خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / الضبط / 22 تقرير خبري خاص / المفكر الديني السيد كمال الحيدري ؛ السيرة الذاتية والعلمية
كمال الحيدري

المفكر الديني السيد كمال الحيدري ؛ السيرة الذاتية والعلمية

يقول السيد كمال الحيدري: بعد الانتهاء صباحاً من دروس الشهيد الصدر، كنت أتوجّه إلى مسجد الخضراء لحضور درس السيدّ الخوئي، ولمدّة سنتين متتاليتين، كنت فيها حريصاً كلَّ الحرص على الدرس والبحث… استمرّت دراستي في الحوزة بالنجف وأدائي الامتحانات في كلّية الفقه عندما يحين وقتها. كنت أواصل الدرس عند السيدّ الشهيد محمد باقر الصدر أصولا وفقهاً، وعند السيّد محمد تقي الحكيم أصولا فقط، والشيخ الميرزا على الغرويّ فقهاً خارج المكاسب فقط.

الاجتهاد: سماحة السيد كمال الحيدري، من العلماء الأعلام ومن أساتذة الفقه والأصول، فقيهاً كبيراً ومحققاً عالماً ومجتهداً بارعاً ومصنفّاً متتبّعاً كثير التأليف والتصنيف والبحث والمطالعة، له ملكة في استحضار المسائل والفروع ومتون الأحاديث والأخبار، على مرتبة سامية من العلم والفضل، امتاز في منهجه على القدرة الفائقة والدقّة المتناهية في عرض المسائل العلمية، وهو مجدّد ومبدع في أساليبه ومعلوماته ونظرياته، فهو بحقٍّ نجم الهدى ونابغة الإسلام.

ولد السيّد كمال السيّد باقر السيد حسن عام ١٩٥٦ م في محافظة كربلاء المقدّسة. وجاءه لقب الحيدري من أحد أجداده الكرام السيد حيدر الذي يرجع نسبه إلى الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام. ثلاثة من إخوته عُدّوا شهداء أعدمهم النظام السابق. (  البينة الجديدة، العدد ١٣٠٧ – ١ /6 /٢٠١١ .بقلم: خالد خلف داخل)

بدأ السيد كمال التحصيل الدراسي عن طريق المدارس الحكومية فأكمل الدراستين الابتدائية والثانوية. وأيّام دراسته تأثّر بمجالس الوعظ، كما شدّته المجالس الحسينية التي تعقد في البيوت الكربلائية، حتى التحق بمجالس تحفيظ القرآن الكريم، وكان معظم الملتحقين بهذه المجالس هم من الشباب دون العشرين، وكان السيد كمال الحيدري أحدهم، كما يذكر ذلك الباحث المحقّق الأستاذ الدكتور حميد مجيد هدّو في العدد الخاصّ لمجلّة الموسم، الذي أُعدّ عن السيد كمال الحيدري فيقول:

في ظلّ تلك الأسرة الكبيرة برعاية والده وتشجيع الأهل والأقارب، اندفع السيّد كمال في التحصيل الدراسي عن طريق المدارس الرسمية، وكانت رغبة أبيه وأهله أن تثمر دراسته في النهاية ليكون طبيباً أو مهندساً، لكنّ السيّد الحيدري كانت رغبته تسير باتّجاه آخر غير ما يريده الأهل وما يريده والده رحمه الله.

يقول السيّد كمال حفظه الله:

كنت أرغب في أن أكون واحداً ممن يخدم الدين ويحافظ على بيضة الإسلام، وذلك بفضل الجوّ الروحي الذي كان سائداً في كربلاء وحركة الحوزة العلمية التي تسير لخدمة أهداف الشريعة الغرّاء وإحياء تراث أهل البيت علیهم السلام.

بعد انتهائه من المرحلة المتوسطة في المدرسة الرسمية وحصوله على الدرجات العليا ومزاوجته بين الدرس الرسمي والدرس القرآني خارج نطاق المدرسة، بدأ السيّد كمال مرحلةً دراسيّةً رسميّةً جديدةً هي المرحلة الثانوية. وأثناء دراسته انصبّ اهتمامه على دروس الفقه خارج المدرسة، وصمّم على أن لا يكون جادّاً في الحضور المدرسي كي لا يحقّق معدّلا عالياً يؤهّله للقبول في كليّة الطبّ أو الهندسة الذي لم يكن يرغب فيهما السيد كمال الحيدري والدراسة الحوزوية.

