خاص الاجتهاد: إنّ المطروح في أكثر مصادر أهل السنة وبعض مصادر الشيعة هو مبحث شهادة أو وفاة السيدة فاطمة (سلام الله عليها). غير أن هناك روايات في المصادر التاريخية، ولا سيما مصادر الشيعة، تفيد التعبير عن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) بـ «الشهيدة».
ولا يخفى أن كلمة «شهيدة» من الناحية الدلالية والمفهومية في اللغة العربية تختلف عن كلمة «متوفاة»، ولا يمكن القول إنها استُعملت عن غفلة أو سهو. فقد قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «إِنَّ فَاطِمَةَ صِدِّيقَةٌ شَهِيدَةٌ»؛ أي إن فاطمة (عليها السلام) صادقة في قولها وشهيدة. وقد عدّ كثير من العلماء هذه الرواية من الأحاديث الصحيحة؛ ومنهم «أبو منصور الحسن بن زين الدين العاملي» (ابن الشهيد الثاني) والمجلسي الأول. كما فتح المجلسي الثاني في شرحه على «الكافي» والعلامة المجلسي في كتاب «بحار الأنوار» باباً بعنوان: «باب ما وقع عليها من الظلم وبكائها وحزنها وشكايتها في مرضها إلى شهادتها»، وعَدّا رواية الشهادة صحيحة السند.
وكذلك يرى «آية الله الشيخ جواد التبريزي» اعتبار سند هذا الحديث، مؤكداً أن حديث الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) صريح وجلي في مظلومية السيدة وشهادتها. كما أن العبارة الواردة في زيارة السيدة الزهراء (سلام الله عليها) المذكورة في مفاتيح الجنان: «السَّلامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الصِّدِّيقَةُ الشَّهِيدَةُ»، تُدلل بوضوح على كون السيدة الزهراء (سلام الله عليها) شهيدة.
وفي الكتب الأقدم عهداً، كـ «كتاب سليم بن قيس الهلالي»، يُعَبَّر عن هذه المسألة بالشهادة؛ حيث ورد بعد ذكر حادثة اللدم والضرب التي تعرضت لها السيدة الزهراء (سلام الله عليها): أن «قنفذاً» لعنه الله دفعها وشذّها إلى عضادة باب بيتها وعصرها، فكسر ضلعاً من ضلعها وصعَر جنبها، وأسقطت جنينها، فلم تزل فراشاً حتى ماتت من ذلك شهيدة. وفي هذا النص تصريح تام بالمطلب؛ وعليه فإن علماء الشيعة يذكرون شهادة السيدة فاطمة (سلام الله عليها) بوصفها حقيقةً مسلمة لا ريب فيها.
من غصب فدك إلى الشهادة
وردت في بعض المصادر المتعلقة بشهادة السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) كلمة «مقتولة» أيضاً؛ فقد رُويت عن النبي (صلى الله عليه وآله) روايةٌ في كتب أهل السنة نصها: «فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مقتولة»؛ وهذه العبارة ينقلها «الجويني» في كتابه «فرائد السمطين».
وفيما يتعلق بالحوادث الممهدة لشهادتها (سلام الله عليها)؛ من الاقتحام، وإحراق الباب، والضرب، وإسقاط الجنين، هناك مصادر وشواهد كثيرة. ففي مسألة الهجوم على دار السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وإسقاط الجنين، يرى الشيخ الطوسي أن الروايات الناظرة إلى اقتحام الدار وإسقاط الجنين تعد من الأحاديث المتفق عليها بين علماء الشيعة. كما أن «ابن قولويه» (وهو من كبار علماء الشيعة) أورد في كتابه «كامل الزيارات» عبر رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) غصبَ فدك والهجومَ الذي أدى إلى إسقاط الجنين.
وتُطرح هذه الحادثة في مصادر أهل السنة أيضاً؛ فقد كتب «الجويني» حول رواية غصب فدك وحزن السيدة فاطمة (سلام الله عليها) وغضبها. كما أن الرواية الشهيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله): «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني» تعد من الأحاديث المسطورة في أمهات كتب أهل السنة، وموجوديتها دعت بعض علمائهم إلى محاولة تأويل المسألة وتبريرها.
وقد جاء في كتاب «لسان الميزان» لابن حجر العسقلاني (الجلد 1، الصفحة 268) بالتصريح: «أن عمر رفس فاطمة (سلام الله عليها) حتى أسقطت بمحسن». فإذا لم ترد الشهادة باللفظ الصريح في بعض كتب أهل السنة، فإن مثل هذه الروايات تُعد دليلاً على المقدمات المؤدية للشهادة. وقد نقل «الذهبي» في كتاب «سير أعلام النبلاء» هذا المطلب أيضاً، ولكنه رده. إن بيان مقدمات الشهادة المذكورة في روايات أهل السنة وتاريخهم يُعد تأييداً لكونها مقتولة وشهيدة.
وقد أوردت كتب «روح المعاني»، و«مروج الذهب»، و«المصنَّف» (لابن أبي شيبة)، و«تاريخ الطبري»، و«أنساب الأشراف» هذه الروايات المتضمنة لذكر النار، والإحراق، وإسقاط الجنين بوصفها مقدمات للشهادة. فعلى سبيل المثال، حتى لو أنكروا الضرب وافترضوا خدشه، فإن الإحراق وإسقاط الجنين مما لا يمكن إنكاره. وفي «صحيح البخاري» (الجلد الثالث)، وردت عبارات ناظرة إلى إحراق الباب والهجوم؛ وهي شواهد قائمة في كتب أهل السنة. ولئن أنكر أهل السنة بعض هذه الوقائع، إلا أن تجميع الأحداث والروايات إلى جوار بعضها يجعلها غير قابلة للإبطال وتُشكل مقدمةً قطعية لشهادة السيدة فاطمة (سلام الله عليها).
لماذا تقدمت السيدة الزهراء إلى الباب؟
في معرض الجواب عن السؤال القائل: “لماذا تقدمت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) إلى الباب مع وجود الإمام علي (عليه السلام) في الدار؟”، يُقال: إن هذا الفعل منها إنما كان للدفاع عن الإمام والولاية. والنقطة الأخرى هي أنه قد جرت العادة سابقاً أن يأتي قوم إلى باب دار الإمام علي (عليه السلام) ليدعوه إلى البيعة، فإذا علموا بأن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) داخل الدار انصرفوا؛ غير أن عُمَر سلك سلوكاً مغايراً ولم يبرح المكان. ولم تكن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) تتوقع أن يقدم عُمَر -وهو يحسب نفسه من أصحاب النبي (ص)- على هذا الفعل رغم وصايا الرسول (ص) الأكيدة في عدم إيذائها.
وقد وردت رواية في كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد تفيد أن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) كانت خارج البيت، ثم دخلت الدار وأغلقت الباب، فأمر عُمَر بكسر الباب -وكانت مصنوعة من الجريد- واقتحم الدار.
ولم تكن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) تشك استناداً إلى الآيات القرآنية في أن أحداً لن يدخل البيت دون إذن؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أو قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. فكان المتوقع منهم إذا سمعوا صوت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) ألا يدخلوا، ولعل بعضهم رجع بالفعل، إلا أن عُمَر أصر على اقتحام الدار.
وبحسب الروايات، فإن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) لم تذهب ابتداءً لتقف خلف الباب، بل أغلقت الباب ولم تكن تتوقع اقتحام عُمَر. وحتى لو افترضنا أنها أجابت أو وقفت خلف الباب، فإنها قامت بتصرف طبيعي واعتيادي؛ إذ كانت زوجات النبي يقمْنَ بذات الفعل، بل ورد في الروايات أن «أم سلمة» كانت تفتح الباب في بعض الحالات رغم وجود النبي (ص) في المنزل.
بقلم: د. فاطمة فلاح تفتي؛ عضو الهيئة التدريسية بقسم الفقه ومباني الحقوق بجامعة العلامة الطباطبائي
الاجتهاد موقع فقهي