خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / أخبار مميزة / الندوة العلمية «الجهاد والمواجهة في الفكر الإمامي»

الندوة العلمية «الجهاد والمواجهة في الفكر الإمامي»

خاص الاجتهاد: عُقدت ندوة علمية بعنوان «الجهاد والمواجهة في الفكر الإمامي» في المشهد المقدسة، حاضر فيها سماحة الشيخ الدكتور عليرضا نوروزي، أستاذ الحوزة والجامعة ومدير مؤسسة «ميراث فقاهت خراسان»، وذلك في مكتب آية الله الشيخ محمد اليعقوبي.

استهلّ المحاضر كلمته بالتأكيد على أن للجهاد في فكر علماء الإمامية معنى خاصاً يختلف عن المفهوم المتداول للحرب والمواجهة في الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية. وأشار إلى أن ثمة اختلافاً في المعنى الاصطلاحي للجهاد حتى في الأوساط الإمامية، مبيناً تبنّيه معنى عاماً للجهاد دعمه العديد من أعلام المعاصرين.

وتناول الأستاذ نوروزي ثلاثة محاور رئيسة؛ ففي المحور الأول عرض تعريفين للجهاد: الأول ضيّق يقتصر على المواجهة العسكرية مع المشركين كما ورد في «لسان العرب» حيث عُرّف الجهاد بأنه «أي القتال»، وكما جاء في «جواهر الكلام» للشيخ محمد حسن النجفي حيث عُرّف بأنه «بذل النفس وما يتوقف عليه من المال في محاربة المشركين أو الباغين على وجه مخصوص». أما التعريف الثاني فهو أعمّ وأشمل، وقد ورد عند الراغب الأصفهاني في «المفردات» بمعنى «استفراغ الوسع في مدافعة العدو»، وفي الاصطلاح الفقهي «بذل النفس والمال والوسع في إعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان».

وأكد فضيلته أن الشهيد القائد كان من أبرز المعاصرين الذين شدّدوا على أن الجهاد لا ينحصر في القتال العسكري، بل هو مطلق المواجهة مع العدو في جميع المجالات: الاقتصادية والثقافية والسياسية. واستشهد بأربعة أدلة على هذا المعنى العام: الآيات القرآنية المكية التي ورد فيها لفظ الجهاد دون إشارة إلى الجهاد العسكري، والروايات الدالة على إطلاق الجهاد كقوله «الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله»، والأدعية المأثورة كالزيارة الجامعة الكبيرة وزيارة أمين الله التي تشهد بأن جميع الأئمة المعصومين كانوا أهل جهاد رغم أن معظمهم لم يخوضوا حروباً عسكرية.

وفي المحور الثاني، قارن المحاضر بين مفهوم الجهاد في الإسلام والأديان الأخرى، مشيراً إلى أن التراث اليهودي يقوم على فكرة «العرق الأفضل» وضرورة خوض الحرب للسيادة، بينما لا نجد مصطلح «الجهاد» في كتب اليهودية والمسيحية، فهو مصطلح جديد في الأدبيات الإسلامية. وأوضح أن فلسفة الجهاد في الإسلام تقوم على الدفاع ضد العدوان والظلم، مستشهداً بكلام الشهيد المطهري في أن ماهية الجهاد هي الدفاع.

وفي المحور الثالث، استعرض السيرة العملية لعلماء الإمامية في المواجهة عبر التاريخ، مبيّناً أنهم كلما توفرت الفرصة بادروا إلى الجهاد، سواء كان عسكرياً كتسليح حوزة مشهد لمواجهة الروس قبل نحو مائة وخمسين عاماً، أو ثقافياً وسياسياً كفتوى تحريم التبغ للميرزا الشيرازي ومواقف آية الله المدرس في المجلس النيابي.

واختتم الدكتور نوروزي بالتأكيد على أن مسؤولية الجهاد تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحوزات العلمية والعلماء بجميع أنواعه: المالي واللساني والقلبي، داعياً الله أن يوفق الجميع في عرصة هذا الجهاد.

وفي ما يلي نص المحاضره:

بسم الله الرحمن الرحيم

الندوة العلمية: «الجهاد والمواجهة في الفکر الإمامی»

28 ربيع الأول 1448هـ.ق / المشهد المقدسة – مكتب آية الله الشيخ محمد اليعقوبي

سماحة الشيخ الدكتور عليرضا نوروزي (أستاذ الحوزة والجامعة ومدير مؤسسة “ميراث فقاهت خراسان”):

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

أما بعد، فأتقدم بخالص الشكر والتقدیر لجهة هذا المركز العلمي وهذا المكتب المحترم للمرجعية الدينية على دعوتهم الكريمة لي لنكون لبعض الوقت في خدمة الأفاضل والعلماء المحترمين. في هذه الفرصة القصيرة المتاحة لي، سأشير إلى موضوع يتعلق بباب الجهاد.

تبيين مفهوم الجهاد في الفكر الإمامي مقارنة بالأديان الأخرى

إن للجهاد في فكر علماء الإمامية معنى خاصاً؛ إذ إن المعنى المراد من الجهاد في الفكر الإسلامي يختلف عما يُطرح تحت عنوان الحرب والمواجهة في الأديان الأخرى — سواء في المسيحية أو اليهودية أو لدى الأقوام والشعوب المختلفة في العالم.

وفي أوساط الإمامية أيضاً، ثمة اختلاف في المعنى الاصطلاحي للجهاد سأشير إليه في هذه الجلسة، ونحن نتبنى معنى عاماً للجهاد قد دعمه وقوّاه العديد من أعلام المعاصرين واستُدل عليه، وسننوّه لاحقاً بثمرات هذا المعنى.

استعمال لفظ الجهاد في القرآن والروايات وأقسامه
النقطة الأولى: كما تعلمون، فإن كلمة «الجهاد» وردت مكرراً في آيات القرآن الكريم والروايات الشريفة، وقد ذُكرت أنواع مختلفة للجهاد؛ فعلى سبيل المثال ورد «الجهاد الأكبر» في بعض الروايات، وتُعبر به مجاهدة الهوى والنفس. أما «الجهاد الأصغر» فهو تلك المواجهة العسكرية مع الأعداء في ميدان القتال. وتارة يُقسّم الجهاد من أبعاد أخرى: الجهاد بالنفس، والجهاد بالمال، والجهاد العملي، والجهاد باللسان، والجهاد بالقلب. ولعل هناك سبعة أو ثمانية مصطلحات في تقسيم باب الجهاد. وما أود عرضه باختصار يتناول ثلاثة محاور رئيسة.

المحور الأول: تعريف الجهاد والمصطلحان الموجودان فيه

أولاً، في تعريف الجهاد يوجد اصطلاحان؛ إذ ضيق بعضهم معنى الجهاد وحدّوه بمعنى محصور جداً، سواء في المعاجم اللغوية أو الكتب الاصطلاحية الفقهية. وهنا أشير إلى تعريف للمرحوم صاحب الجواهر في كتاب الجهاد من «الجواهر»، إضافة إلى تعريف لغوي.

التعريف اللغوي للجهاد

على سبيل المثال، جاء في «لسان العرب» — وهو المعجم اللغوي الشهير — أن الجهاد «أَيْ القِتَالُ»[1]. والقنال في الواقع هو ذاته المواجهة العسكرية مع العدو؛ أي الحرب وسفك الدماء.

التعريف الاصطلاحي للجهاد من وجهة نظر صاحب الجواهر
ويقول المرحوم صاحب الجواهر: «بَذْلُ النَّفْسِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ فِي مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الْبَاغِينَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.»[2]، فله بحث مفصل مفاده أن الجهاد يعني تضحية الإنسان بنفسه وماله في القتال ضد المشركين، وهذا يرجع أيضاً إلى المواجهة العسكرية في ميدان الحرب. فهذا هو التعريف الاصطلاحي الأول المذكور للجهاد؛ أي المواجهة العسكرية مع المشركين في ميدان القتال.

التعريف الثاني للجهاد: التعريف العام

والتعريف الثاني للجهاد هو تعريف أكثر عمومية، وقد ورد هذا المعنى العام في المعاجم اللغوية أيضاً؛ إذ يقول المرحوم الراغب الأصفهاني في كتاب «المفردات»: الجهاد «اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي مُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ.»[3]؛ أي أن يبذل الإنسان أقصى وسعه للدفاع والمواجهة ضد العدو، واستخدام الطاقة الحصوى لمواجهته. وفي هذا التعريف لم يُشترط أن تكون المواجهة في ميدان القتال أو خارجه؛ فهذا الأمر [ليس شرطاً].

