الرئيسية / الضبط / 4 حوار / منطقة الفراغ في التشريع الاسلامي / السيّد علي الأكبر الحائري + تحميل word
السيّد علي الأكبر الحائري

منطقة الفراغ في التشريع الاسلامي / السيّد علي الأكبر الحائري + تحميل word

الهدف الأساس من بحثي هذا توضيح فكرة (منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي) وإثبات أنّها فكرة مطروحة ـ بروحها ومحتواها ـ في الأوساط الفكريّة الإسلاميَّة من الطائفتين (السنّة والشيعة) منذ العصور الاُولى من تأريخ الإسلام, وإن كانت جديدة في اسمها وعنوانها الخاصّ, حيث جاء التعبير بـ(منطقة الفراغ) في بعض مؤلّفات المفكّر الإسلاميِّ المعاصر اُستاذنا الشهيد آية الله العظمى الإمام السيّد محمّد باقر الصدر.  بقلم: سماحة السيّد علي الأكبر الحائري

 الاجتهاد: من جملة القضايا الهامّة التي أثارت اهتمام بعض الكتاب والباحثين فكرة وجود(منطقة الفراغ)في التشريع الإسلامي، وقد خوّلت الشريعة الإسلاميّة مهمّة ملء تلك المنطقة لوليّ الأمر الشرعيّ في كلّ زمانٍ ومكان.

وقد زلّت أقدام بعض الكتاب والمفكّرين في فهم المراد الصحيح بهذه الفكرة، حيث توهموا أنّ هذه الفكرة تعني وجود ثغرةٍ ومنقصةٍ في الشريعةِ الإسلاميّة، وبدؤوا يتهجّمون ـ في ضوء هذا الفهم الخاطئ ـ على هذه الفكرة وعلى القائلين بها بالتنديد والتشنيع.

وقد قام المؤلّف الكريم حفظه الله تعالى قبل حوالي ثمانية عشر عاماً من التاريخ الذي نحن فيه الآن بتوضيح هذه الفكرة وبيان تفاصيلها ضمن مقالةٍ قدّمها لمؤتمر الوحدة الإسلاميّة في طهران، ثم نشرت المقالة حين ذاك في العدد الحادي عشر من مجلة (رسالة التقريب) سنة 1417 الهجريّة، وقد رأينا اليوم أنّ الحاجة ملحّة لإعادة نشر هذه المقالة لما فيها من الإضاءَة والتنوير للفكر الإسلامي الأصيل حول الولاية الشرعيّة في عصر الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف، فقمنا بنشرها ـ بإذنٍ منه حفظه الله ـ كواحدةٍ من المقالات العلميّة المتفرّقة الصادرة من سماحته، بعد إجراء التصحيحات الفنيّة اللازمة فيها التي قام بها المحقّقون في هذا المجمع، وإدراج التعديلات الجديدة التي أفاض بها قلم المؤلّف حفظه الله.

وها هي المقالة نضعها بين يدي روّاد العلم والفضيلة بصورة فنيّة أنيقة سائلين المولى تبارك وتعالى أن يجعلها وسيلةً لكمال الانتفاع، إنه ولي التوفيق.

ذوالحجّة الحرام من سنة 1434هجريّة – مجمع الفكر الإسلامي – النجف الأشرف

المقدّمة:

الهدف الأساس من بحثي هذا توضيح فكرة (منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي) وإثبات أنّها فكرة مطروحة ـ بروحها ومحتواها ـ في الأوساط الفكريّة الإسلاميَّة من الطائفتين (السنّة والشيعة) منذ العصور الاُولى من تأريخ الإسلام, وإن كانت جديدة في اسمها وعنوانها الخاصّ, حيث جاء التعبير بـ(منطقة الفراغ) في بعض مؤلّفات المفكّر الإسلاميِّ المعاصر اُستاذنا الشهيد آية الله العظمى الإمام السيّد محمّد باقر الصدر.

وتخيّل البعض أنّها فكرة حديثة برزت على يد هذا المفكّر الإسلاميّ وبدأ يناقشه في ضوء ذلك[2]، في حين أنّها من الأفكار العريقة في تاريخ الفكر الإسلامي وإن كان هذا التعبير حديثاً ـ كما ذكرنا ـ ونحن سنبدأ ببيان المقصود بهذه الفكرة ونحاول استكشاف جذورها وأسبابها بنحو يتّضح أنّها من مظاهر كمال الشريعة الإسلاميّة وليست نقصاً فيها.

ثم نشير إلى الموازين والاُطر الثابتة في الشريعة الإسلامية لملء منطقة الفراغ من قِبَل وليِّ الأمر الشرعيِّ في كلّ زمان بحسب مقتضيات ذلك الزمان, كما سنشير إلى الفرق بين ملء منطقة الفراغ من قبل وليّ الأمر وبين علاج المجتهد لمشكلة (العوز في النصّ) عند استنباط الأحكام الشرعيّة, ثم نعرّج إلى بيان الشُبهات والإشكالات التي اُوردت أو بالإمكان أن تُورد على فكرة (منطقة الفراغ في التشريع الإسلاميّ) ونحاول حلّها والإجابة عليها بالشكل الصحيح.

توضيح أصل الفكرة:

إنّ الفكرة التي عُبّر عنها بمنطقة الفراغ في التشريع الإسلامي نابعة عن إيمان الشريعة الإسلاميّة بضرورة طاعة الناس وانصياعهم لأولياء اُمورهم الشرعيّين في كلّ زمانٍ ومكان لإدارة شؤونهم السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وغيرها بحسب الحاجات المتطوّرة بتطوّر الظروف والملابسات العامّة والخاصّة في كلّ زمان بحسبه وفي كل مكانٍ بحسبه، كما يستفاد ذلك من الآية الكريمة ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” بقطع النظر عن الموازين الشرعيّة لتعيين وليّ الأمر في كل زمانٍ ومكان، إذ أنّه بعد تعيين ولي الأمر بحسب الموازين الشرعيّة يصبح الناس ملزمين شرعاً بإطاعة ذلك الوليّ في الحدود التي يحقّ له أن يصدّر من الأوامر والنواهي بحقّهم لإدارة شؤونهم وإن لم تكن تلك الأوامر والنواهي صادرة من الشارع المقدّس بصورة مباشرة، فتكون تلك الأوامر والنواهي منسوبةً إلى الشريعة الإسلامية بصورة غير مباشرة، أي بواسطة أمر الشارع تبارك وتعالى بإطاعة وليّ الأمر في حدود صلاحيّته الشرعيّة.

إذاً فهناك حدود معيّنة ومساحة خاصّة من شؤون الاُمّة ومصالحها المتطوّرة قد خوّل فيها الشارع المقدّس تبارك وتعالى أمر التقنين فيها إلى وليّ الأمر الشرعي في كلّ زمانٍ ومكانٍ وأعطاه صلاحيّة الأمر والنهي وأوجب طاعته على الناس في دائرة تلك الحدود وتلك المساحة.

وقد عُبّر عن تلك الحدود والمساحة التي يحقّ لوليّ الأمر أن يصدّر فيها الأمر والنهي لتنظيم شؤون الاُمّة ومصالحها ـ رغم عدم وجود أمرٍ ونهيٍ فيها من قبل الشريعة الإسلاميّة بصورة مباشرة ـ بتعبير (منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي).

وبمزيد من التوضيح نقول: إنّ وجوب الطاعة المستفاد من هذه الآية الكريمة وغيرها من الأدلّة الشرعيّة لأولياء الاُمور يمكن تفسيره بأحد وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: أن يقصد به مجرّد تنفيذ الأحكام الشرعيّة الثابتة مسبقاً في مصادر التشريع الإسلاميّ من دون أن يحقّ لوليّ الأمر تقنين حكم أبداً غير ما قنّنته الشريعة الإسلاميّة بصورة مباشرة. وهذا الوجه لا نحتمل إرادته من الآية الكريمة وغيرها من الأدلّة الشرعيّة، لأنّه إنّما يعني وجوب طاعة الله فحسب، في حين أنّ الآية الكريمة تصرّح بوجوب طاعة الله تعالى والرسول الأعظمJ واُولي الأمر, ولا أقلّ من منافاة هذا الوجه لإطلاق وجوب طاعة وليّ الأمر لأنّه يشمل بإطلاقه وجوب طاعة كلّ تكليفٍ يصدر من وليّ الأمر ـ مالم يؤدّ إلى معصية الله تبارك وتعالى كما سيأتي ـ ولا يختصّ بالتكليف الصادر منه لتنفيذ أوامر الله تعالى فحسب.

والوجه الثاني: أن يقصد به وجوب طاعة كلّ تكليف يصدر من وليّ الأمر في جميع الاُمور سواء كان فيها تكليف مباشرفي الشّريعة الإسلاميّة أو لم يكن. وهذا غير محتمل أيضاً لأنّه ينافي ماثبت بالضرورة من عدم جواز طاعة المخلوق في معصية الخالق, وقد وردت روايات بهذا المضمون كما في حديث رسول اللهJ قال: Sالسمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره مالم يؤمر بمعصية, فإذا اُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.

والوجه الثالث: أن يقصد به وجوب طاعة وليّ الأمر في المساحة التي لم يرد فيها تكليف مباشر من قبل الشّريعة الإسلاميّة؛ وهذا هو التفسير المتعيّن لوجوب طاعة وليّ الأمر بقطع النظر عن تعيين المقصود بوليّ الأمر كما ذكرنا, وهذا يعني أنّ الشّريعة الإسلاميّة تركت مساحة معيّنة من الاُمور لم يُباشر فيها ببيان تكليفٍ إلزاميٍّ من وجوب أو حرمة ليملأها وليّ الأمر الشرعيّ بما يرى من تكليف مناسب يضمن به الحفاظ على الأهداف العامّة للشّريعة الإسلاميّة بحسب مقتضيات الظروف والأحوال، وهذه المساحة هي التي نعبّر عنها بـ(منطقة الفراغ في التشريع الإسلاميّ).

ولا يخفى أنّ الخلاف في تعيين اُولي الأمر لا يؤثّر على أصل هذه الفكرة، فسواء كان اُولو الأمر عبارة عن كلّ من تمّ تعيينه بالبيعة في كلّ زمان ـ كما هو المعروف عند علماء السنّة ـ أو كان عبارة عن الأئمة الإثني عشر، وينوب عنهم الفقهاء العدول في عصر الغيبة ـ كما هو المشهور لدى علماء الشيعة ـ فعلى كلا التقديرين إنّما تجب طاعة وليّ الأمر في المساحة المفوّضة إليه من قِبَل الشريعة الإسلاميّة, لا في المساحة التي قد عيَّنت الشريعة الإسلاميّة أحكامها بصورة مباشرة.

وبهذا يظهر أنّ فكرة (منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي) مستبطنة في فكرة (وجوب طاعة وليّ الأمر)، لأنّها تعبير عن المساحة التي فوّض التقنين والحكم فيها إلى وليّ الأمر, وكلّ من استعرض فكرة وجوب طاعة وليّ الأمر ـ كالإمام الطبريّ[2] والإمام الفخرالرازيّ وغيرهما من أئمة التفسير ـ فقد استعرض ضمناً وبالدلالة الالتزاميّة لفكرة (منطقة الفراغ) بالمعنى الذي ذكرناه.

وهذا معنى ماقلنا من أنّ هذه الفكرة ليست مستحدثة جديدة؛ وإنّما هي من الأفكار العريقة في تأريخ الفكر الإسلاميّ، وإن كان اسمها وعنوانها الخاصّ جديداً, ولا أظنّ أحداً عبّر عنها بعنوان (منطقة الفراغ) قبل المفكّر الإسلاميّ اُستاذنا الشهيد السيّد محمد باقر الصَّدر.

محتويات البحث:

المقدّمة

توضيح أصل الفكرة

جذور الفكرة

الضوابط العامّة لملءِ منطقة الفراغ

ضوابط تعيين الوليّ

تحديد منطقة الفراغ

ضوابط مايملأ به الفراغ

منطقة الفراغ ومالانصّ فيه

منطقة الفراغ في عصر الرسول

الاعتراضات على الفكرة

أضغط لتحميل المقال

عن arabi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Google Analytics Alternative