الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / محاولات إصلاح نظم التعليم في الحوزه العلمية في النجف الأشرف (جهود الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء أنموذجاً)
إصلاح نظم التعليم في الحوزه العلمية

محاولات إصلاح نظم التعليم في الحوزه العلمية في النجف الأشرف (جهود الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء أنموذجاً)

شهدت مدينة النجف الأشرف بداية القرن العشرين ظهور ما عرف بتيار المدرسة الحديثة، الذي تحدى نظم التعليم القديمة السائدة في الحوزة العلمية في المدينة، لذا حاول العديد من علماء الدين في النجف الأشرف إصلاح نظم التعليم السائدة لمجابهة التحدي الجديد وتقديم البدائل المناسبة لسد حاجة المجتمع إلى التعليم، ولعل من بين أشهر أولئك العلماء كان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. بقلم: د. رحيم عبد الحسين عباس، قسم التاريخ، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة كربلاء.

الاجتهاد: يأتي هذا البحث لإلقاء المزيد من الأضواء على محاولات الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء لإصلاح نظم التعليم السائدة في حوزة النجف العلمیة.

قسم البحث على محورين

المحور الأول: أسباب الحاجة إلى الإصلاح

المحور الثاني: جهود الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في إصلاح نظم التعليم

وضم البحث كذلك ، إلى جانب هذين المحورين ، هذه المقدمة وخائمة احتوت الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث .

اعتمد البحث العديد من المصادر لعل أهمها وثائق أرشيف مدرسة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وسأرمز إليها بالرمز: (أ.م.ك )، فضلا عن بعض الأوراق الشخصية والمخطوطات، الى جانب مؤلفات بعض علماء الدين مثل كتاب الشيخ محمد مهدي الأصفي الموسوم :(مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحية فيها) ومصادر مهمة أخرى لا يتسع المقام هنا لذكرها جميعاً.

أسباب الحاجة إلى الإصلاح

إنّ فكرة تجديد أساليب التعليم التقليدية في النجف، فرضتها حاجة ملحة، فعلى الرغم من الإمكانيات الثقافية والتوجيهية الواسعة في المناهج الدراسية في النجف غير أنها كانت منطوية على نفسها ، فقد بقيت الدراسة والتنشئة في النجف تذكر الإنسان بأساليب التربية والتعليم التي كانت سائدة قبل عدة قرون ولم تحاول الحوزة، على الرغم مما كانت تمتلكه من إمكانات، تطوير أساليب التربية والدراسة ومواكبة التطور التربوي والدراسي في العالم، فلا يكفي أن تكون للنجف مكانة علمية واجتماعية في العالم الإسلامي من دون أن تسير وتتطور مع الزمن، لان التمسك بالماضي یولد فراغات خطيرة في الحياة المعاصرة(۲).

وهذا الانطواء على الماضي في أساليب العمل اسماه المجدد السيد محمد باقر الصدر (۳) ب (النزعة الإستصحابية ) داعياً إلى التخلص منها وتجديد أساليب العمل وطرقه، ليس على مستوى التعليم وحسب ، بل على صعيد المستويات الأخرى أيضا ، ومنها أساليب التعامل والخطاب مع المجتمع، إذ تحدث عن ذلك قائلا: “… هذه النزعة الاستصحابية تجعلنا دائماً نعيش مع امة قد مضى وقتها … مع امة قد ماتت وانتهت بظروفها وملابساتها، لأننا نعيش بأساليب منسجمة مع أمة، تلك الأمة لم يبق منها أحد… (۴).

ثم يخص طرق وأساليب العمل الحوزوي قائلاً: ” لماذا تعيش الحوزة في هذا البلد مئات السنين، ثم بعد هذا يظهر إفلاسها في نفس هذا البلد الذي تعيش فيه ؟!…فهذه الأجيال التي تحقد علينا اليوم التي تتربص بنا، تشعر بأننا نتعامل مع الموتی، لا نتعامل مع الأحياء ! (۵)
وعلى وفق ما تقدم ظهرت الحاجة إلى تجديد أساليب وطرق التعليم التقليدية في الحوزة ، ففي الوقت الذي كانت فيه أساليب التعليم في النجف تجتر الماضي وتراوح في مكانها، كانت المدارس الحديثة قد قطعت أشواطا في تطبيق أساليب التدريس المتطورة إلا أن مناهج هذه المدارس كانت بعيدة عن آفاق الفكر الإسلامي(۶)، وهنا تكمن الخطورة، إذ كانت تلك المدارس تحظى بدعم الاستعمار البريطاني، الذي كان يرى فيها خير وسيلة لإبعاد الجيل الجديد عن دينه ومعتقداته حتى أصبحت واحدة من الأسباب المهمة التي أسهمت في خلق جيل، خاوي الذهنية من كل ما يربطها بمحيطها من ثقافة دينية وتقاليد موروثة (۷).

شخّص الغرب منذ وقت مبكر، قبل احتلاله البلدان الإسلامية، مدى خطورة الإسلام على مصالحه الاستعمارية ؛ لذا سعى جاهدة إلى تمزيق وحدة المسلمين وزعزعة ثقتهم بدينهم(۸).

ولما كان علماء الدين في عموم العراق وبخاصة في النجف قد أدّوا دوراً مؤثراً وفاعلاً في ثورة العشرين واستمروا بعدها يثيرون الشعب على بريطانيا والحكومة العراقية فقد ” حاولت سلطات الاحتلال أن تضعف بمدارسها الحديثة نفوذ فقهاء الشيعة، فأضعفت بذلك نفوذ جميع الفقهاء في العراق، حيث اشتعل الأخضر واليابس في آن واحد، وأصبح الجيل الجديد عزوفاً عن الدين ساخراً منه في شتى صوره ” على حد تعبير الدكتور علي الوردي(٩) .

ولعل خير دليل على هذه الحقيقة ما صرحت به سكرتيرة المندوب السامي البريطاني في العراق المس بيل حين قالت : إن رجال الدين كانوا من اكبر دعاة الثورة في العراق خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، وهذا مما دعا رجال الحكم إلى إنشاء المدارس الحديثة لكي يضعفوا بها الدين في نفوس الجيل الجديد، ويقتلعوا بذلك جذور الثورة من أساسها (۱۰) .

وإذا كان علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار أن تلك المدارس من ضروريات الدولة الحديثة، فلنا أن نتساءل أما كان الأجدر بتلك المدارس، اذا لم تكن موجهة من الأجنبي، التركيز على التربية الإسلامية في بعض مناهجها، وهي قائمة في مجتمع غالبيته العظمی مسلمة؟.

بدا تيار ما يسمى بالمدرسة الحديثة بنظامها المعروف يقتحم البلاد الإسلامية ومنها العراق مع بدايات القرن العشرين، ويبدو أن علماء الدين في ذلك الوقت قد أحسوا بخطورة الموقف، فدعوا إلى مقاطعة المدارس الحديثة التي أسستها السلطة، وإلى مقاومة هذا التيار الجد.

وقد أوشكت هذه المقاومة أن تأتي أكلها لولا استمرارها في إطارها السلبي الذي لم يتجاوز حدود الرفض والمنع (۱۱) (الأمر الذي جعل أرباب العوائل في حيرة من أمرهم بين أن يستجيبوا لفتاوى العلماء ويمتنعوا عن إرسال أبنائهم إلى المدارس الحكومية وهذا يعني حرمانهم من فرصة مهمة للتعليم، وبين أن يخالفوا الفتاوي ويرسلوا أبنائهم إلى تلك المدارس، فظهر فريقان داخل الوسط الشيعي، المعني أكثر من غيره بفتاوی علماء الدين والمرجعية في النجف الأشرف، أحدهما متخلف عن مواكبة العلم والثقافة وأخر متحرر اضطر إلى الخروج عن الخط الذي مثله علماء الدين (۱۲).

ويبدو أن هذا الأمر جاء نتيجة شبه حتمية للمقاومة السلبية للمدارس الحكومية تلك المقاومة التي لم تكن لتفي بالغرض المطلوب إذ لم تقدم البدائل الناجعة لسد حاجة المجتمع إلى التعليم في الوقت الذي لم تعد فيه الأساليب القديمة قادرة على ذلك .

لقد كان توجيه النقد للمؤسسة الدينية في النجف الأشرف والتشكيك بطريقة التعليم السائدة، وتوجيه نقد دقيق لمناهج وأساليب التدريس بجانب المناداة بصياغة جديدة للنظام المعمول به في المؤسسة الدينية بعد تجاوزاً للحدود بنظر المحافظين في أوساط تلك المؤسسة بوجه الخصوص، الذين يعدون هذه الأمور بمثابة هجوم على قدسية النجف وعثمانها (۱۳).

وعليه فإن من الضروري لأية محاولة من هذا القبيل أن تتم بهدوء مسبوق بدراسة معمقة لهذا الواقع ، لئلا تثار ضدها مثل تلك الاتهامات . والظاهر أن الأمر الذي أكسب التوجهات الإصلاحية بعض القوة في ظل مثل هذه الأجواء هو أن بعض كبار علماء الحوزة ممن هم موضع ثقة مختلف أوساط المجتمع، قد تبنوا الإصلاح، لكن ذلك لم يمنع أن تنال تلك التوجهات من النقد ومحاولات التسقيط الشيء الكثير، أدرك المصلحون من علماء الدين أن تيار المدرسة الحديثة يضعف الالتزام بالمبادئ الإسلامية لدى الناشئة بل ويرون في مناهجها أضعافا للروح الوطنية أيضا.