التعريف الاصطلاحي العام للجهاد في كلام الفقهاء

وفي الاصطلاح الفقهي، ذكر بعض فقهائنا هذا التعريف الأعم المأخوذ من المعنى اللغوي العام: «بَذْلُ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْوُسْعِ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِيمَانِ.»[4]؛ أن يبذل الإنسان نفسه وماله ووسعه لإعلاء كلمة الإسلام — أي نشر الإسلام — وإقامة الشعائر الدينية. أن تسخّر طاقتك لتقوية الإسلام وإقامة الدين؛ فهذا ما عُبّر عنه بالجهاد.

تأكيد القائد الشهيد (ره) على المعنى العام للجهاد

ومن بين المعاصرين، من أكد كثيراً في آثاره على أنه لا ينبغي حصر الجهاد في القتال العسكري هو القائد الشهيد، قائد الثورة. إذ يؤكد في مواضع متعددة أن الجهاد[5] هو مطلق المواجهة مع العدو، وليس مجرد القتال في ميدان الحرب. كل نوع من أنواع المواجهة والمقاومة ضد العدو يُطلق عليه اصطلاحاً «الجهاد». وهذا المعنى ليس معنى عامياً، ونحن نرى أنه إذا أردنا بيان معنى للجهاد، فينبغي أن يكون هذا المعنى العام.

الشواهد القرآنية والروائية على المعنى العام للجهاد

أود أن أذكر شواهد قرآنية وروائية لهذا الموضوع. إذا كان الجهاد بمعنى مطلق المواجهة، فستكون له مصاديق متعددة؛ فلو هاجمنا العدو في المجال الاقتصادي — فرضا — فإن هجومه في هذا المجال يكون بفرض الحصار والعقوبات الاقتصادية علينا، وتحميل المسلمين ضغوطاً اقتصادية؛ فهذه هجمة اقتصادية من العدو. والمواجهة مع العدو في مقابل هذه الهجمة تُسمى «الجهاد الاقتصادي». فالجهاد الاقتصادي هو المقاومة والمواجهة ضد التعدي والهجوم الاقتصادي.

نماذج تاريخية للمواجهة الاقتصادية مع العدو

فكيف نواجه العدو؟ لهذا الأمر آلياته الخاصة. وإن التأكيد في هذه السنوات على الامتناع عن استخدام البضائع الأجنبية له سابقة في تاريخ الشيعة؛ بداءً من المرحوم صاحب العروة السيد اليزدي الذي حرّم في بعض الفترات استخدام المنسوجات الأجنبية وأفتى بوجوب الاقتصار على المنتجات المحلية والوطنية[6]. فهذا إنما هو في الحقيقة نوع من المواجهة الاقتصادية مع العدو.

مصاديق الجهاد وفقاً لنوع تهاجم العدو

إذا هاجم العدو في الساحة العسكرية، فالجهاد العسكري هو المواجهة في الميدان العسكري. وإذا ألقى الشبهات بين المسلمين وأثار التفرقة، فيجب علينا التصدّي؛ فهذا «جهاد التبيين» الذي يُقال أحياناً يعني تبيين الحق والرد على الشبهات في مواجهة الهجمة. وإذا شن العدو هجمة ثقافية (الغزو الثقافي)، فعلينا التصدّي في الميدان ذاته؛ ويُطلق عليه «الجهاد الثقافي». فأنتم ترون أن المصطلحات المطروحة اليوم تحت عناوين الجهاد الثقافي، والجهاد الاقتصادي، والجهاد السياسي، هي منبثقة من هذا المعنى العام للجهاد الذي يعني مطلق المواجهة؛ المواجهة في كل مجال.

الأدلة الأربعة على المعنى العام للجهاد

الدليل الأول: إطلاق لفظ الجهاد في آيات القرآن الكريم
أُقيمت أربعة أدلة على هذه المسألة: أولاً، انظروا إلى آيات القرآن الكريم؛ فنحن نجد موارد متعددة طُرح فيها بحث الجهاد وكان المراد منه مطلق الجهاد دون أي إشارة إلى الجهاد العسكري، ولا سيما بعض الآيات المكية. ففي الآيات المكية، أينما استُعمل بحث الجهاد، فالمراد قطعاً ليس الجهاد العسكري؛ لأن الجهاد العسكري بالمعنى الاصطلاحي إنما شُرع للنبي في الفترة المدنية. ولذا، في آيات القرآن والروايات، لدينا آيات وأحاديث متعددة ورد فيها تعبير الجهاد وقد استُعمل على نحو الإطلاق.

الدليل الثاني: الروايات الدالة على إطلاق الجهاد
على سبيل المثال، لدينا روايات كثيرة تشبه هذا المضمون: «اللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.»[7]. فهذا الجهاد لا دليل على تخصيصه بالجهاد العسكري فقط، بل يشمل كل نوع من أنواع الجهاد؛ أي كل نوع من مواجهة العدو. وهذه المواجهة تارة تحتاج إلى التبيين فيكون «جهاداً لسانياً»، وتارة تحتاج إلى الإنفاق فيكون «جهاداً مالياً».

الدليل الثالث: الجهاد في الأدعية المأثورة
دليلنا التالي هو الأدعية المأثورة الواردة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وأشير إلى اثنين منها: أحدهما في «الزيارة الجامعة الكبيرة»، والآخر في «زيارة أمين الله». وهاتان الزيارتان من الزيارات المعتبرة الواصلة إلينا بالطرق الصحيحة. فالزيارة الجامعة الكبيرة هي من آثار الإمام الهادي (عليه السلام) بطرق معتبرة. وقد ورد في كلتيهما أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) كانوا أهل جهاد: «وَجَاهَدْتُمْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.»[8]؛ نشهد أنكم يا أهل البيت والأئمة المعصومين قد جاهدتم.

وكما تعلمون، باستثناء أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيد الشهداء (عليه السلام)، لم يخوضوا بقية الأئمة المعصومين جهاداً ومواجهة عسكرية؛ لكن هذه الزيارات المأثورة تصرح بأن جميع أئمتنا المعصومين كانوا أهل جهاد. فيتبين من ذلك أن معنى الجهاد معنى عام؛ أي مطلق المواجهة، التي قد تكون مواجهة ثقافية — وهو العمل الذي بدأ من زمن الإمام الباقر (عليه السلام) واستمر إلى زمن الإمام العسكري (عليه السلام) — أو مواجهة سياسية، أو الرد على الشبهات وهجمات الأعداء في الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي. «أَشْهَدُ أَنَّكَ جَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.»[9]. إذن في الأدبيات الدينية، للجهاد والمواجهة معنى مطلق في الواقع.

مقارنة مفهوم الجهاد في الإسلام بالأديان والشعوب الأخرى

ودعوني أعرض هنا جملة معترضة: لقد ناقشنا بحث الجهاد هذا في العام الماضي في إحدى المدارس العلمية بين جمع من أفاضل الحوزة تحت عنوان «فقه الجهاد»، وتناولنا هناك تاريخ الجهاد لدى الأقوام والشعوب والأديان؛ في المسيحية واليهودية والزرادشتية واليونان القديمة والرومان. وكل هؤلاء لديهم تعاليم كثيرة بشأن الحرب وقواعدها والمواجهة. إلا أن المعنى الذي بُيّن للجهاد والمواجهة في الإسلام يختلف تماماً عما هو موجود لدى الأديان والشعوب السابقة.

العِرقُ الأفضَل في التراث اليهودي واختلافها عن مفهوم الجهاد

إذا راجعنا التراث اليهودي، نجد الطرح القائم على «العرق الأفضل»؛ وأننا نحن اليهود العرق الأسمى ولأجل أن تكون لنا سيادة الأرض يجب أن نخوض الحرب والقتال. فالحديث هناك عن الحرب والقتال، ولا نجد تعبير «الجهاد» في كتب اليهودية والمسيحية. فالجهاد مصطلح جديد في الأدبيات الإسلامية؛ لماذا؟ لأن الجهاد ليس بالضرورة حرباً وسفكاً للدماء. فعلماء الإسلام عبر التاريخ كانوا مجاهدين، ولم يمارس أحد منهم الحرب والسفك. هذه نقطة. ومع ذلك كتبوا أبواباً ورسائل متعددة تحت عنوان «كتاب الجهاد» و«رسالة في الجهاد».

نماذج تاريخية للمواجهة السياسية لدى العلماء

في بعض الفترات التاريخية، نرى تحركات ومواقف مضادة للاستعمار من قبل العلماء؛ فعلى سبيل المثال، قاوم المرحوم الآية الله المدرس في المجلس النيابي الكثير من العقود والاتفاقيات الاستعمارية واعترض عليها ومنعها. وهذا في حد ذاته نوع من المواجهة والمجاهدة.

فلسفة الجهاد في الإسلام: ماهيته الدفاعية

النقطة الهامة التالية هي «فلسفة الجهاد في الإسلام». فالجهاد في الإسلام أساساً هو بمعنى الدفاع. وللمرحوم الشهيد المطهري كلام مفاده أن ماهية الجهاد هي الدفاع، وأن العمدة في مشروعية الجهاد في الإسلام ترجع إلى الدفاع ضد العدوان[10]. فلماذا شُرع الجهاد حكماً شرعياً في الإسلام أصلاً؟ يقول رحمه الله: للدفاع عن التعدي والعدوان. فنحن في الأدبيات الإسلامية ليس لدينا الفتوحات والتوسع للاستيلاء على البلدان، ولا يوجد قتال لاغتصاب الأراضي، على خلاف ما هو موجود في اليهودية؛ فلماذا احتلوا فلسطين الآن؟ ولماذا يستولون على البلدان الأخرى إن تمكنوا؟ لأنهم يقولون نحن العرق الأفضل ويجب أن تخضع جميع الدول والشعوب لسيادتنا. ولذا يُعلّمون ويقررون القتال والحرب للوصول إلى هذا الهدف.

النتيجة من النقطتين: المعنى العام للجهاد وفلسفته الدفاعية

فالجهاد في الإسلام إذن هو بمعنى مطلق المواجهة، لا المواجهة العسكرية فحسب؛ هذه أولاً. وثانياً: فلسفة الجهاد هي الدفاع في مواجهة العدوان والظلم. ولذا فإننا في الإسلام — سواء في الجهاد الدفاعي أم الجهاد الابتدائي (وحتى الجهاد الابتدائي المطروح في الفقه الإسلامي يبدو أنه يعود بنحو ما إلى الجهاد الدفاعي) — نجد أنه دفاع في وجه الظلم. فإذا وقع الظلم في الإسلام على شخص أو بلد، وجب على الجميع الدفاع في مواجهة الظالم. هذا هو منطق الإسلام: مواجهة الظلم ومقارعة الجور، وهو ما ورد في آيات القرآن الكريم: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾[11]؛ فلا ينبغي للإنسان أن يَظلم ولا أن يُظلم ويخضع لسيطرة الظالم. و«كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا»[12]؛ أي مواجهة الظالم.

الدفاع ضد الظالم كفلسفة رئيسية للجهاد

إذن فهذه فلسفة محورية: الدفاع في وجه الظالم. هناك من يظلم، وأنت تدافع أمامه. وهذا الظلم قد يكون ظلماً لنفسك، أو لنواميس المجتمع، أو لبلد إسلامي؛ وقد يكون الظلم ظلماً لله متعال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[13]. ولذا شُرع الجهاد ضد المشركين لأن المشركين في الحقيقة طغاة وظلمة. فالخلاصة أن فلسفة الجهاد في الإسلام تتلخص في الدفاع ضد الظالم. ولماذا شرع الله الجهاد في الإسلام؟ لكي نستطيع الدفاع في مواجهة الظالم، ونحمي البلاد الإسلامية وأفراد الأمة المسلمة.

النضال ضد الاستعمار وقاعدة نفي السبيل

ومن هنا كان النضال ضد الاستعمار عبر التاريخ لنفس هذا السبب. فالاستعمار يعني في الحقيقة خضوع البلد المسلم لسيطرة الكفر. وقاعدة نفي السبيل المعروفة تقضي بعدم جواز وقوع المسلم تحت يد الكافر: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾[14]. فهذه الآية دليل على وجوب نضال الاستعمار. والاستعمار نوع من الظلم في الواقع. ولذا لدينا هاتان القاعدتان في باب المواجهة: مواجهة الاستبداد والظلم، ومواجهة الاستعمار؛ وكلاهما له مبنى قرآني وروائي.

السيرة العملية لعلماء الإمامية في المواجهة عبر التاريخ

وعلى مر التاريخ، سواء في عصر حضور الأئمة المعصومين أم ما بعد عصر الحضور، فإن فقهاء الإمامية في القرون الماضية — إذا راجعنا التاريخ — كلما توفرت الفرصة للجهاد والمواجهة بادروا إلى ذلك. غير أن تحرك العلماء كان تارة تحركاً عسكرياً، كما هو الحال في العصر المعاصر (قبل فترة الثورة الإسلامية)، حيث شهدت بعض المراحل خضوع إيران لسيطرة الروس والإنجليز، فكانت لدينا فتوى جهادية من علماء الشيعة لمواجهة الروس والإنجليز، وكان هناك أيضاً تحرك عسكري مسلح.

نموذج تاريخي: مواجهة علماء مشهد للروس

وفي مدينة مشهد بالذات، قام أعلام مشهد بتسليح حوزة مشهد لمواجهة الروس، وتحولت المدارس العلمية — في هذه القضية التي أنقلها قبل حوالي مائة وخمسين عاماً — إلى القواعد العسكرية للطلاب لمواجهة الروس. فإذا رأى علماء الشيعة أن الظروف ملائمة، خاضوا المواجهة العسكرية أيضاً. ولكن في كثير من الفترات التاريخية لم تكن المواجهة العسكرية مقدورة.

ومع ذلك، فإن الفتاوى المناهضة للاستعمار كثيرة جداً لدى فقهاينا؛ انظروا إلى فتوى تحريم التبغ التي أصدرها الميرزا الشيرازي، فقد كانت مواجهة قائمة بذاتها، حيث أجرى الميرزا الشيرازي هذه المواجهة الثقافية في قالب فتوى شرعية[15]. وفي بعض الفترات كتب علماء الشيعة كتباً ورسائل جهادية؛ حيث كانت الظروف ظروف كبت وتَقية ولم تكن المواجهة المباشرة ممكنة.

الخلاصة: المعنى الواسع للجهاد وفلسفته

فهذا إجمال البحث الذي أردت المباحثة فيه في هذه الفرصة القصيرة؛ ومفاده أن للجهاد والمواجهة في الفكر والأدبيات الإسلامية معنى واسعاً؛ هذا أولاً. وفلسفة الجهاد والمواجهة هي محاربة الظلم؛ هذا ثانياً. وقد كان هذا الأمر محط اهتمام الفقهاء على مر التاريخ في زمن الأئمة المعصومين وزمن فقهاء الإمامية. فإن رأوا الأرضية مساعدة للجهاد العسكري سلكوه، وإلا فعن طريق الجهاد الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي بحسب ما يقتضيه الحال. وهذه أمور نواجها في عصرنا المعاصر.

وظيفة الحوزات العلمية والعلماء في عرصة الجهاد

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعاً في عرصة هذا الجهاد. فهذه المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتقنا تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحوزات العلمية والعلماء بأي نحو استطاعوا — جهاداً مالياً، أو لسانياً، أو قلبياً —. وقد رأيت في رواية[16] عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال ما مضمونه: إن لم تستطيعوا الجهاد العملي فباللسان، وإن لم تستطيعوا باللسان فبالقلب. وما معنى الجهاد بالقلب؟ يعني في الحقيقة الحفاظ على روحية مواجهة الباطل ومقارعة الظلم، وإعلان الانزعاج والإنكار في الباطن.

نسأل الله أن يجعل هذا الجهاد والمواجهة في ألسنتنا وأقلامنا وخطواتنا إن شاء الله تعالى. وأجدد الشكر والتقدير للمسؤولين المحترمين على إقامة هذه الجلسات، سائلين الله أن نكون أكثر من ذي قبل خداماً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الهوامش

[1]. لسان العرب، ابن منظور، ج3، ص133.

[2]. جواهر الكلام، النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن، ج21، ص3.

[3]. المفردات في غريب القرآن – دار القلم، الراغب الأصفهاني، ج1، ص208.

[4]. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، ج2، ص381.

[5]. https://farsi.khamenei.ir/speech-content?id=4790

[6]. العروة الوثقى، الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم، ج2، ص345.

[7]. الكافي – ط الإسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص8.

[8]. من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج2، ص609.

[9]. المصدر نفسه.

[10]. مجموعه آثار ط-صدرا، مطهري، مرتضى، ج14، ص45.

[11]. سورة البقرة، الآية 279.

[12]. نهج البلاغة، الدشتي، محمد، ج1، ص145، الكتاب 47.

[13]. سورة لقمان، الآية 13.

[14]. سورة النساء، الآية 141.

[15]. أصفهاني كربلائي، تاریخ دخانیه، 1377ش، ص118.

[16]. وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج15، ص47، أبواب…، باب…، ح…، ط الإسلامية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *