خاص الاجتهاد: التفقه النفساني؛ ما وراء فقه الأحكام: حوار الاجتهاد مع الأستاذ حجة الإسلام والمسلمين عباس بسنديده حول «حدود الفقه والأخلاق وعلم النفس»
في العقود الأخيرة، دفعت موجة «أسلمة العلوم الإنسانية» الكثيرين نحو استخراج الأحكام التربوية والنفسية من قلب الآيات والروايات. ولكن، هل يُعدّ استخراج حكم «مستحب» أو «مكروه» إنتاجاً لعلم النفس؟
يعتقد حجة الإسلام والمسلمين عباس بسنديده، رئيس معهد أبحاث الأخلاق وعلم النفس الإسلامي، أننا وقعنا في «خطأ منهجي» كبير. ويضع هذا الأستاذ الحوزوي والجامعي حداً قاطعاً بين «توسيع نطاق الفقه» و«إنتاج علم النفس»، متحدثاً عن ضرورة نوع من «الاجتهاد النفساني» الذي لا يهدف إلى تحديد التكليف للمكلف، بل إلى تبيين المنظومات المعقدة للروح الإنسانية والسلوكيات الاجتماعية.
أزمة المنهج؛ لماذا لا يكفي أصول الفقه لعلم النفس؟
الاجتهاد: فضيلة الدكتور، دعنا نبدأ من التحدي الأكثر أساسية. يعتقد بعض أساتذة الحوزة أن علم الفقه بوصفه منطق الاستنباط، كافٍ للاستجابة لجميع الاحتياجات البشرية (بما فيها العلوم الإنسانية). أنتم تؤكدون في مقابلاتكم على «تمايز المناهج». لماذا تعتقدون أنه لا يمكن إنتاج علم النفس بالمنهج الفقهي؟
بسندیده: بسم الله الرحمن الرحيم.
كل علم يمتلك «DNA» أو منشأ منهجياً. أصول الفقه والفقه أُعدّا لهدف مقدس ومحدد: «إحراز الحجة». أي إن الفقية يريد أن يعرف ما هو جوابه عن عمله يوم القيامة. وأدوات مثل «البراءة»، أو «الاستصحاب»، أو «العام والخاص» كُلها كُشفت لمعرفة «التكليف».
أما علم النفس أو علم الاجتماع، فهما من جنس «علم التبيين» (Explanation)، لا «علم التكليف». سؤال علم النفس ليس «ماذا أفعل؟»، بل سؤاله: «لماذا حدث هذا؟». فعلى سبيل المثال، في مواجهة ظاهرة «داعش»، يوضح الفقه التكليف: هذا العمل جناية وحكمه كذا وكذا. لكن علم النفس يسأل: ما هي العملية الذهنية والتربوية التي مر بها الإنسان حتى وصل إلى مرحلة يصدر منه هذا السلوك؟ المنهج الفقهي لا يقول لنا «لماذا» يحدث السلوك؛ هذا المنهج يضع فقط علامة «الصحة أو البطلان» عليه من منظر الشارع. وبناءً عليه، إذا أردنا إنتاج علم النفس بأدوات الفقه، سنصل في النهاية إلى «فقه مُتضخّم»، لا إلى «علم جديد».
إنتاج العلم في مقابل توسيع النطاق؛ حد دقيق ولكنه حيوي
الاجتهاد: أنتم تطرحون مفهوم «توسيع نطاق الفقه».
بسندیده: نعم! هذا بالضبط المكان الذي تختلط فيه المفاهيم. «توسيع نطاق الفقه» یعنی أننا وسعنا مجرد دائرة الموضوعات الفقهية. في السابق كان الفقه يتحدث عن الصلاة والصوم، والآن يصدر أحكاماً عن «تقبيل الطفل» أو «العلاقات الأسرية» ويقول إن الفعل الفلاني مستحب. هذا عمل قيم، ولكنه «توسيع للفقه»، وليس «إنتاجاً لعلم النفس الإسلامي». إنتاج العلم يعني كشف «النظام التفسيري/التبييني». دعني أضرب مثلاً طُرح في معهد الأبحاث أيضاً. لدينا رواية تؤكد أن النبي (ص) كان يؤكد على تقبيل الولد.
الفهم الفقهي: تقبيل الولد مستحب وفيه ثواب. (تكليف)
الفهم النفساني (إنتاج العلم): لماذا يؤكد المعصوم على هذا السلوك؟ لأن التقبيل رمز لـ «إظهار المحبة العيني» الذي يؤدي إلى تشكل «التعلق الآمن» لدى الطفل. وإذا لم يُلبَّ هذا الاحتياج العاطفي، سيصاب الطفل في كبره باضطرابات شخصية.
هنا، استخدمنا النص الديني لكشف «قانون نفسي». فهمنا أن «المحبة» ضغطة تكوينية لسلامة الروح. وهذا يعني إنتاج العلم. نحن نبحث عن كشف «نظام التكوين»، وليس فقط «نظام التشريع».
تشريح الأزمة؛ التفقه في الفتن الاجتماعية
الاجتهاد: أشرتم في جانب من حديثكم إلى «نظريات الأزمات» في العلوم السياسية والاجتماعية وقلتم إن في نهج البلاغة شفرات لتبيين الأزمة. كيف يتوافق هذا مع التفقه الذي تقصدونه؟
بسندیده: بالضبط! سؤال العلوم الاجتماعية والسياسية هو: «ما الذي يجعل المجتمع يصاب بالانهيار أو الفتنة؟»
في الأدبيات الدينية، نحن نواجه ظاهرة تسمى «الفتنة». الفقيه التقليدي يقول فقط: «لا تشاركوا في الفتنة لأنها حرام.» ولكن التفقه الذي أقصده (التفقه غير الأحكامي) يبحث عن كشف «آلية الفتنة».
يبين أمير المؤمنين علي (عليهالسلام) يبيّن في نهج البلاغة كيف تتشكل الفتنة؛ حيث يقول إنما بدء وقوع الفتن «اتباع الهوى وابتداع الأحكام». هذا تحليل اجتماعي! أي عندما تقدم المجموعات المرجعية أهواءها في قالب قانون (بدعة)، يصاب المجتمع بالعمى التحليلي. هنا نحن لا نبحث عن «حكم شرعي»؛ بل نستخرج «تشريح السقوط الاجتماعي» من لسان المعصوم. هذا العلم ضروري لإدارة أزمات مجتمعنا اليوم. وبدلاً من إصدار بيانات متواصلة بـ «هذا حرام»، علينا أن نفهم «كيف وصل المجتمع إلى هذه النقطة؟».
الفقه الذكوري وضرورة الملاحق النفسية
الاجتهاد: نقلاً عن بعض المراجع، أُشير إلى «ذكورية الفقه». ينطوي هذا على نقد حاد. كيف يمكن لعلم النفس أن يجبر هذا النقص؟
بسندیده: المقصود بالذكورية ليس أن الفقه لمصلحة الرجال؛ بل يعني أن «فهم الفقيه» يبتعد أحياناً عن العالم النفسي للأنثى. فقهنا استُؤنف واستُخرج بوساطة الرجال، ومن الطبيعي في تشخيص موضوعات قضايا المرأة أن تُغفل أحياناً اللطائف النفسية.
مثلاً في بحث العلاقات الزوجية، يتطرق الفقه فقط إلى «التمكين» و«النفقة» (الطبقة الحقوقية). لكن علم النفس يقول إن العلاقة الزوجية هي «بنية عاطفية». لو علم الفقيه أن جذور الكثير من الخلافات تكمن في «الفروق البيولوجية والنفسية»، لربما اختلفت رؤيته لأحكام النشوز والطلاق.
التحديات الهيكلية
الاجتهاد: كآخر سؤال، لماذا تصعب استقامة هذه الرؤية العابرة للتخصصات في حوزاتنا وجامعاتنا؟ هل المشكلة في الأساتذة أم في الهيكل التعليمي؟
بسندیده: كلاهما. نحن نعاني في نظامنا التعليمي من «العمل الجزرائي/المنعزل». طالب الدكتوراه لدينا يختار موضوعاً ليس إلا «تكراراً». ومن جهة أخرى، هناك في الحوزة نوع من «الخوف» أو «الاستغناء» تجاه العلوم الإنسانية.
نحن بحاجة إلى أطروحات تُكتب تحت إشراف «أستاذ مشترك» (فقيه وعالم اجتماع/نفس في آن واحد). لقد رأيت مراراً طالباً عمل على موضوع ممتاز من الناحية الفقهية، ولكنه من ناحية علم النفس المعاصر منسوخ وخاطئ تماماً. أو العكس. يجب أن نقبل «الاجتهاد النفساني» كاتجاه جدي. إن طريق نجاة التدين المعاصر يكمن في أن يُجهز فقهنا بـ «الملاحق التبيينية/التفسيرية»، وأن تتغذى علومنا الإنسانية من «الجواهر النفيسة» الكامنة في الطبقات السفلية للروايات. إن لم نستطع التمييز بين «الحكم الشرعي» و«التبيين العلمي»، فلن نمتلك فقهاً جيداً ولا علماً دينياً كفؤاً. هدفنا هو أن نثبت أن الدين ليس فقط لـ «الآخرة»، بل يمتلك رؤى تبيينية وعلاجية لـ «البنية النفسية والاجتماعية لليوم المعاش».
الاجتهاد موقع فقهي