خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / أخبار مميزة / الفقيه الأصولي الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني “ره”.. ومضات من سيرته
الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني

الفقيه الأصولي الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني “ره”.. ومضات من سيرته

الاجتهاد: كان الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني من مشاهير تلامذة الآخوند الخراساني وكانت مدة حضوره عليه 13 عاماً كتب في خلالها جملة من حاشيته‌ على (كفاية الأصول) لأستاذه. ومن غريب ما ينقل عنه انه لم يترك درس أستاذه في هذه المدة إلّا يومين يوم أُصيب فيه رمد شديد عاقه عن الحضور ويوم آخر هطلت فيه الأمطار بغزارة فظن أنّ ذلك سيعوق أستاذه وتلاميذه عن الحضور فظهر بعد ذلك أنّ أستاذه حضر وألقى درسه على شرذمة قليلة منهم.

آية الله الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني (1296 ــ 1361 هـ)، ابن الحاج محمَّد حسن بن علي أكبر بن آقا بابا بن آقا كوچك ابن الحاج محمَّد إسماعيل‌ [1] بن الحاج محمَّد حاتم النخجواني، المعروف بـ”الكُمباني“، من فقهاء الشيعة الإمامية وفلاسفتهم في القرن الرابع عشر، وكان له باع في الشعر أيضاً.

ولد أستاذنا الشيخ (قدّس سرّه) في ثاني محرم الحرام من سنة 1296 هـ بالنجف الأشرف‌ [2] من أبوين كريمين. و كان أبوه الحاج محمَّد حسن من مشاهير تجار الكاظمية الأتقياء الذين كان يشار إليهم بالبنان. و كان من المحبين للعلم و العلماء. فعاش شيخنا المترجم له في كنف أبيه عيشة ترف و نعمة، و خلّف له من التراث الشي‌ء الكثير الّذي أنفقه كله في سبيل طلب العلم. و لذا نشأ نشأة المعتز بنفسه المترفع عما في أيدي الناس. و هذا ما زاده عزاً و إباء.

و كان قد حدب والده على تربيته تربية علمية صالحة، و مهّد له السبيل إلى تحصيل العلم، فظهرت معالم النبوغ الفطري مبكّرة في طلولته الوادعة، حين تعلّم الخطّ فأظهر في جميع أصنافه براعة فائقة، و أصبح من مشاهير ذوي الخطوط الجميلة.
و للخط قيمته الفنية- لا سيما في ذلك العهد- و لكل فنّ و علم موهبة خاصة يودعها اللَّه تعالى من يشاء من عباده.

كما انكب شيخنا على طلب العلم في سنّه المبكّرة، و انتقل إلى النجف الأشرف جامعة العلم و عاصمة الدين في أخريات العقد الثاني من عمره، بعد أن قضى حداثته و شطراً من شبابه في الكاظمية مشتغلا في مقدمات العلوم الدينية.

و عند هجرته إلى النجف الأشرف حضر في الأصول و الفقه على مربي العلماء و المدرس الأول و المجاهد الأكبر الشيخ محمَّد كاظم الخراسانيّ المعروف (بالآخوند) (قدّس سرّه).

و اختص به إلى أن توفي سنة 1329 هـ فكان من مشاهير تلامذته و كانت مدة حضوره عليه 13 عاماً كتب في خلالها جملة من حاشيته‌ [3] على (كفاية الأصول) لأستاذه.

و من غريب ما ينقل عنه انه لم يترك درس أستاذه في هذه المدة إلّا يومين يوم أُصيب فيه رمد شديد عاقه عن الحضور و يوم آخر هطلت فيه الأمطار بغزارة فظن أنّ ذلك سيعوق أستاذه و تلاميذه عن الحضور فظهر بعد ذلك أنّ أستاذه حضر و ألقى درسه على شرذمة قليلة منهم.

قال المرحوم الحجّة الأُردوبادي و هو أحد تلامذة المترجم له: انتماء شيخنا المترجم له إلى أستاذه هذا أكثر و أشهر لأنه طالت مدته فدأب على التلمذة عليه ثلاثة عشر عاماً فقهاً و أُصولًا حتّى قضى نحبه فاستقلّ شيخنا بالتدريس.

و حضر أستاذنا أيضا في الفقه و أُصوله قليلًا على العلّامة المحقق الشهير السيّد محمَّد الأصفهاني المتوفى سنة 1316 هـ. و بعد وفاة أستاذه المحقق الآخوند استقل بالبحث و التدريس، و حضر عليه كثير من مشاهير علماء العصر الذين استقلوا بعده بالتدريس.

و أنهى عدة دورات في الأصول و فقه المكاسب، و آخر دورة كاملة له في الأصول شرع بها في شوال سنة 1344 و أنهاها سنة 1359. و هي أطول دورة له حقق فيها كثيراً من المباحث الغامضة، و كتب فيها جملة من التعليقات النافعة على حاشيته لا سيما على الجزء الأول المطبوع. و لا يستغنى بهذا المطبوع عن هذه التعليقات. كما كتب خلالها جملة من الرسائل الصغيرة في عدة مسائل منها (رسالة أخذ الأُجرة على الواجبات) التي لم يكتب مثلها في هذا الموضوع استيفاءً و تحقيقاً.

و قد توقفت بحمد اللَّه تعالى للحضور عليه في هذه الدورة ابتداء من سنة 1345 هـ.

و بعد هذه الدورة شرع في دورة جديدة على أسلوب جديد اعتزم فيها تهذيب الأصول و اختصاره و تنظيم أبوابه تنظيماً فنياً لم يسبق إليه، فوضع في المبادئ ما كان يظن أنه من المسائل و وضع في المسائل ما كان يحرر في المبادئ كمسألة المشتق.

و قسّم الأصول إلى أربعة مباحث على غير المألوف فأماط اللثام عما كان يقع من الخلط بين المباحث. و المباحث الأربعة التي وضعها لأبواب الأصول هي: المباحث اللفظية، و مباحث الملازمات العقلية، و مباحث الحجّة، و مباحث الأصول العملية.

و قد شرع (رحمه اللَّه) في تأليف كتاب مختصر مهذّب على هذا الأسلوب في علم الأصول، فاستبشر أهل العلم بهذا العمل الجليل الّذي كان منتظراً من مثله و كان أمنية الجميع لو لا أن المرض لم يمهله أن يتم تأليفه هذا بعد سنة من شروعه حتى فاجأته المنيّة (فجر الخامس من شهر ذي الحجة عام 1361) مأسوفاً على تلك الشعلة الإلهية الوهّاجة أن تنطفئ في وقت الحاجة إليها، فأحبط ذلك المشروع الخطير الّذي كان ينويه في تأليفه الجديد الّذي لو قُدر له أن يتم لوفر على طلاب العلم كثيراً من وقتهم و لفتح لهم أبواباً ملذّة جديدة من البحث العالي و التفكير المستقيم.

و هذه إحدى أفكاره الإصلاحية التي كانت تجول في خاطره و كان يحرِّق الأُرَّم لأجلها حينما يجد أن الوقت لم يحن لتنفيذها أو لإبرازها على الأقل، و كثيراً ما كان يوحي إلينا في خلواته بخواطره في سبيل إصلاح الحركة العلمية و الوضع الديني‌ السائد.

و لم يكن الزمن يؤاتيه يومئذ أن ينهض بواحدة منها، حتى خسره العلم و الدين عماداً لقبّة الإسلام و عميداً لخزّان الشريعة، و خازناً للفيض القدسي، و ترجماناً للكلام النفسيّ و إماماً للمسلمين، و هادياً للحق، و مصباحاً للمهتدين إلى عين اليقين.

نعم انه (قدّس سرّه) اتجه في حياته إلى كل مناحي المعارف، و كرّس أيامه لنيل كل مكرمة، فكان في الفلسفة الحكيم العارف، و في الأخلاق خزانة الأسرار الفائز باسمى رتب الشهود، و في الفقه و الأصول الإمام الحجة نسيج وحده و علّامة دهره، و في الأدبين الفارسي و العربي الفنان الماهر.

منزلته العلمية

كان (قدّس اللَّه تعالى نفسه الزكية) من زمرة النوابغ القائل الذين يضن بهم الزمان إلا في فترات متباعدة و من تلك الشخصيات اللامعة في تاريخ علمي الفقه و الأصول. و إذا صح أن يقال في أحد إنه جاء بما لم يجئ به الأوائل فهو هذا العمود لفجر الإسلام الصادق الّذي انطفأ قبل شروق شمس نهاره لتراه كل عين. ما سلك طريقاً في بحث مسألة إلا و تطاير فضول ما علق بها من الأوهام هباء، و ما حبرت يراعته بحثاً إلا و حيّرت العقول كيف تذهب آراء الباحثين جفاء.

لو قُدر لهذا النابغة- و للَّه في خلقه شئون- أن تثنى له الوسادة ليتربع على كرسي الرئاسة العامة و كانت منه قريبة، لقلب أُسلوب البحث في الفقه و الأصول رأساً على عقب، و لتغير مجرى تاريخها بما يعجز عن تصويره البيان، و لعلم الناس أن في الثريا منالًا تقربه النوابغ إليهم من حيث يحسون و يلمسون.

و لذا كانت فاجعة العلم بموته فاجعة قطعت على البحث طريقه اللاحب إلى ساحة الحقائق الواسعة، و أخّرت عليه شوطاً بعيداً من السير كان يقطعه في زمن قريب لو قدر له طول عمره أكثر.

و اني أتفأّل للجيل العلمي الآتي أن يبلغ هذا الشوط حينا يقدّر لكنوز مؤلفات شيخنا المترجم له أن تُدرس و تحقق من جديد، ليعلم الناس أن في هذه الكنوز الثمينة من الآراء الناضجة ما يعطي للعلم صبغته الجديدة التي يستحقها، و من التحقيقات النفيسة ما يسنخ أكثر ما نسج عليه السابقون.

و عسى أن يخال القارئ أن كلمتي هذه جرت على عادة الكتّاب في مبالغاتهم عمن يترجمون لهم، و لكني أسجّل كلمتي هذه على نفسي للجيل الآتي، ليشهد هو على صدق مقالتي، و هو الّذي سيفهم ما أقوله، و ما يدريني لعل الجيل الآتي سيراني مقصراً في تعريف شخصية هذا العظيم و وصفه بما يستحق.

و لكن ليتذكر اني أنا الّذي تفألت له بعرفان هذه الشخصية، و بشّرته بأنه سيبني أبحاثه الآتية في الفقه و الأصول على أساس نظرياته المحكمة و سيتخذ طريقته منهاجاً لبحثه، فسبقت إلى فضيلة هذا التفاؤل العلمي. و ما يضيرني أن يظن البعض بي الظنون، فيرميني بالغلو كما يرمى به كل تلاميذ هذا الأستاذ الذين لهم مثل هذا الاعتقاد، إلا انه ليعلم ان أول فتح لهذا الفأل نشر هذا الكتاب (يعني الكاتب حاشية المكاسب)، إذ يصبح في متناول كل باحث مفكر.

و هل يلذّ لمقتطف ثمار هذه الشجرة الطيبة أن يقتطف من غير هذه النبعة؟ و هل يطيب لمن عب من هذا الفرات السائغ أن يحتسي من غير وروده؟ اني أُباهلك- أيها القارئ- ان كنت من ذوي العلم و البصيرة.

قال صاحبه المرحوم الحجّة الشيخ محمَّد حرز الدين حول شخصية المترجم له:

كان عالماً محققاً فيلسوفاً ماهراً في علمي الكلام و الحكمة و له الباع الطويل في الأدب العربي و الفارسي و التاريخ و العرفان و أجاد في شاعريته و نظم عدّة قصائد و أراجيز ملؤها المعاني الجسيمة و الإبداع و الرقة و الانسجام و كان مدرّساً بارعاً في علمي الفقه و الأصول و آخر أيامه صار مرجعاً للتقليد رجع إليه بعض الخواصّ و التجار في بغداد و أفراد من بعض المدن العراقية و سمعت هكذا في طهران، و الشيخ من خلّص أصحابنا في النجف و كان مدرّساً قديراً أجاز كثيراً من أهل الفضل إجازة الاجتهاد [5].

قال شيخنا البحّاثة آغا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة: و لمّا توفّي شيخنا الخراسانيّ (الآخوند) برز بشكل خاص و حفّ به جمع من الطلاب و استقل بالتدريس في الفقه و الأصول و كان جامعاً متفنّناً شارك بالإضافة إلى ما ذكر في الكلام و التفسير و الحكمة و التاريخ و العرفان و الأدب إلى ما هنالك من العلوم