ونجد مثل هذه الإشارات تطفح بها كتاباتهم(١٤)، لكنهم لم يكتفوا بالتنبيه إلى مثل هذه الأمور، بل حاولوا إيجاد البدائل الملائمة لسد الثغرات الناتجة عن انطواء طرق ومناهج التدريس القديمة على نفسها ولذا سار دعاة الإصلاح والتجديد في خطين لمعالجة خلل النظام التعليمي، اتجه الأول لتنظيم الدراسة داخل الحوزة واستهدف تحقيق غرضين هما تنظيم الدراسية في مرحلتي المقدمات والسطوح، وتطوير المنهج مع اختزال المادة بقدر الحاجة إلى حذف ما لا ضرورة له(١٥).

وأما الخط الثاني فقد سار باتجاه فتح مدارس على الطراز الحديث دون أن تغفل مناهجها تركيز المبادئ الإسلامية في نفوس الناشئة ، ولعل خير من عبر عن مفهوم هذا الخط المجدد السيد محمد تقي الحكيم(١٦) قائلا: “… وقوام هذه الايجابية هو الدعوة إلى فتح مدارس حديثة تحاكي تلكم المدارس في البرامج والعلوم التي لا تمس مبادئ الإسلام، مع ضميمة دروس دينية تكفل تركيز هذه الروح، والاحتفاظ بها في نفوس الناشئة “(۱۷).

تعد نقابة الإصلاح العلمي لمؤسسها الشيخ محمد جواد الجزائري (١٨)، أقدم المحاولات لإعادة تنظيم شؤون الحوزة العلمية وبخاصة شؤونها الدراسية، ويرجح أن تاريخ تلك المحاولة التجديدية يعود إلى عام ۱۳۲۳ه ۱۹٠٥ وتتلخص أهدافها في تنظيم الدراسة الحوزوية بحيث تسلك أقصر وأحسن الطرق للوصول إلى أهدافها مع ضمان مورد ثابت لطلبة الحوزة، لتأمين احتياجاتهم المادية كي ينصرفوا لتحصيلهم العلمي والسعي لتنظيم كلية دينية مركزها النجف الأشرف، ويظهر أن هذه الفكرة لم يكتب لها النجاح لسريتها وانشغال صاحبها بفعاليات علمية واجتماعية (۱۹) .

جهود الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في إصلاح نظم التعليم

دعا الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء إلى تأسيس مدارس أهلية في مقابل المدارس الحكومية و التربية النشء التربية الصحيحة التي تتلاءم وروح العصر.

ومن جانبه قام الشيخ عام ۱۹۳۱ بتأسيس مدرسة حملت اسمه (۲۰)، يمكن أن نعدها الخطوة الثانية في مجال إعادة تنظيم الدراسية داخل الحوزة، إذ أدخل فيها النظم الجديدة والعلوم الحديثة ،

واهم هذه العلوم: الحساب والهندسة والجغرافية وتاريخ الإسلام وتاريخ آداب اللغة العربية (۲۱)، فضلا عن مبادئ العلوم الطبيعية والمواد التي تدرس في مرحلة المقدمات في الحوزة(٢٢).

تستقبل المدرسة وجبتين من الطلبة الأولى صباحية للطلبة الدارسين على وفق نظام الحلقات، والثانية مسائية تضم ست مراحل على وفق النظم الدراسية الحديثة من حيث المناهج وتحديد أوقات الدوام والامتحانات (۲۳) ) التي تعقد لها لجان خاصة تحت إشراف وزارة الدفاع التي توفد من يمثلها لهذا الغرض.

وتتألف لجنة الامتحان من ثلاثة اعضاء برئاسة قاضي وعضوين من المدرسة (٢٤)، التي أجازتها وزارة المعارف بحسب كتابها ذي الرقم (۱۱٤۷۳) في ۳۰ مایس ١٩٤٥ المبلغ بكتاب مديرية معارف كربلاء ذي الرقم ٢٢ /۲٤۳۱ في٢/ ٦/ ١٩٤٥، لذا تم إعفاء طلبتها من الخدمة العسكرية (٢٥)، ثم استبدل ذلك بالتأجيل لحين إكمال الطالب دراسته، ويستثنى من ذلك خريجو المدرسة الأوائل الذين يمنحون أجازة تدريس العلوم الدينية؛ إذ يتم إعفاء هؤلاء من الخدمة العسكرية، وغالبيتهم إن لم يكن جميعهم من المعممين (٢٦).

ويشمل كذلك بالإعفاء من يتم تعينهم أئمة جوام (٢۷). جددت إجازة المدرسة بحسب كتاب مديرية المعارف ذي الرقم (٣٧٤٤١) في ١٦/ ١٠/ ١٩٥٤ على أثر صدور نظام المدارس الأهلية والأجنبية لسنة ١٩٥٤ الذي نص على إلحاق المدارس الدينية المدارس الأهلية والأجنبية (۲۸).

تبرع الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء للمدرسة بمكتبته الكبيرة التي حوت أندر المخطوطات وأنفس الكتب العلمية والأدبية (٢٩) ، ولم تكن المكتبة وقفاً على المدرسة وحسب بل كانت مفتوحة أمام عموم القراء(۳۰). وقام طلبة المدرسة سنة ١٩٥ع بإصدار نشرة مدرسية باسم (التوجيه) للتعبير عن آرائهم ومواهبهم ، إذ كانت تصدر مرة كل شهرين، واستمرت بالصدور نحو ثلاث سنوات (٣١).
يبدو أن المدرسة قد فقدت كثيرا من سمعها وقيمتها المعنوية قبل وفاة مؤسسها الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء عام ۱۹۵٦ (۳٢)، إذ أصبح التأجيل أو الإعفاء من الخدمة العسكرية الغاية الحقيقة لدى أكثر طلاب المدرسة.

وايد لنا ذلك احد طلبتها الذي أشار إلى أن الهدف من وراء التحاقه بهذه المدرسة عام ١٩٥٦ هو التخلص من الخدمة العسكرية (۳۳)، ويقدر مدير المدرسة الشيخ جعفر الكرباسي نسبة هؤلاء الطلبة بما يقارب من ( ۷٥%) من مجموع الطلاب. وهم قليلو الالتزام بالدوام، وبالجانب المقابل فانهم يجدون تساهلاً كبيراً من إدارة المدرسة، وقد يتساءل بعضهم لماذا لا ينتصب هؤلاء إلى المدارس الحكومية مادامت غايتهم هي التخلص من الخدمة العسكرية ؟

فيجيب الشيخ جعفر الكرباسي بأن هؤلاء هم في اغلب الأحيان من الكسبة، ولم يعودوا صغار السن ليدخلوا في المدارس الحكومية، فضلا عن أن الدوام المسائي في مدرسة الإمام كاشف الغطاء يتيح لهم الاستمرار في مزاولة حرفهم(۳٤).

أغلقت الحكومة المدرسة بحدود العام ۱۹٦۲ بسبب النشاط السياسي لعميدها الشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء، فضلاً عن انغماس طلبتها في الصراعات السياسية التي كانت تدور في النجف (٣٥)، وهذا ما يخالف نص المادة (۱۲) من النظام الداخلي الذي اعتمدته المدرسة ، بموافقة وزارة المعارف (۳٦)،

ويظهر أن قرار الإغلاق قد شمل الدراسة المسائية فقط دون أن يشمل الدراسة الصباحية فيها التي تسير على وفق نظام الحلقات، وربما هذا ما دفع احد الباحثين إلى القول: ” ولم تسعفني المصادر التي أمكنني الوصول إليها بمال تلك المدرسة، كل ما أتذكره أحاديث شفهية، كنا نسمعها في النجف قبل (۲۰) سنة (يقصد مطلع السبعينيات من القرن العشري ) عن وجود مدرسة مهملة باسم كاشف الغطاء، لا تزال الدولة تعترف بطلابها، وتشمل المسجلين فيها بالإعفاء من التجنيد الإجباري(٣٧).

رفد الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء تلك الخطوة الإصلاحية بخطوة أخرى جاءت نتيجة اجتماعات متتالية، كان الغرض منها تنظيم الدراسة في عموم الحوزة وتعرف هذه المحاولة لدى المؤرخين ب(حركة الكلية) التي اشترك فيها نحو (۲۰۰) من علماء الحوزة(۳۸)، الذين نجد تواقيع كثيراً منهم على الوثيقة التي أعدت لهذا الغرض وهي بخط الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، ومما جاء فيها :

” .. كان من الواجب بالضرورة أن يتدارك كبراء العلماء وأهل الدين هذا الخطر العظيم على الدين وأهله بأن يجتمعوا ويفكروا، ثم يعملوا لإصلاح الهيئة العلمية على الموازين الشرعية بحيث ينتظم بها شؤون تحصيلهم وتأمين طرق معاشهم حتى يتفرغوا للتحصيل، ويقرروا منهاجاً دينياً علمياً…” (۳۹).

ويعود تاريخ تلك الحركة بحسب ما هو مدون في الوثيقة إلى عام ١٣٥١ ه/ ۱۹۳۲م ، وليس الى عام ۱۹۳٥ كما أشار أحد الباحثين (٤٠).
لم يكتب النجاح لتلك الحركة، وبقي مشروعها حبرا على ورق ويشير المجدد الشيخ محمد رضا المظفر (٤۱) بوصفه أحد المطلعين عن كثب على تلك الحركة (٤٢)، إلى أسباب فشلها بقوله : “… وقد أعطتنا التجارب أن الأعمال الكبيرة يجب لأجل نجاحها أن تقوم بها جماعة محدودة تدير دفة العمل بتعاضد وتكاتف وتضحية على عكس ما هو مشهور ، لان الشعور بالمسؤولية يقوي في الفرد أذا قلت الجماعة، وهكذا كلما كثرت الجماعة ضعف الشعور بالمسؤولية ،،، واعتقد أن من اسباب فشل هذه الحركة أيضاً أن الدعوة كانت لعمل كبير جدا ليس من السهل تحقيقه مرة واحدة” (٤٣).

يضيف أحد مثقفي النجف في مقال له نشرته مجلة البيان النجفية أسباباً أخر لفشل تلك الحركة من بينها أنها لم تلق التأييد اللازم من الرأي العام في النجف ، فضلاً عن محاربة المحافظين من طلبة العلوم الدينية لها، إذ يقول صاحب المقال بهذا الصدد ما نصه :”… ولم يكن فقدان الراي العام هو السبب الأول والأخير، فان وجود أولئك الأميين المنبثين في صفوف أهل العلم كان عاملاً من عوامل الفشل في تحقيق تلك الفكرة، فلم يرق لهؤلاء أن تنشأ جامعة علمية إذا تحقق وجودها، لم يبق لهم محل فيها؛ لأنهم غرباء عنها روحاً وذوقاً وعقلاً .

ولعلهم لا يروق لهم تحقيقها؛ لأنهم يعتقدون أنهم سيفقدون هذه الأموال التي يجمعوها بإسم الدين والعلم فكانوا ينظمون الاجتماعات التي يهدفون بها إلى إحباط مساعي المصلحين (٤٤).

وعلى الرغم من أن الخطوات الإصلاحية السابقة الذكر قد فشل بعضها ولم يوفق البعض الآخر لتحقيق أهدافه ، غير أنها مهدت لظهور حركات وخطوات إصلاحية أخرى كانت أقوى تأثيراً وأوسع انتشاراً في المجتمع .

الخاتمة :

جاءت دعوات إصلاح نظم التعليم في الحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف نتيجة الجمود الذي كان يعتري بعض جوانب تلك النظم الموروثة من عدة قرون، ولم تتغير لا شكلاً ولا مضموناً بنسبة غير قليلة، لذا لم تعد تتماشى مع متطلبات العصر .

قام الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء بجهود بارزة في مجال إصلاح نظم التعليم الحوزوية السائدة في وقته، بيد أن المشاريع التي أسسها قد حقق بعضها النجاح لمدة محددة، ومن ثم أصابها التراخي الذي قادها الى الفشل وبخاصة في المرحلة التي تلت وفاته، فيما وأد بعضها الآخر في مهده .
ومع هذا الفشل الذي أصاب باك المشهد به بيد أنها عدت بمثابة التمهيد لظهور حرکات وخطوات اصلاحية أخرى كانت أقوى تأثيراً و أوسع إنتشاراً في المجتمع.

الهوامش

(۱) ولد الشيخ محمد حسين بن علي بن محمد رضا بن موسی بن الشيخ جعفر المالكي صاحب كتاب (كشف الغطاء… ) ، في النجف عام ۱۲۹۴ ه /۱۸۷۶م من أسرة عربية عرفت بالعلم وإنجابها لكثير من العلماء والمجتهدين، نال تعليمه في النجف إلى أن أصبح من المراجع الذين يشار إليهم بالبنان عام ۱۹۲۷، له مؤلفات كثيرة نافت على الأربعين مابین مخطوط ومطبوع، توفي في ۱۹ تموز ۱۹۵۴ في مصيف كرند بایران ونقل جثمانه إلى بغداد ومنها إلى النجف حيث مثواه الأخير. ينظر:- حیدر نزار عطية، الشيخ محمدحسين كاشف الغطاء ودوره الوطني والقومي،رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة الى معهد التاريخ العربي، بغداد، ۲۰۰۲.
(۲) فائق عبد الكريم، عبد الصاحب دخيل سيرة قائد وتاريخ مرحلة ، بيروت ،۲۰۰۱ : “۳۷.
(۳) ولد السيد محمد باقر بن حیدر بن إسماعيل بن صدر الدين العاملي الموسوي في مدينة الكاظمية المقدسة عام ۱۹۳۴ من أسرة عربية عرفت بالعلم والفضل كانت قد نزحت من قبل من جبل عامل جنوب لبنان إلى العراق بحدود القرن التاسع عشر وتنقلت طلباً للعلم بین مدن العتبات المقدسة النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية . برز منها الكثير من العلماء ، ونشأ السيد محمد باقر یتیما بكنف أخيه الأكبر العالم الفاضل السيد إسماعيل الصدر إذ توفي والده ولم يتجاوز سن السابعة ، تعلم القراءة والكتابة وجانباً من بعض العلوم الحديثة في مدرسة منتدى النشر في الكاظمية ، وما لبث أن انتقل إلى حاضرة العلوم الإسلامية مدينة النجف الاشرف بحدود العام ۱۹۴۶ وبانت عليه علامات النبوغ والعبقرية منذ الصغر وواصل نشاطه العلمي في الحوزة العلمية في النجف واعترف له بالاجتهاد مطلع الخمسينيات ثم ما لبث أن أصبح من مشاهير المراجع الذين يشار إليهم بالبنان ، بدأ بالتأليف في مقتبل العمر ولعل من أشهر مؤلفاته كتاب فلسفتنا وكتاب اقتصادنا اللذان ترجما إلى عدة لغات. عرف برعايته للتحرك السياسي الإسلامي المنظم وعلى هذه الخلفية أقدمت السلطات الحاكمة في العراق على إعدامه مع شقيقته العالمة الفاضلة آمنة الصدر في ۹ نیسان ۱۹۸۰ ويعرف في عراق اليوم بالسيد الشهيد الصدر الأول. ينظر : – محمد رضا النعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة و أيام الحصار، قم، ١٤١٦ ه، ٢٦ – ٢٧ و ص ٣٢٦ – ٣٢٧.
(۴) محمد باقر الصدر ، المحنة وحب الدنيا ، النجف ، ۱۴۱۸ه، ص ۶۱ .
(۵) المصدر نفسه ، ص ۶۵.
(۶) محمد مهدي الأصلي ، مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحية فيها ، النجف ، ۱۳۸۴ ص ۱۰۳.
(۷) علي الوردي، وعاظ السلاطين، بغداد، ۱۹۵۴) ۹۸؛ شيخ العراقين كاشف الغطاء، نظرات في معارف العراق، النجف، ۱۹۵۱)۵۶.
(۸) مستر همفر ، مذكرات مستر همفر، ترجمة الدكتور ج . خ. ، النجف ،۲۰۰۴ )۱۱-۸۰ .
(۹) علي الوردي ، وعاظ السلاطين ، ص۳۹۷ – ۳۹۸.
(۱۰) المصدر نفسه ، ص ۳۹۸.
(۱۱) جعفر الدجيلي ، موسوعة النجف الاشرف ) ، بيروت ،۱۹۹۷ ) ۷-۱۱.
(۱۲) سامي العسكري، الحركة الإسلامية في العراق.. البدايات، شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، ينظر الموقع:-. http
: http // www
islamicdawaparty.org 17-aslam.p. 4.
(١٣) إبراهيم العاتي وآخرون، النجف الاشرف إسهامات في الحضارة الإنسانية ، ۲ ، لندن ، ۲۰۰۰ و ۲۷.
(١٤) عبد الكريم الزنجاني، أوراق الشيخ عبد الكريم الزنجاني ، الملغة ۱٥١٥، المحفوظة في مكتبة السيد حسين أبو سعيدة الوثائقية التاريخية في النجف الأشرف ، ورقة ١٣؛ محمد حسين كاشف الغطاء ، إلى متى السكوت، مقالة خطية من ٨ صفحات، من (أوراق الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء )، محفوظة في قسم المقالات السياسية بمكتبته في النجف الأشرف،ورقة ۸؛ محمد رضا المظفر ، آراء صريحة، مخطوط محفوظ في مكتبة السيد محمد رضا القاموسي في بغداد .۳۲ .
(١٥) جعفر الدجيلي ، المصدر السابق ، ج٩. ۸.
(١٦) ولد السيد محمد تقي الحكيم في النجف عام ۱۹۲۱ من أسرة عربية علمية معروفة برز منها رجال كثر أشهرهم المرجع السيد محسنرالحكيم، ونشأ السيد محمد تقي نشأة علمية بتوجيه والده السيد سعيد الحكيم ، وتخرج في كلية منتدى النشر عام ١٩٤ج، وكان لجمعية منتدى النشر ورئيسها الشيخ محمد رضا المظفر اثر كبير في صقل مواهبه وتوجهاته الإصلاحية بعيدا عن الأجواء المحافظة لأسرته. كما درس في الحوزة العلمية على مشاهير علماء عصره، مارس التدريس في الحوزة العلمية وأصبح فيما بعد من الأعضاء البارزين في جمعية منتدى النشر التي مارس في كليتها التدريس كما اشترك مع عدد من المفكرين في تأسيس مجمعها الثقافي ، أصبح عميدا لكلية الفقه التابعة لجمعية منتدى النشر في النجف وذلك عام ١٩٦٥ إلى عام ۱۹۷۰، انتخب عام ١٩٦٤ عضواً في المجمع العلمي العراقي حتى عام ۱۹۹٦… له العديد من المؤلفات لعل أشهرها كتابه الأصول العامة للفقه المقارن ، توفي في النجف عام ۲۰۰۲. ينظر :- محمد بحر العلوم وأخرون ، السيد محمد تقي الحكيم و حركته الإصلاحية في النجف ، لندن ، ۲۰۰۳ – ص ۱۱-۱۳؛ عز الدين عبد الرسول المدني ، الاتجاهات الإصلاحية في النجف ۱۹۳۲ – ١٩٤٥، أطروحة دكتوراه غير منشورة مقدمة إلى كلية الآداب ، جامعة الكوفة ، ۲۰۰٤ و ۲۹ -۳۰؛ مقابلة مع محمد رضا القاموسي احد خريجي كلية الفقه وعضو جمعية منتدى النشر بتاريخ ١٢ تشرين الثاني ٢٠٠٥.
(١٧) جاء هذا الكلام للسيد محمد تقي الحكيم في المقدمة التي كتبها لكتاب السيد عبد الحسین شرف الدين الموسوم به (النص والاجتهاد ) . ينظر : عبد الحسین شرف الدين ، النص والاجتهاد ، النجف ، ۱۹٥٦ ، ۲٤.
(١٨) ولد الشيخ محمد جواد الجزائري في النجف عام ۱۸۸۱ من أسرة علمية يرجع نسبها إلى قبيلة بني أسد ، توفي والده وهو ابن خمس سنين فكفله أخوه الأكبر العالم المعروف الشيخ عبد الكريم الجزائري، فتوجه نحو الدراسة الحوزوية حتى أصبح من مشاهير العلماء كان من الدعاة إلى الاستقلال ومن المشاركين في ثورة النجف ۱۹۱۸ وثورة العشرين ، له مؤلفات عدة أشهرها فلسفة الإمام الصادق الصادق (ع) و نقد الإقتراحات المصرية، توفي عام ١٩٥٩. نظر: — حسين علي محفوظ ، الشيخ محمد جواد الجزائري — العالم الفقه— الأديب الشاعر – المجاهد الثائر ، مركز دراسات الكوفة. ١٩٩٨- ١٠h— ١٣.
(١٩) للمزيد من التفاصيل ينظر :- جعفر الدجيلي ، المصدر السابق ، ج٩، ٦٨ – ۷٤.
(٢٠) حيدر نزار عطية، المصدر السابق، ص ٩١؛ مجتبی نواب صفوی، نهضة الشيخ كاشف الغطاء، مجلة قضايا إسلامية، العدد ٥ قم، ١٩٩٧. ٥٥٥.
(٢١) أ.م. ك ، قائمة المواضع المقررة مع توزيع حصصها على الصفوف ، الوثيقة رقم (١).
(٢٢) أ. م. ك .، النظام الداخلي للمدرسة ، المادة الثانية ، ورقة رقم (۲).
(۲۳) أ. م. ك ، النظام الداخلي للمدرسية ) الورقة رقم (۱).
(٢٤) أ.م.ك. ، ملفة الواردة ، كتاب ضابط تجنيد النجف ذي الرقم ۱۱٤۹ في ۱۹۰۳ في ١٠/ ٥/ ١٩٥٣.
(٢٥) أ.م. ك ، ملفة الواردة ، كتاب مديرية معارف كربلاء / قم الذاتية ، العدد ۲۲/ ٢٤٣١ في ۲ – d ١٩٤٥.
(٢٦) أ . م . ك . ، النظام الداخلي للمدرسة، المادة السادسة، ورقة رقم (۳) ؛ مقابلة مع مدير المدرسة الشيخ جعغر إبراهيم الكرباسي ، بتاریخ ۲۹ تموز ۲۰۰٥.
(٢٧)رسالة من السيدعدنان البكاء إلى الباحث مع العلم إن السيد عدنان البكاء التحق بهذه المدرسة عام۱۹٥٦ولسنه واحدة فقط
(۲۸) أ.م.ك. ، النظام الداخلي للمدرسة ، الورقة ١-٤.
(٢٩) مجتبی نواب صفوي ، المصدر السابق ، ص ٥٥٧ ه.
(٣٠) مقابلة مع محمد رضا القاموسي ، بتاریخ ۱۲ تشرين الثاني ۲۰۰٥.
(٣١) محمد عباس الدراجي ، المصدر السابق ، ص ۳۳.
(٣٢) مقابلة مع الحاج شريف نجل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، بتاریخ ۲۹ تموز ۲۰۰٥.
(٣٣) رسالة السيد عدنان البكاء ، المصدر السابق .
(٣٤) مقابلة مع الشيخ جعفر إبراهيم الكرباسي ، بتاریخ ۲۹ تموز ۲۰۰٥.
(٣٥) مقابلة مع الشيخ جعفر إبراهيم الكرباسي ، بتاریخ ۲۹ تموز ۲۰۰٥.
(٣٦) أ. م . . ، النظام الداخلي للمدرسة، المادة (۱۲)، ورقة ٣.
(٣٦) علي احمد البهادلي ، الحوزة العلمية في النجف ، ص ۳۲۷.
(٣٧) محمد الغراوي ، دور الشيخ المظفر في حركة الإصلاح الديني ، مخطوط محفوظ في مكتبة مؤلفه الشيخ الغراوي في النجف الأشرف ، ص ۱۰ جعفر الدجيلي ، المصدر السابق ، ج۹. ١٩.
(٣٩) ارشيف مكتبة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في النجف ، وثيقة تاريخية حول تنظيم الدراسة الدينية في النجف الأشرف صدرت عن رأي المصلح الكبير الشيخ محمد حسین کاشف الغطاء وهي بخط يده .
(٤٠) ذكر الباحث عز الدين عبد الرسول المدني، الذي أعد دراسة عن الاتجاهات الإصلاحية في النجف، أن تاريخ هذه الحركة يعود إلى العام ۱۹۳٥، وهذا ما يخالف نص الوثيقة موضوعة البحث، ينظر:- عز الدين عبد الرسول المدني، المصدر السابق، ص ٩۸.
(٤١) ولد الشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله المظفر في النجف الأشرف عام ١٩٠٤ من أسرة عربية يعود نسبها إلى قبيلة حرب المضرية ، تربي في كنف أخيه الأكبر العالم الفاضل الشيخ عبد النبي المظفر لأنه ولد يتيما ، وبعد وفاة الشيخ عبد النبي أصبح الشيخ محمد رضا برعاية أخية المجتهد المرجع الشيخ محمد حسن المظفر وكان له أخا ثالثا هو العالم الفاضل الشيخ محمد حسين المظفر ، ففي ظل مثل هذه الأسرة العلمية توجه الشيخ محمد رضا إلى دراسته الحوزوية إلى أن نال درجة الاجتهاد عام ۱۹۳۸, كان من أبرز الأعضاء المؤسسين لجمعية منتدى النشر الإصلاحية ، بل كان بمثابة لولب الحركة في عملها ، شغل منصب عميد كلية الفقه في النجف الأشرف منذ تأسيسها حتى وفاته ، انتخب عام ۱۹٦۳ عضواً في المجمع العلمي العراقي له مؤلفات عدة منها المنطق ثلاثة أجزاء وأصول الفقه أربعة أجزاء ، توفي في ٣١/١/ ١٩٦٤ . ينظر :- الندوة الفكرية لاستذكار المأثر العلمية والأدبية والإصلاحية للعلامة المجدد الشيخ محمد رضا المظفر ، جامعة الكوفة ، ۱۹۹۷ ، المقدمة ص ٧ – ٩ محمد مهدي الاصلي ، مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحية فيها ، ص ٥۹ – ٦۱.
(٤٢) محمد الغرّاوي ، المصدر السابق ، ص ۱۰.
(٤٣) محمد رضا المظفر، مذكرات الشيخ محمد رضا مظفر، مخطوط محفوظ في مكتبة السيد محمد رضا القاموسي في بغداد، أوراق متفرقة.
(٤٤) مهدي المخزومي، النجف و الرأي العام، مجلة البيان، العدد ٥، النجف، ٢٩ آب ١٩٤٦ ، ٢٠— ٢١.
المصدر : مجلة الباحث سنة 2012م

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics