصفويين وتمكنوا بناءً عليها من إنجاز هذا الأمر.
أما في العصر القاجاري، فقد انتعشت مراسم العزاء وتوسعت رقعتها نتيجة التحول الفكري والسلوكي لدى السلطة والشعب على حد سواء؛ حتى إن ناصر الدين شاه أصدر أوامره ببناء صرح مُخصص يُدعى «تَكْيَة دَوْلَت» لإقامة مراسم العزاء فيه. وفي هذا العصر، شاعت مجالس القراءة الحسينية (الروضة) ومسرح التعزية (التمثيل الحسيني).
أداء المرأة لدورها في مراسم العزاء
يمكن اعتبار العصر القاجاري نقطة تحول جوهرية في حضور المرأة وتأدية أدوارها ضمن العادات والطقوس والتقاليد الدينية. ففي هذه الفترة، تُهيئت الأرضية لمشاركة النساء في مسرح التعزية ومراسم عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)؛ حيث حظيت مجالس العزاء والقراءة الحسينية باهتمام الجميع، وأصبح بإمكان النساء إقامة هذه المراسم بشكل مستقل.
يعود اهتمام نساء العصر القاجاري بهذه المراسم ومشاركتهن الفاعلة والحماسية فيها إلى البعد المذهبي والاعتقادي لديهن، فضلاً عن استهدفهن تعزيز الوظائف التربوية والتعليمية والأخلاقية للمراسم.
وأثبتت مشاركة المرأة في هذه المناسبات أن نمط فاعليتها يتسم بطابع مختلف وأكثر حماساً مقارنةً بالرجال؛ إذ أبدت النساء شغفاً واندفاعاً لا يُوصف للمشاركة. وبطبيعة الحال، كانت هناك قيودٌ فرضت على حضور المرأة في الاجتماع خلال العصر القاجاري، وكان بعضهم يعزو هذه القيود -غالباً- إلى الدين.
شكّلت المشاركة في مراسم العزاء فرصةً سانحة للنساء لإبراز وجودهنّ وتحقيق «الرؤية الاجتماعية» (إثبات الذات). وتشير المأثورات التاريخية إلى الحضور الواسع للنساء واستعدادهنّ المبكر قبل حلول شهر محرم بمدة. ولم يقتصر دور النساء على مجرد الحضور في مراسم العزاء، بل أسهمن بفاعلية في مسرح التعزية أيضاً. وكان مسرح التعزية جذاباً ومؤثراً للغاية بالنسبة للنساء، وكان إقبالهن للاستفادة منه يتجاوز إقبال الرجال. وعندما كانت تُسرد الأحداث المؤلمة والمصائب التي ألمّت بالإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) في التعزية، كانت النساء يستلهمن القدوة والأنموذج من أبطال كربلاء.
كان يُفرض على نساء العصر القاجاري ارتداء النقاب/البرقع، ولم يكن يُسمح لهنّ برفعه في الفضاء العام. غير أنهن عند مشاركتهن في مراسم التعزية، كنّ يستطعن رفع النقاب لمشاهدة العرض دون أن يعترض عليهن أحد. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أن النساء كنّ يقمن بإخراج وإجراء بعض عروض التعزية بأنفسهن؛ أي إن بعض مجالس التعزية كانت نسائية بالكامل والقائمات عليها من النساء. وبالرجوع إلى المصادر التاريخية، نلاحظ معارضة عدد من العلماء لإقامة التعزية من قبل النساء؛ لكونهم يرى في ذلك منافاةً للشؤون الدينية، واعتبارهم أن أداء النساء للتعزية يمثل وهناً لأهل البيت (عليهم السلام) وتجرؤاً غير محمود من جانبهن. ورغم هذه المعارضات، ظلت التعزية تحتل مكانة بالغة الأهمية لدى النساء، وواصلن شغفهن بمشاهدتها والمشاركة في إدارتها وتنظيمها.
كما كانت مجالس القراءة الحسينية (الروضة) من جملة الطقوس والمراسم العزائية في العصر القاجاري؛ حيث يعود تاريخ نشأتها إلى العصر الصفوي وبلغت ذروتها في العصر القاجاري. في البداية، كانت القراءة الحسينية مقتصرة على الرجال، إلا أن النساء لم يحرمْن أنفسهن من هذه الفرصة، ولأول مرة في عهد ناصر الدين شاه ظهرت ظاهرة «النساء القارئات للمجلس» (القرّاءات). وبطبيعة الحال، لم تسلم هذه المجالس أيضاً من معارضة العلماء الذين اشترطوا الذكورة لصلوياء اعتلاء المنبر، مؤكدين وجوب صعود الرجال للمنبر ومعارضين لقراءة النساء للمجالس.
دور المرأة في نشر سنة «النذر» وتوسيعها
المحور الآخر يتمثل في تقديم النذور ودور المرأة في نشر سنة «النذر» وتعميمها. إنّ النذر وتقديم النذور ليس أمراً ينحصر ربطه حصراً بالطقوس العاشورائية وأعراف عزاء أهل البيت (عليهم السلام)، ولكنه يكتسب أهميته ويقيم الارتباط بين الطقوس العاشورائية والنذر من جانبين: الأول أن سنة النذر حظيت بإقبال أكبر من قبل النساء اللاتي كنّ يرين في أيام محرم فرصة مواتية لقضاء حوائجهن؛ والثاني أنهنّ أوجدْن رابطةً بين قضاء الحوائج والرموز العاشورائية، كأن تنذر امرأة إذا رزقها الله مولوداً ذكراً أن تسميه «عباس». لقد لعبت النساء دوراً بارزاً في استدامة سنة النذر ورواجها، ولولا النساء لما كتب للنذر هذا البقاء والاستمرار عبر الزمن.
وبناءً عليه، فإن البدايات الممهدة لدخول المرأة وظهورها في مراسم العزاء تعود إلى العصر الناصري. ولأسباب عقائدية، كنّ يقمن مجالس العزاء بمهابة وجلالة تحت أي ظرف كان. وإلى جانب البعد الاعتقادي الذي لا ينبغي إغفاله، يمكن ربط المشاركة في هذه المراسم أيضاً بالظروف الاجتماعية والثقافية الحاكمة في العصر القاجاري؛ ففي ظل القيود المفروضة على الحضور الاجتماعي للمرأة، مثّلت هذه المراسم طاقةً واستعداداً مكّنا النساء من التعويض عن تلك القيود وإثبات وجودهن الاجتماعي. وكان الحضور في هذه المجالس تمهيداً لحصول النساء على سائر حقوقهن.
عزلة مسرح التعزية في العهد البهلوي الأول
في عهد البهلوي الأول، حُظر إقامة مراسم العزاء والتعزية على جميع أفراد المجتمع، وكان رئيس الشرطة يعتقل كل من يقيم مجلس قراءة حسينية. أبدى رضا خان معارضة علنية وصريحة مع المؤسسة الدينية والعلماء؛ فأصدر أوامره بهدم «تَكْيَة دَوْلَت» التي شُيدت في العصر القاجاري، وسعى جاهداً لإحالة التعزية إلى العزلة والاندثار لمنع الناس من إقامتها. ولتحديد نطاق مراسم العزاء، أنشأ مؤسسة باسم «الوعظ والخطابة»؛ بهدف تربية عدد من طلاب العلوم الدينية ليعينوه على تحقيق مآربه التحديثية ولدحر سلطة العلماء ورجال الدين. غير أن إجراءات رضا خان هذه لم تكلل بالنجاح؛ نظراً لوجود علماء جابهوا مخططاته بسعيهم الحثيث لإفشالها، كالشيخ عبد الكريم الحائري الذي أوفد عدداً من شباب الطلاب إلى مختلف المدن لإقامة مجالس القراءة الحسينية. وفي هذه الفترة، انعدمت الفاعلية النسوية في الهيئات والمواكب، واعتزلت الكثير من النساء المتدينات الحيوية الاجتماعية؛ إذ لم تتوفر إمكانية النشاط الاجتماعي لا في المجالس ولا في أي ساحة اجتماعية أخرى.
النظرة الاستعراضية للتعزية في العهد البهلوي الثاني
استمرت السياسات المناهضة للدين في عهد البهلوي الثاني، ولكن ليس بالحدة التي كانت عليها في العهد الأول؛ إذ لم يجرؤ محمدرضا على المواجهة المباشرة مع المؤسسة الدينية والعلماء لتطبيق سياسات والده. وفي هذه الفترة، انفتح المجال نسبياً وأُعيد إحياء التعزية.
بطبيعة الحال، فإن الأنشطة التي قامت بها فرح بهلوي لم تكن بقصد إحياء مراسم التعزية كطقس مذهبي، بل كانت تهتم بها باعتبارها طقساً استعراضياً؛ حيث كانت الجوانب الفنية والمسرحية للتعزية بوصفها طقساً أدائياً شرقياً وإيرانياً هي الأهم بالنسبة لها، لا لكونها مراسم دينية متجذرة في التراث الإيراني.
لم تكن مراسم العزاء ممنوعةً في عهد البهلوي الثاني، ولكن بما أن مرحلة الثورة الإسلامية تُعد نقطة تحول مفصلية بعد البهلوي الثاني، فقد اكتست مجالس التعزية والعزاء صبغةً سياسية. وإلى جانب كَوْن المشاركة في العزاء فرصةً للنساء للاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام) والسيدتين فاطمة الزهراء وزينب الكبرى، فقد اتسم حضورهم بجانب سياسي تجلت نتائجه في الحضور الغفير للمرأة في الثورة الإسلامية.
الثورة الإسلامية: نقطة تحول في إحياء مجالس العزاء
تُعد الثورة الإسلامية نقطة تحول فارقة في إحياء مجالس العزاء عقب الحقبة البهلوية؛ إذ دخلنا مع الثورة الإسلامية مرحلةً اختلفت فيها بنية المراسم والطقوس ووظائفها عما كانت عليه سابقاً. وبالدراسية المقارنة بين العصور التاريخية المختلفة، يمكن القول إن النساء في العصر القاجاري كنّ يرين في المشاركة بمجالس العزاء وسيلةً لإثبات الذات والرؤية الاجتماعية، أما الثورة الإسلامية -من خلال طرحها «النموذج الثالث للمرأة»- فقد جعلت «الرؤية الاجتماعية للمرأة» أصلأً وفكرة بنيوية منذ البداية. فحتى النساء اللاتي لم تكن تتوفر لهنّ فرصة الفاعلية، أُتيحت لهنّ الأرضية للنشاط في مختلف المجالات الاجتماعية.
إن الوظيفة الأساسية لمراسم العزاء والحزن تكمن في إضفاء الصبغة الدينية والمذهبية على أنشطة النساء وفاعليتهن، وعدم قصرها على مجالس العزاء والقراءة الحسينية فحسب. فإذا قامت النساء بأنشطة إنسانية وإغاثية، فإنها تكتسب لوناً دينياً ومذهباً، وتعتبرها النساء امتداداً للتكليف الديني. وعقب الثورة الإسلامية، أُعيدت قراءة شخصية السيدة زينب (سلام الله عليها)، فاكتست أنشطة النساء صبغةً «زينبية»، وتغير بالتبع سنخُ فاعلية المرأة ونوعيتها.
إحياء مجالس العزاء البيتية (الروضات المنزلية)
على الرغم من تواجد النساء في الهيئات الدينية الكبرى، إلا أن أدوارهم لا تتسم بالفاعلية والقيادة المباشرة. فبعد أن كنا نؤكد على الاعتراف بالقوميات والأحياء والثقافات المختلفة، اتجهنا نحو دمج هذه التنوعات تحت مظلة الهيئات الكبرى. ورغم أهمية ذلك على المستوى الرمزي وإقامة الشعائر، إلا أنه ينبغي لنا الاعتراف بالتعددية والقوميات والأحياء السكنية. ومن هنا يتوجب علينا إحياء «مجالس العزاء البيتية».
ومن الخصائص البارزة لمجالس العزاء البيتية توطيد التكافل والتواصل مع أهل الحي والأقارب والمعارف في سبيل تقديم المساعدات الخيرية للمحتاجين. يجب أن نعمل على إحياء المراسم المناطقية والمجالس المنزلية؛ فالنساء -بما يمتلكن من خصائص وميزات- قادرون على أداء دور فاعل ومؤثر في حل المشكلات والقضايا الخاصة بالمرأة.
الاجتهاد موقع فقهي