و كان متضلّعاً فيها و له في الأدب العربي أشواطاً بعيدة و كان له القدح المعلّى في النظم و النثر امتاز ببراعة و سلاسة و دقّة و انسجام و أكثر نظمه أراجيز بالجملة فهو من نوابغ الدهر الذين امتازوا بالعبقرية و بالملكات و المؤهّلات و غرقوا في المواهب كان محترم الجانب موقّراً من قبل علماء عصره مرموقاً في الجامعة النجفيّة اشتغل بالتدريس في الفقه و الأصول و العلوم العقلية زمناً طويلًا

و كان مدرسه مجمع أهل الفضل و الكمال و قد تخرّج عليه جمع من أفاضل الطلاب كانت له قدم راسخة في الفقه و باع طويل في الأصول و آثاره في ذلك تدل على أنظاره العميقة و آرائه الناضجة لكنّه غلبت عليه الشهرة في تدريس الفلسفة لإتقانه هذا الفن بل و تفوقه فيه على أهله من معاصريه استمرّ على نشر العلم و نهض بالأعباء الثقيلة فكان العلم الماثل و الموئل المقصود الّذي تتهافت عليه الطلاب زرافات و وحداناً، و قديماً قيل (و المنهل العذب كثير الزحام) [6].

فلسفته‌

تلمّذ شيخنا المترجم له في الفلسفة على الفيلسوف الحكيم العارف المعروف في الأوساط العلمية ميرزا محمَّد باقر الإصطهباناتي، فاستبطن بفضل جده كل دقائقها، و دقيق كل مستبطناتها، له في كل مسألة رأي محكم و في كل بحث تحقيق فائق. و تظهر آراؤه و تحقيقاته الفلسفية على جميع آثاره و دروسه، حتى ليكاد المتلمذ عليه في الأصول خاصة يجد من نفسه انه ألمّ بأكثر الأبحاث الفلسفية من حيث‌يدري و لا يدري.

و من قرأ حاشيته على الكفاية بالخصوص يجد كيف تطغى المصطلحات الفلسفية على تعبيره حتى ليظن أحياناً انه يقرأ كتاباً في الفلسفة. و هذا ظاهرة عجيبة في مؤلفاته تستوقف النّظر و تدل على شدة تعلقه بهذا الفن و مبالغته في التمسك به.

و قد طغت روحه الفلسفية حتى على أراجيزه في مدح النبي المختار و آله الأطهار عليهم جميعاً الصلاة و السلام، بل أراجيزه هذه قطعة فلسفية رائعة أفرغها في ثوب من الأدب الرفيع. قد أوضحت رأي الفلاسفة المؤمنين في محمد و آل بيته نور الأنوار و علل الكائنات، على ما أشارت إليه الآيات القرآنية و صرحت به الأحاديث الصحيحة، و مما قال في النبي المختار (صلى اللَّه عليه و آله و سلم):

لقد تجلّى مبدأ المبادي‌* * * من مصدر الوجود و الإيجاد

من أمره الماضي على الأشياء* * * أو علمه الفعلي و القضائي‌

رقيقة المشيئة الفعلية* * * أو الحقيقة المحمّدية

أو هو نفس النّفس الرحماني‌* * * بصورة بديعة المعاني‌

أو فيضه المقدّس الإطلاقي‌* * * فاض على الأنفس و الآفاق‌

إذ أنّه حقيقة المثاني‌* * * و عند أهل الحقّ حقّ ثان‌

لا بل هو الحقّ فمن رآه‌* * * فقد رأى الحقّ فما أجلاه‌

إذ مقتضى الفناء في الشهود* * * عينية الشاهد و المشهود

إلى أن يقول:

أصل الأصول فهو علّة العلل‌* * * عقل العقول فهو أول الأُول‌

و قال في أمير المؤمنين (عليه السَّلام):

و قلبه في قالب الوجود* * * حياة كل ممكن موجود

و نسخة اللّاهوت وجهه الحسن‌* * * لو رام لقياه الكليم قيل: لن‌

غرّته الغرّاء في الضياء* * * جلّت عن التشبيه بالبيضاء

و كيف و هو فالق الإصباح‌* * * في أُفق الأرواح و الأشباح‌
و على هذا الأسلوب جرى في جميع أراجيزه البالغة 24 أرجوزة، فجاء أسلوباً فلسفياً علمياً مبتكراً لم يمدح على غرارها النبي و آله عليهم الصلاة و السلام. وما أبدع ما مدح به إمامنا زين العابدين (عليه السَّلام) ذاكراً صحيفته السجادية (زبور آل محمَّد) فقال:

و نفسه اللطيفة الزكية* * * صحيفة المكارم السنية

بل هي أُمّ الصحف المكرمة* * * جوامع الحكمة منها محكمة

بل الحروف العاليات طراً* * * تحكي عن اسمه العلي قدراً

هو الكتاب الناطق الربوبي‌* * * و مخزن الأسرار و الغيوب‌

يفصح عن مقام سرّ الذات‌* * * يعرب عن حقائق الصفات‌

إلى أن يقول:

و حاله أبلغ من مقاله‌* * * جلّ عن الوصف لسان حاله‌

فإنه معلّم الضراعة* * * و الاعتراف منه بالإضاعة

مقامه الكريم في أقصى الفنا* * * تراثه من جدّه حين دنا

و أعلى آثاره الفلسفية و أغلاها أرجوزته في الحكمة و المعقول (تحفة الحكيم) التي هي آية من آيات الفن مع أسلوبها العالي السهل الممتنع، جمعت أصول هذا الفن و طرائف هذا العلم بتحقيق كشف النقاب عن أسراره و أزاح الستار عن شبهاته، و ان دلت على شي‌ء فانما تدل على أن ناظمها من أعاظم فلاسفة الإسلام الذين لا يسمح بمثلهم الزمن إلا في فترات متباعدة، لو لا أن شيخنا غلب عليه الفقه و الأصول و انقطع إليهما عن الظهور بالفلسفة.

و إليك بعض أبيات أرجوزته شاهدة على سلامة ذوقه، و قدرته على التصرف بالألفاظ السهلة الواضحة في أدق المعاني العلمية، فقد قال في «أصالة الوجود»:

يختصّ بالوجود طرد العدم‌* * * إذ ما سواه عدم أو عدمي‌

و ليست العلة للمعلول‌* * * مناط طرد العدم البديل‌

و هو مدار الوحدة المعتبرة* * * في الحمل بل كانت به المغايرة
و مركز التوحيد ذاتاً و صفة* * * و فعلًا أيضا عند أهل المعرفة

و قال في مبحث (تعريف الوجود):

الحدّ كالرسم على التحقيق‌* * * يوصف بالاسميّ و الحقيقي‌

و لا يقال في جواب الشارحة* * * إلّا حدود أو رسوم شارحة

و قد كشف في هذين البيتين عن حقيقة (ما الشارحة)، تنبيهاً على ما علق في أذهان طلاب العلم من مرادفة التعريف اللفظي لشرح الاسم و مطلب (ما الشارحة)، و إن كان قد يراد من شرح الاسم التعريف اللفظي أحياناً. و منشأ هذا الاشتباه ما ذكره الحكيم السبزواري في شرحه لمنظومته من ترادف التعريف اللفظي و مطلب ما الشارحة فأوقع الباحثين في هذا الاشتباه، و أوضحه شيخنا هنا و في شرحه للكفاية في مبحث المطلق و المقيد.

و قال في (الجعل و المجعول بالذات):

الجعل للشي‌ء بسيطاً يعرف‌* * * و جعلُ شي‌ء شيئاً المؤلَّف‌

و ليس جعل الذات ذاتاً يعقل‌* * * إذ ليست الذات لها التخلّل‌

كذاك لا يعقل جعل الذاتي‌* * * أو عرضيّ لازم للذات‌

و لا كذاك العرض المفارق‌* * * فإن إمكان الثبوت فارق‌

و الحقّ مجعولية الوجود* * * بالذات لا ماهية الموجود

فتأمل في هذا البيان الجزل، و الأسلوب السهل، و التعبير الرصين عن أدق معاني الفلسفة بغير تكلف و بلغة سليمة ناصعة. و من أين متحت دلوك في هذا القليب تغترف الماء الزلال بل الدر الثمين. و ما سقناه فانما هو غيض من فيض ذكرناه شاهداً على ما نقول.

أدبه‌

نشأ أستاذنا ميّالا لكل علم و فضيلة، و كانت عبقريته تساعده على إتقان ما تصبو إليه نفسه، فلم يفته أن يتجه إلى ناحية الأدب العربي، فيضرب فيه بسهم‌ وافر، و ساعدته نشأته العربية في محيطي الكاظمية و النجف الأشرف على أن يكون أديباً يقرض الشعر و يجيد النثر، و له في الشعر قصائد تدل على ذوق أدبي مستقيم، و لكنه لم يكن يحتفل بها فلذا لم يطلع عليها إلا القليل من خواصه. و عسى أن تكون أتلفتها يد الإهمال نتيجة عدم عنايته بها.

على أن له اليد الطولي في الأدب الفارسي، فله ديوان منه في مدائح آل البيت و مجموعة في الغزل العرفاني الرمزي أودع فيها من المعاني الفلسفية ما يبهر المتأدبين.

أوصافه‌

كان- (رحمه اللَّه تعالى)- مربوعاً يميل إلى القصر، نحيف الجسم متماسكاً، تعلو عليه في أواخر أيامه النحافة و الصفرة، صغير العمة على غير المألوف من عادة أمثاله، كثّ اللحية، ساهم الطرف أكثر نظره إلى الأرض، لا ينظر إلى محدثه إلا ملاحظة، يبدو للناظر مثقلا بالهموم و التفكير المتواصل، على انه حاضر النكتة المرحة حتى في أثناء درسه، أنيس المحضر رقيق الحاشية، يجلب السرور إلى جليسه مع حشمة الناسك و وقار العالم، متواضعاً حتى للصغير، خافض الصوت إلى حدّ الهمس أو أو يكاد، و هذا ما كان من أكبر المشكلات على تلاميذه في درسه، و كم طالبه البعيد على مجلسه أن يرفع من صوته.

فإذا استجاب لهم في كلمات عاد إلى سجيته أو عادته فتكثر الشكوى، و لكنه لا يزال هو هو في همسه و هم هم في شكواهم، و يزيد المشكلة تعقيداً بعد أنظاره الشريفة و دقة أبحاثه و نكاته العلمية.

أما ما كان عليه من التهجد و العبادة فهذا ما يكشف عنه أنه كان عارفاً إلهياً متفانياً في مقام الشهود، منقطعاً إلى حظيرة القدس. لا يلتذّ إلا بالمناجاة الروحانية، و لا يأنس إلا بالوحدة و الانقطاع إلى مقام المقرّبين.

مؤلّفاته‌

كان لشيخنا أعلى اللَّه مقامه قلم سيّال و رغبة في التأليف و الإنتاج منقطعي‌ النّظر و كان من ميزاته أن يفرغ كل مؤلفاته لأول مرة في المبيضة التي يعدها للتأليف، لا على عادة أكثر المؤلفين في اتخاذ مسودة لها. فلم يكن يحتاج إلى إعادة النّظر فيما يكتب و تعديله و تصحيحه، و هذا دليل القريحة الوقادة التي لا تجاري، و قد أنتج طيلة حياته عدة مؤلفات قيمة هي مفخرة العلم و الأدب و إليك بعضها:

1- تعليقة على كفاية الأُصول، و قد طبع منها الجزء الأول في إيران و أضاف عليها بعد طبعها تعليقات نفيسة لا يستغنى عنها (و طبع الجزء الثاني بعد هذه الكلمة).

2- تعليقة ضافية على المكاسب (طبعت هذه الترجمة في مقدمتها).

3- تعليقة على رسالة القطع للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

4- رسالة في الإجارة مطولة.

5 و 6 و 7- رسالة في الاجتهاد و التقليد و العدالة و رسالة في الأصول على النهج الحديث و رسالة في الطلب و الإرادة [1].

8- رسالة في صلاة المسافر.

9- رسالة في الطهارة.

10- رسالة في صلاة الجمعة.

11- رسالة في تحقيق الحق و الحكم.

12- رسالة في أخذ الأجرة على الواجبات (طبعت في آخر حاشية المكاسب).

13 و 14- رسالتان في المشتق.

15- رسالة في قواعد التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة و اليد.

16- رسالة في الصحيح و الأعم.

17- رسالة في موضوع العلم.

18- رسالة في المعاد.

19- منظومة في الفلسفة العالية (تحفة الحكيم).

20- منظومة في 24 أُرجوزة في مدح النبي و الأئمة (عليهم السَّلام) و مراثيهم‌
21- منظومة في الصوم.

22- منظومة في الاعتكاف.

23- ديوان شعره الفارسي في الغزل العرفاني.

24- ديوان شعره الفارسي في مدائح آل البيت و مراثيهم.

25- رسائله العملية في الفقه عربية و فارسية.

26- رسالة في المشترك.

27- رسالة في الحروف.

علاقة تلاميذه به‌

من الظواهر العجيبة التي تسترعي الأنظار تفاني تلاميذه في حبه وشدة تعلقهم به وإعجابهم بشخصه الكريم إلى حدّ التقديس. و يعزى ذلك إلى أمرين: إلى ما يرونه فيه من المواهب النادرة التي لم يجدوها في غيره ممن رأوا و سمعوا، و إلى ما كانوا يشاهدونه فيه مثالًا للأب الرءوف و الأُستاذ العطوف يحنو على الصغير و الكبير و يحترم الجميع.

و لقد كنت أرجو أن أؤدي بعض ما كان علي من واجب شكر فضله بترجمة ضافية، و لكن الفرصة لم تكن مؤاتية و قد أعجلت على هذه الكلمة العابرة فمعذرة إليك- أيها الأُستاذ العظيم- إذ لم أستطع أن أُوفي بعض ما علي من حقوقك و عهدي بك تغض النّظر عن كل هفواتنا معك، فاجعل هذه من تلك. و أرجو منه تعالى أن يساعدني على استلهام بعض روحانيتك لأتمكن في فرصة أُخرى من التكفير عن هذه الخطيئة [7].

وفاته :

توفّي الشيخ الأصفهاني قدس سره في الخامس من ذي الحجّة 1361 هـ على أثر جلطة قلبية ألمّت به وكان نائماً, وبوفاته فقدت الحوزة العلمية ركناً قويماً من أركانها, وعلى أثر انتشار نبأ وفـاتـه هـبت الجموع الغفيرة, من العلماء والمدرسين والفضلاء والطلبة وغيرهم, لتشييعه و قد بدت معالم الأسف والحزن والأسى على وجوههم، ودفن عند المنارة الشمالية بجوار مرقد أمير المؤمنين عليه السلام.

ولا بأس بنقل هذه القصة التي يذكرها السيد الشبيري الزنجاني دام ظله:

بلغني أن المرحوم آية الله العظمى السيد جمال الدين الگلپايگاني ذات ليلة وبعد أداء صلاة الليل رأى المرحوم الأغا ضياء الدين العراقي في المكاشفة – وكان ذلك بعد وفاته بأسبوع – فقال له الشيخ: أنا ذاهبٌ الى الشيخ محمد حسين!

فقال السيد جمال لولده السيد محمد: إذهب الى بيت الشيخ محمد حسين الأصفهاني وانظر ما هي الأخبار، فذهب السيد محمد ولم يجد خبراً خاصاً.
فلما أصبح الصباح وارتفع النهار، كانت عائلة الشيخ محمد حسين بانتظاره لينضم إليهم على مائدة الإفطار، فطال انتظارهم ولم يأت الشيخ فاكتشفوا بعد ذلك أنه قد توفي.

وقد تبين أن الشيخ محمد حسين كان قد توفي في نفس الساعة التي حدثت فيها المكاشفة للسيد جمال وكلامه مع الآغا ضياء العراقي. [الشيخ العراقي قد توفي في 28 ذي القعدة والشيخ الأصفهاني في 5 ذي الحجة من نفس السنة.](هذه الفقرة أخذت من موقع الشيخ علي آل محسن)

 

الهوامش

[1] و هو الّذي هاجر من «نخجوان» إلى «أصفهان» و سكن فيها.
[2] ثم انتقل إلى الكاظمية في أوائل العقد الثاني من عمره و عاش فيها بضع سنين ثم انتقل إلى النجف.
[3] و بهذه المناسبة نسجّل أسفنا على ما فات الطابعين للجزء الأول من هذه الحاشية إذ حذفوا- حباً بالاقتصاد- كل كلمة «مد ظله» و كلمة «قده» في حين انهما يميزان بين ما كتب في عهد أستاذه و بين ما كتب بعده. و النسخة الخطية بقلم المؤلف تحتفظ بهذه المزية، و كذلك نسختي التي كتبتها لنفسي و طبع عليها الجزء الأول.
[4] معارف الرّجال، ج 2- ص 263.
[5] نقباء البشر: ج 1 ص 560- 561.
[6] و هو هذا المطبوع و قد سمّيناه «بحوث في الأصول».
[7] هذا ما ذكره المرحوم الشيخ محمَّد رضا المظفر في مقدمته على رسالة الإجارة مع تصرّف و إضافات منا.

 

المصدر: كتاب“بحوث في الأصول”لمؤلفه: الشيخ محمد حسين الغروي الإصفهاني، الجزء الأول الصفحة الخامسة.

تحميل الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Slider by webdesign