يواصل الأستاذ الدكتور حميد مجيد هدّو، فيقول عن هذا الجانب: أفاد سماحة السيّد الحيدري أن البداية أو أوّل الطريق كانت المبادرات المتواضعة في الترتيل والتجويد وشيئاً من التفسير،فكانت هذه هي الأوليات لمقدّمات دروسه الدينية وليس العلوم الفقهية. فمجالس القرآن الكريم تعدّ من اللبنات الأولى في دراسة علوم الدين الحنيف.

 

بداية الشروع في الدراسة الحوزوية

من المعروف أن الدراسات الدينية في الحوزات العلمية تُقسَّم إلى ثلاث مراحل، يتدرج فيها طالب العلوم والمعارف الإسلامية دراسياً من الأسهل معرفياً إلى ما هو أعقد وأعمق وأكثر اتساعاً وشمولاً، كما أن لكل مرحلة محوراً يتم التركيز عليه واستيعابه بنحو أكبر، حتى إذا أنتقل الطالب إلى المرحلة اللاحقة كرَّس جهوده لنوع جديد من تلك العلوم والمعارف، حتى إذا انتهى من هذه المرحلة المتوسطة اتضح له خياره النهائي في صنف العلوم التي ينوي أن يتفرغ لها أكثر من غيرها ويتخصص بها، ولا تكون الفرصة للتخصص في أكثر من صنف من العلوم الدينية إلا للطالب الألمعي الجاد في دراسته وتحصيله. وهذه المراحل عبارة عن: مرحلة المقدمات، والسطوح، ومرحلة البحث الخارج.السيد كمال الحيدري الشيخ حسن الجواهري الشيخ باقر الإيرواني

أتمّ سماحته دام ظله دراسة المقدمات وشيئاً من السطوح في كربلاء المقدسة في نفس الوقت الذي يزاول دراسته الأكاديمية الرسمية؛ حيث كان يحضر دروسه عصراً عند معلمه وأستاذه الأول الشيخ حسين نجل العلامة الشيخ علي العيثان الأحسائي (رحمهما الله تعالى)؛ وذلك على دكّة من دكّات إيوانات الصحن الحسيني الشريف على يمين الخارج من الصحن الشريف عند باب السلطانيّة، كما وحضر بعدها عند والده الشيخ علي العيثان رحمه الله أيضاً.

وبعد أن اشتدت عزيمته لمواصلة الشوط في الدراسة الحوزوية، نصحه الشيخ علي العيثان (رحمه الله) بالانتقال إلى النجف الأشرف المركز الأهم والأكبر للعلوم الإسلامية طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)؛ باعتبارها المكان الحقيقي الذي بوسعه تحقيق طموحاته الفكرية ورغباته العلمية فيه.

وفي ظل الظروف الخانقة التي مرّ بها العراق في سبعينات القرن المنصرم، انخرط سماحة السيد في كلّية الفقه في مدينة النجف الأشرف، وكانت الظروف السياسية الساخنة للبلد تتصاعد، وأزمة علماء الدِّين بدأت تتطوّر والملاحقات الظالمة لطلبة الحوزة قائمة على قدم وساق.

وفي أثناء إكماله لدروسه في كلية الفقه التزم سماحة السيد دام ظله بحضور دروس الحوزة الرسمية؛ فأكمل المكاسب والرسائل والكفاية؛ ليتأهل لحضور أبحاث الخارج الفقهية والأصولية،

وكان من أبرز أساتذته في كلية الفقه ومرحلة السطوح العليا في الدراسة الحوزوية هما:

آية الله العلامة السيد محمد تقي الحكيم، وآية الله السيد الشهيد عبد الصاحب الحكيم رحمهما الله. أكمل مرحلة السطوح العليا في فترة وجيزة؛ لما كان يتمتع به من ذكاء وحفظ، ليواصل حضور دروس الخارج الفقهية والأصولية، فحضر عند كل من:

1.آية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس الله نفسه.

2.آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس الله نفسه.

3.آية الله الشيخ ميرزا علي الغروي قدس الله نفسه.

4.آية الله السيد نصر الله المستنبط قدس الله نفسه.

وقد كان ارتباطه بأستاذه الشهيد محمدباقر الصدر قدس الله نفسه كثيراً، حيث كان يدخل عليه، ويسأله الأبحاث العلمية، ويناقش ويسمع إرشادات أستاذه وأجوبته([1]).

تعلم الفقه والأصول والوعي والتحقيق والجهاد السياسي من أستاذه الصدر قدس الله سره، وبعد اشتداد الخناق على طلاب الحوزة الحركيين في النجف الأشرف، انتقل سماحة السيد دام ظله إلى الكويت لتكون له محطة للانتقال إلى مدينة قم المقدسة، فواصل مشواره بالحضور عند أعلامها فقهً وأصولاً وتفسيراً وكلاماً وفلسفةً وعرفاناً،وهم:

1. آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي قدس الله سره.

2. آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله.

3. آية الله العظمى الشيخ جوادى الآملي دام ظله.

4. آية الله الشيخ حسن زاده آملي دام ظله.

إلى جانب الحضور العلمي مارس العمل السياسي في بدايات مشواره في مدينة قم المقدسة، وشارك بنفسه في محاربة الصداميين مع ثلة من أخوانه ورفاق دربه حيناً، ومزاولاً للدراسة حيناً آخر.

السيد كمال الحيدري في كلية الفقه

بعد قبوله في كلّية الفقه، انتقل من مدينته كربلاء إلى النجف بأمرٍ من أستاذه. فالتحق في كلّية الفقه سنة ١٩٧٤ م وكانت الظروف السياسية تتصاعد لملاحقة طلبة الحوزة ورجال الدين. فاستقرّ السيّد كمال في المدرسة اللبنانية خلف كلية الفقه، فاتّخذ منها سكناً له، وكانت مدرسة كبيرة أُعدّت للطلبة اللبنانيين، إلا أنه بسبب الظروف لم يبق في المدرسة إلاّ عدد قليل بسبب الاضطهاد والملاحقة؛ إذ شدّدت السلطة الحاكمة آنذاك مراقبتها ومحاسبة من يسكن بهذه المدرسة. وكان عدد من العلماء الفضلاء من خارج هذه المدرسة اللبنانية التي سكنها السيد كمال يأتون بين حين وآخر لإلقاء الدروس الفقهية والأصولية.

وكان ما يأخذه بمثابة المقدّمات والتمهيد لدراساتٍ أوسع في النجف، سواءً كانت في الحوزة أم في كلّية الفقه؛ فقد كان عدد من أساتذة جامعة بغداد يحضرون إلى النجف الأشرف لإلقاء دروس في اللغة العربية وآدابها وعلم النفس والتربية واللغة الإنجليزية وأصول النقد الأدبي والبلاغة. ومن هؤلاء الدكتور عبد الرزاق محي الدين رئيس المجمع العلمي العراقي،

ومن الأساتذة: صالح الشّماع أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلّية الآداب جامعة بغداد وغيرهما من الأساتذة والهيئة التدريسية في كلّية الفقه.

السيد كمال الحيدري والشهيد محمد باقر الصدر

ينقل الأستاذ الدكتور حميد مجيد هدو عن السيد كمال الحيدري فيقول: أتيحت للسيدّ الحيدري الفرصة لأن يحضر دروس الشهيد محمد باقر الصدر في الفقه والأصول في جامع الطوسي، وقد أفاد منه كثيراً بمتابعة دروس الشهيد الصدر. يقول السيّد الحيدري: بعد الانتهاء صباحاً من دروس الشهيد الصدر، كنت أتوجّه إلى مسجد الخضراء لحضور درس السيدّ الخوئي، ولمدّة سنتين متتاليتين، كنت فيها حريصاً كلَّ الحرص على الدرس والبحث… استمرّت دراستي في الحوزة بالنجف وأدائي الامتحانات في كلّية الفقه عندما يحين وقتها. كنت أواصل الدرس عند السيدّ الشهيد محمد باقر الصدر أصولا وفقهاً، وعند السيّد محمد تقي الحكيم أصولا فقط، والشيخ الميرزا على الغرويّ فقهاً خارج المكاسب فقط.

مغادرة العراق

غادر السيد كمال الحيدري العراق بعد تأزّم الأمور سنة ١٩٨٠ م واشتدّ بطش السلطات الحاكمة بالعلماء وطلبة الحوزات الدينية والشباب المتَديّنين بعد حادثة المستنصرية، من تهجير كثيرٍ من المواطنين العراقيين بحجّة أصولهم غير العراقية وتبعيتّهم لإيران، ثمّ تبعها إعدام الشهيد السيّد محمد باقر الصدر.
يقول السيّد الحيدري: >واستقرّ بي المقام في الكويت الذي لم أمكث فيه سوى ٤٥ يوماً، فقرّرت السفر إلى دمشق حيث مكثت فيها قرابة أربعة أشهر، ثمّ غادرتها إلى إيران.

ملامح وسمات العلامة السيد كمال الحيدري العلمية

ذكر الباحث والمحقّق الدكتور طلال الحسن مجموعة مهمة من السمات والمواهب التي امتاز بها العلامة الحيدري، أهمّها:
١ حيويّته الفائقة في التدريس، فهو حاضر بقوّة أمام طلبته منذ اللحظة التي يشرع فيها الدرس وإلى آخر لحظة منه، بلا فتور أو كسل أو ضعف أبداً.
٢ التحضير المتقن كمّاً ونوعاً، فلم أجده مرّة قد قدّم مادّة علمية دون الوقت المحدّد لها، بل عادة ما يضيق الوقت به للمادّة المُهيّأة سلفاً، هذا على مستوى الكمّ، وأمّا على مستوى النوع فإنّه يلمّ بمطالبه العلمية بصورة فائقة وملفتة للنظر.
٣ البيان الواضح الجذّاب الذي يُمكّنك من الإلمام بمفاصل البحث حتى في صورة عدم تقريره، وهذه الخصوصية قلّ نظيرها بين الأعلام.
٤ الكمّ العلمي والمعلوماتي الهائل في الحصّة الواحدة، الأمر الذي لم أجد له نظيراً في الحوزتين العلميتين الرئيسيتين النجفية والقميّة معاً، ولعلّ مما يُساعده في ذلك سرعته في الطرح وجزالته في العرض( ١

٥ كثرة عطائه التدريسي، فلم يمضِ عام تدريسيّ له دون أن يُقدّم ثلاثة دروس كحدّ أدنى، وهذا الانحصار بالثلاثة جاء متأخراً جّداً، عملاً بنصيحة من أستاذه الأعظم آية الله جوادي آملي، وإلا فهو عادة ما يُقدّم كلّ عام خمسة موادّ تدريسية منوّعة في الفقه والأصُول والفلسفة والعرفان والتفسير.
٦ وفرة نتاجه الكتبي الذي انقسم إلى شطرين، شطر سطّره يراعه الشريف، وشطر تمّمه أقلامُ تلامذته ومريديه من أصحاب السماحة والفضيلة الذين يطول المقام بتعريفهم وبيان مراتبهم العلمية والأخلاقية.
٧ التزامه الدقيق بالحضور، وهذا ما جعله متميزاً جّداً في عدد حصصه السنوية في المادّة الواحدة.

١) إني وبحسب تجربتي الحوزوية في حضور البحث الخارج كنت أُسجّل كلّ كلمة وحرف ينطق به أساتذتي الأكارم حفظهم الله تعالى ورعاهم وهم كثيرون إلا أنني لا أتذكّر يوماً أني قرّرت أكثر من خمس صفحات في أفضل الأحوال إلا ما كنت أُقرّره للسيد الأسُتاذ الحيدري فإنّي لا أتذكّر حصّة أقلّ من عشر صفحات، وهذا يعني أننا كنا نُحصّل منه درسين كاملين في الحصة الواحدة، وفي السنة الدراسية سنتين، فلله درّه وعلى الله أجره .

حرصه الشديد على تقييد دروسه بالتسجيل والضبط الصوتي منذ كان أُستاذاً في مرحلة المقدّمات وإلى أن أصبح أستاذاً للسطوح الأعلى (البحث الخارج)، وهذا ما وفّر للطلبة فرصاً كبيرة في تدارك ما يفوتهم من الدرس، لاسيّما الطلبة الذين تمنعهم بعض المعوقات من الحضور المتواصل، بل وفّر فرصة ذهبية كبيرة للذين لم يحضروا عنده من قبل لمتابعة ومواكبة ما قاله سلفاً.

٩ شجاعته وثقته العالية بنفسه، وهذا الأمر غنيّ عن التعريف، فهو منذ نعومة أظافره حوزوياً يوم كان شابّاً صغيراً يزاحم العلماء بركبتيه، كان في تحصيله يحضر عند رموز الحوزتين، وكان في تدريسه يُناقش أساطين الحوزتين، وقد دأب على ذلك حتى صار ذلك سمته وصفته، فكان من آثاره زرع الثقة العالية في نفوس طلاّبه ومريديه.
ومناقشاته العلمية هذه لم تُفقد المناقَشين مكانتهم وهيبتهم أبداً، بل زادتهم رفعة وعلوّاً، نظراً لما كان يكنهّ لهم من احترام وتقدير.
١٠ حرصه الشديد على تصدير مصادره التحضيرية في كلّ مقطع يستفيده منها، فلا يكتفي بذكر الُمؤلَّف والُمؤلِّف وإنما يُعرّج على الجزء والصفحة، بل والسطر أحياناً، ولا يكتفي بذكر الفكرة وإنما يردفها بقراءة المتن نصاً في المصدر المستفاد منه، عيناً لا نقلاً.
ومن ثمار ذلك توفير الجهد والوقت الثمينين على الطالب المحصّل عند المراجعة والتحضير، وكفاها من ثمرة للطالب عند التقرير.

جدير بالذكر هو أنّه عادة ما يذكر اسم الناشر وسنة النشر عند استشهاده بشاهد ما، بل ويزيدنا على ذلك أنّه يذكر الطبعات العديدة للكتاب الواحد دفعا لحصول الخلط. ففي كتاب وسائل الشيعة المطبوع في أكثر من طبعة وبأجزاء مختلفة كان حريصاً على تسجيل الجزء والصفحة ورقم الحديث في كلّ طبعة، فلا يكتفي بذكر الباب ورقم الحديث كما هو معروف في أروقة الحوزة.

١١ الذكاء الحاد جدّاً، ونحن وإن كنا قد نبّهنا لشرطية الذكاء في التحصيل العلمي و لكن للذكاء مراتب عديدة يكفي فيها مراتبها المتوسّطة للتوفّر على هذا الشرط، وأمّا في ما نحن فيه وهو بيان الشخصية العلمية للسيد الأسُتاذ فإنّه دام موفَّقاً توفّر على أرفع وأشرف المراتب، وكفاك شاهداً حسّياً بأنه لسنوات عديدة يقدّم خمسة دروس منوّعة على مستوى البحث الخارج فقهاً و أُصولا ,,وفلسفة وعرفاناً نظرياً وتفسيراً( ١)، دون أن يشعرك بملل أو تعب، ودون أن يملّ هو أو يتعب، فقل لي بربّك: هل سمعت أُذناك بمثل ذلك؟

1) أضف إلى ذلك أمرين، الأول: أن جميع دروسه لا تقلّ عن ( ٤٥ ) دقيقة،ومعلوماته ونظرياته، همّه الحاضر دوماً هو البحث عن الجديد والتجديد رغم اعتزازه بكلاسيكيته، فهو على مستوى الشكل الظاهر تقليديّ صرف، ولكنه على مستوى المضمون متجدّد ويدعو لذلك بقوّة.
وليست غايته في التجديد نفسه وإن كان هدفاً مقبولاً وإنّما في معطيات التجديد وما يُوفّره من أجواء اجتهادية وأرضية خصبة للتنوع والتقدّم العلمي.

١٢ استيعاب هويّة السؤال والسائل بصورة تفوق التصوّر، فالسائل قبيل إتمام سؤاله يُفاجأ بالإجابة، وقبل تقديم التوضيحات تكون شخصية السائل العلمية قد حضرت في ذهن السيد الأسُتاذ، وكلّ ذلك يتّضح لنا من خلال الإجابة، فهو يُجيب على قدر فهم واستيعاب وذهنية السائل، ونحن كمتلقّين نفهم بتبع عمق الإجابة حدود شخصية السائل، وقد حصل لنا ذلك بالمراس والمتابعة، وأمّا كيف توفّر السيد الأُستاذ على ذلك فذلك أمر يطول شرحه وبيانه ولكننا نجيب عنه بنحو الفتوى التحليلية وهي أنّه بتبع موهبته الإلهية وذكائه المفرط وتجربته الفريدة وصل إلى ذلك.

١٣ التجدّد والإبداع وهما صفتان حاضرتان بقوّة في رسم (والثاني كثرة متابعاته العلمية واشتغالاته الاجتماعية، وللأمانة وللتاريخ
أذكر هذه الحقيقة عنه، وهي: أني قد سمعت منه ولأكثر من مرّة بأنه لا ينام في اليوم والليلة أكثر أربع ساعات في أوائل شبابه ولا أكثر من خمس ساعات في كهولته الحالية، وأنه مع ذلك لم يستفد من مواهبه وطاقاته أكثر من ثلاثين في المائة، علماً بأنه لازال في أول عقده السادس فهو حفظه الله تعالى من مواليد كربلاء العراق عام ١٩٥٦ م.)

ملامح شخصيّته العلمية، فهو متجدّد ومبدع في أساليبه

١٤ تنميته الفائقة للشخصية العلمية لطلابه لاسيما في مجال الكتابة، فهو بالقدر الذي يفسحه لطلبته من أجواء الحرية في التنقّل والإضافة والحذف والتوسعة والتضييق في مطالبه ونتاجه العلمي تجده متابعاً صبوراً وراصداً دقيقاً وناقداً بصيراً.
وهو بقدر اعتداده وتمسّكه بشخصيّته وبآرائه العلمية وشموسيته في النقاش تجده ليناً ذلولا عندما يتّضح له دليلك وتظهر حجّتك، ومن خلال اعتداده وشدّة تمسّكه وثقته بنفسه تتعلّم منه كيف تدافع عن رأيك، ومتى تكفّ عن خصمك، وكيف ومتى تقبل بقول غيرك.
١٥ وفرة وندرة التوفيقات الإلهية التي حُبيَ بها، كمّاً ونوعاً،أمّا الوفرة والكمية فهو دام موفَّقاً أولى وأعرف ببيانها، وأمّا الندرة والنوعية فإنّي سوف أقف على واحدة منها عملاً بالقاعدة القرآنية {َوأَ ما بنِعِْمَةِ رَبكَ فحَدثْ} (الضحى: ١١ )، وسأكتفي بهاعملاً بالقاعدة القرآنية {ومن شر حَاسد إذَا حَسََد،( }ٍِِ (الفلق: ٥
وأمّا التوفيق النادر الذي اختُصّ به من بين جميع أقرانه بل وأساتذته فهو أنّ عدداً كبيراً من طلبة الحوزتين العلميتين في النجف وقم هم تلامذته بالفعل لا بالقوّة، وكفاه شرفاً ورفعة أنّ ثلاثة أجيال( ١) من أساتذة الحوزتين هم ممن نهل من منبره العلمي،ولولا الحرج الاجتماعي لوقفت على جملة منهم ممن ثنيت له الوسادة وأصبحوا ممن يُشار لهم بالبنان، وأكتفي بالإشارة إلى أسئلتهم التترى التي حفظتها لنا المسجلات الصوتية من دروسه العلمية وعلى كافّة المستويات.

١٦ تفرّده بإملاء المكتبة العربية الصوتية بكافة الدروس الحوزوية تقريباً، فلا أعلم بوجود منافس له إطلاقاً، بل إنّ جميع ما أنتجه الآخرون للمكتبة العربية الصوتية لا يُساوي ما أنتجه ١) المراد من الأجيال في المقام خصوص الأجيال التدريسية لا العمرية، حيث ) تضمّ الحوزتان العلميّتان في النجف الأشرف وقم المقدّسة ثلاث طبقات ومستويات علمية تدريسية من طلبته ممن لهم الصدارة والكفاءة بما هو غنيّ عن التعريف. هو وحده، وهذا وحده مدعاة للفخر والاعتزاز.

١٧ وآخر ما أودّ الوقوف عنده من ملامح شخصيّته العلمية بالنحو الأخصّ هو أنّه الأُستاذ الوحيد الذي يُمكن للطالب المُجدّ أن يكتفي بالحضور عنده؛ نظراً لجامعيّته للمعقول والمنقول، وهذا الأمر أشهر من نار على علم.
هذا وهنالك ملامح وصفات كمالية استثنائية أُخرى في شخصيّته العلمية، كقوّة شخصيّته وعلوّ هّمته وشرافة مطالبه وقوّة حدسه وغيرها مماّ يصعب حصره، حيث ارتأيت ترك بيانها لبقية الأساتذة والزملاء ممن حضروا درسه ونهلوا من نمير علومه لومه.

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *