خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / التصنيف الموضوعي / منشورات / تعريف بكتاب / فقه السيرة.. كتاب الغزالى الذى أغضب المتصوفة والسلفيين

فقه السيرة.. كتاب الغزالى الذى أغضب المتصوفة والسلفيين

“إن الحضارة التى تحكم العالم مشحونة بالأخطاء والخطايا، بيد أنها ستبقى حاكمة مادام لا يوجد بديل أفضل .. هل البديل الأفضل جلباب قصير ولحية كثة؟ أم عقل أذكى وقلب أنقى وخلق أزكى؟» هذا ما كتبه الشيخ محمد الغزالى منذ أكثر من نصف قرن حول قصور رؤية البعض للسنة النبوية، والآن.. ومع انتشار التطرف ومع سقوط ضحايا جدد للإرهاب يوما بعد يوم، تترسخ أكثر على مستوى العالم المخاوف من الإسلام والمسلمين، وتترسخ الصورة المشوهة للمسلم الخارج عن حدود الزمن.. القادم من جوف الكتب المتهالكة الصفراء محملا بجهالته، وضحالة فكره، وسوء خلقه، وامتهانه للنساء، ومحاربته للعلم، ورغبته العارمة فى سفك الدماء.

والفتيان – المراهقون غالبا – الذين يقومون بنشر مثل هذه الأفكار وينشرون معها الترويع والتفجير، إنما يستندون فى ذلك إلى مرويات ضعيفة، أو أحاديث لا يعتد بها لمخالفتها نصوصا قرآنية ثابتة، ليشكلوا بجهالتهم أشد معول لمحاربة الإسلام وهدم سنة نبيه، وهم يحسبون – مع حسن نيتنا – أنهم يحسنون صنعا، أو يعلمون – مع سوء نيتهم – أنهم يعملون عمل المفسدين.

وللشيخ الغزالى (1917- 1996) كتاب مهم بعنوان “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»، يشكل مع كتابه الأشهر «فقه السيرة» وجهة نظر الرجل فى التعاطى مع الأحاديث النبوية، والنظر فيها، والأخذ والرد منها استنادا إلى موافقتها أو مخالفتها للنص القرآنى أو تماشيها مع قيم الإسلام الكبرى، وكذلك موافقتها للعقل والفطرة السليمة.

ففى «فقه السيرة» لم يلتزم الغزالى بما جرى عليه المؤرخون القدماء من سرد الآثار وتسجيل ما قل أو عظم من أحداث، لكنه تجاوز حدود الوقائع التى يحفظها معظم المسلمين من سيرة الرسول العظيم، إلى التعليل والموازنة وربط الحوادث المختلفة فى سياق متماسك، فالرجل لا يرى فى (مجرد) سرد سيرة الرسول بوقائعها وأحداثها شيئا ذا قيمة، لأن محبة الرسول (الحقة) تكمن فى اتباع أثره، والتأسى به فى عباداته ومعاملاته وأخلاقه .. حربه وسلمه .. علمه وعمله، وليس فى التغنى بسيرته: «فمحمد ليس قصة تتلى فى يوم ميلاده، كما يفعل الناس الآن، ولا إكنان حبه يكون بتأليف مدائح له، أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون ويتأوهون أو لا يتاوهون، فرباط المسلم برسوله الكريم أقوى وأعمق من هذه الروابط الملفقة المكذوبة»، فالمسلم – فى رأى الغزالى – الذى لا يعيش الرسول فى ضميره، ولا تتبعه بصيرته فى عمله وتفكيره، لا يغنى عنه أبدا أن يحرك لسانه بألف صلاة فى اليوم والليلة.

ولعل هذا التناول للسيرة، ومفهوم الشيخ لعلاقة المسلم بها، ونظرته لهذا الارتباط (الممجوج) للمسلمين بالوقائع والمرويات المأثورة دون تمحيصها، أوقعه فى خلافات مع طوائف عدة، فقد هاجمه كثير من المتصوفة واعتبروه متجاوزا، حيث لا تخفى فى كتاباته لغة الهجوم عليهم ، والتهكم على طريقة تعبيرهم عن محبتهم للرسول الكريم، فى ظل تهاونهم فى كثير من أمور العبادات أو العقائد أو ترتيب الأولويات.

كما تعرض الغزالى لهجوم حاد من (فتيان) السلفيين الذين لم يتورعوا عن تناوله بأحط الألفاظ ، معتبرين أن الرجل ينكر بعض الأحاديث أو المرويات المدونة فى الصحاح ( مثل حديث الغرانيق أو حديث غزوة بنى المصطلق أو حديث سحر اليهودى للرسول … وغيرها)، والحقيقة أن الغزالى بالفعل لا يتورع عن ذلك استادا لمنهجه الذى سبقت الإشارة إليه، والذى يلخصه فى خاتمة كتاب «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»، حيث يقول: “إن حديث الآحاد يتأخر حتما أمام النص القرآنى والحقيقة العلمية (الدنيوية) والواقع التاريخى، أو يتأخر كما يقول المالكيون أمام عمل أهل المدينة، وأمام القياس القطعى كما يقول الأحناف».

والغزالى حين دعا إلى زيادة التدبر لآيات القرآن الكريم، وإلى توثيق الروابط بين الأحاديث الشريفة ودلالات القرآن القريبة والبعيدة، وحين دعا إلى البحث فى السياق الزمانى والمكانى وسياق الأحوال التى وردت فيها أحاديث معينة لم يكن بدعا بين العلماء، فقد سبقه فى ذلك كثيرون، لكنهم جميعا يندرجون تحت لفظة «العلماء»، ممن قضوا سنوات طويلة من عمرهم فى دراسة القرآن واللغة والحديث والفقه… وغيرها، وليس كل عابر يلتقط آية من هنا ليلفقها مع حديث من هناك ويلضمهما برواية مكذوبة لم تثبت لها صحة، ليخرج على العامة من شاشة أو صحيفة متباهيا ببعض قشور العلم التى لم يتعدها، مدعيا الدفاع عن السنة بينما الهدف الخفى طعنها من كل جانب.

المصدر: جریدة الأهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *