خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد وجميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 5 مذكرة / مقتطفات من كلمة سماحة الشيخ هادي النجفي بمناسبة رحيل المرجع شبيري الزنجاني “ره”

مقتطفات من كلمة سماحة الشيخ هادي النجفي بمناسبة رحيل المرجع شبيري الزنجاني “ره”

الاجتهاد: مقتطفات من كلمة سماحة الشيخ هادي النجفي (دامت بركاته) في درسه الرجالي بمناسبة رحيل المرجع الكبير السيد الشبيري الزنجاني “قدّس سرّه”

– هذه هي الجلسة الأولى (١) من جلسات الدرس الرجالي التي نعقدها بعد رحيل سيدنا الأستاذ، آية الله السيد موسى شبيري الزنجاني رضوان الله تعالى عليه، وكنا قد استذكرناه في الجلسة الأولى من الدورة السابقة، مبينين أننا تشرفنا بدراسة دورة في علم الرجال بين يديه وأفدنا منه، كما ذكرتُ ذلك للإخوة في مستهل هذه الدورة أيضاً، واليوم هي أولى الجلسات التي تُعقد بعد ارتحاله.

ومن هنا فمن اللائق والواجب أن نُجِلّ هذا الرجل العظيم ونُكرمه؛ إذ لو أُريد في عصرنا الإشارة إلى مصداق لـ «الرجالي بالحمل الشائع الصناعي»، لكان هو آية الله الشبيري رضوان الله تعالى عليه؛ فقد كان رجلاً دقيقاً، محققاً، متتبعاً، ومنصفاً.

وهذا الإنصاف أمر بالغ الأهمية، حتى إنه ربما طرح بعض تلامذته إشكالاً أو مطلباً في مجلس درسه، فلا يقبله الأستاذ في حينه، ثم إذا كان الغد جاء وقال: «لقد قال فلان بالأمس كذا، فتأملتُ في كلامه ورأيتُ أنّ الصواب معه». فانظروا إلى هذا الإنصاف! إذ كان يرجع عن كلامه ويأخذ بكلام تلميذه قائلاً: «هذا صحيح»، مع أنه لم يقبله منه بالأمس، بل كان يقول: «فكرتُ بالأمس فرأيتُ اتفاقاً أنّ ما قاله فلان في مجلس الدرس بالأمس هو الصحيح» وانتهى الأمر.

ومثل هذه السيرة والمسلك تتطلب نفساً سليمة، وقلباً سليماً، ونفساً طاهرة منزهة عن الهوى، وكان السيد الشبيري كذلك حقاً وواقعاً.

– وعندي حكايات كثيرة عن السيد الشبيري لو أردتُ استقصاءها لما وسعنا وقت الدرس، ومن ذلك – ولعله في لقائي الأول معه أو في أوائل لقاءاتي به – أنني طلبت منه نسخة خطية من مكتبته – وكانت بخط والده آية الله السيد أحمد الزنجاني – فقلتُ: «سيدنا، إني بحاجة إلى هذا الكتاب لأستنسخ منه نسخةً مصوّرة – وكان ذلك قبل خمسة عقود تقريباً ولم يكونوا في ذلك الزمان يصوّرون المخطوطات بالكاميرات ولم تكن أجهزة الزيروكس الحديثة قد ظهرت بعد، بل كانت آلات الاستنساخ الفوتوغرافي القديمة (الفوتوكوبي) – فقال لي: على الرأس والعين، تعال غداً لأعطيك إياها»، ولم أكن أصدق في نفسي أنه سيأتي بالكتاب غداً ويعطيني إياه! فلما جئتُ في الغد، قال: «هاك الكتاب»، ولو أنني أخذتُ الكتاب ومضيتُ ولم أُرجعه، فما الذي كان بيد السيد الشبيري ليلزمني به؟ لم يكن هناك شيء ! لكنه أعطانيه ثقة بي.
وبالطبع، فقد أخذتُ النسخة واستنسختها ثم أرجعتها إليه وشكرته وسلّمته المخطوط، وتكررت هذه الواقعة بيني وبين السيد الشبيري مرات عديدة.

وقد علمتُ بعد ذلك من خلال القصص والحكايات أنّ والده المرحوم آية الله السيد أحمد الزنجاني كان على هذا المنوال أيضاً …

– كان السيد الشبيري يمثل حالة فريدة، كان ودوداً وصديقاً للجميع، مع شتى الأطياف والاتجاهات في الوسط الحوزوي ورجال الدين ولكم أن تعدّوا ذلك فضيلةً وحَسَناً، وقد يأتي من ينظر بمنظار فئوي فلا يراه حَسَناً، أما أنا فأعده فضيلة ومأثرة، فقد كان بمثابة الوالد للجميع، فكان كل من تعترضه مشكلةٌ من أي طيف كان، يقصد السيد الشبيري، وكان سماحته يسعى في حلّ مشكلته… وكان السيد الشبيري يقوم بمثل هذه المساعي لخلق كثير إلى ما شاء الله، لصالح مختلف الأطياف ومتباين التوجهات.

– وأما في مقام التحقيق والتتبع العلمي فإنّ السيد الشبيري كان يرى نفسه الأعلم مثلاً في مسألة الحج وأحكامه، وكان يقول: «أنا أعلمُ من غيري في الحج»، وذلك لأنه اشتغل فيه وبذل فيه جهداً تحقيقياً واسعاً، وبالفعل قد أتعب نفسه في ذلك ولم يكن قوله هذا في غير محله أو بعيداً عن الصواب ! إذ أدّى مناسك الحج مراراً كما يظهر، وفضلاً عن حجاته المتعدّدة تلك، فقد عكف من الناحية العلمية على البحث والتحقيق في أحكام الحج لسنوات طوال.

– ولم يكن منهج السيد الشبيري في التحقيق كمنهجنا نحن، بأن يقتصر الباحث على مراجعة روايتين وتصفّح «الشرائع» و «الجواهر وأمثال ذلك، بل كان يراجع شتّى المصادر والكتب، ويطلع على مختلف النسخ الخطية، ويقابل الروايات بالنسخ المخطوطة.

ولم يكن كحالنا نقتصر على مراجعة وسائل الشيعة فحسب، بل كان يرجع إلى المصادر والأصول الأُمّ التي اعتمد عليها صاحب الوسائل، ثمّ يعمد إلى مخطوطات تلك الأصول.

هكذا كان أسلوبه رحمةالله عليه في البحث، فكان له تتبع علمي فريد يختص به.

وكذلك كان دأبه في غير الحجّ أيضاً؛ فكان مجلسه مجلس إفادة واستفادة، وكلّ من زاره وجد البحث العلمي قائماً ومستمراً.

– وأذكر أنني قصدت مشهد ذات صيف للزيارة لأيام معدودة، وكان السيد الشبيري يقصد مشهد أحياناً في فصل الصيف ويمكث فيها مدة، وكان قد اشترى داراً هناك يُقيم فيها هرباً من حرارة الصيف في قم.
وفي يوم كنت ذاهباً لزيارة الإلهي الخراساني – رحمه الله فقد كان شيخاً فاضلاً صالحاً – فقال لي: «إنّ السيد الشبيري موجود في مشهد، فهل ترغب في لقائه؟» فقلتُ: «نعم»، وأخذتُ العنوان منه.
وفي اليوم التالي، قبل الظهر ، توجهت للقاء السيد قدس سره و خلال الساعة أو الساعتين اللتين أمضيناهما في خدمته قبل الظهر ، طرح فرعاً من فروع «العروة الوثقى»، فكان يبسط القول فيه ويشرحه، ويبدو أنه كان يكتب تعليقةً على ذلك الفرع.

ولذا تجده يقول بدقة في مواضع كثيرة: إنّ السادة المحشين على العروة لم يفهموا مراد صاحب العروة ولم يلتفتوا إليه، والتعليقة التي علقوها خاطئة، فليس هذا مراد صاحب العروة، بل مراده كذا، وهؤلاء لم يلتفتوا إلى ذلك فعلقوا».

حتى إنه بالنسبة إلى أحد الفقهاء المعاصرين له (رضوان الله تعالى عليه ) – ممن لا نذكر اسمه الآن – كان قد ذهب السيد الشبيري إليه بنفسه بشأن تعليقته المطبوعة، وقال له:
يا سيدنا، هذه هي العروة، وأنتم قد علّقتم هذه التعليقة، ولكن هذه التعليقة لا تنطبق على المتن، وجنابكم قد أخطأتم في ذلك». فرأى ذلك العالم أن كلام السيد الشبيري صحيح، فرفع تعليقته من ذلك الموضع من العروة، ولم تعد تلك التعليقة بعينها موجودةً في الطبعات اللاحقة.
وهذا أمر عظيم جدا! نعم، فهؤلاء جميعًا رجال بررة وأهل نقاء سريرة.

– كان السيد الشبيري من حيث الاستعداد في ذروة الاستعداد، بل كان يُعد في الواقع من النوابغ، أي إنّه نابغةٌ من حيث الاستعداد والقابلية، وفي الحقيقة، أقل ما يُمكن أن يُقال في حق السيد الشبيري من حيث الاستعداد إنّه يتمتّع بقريحة واستعداد باهر وفائق للغاية. وقد ورث أولاده هذا الاستعداد الباهر الفائق، أبناؤه وبناته على السواء، فكلهم ذوو استعدادات مشرقة باهرة للغاية. نعم، وكلّهم من زوجة واحدة، إذ لم تكن له إلا زوجة واحدة، وأولاده الاثنا عشر كلّهم من زوجة واحدة.

– غالبا ما يكون أصحاب الذكاء الحاد والاستعداد الوقاد عازفين عن العمل وبذل الجهد؛ إذ يدعوهم ذلك الاستعداد إلى الاتكال عليه فيتكاسلون ولا يعملون، أما السيد الشبيري فكان يجمع بين الاستعداد الفائق من الدرجة الأولى وبين الهمة العالية والسعي والتحقيق والعمل الدؤوب من الدرجة الأولى أيضًا، ومَن كان بمثل هذا الاستعداد وبمثل هذا السعي والجهد الذي بذله السيد الشبيري، فماذا تراه يصنع بطبيعة الحال؟ لا شك أنه يرتقي وينمو، ولذا نما السيد الشبيري وارتقى حتى حلّ في طليعة فقهاء الشيعة، وتصدّر في غرة فقهائها.

واليوم، إذا أراد أحد أن يُصدر رسالةً عملية (توضيح المسائل) لابد أن تكون عبارة السيد الشبيري في رسالته العملية نصب عينيه ولا أقول إنّه يجب أن يوافقه فقها، ولكن لا بد له من أن يلحظ عبارة السيد الشبيري؛ لأنّ السيد الشبيري كان يدقق في مفرداتها كلمة كلمة وكذلك في شأن مناسك الحج والعمرة لا بد أن تكون مناسك السيد الشبيري ماثلة أمامه، لأنه كان رجلًا دقيق النظر، رفعه ذلك الاستعداد مقرونا بذلك الجهد الدؤوب إلى الرعيل الأول.

– كان السيد خاليا من الهوى وحظوظ النفس، فلم يكن لهذا الرجل أي هوى على الإطلاق، لا شيء! بل كان سلما مع الجميع فمع سائر طبقات أهل العلم ورجال الدين وأطيافهم كان في سلام ووفاق مع الجميع.

– النكتة الأخرى هي الفكر الجوّال النقاد لدى السيد الشبيري، حتى قلّما كان يستقر على رأي أو مطلب، فقد يقول اليوم هذا القول، ثمّ يأتي في الغد فيغيّر المطلب، ثم يغيّر بعد غد ما رآه بالأمس! لأن ذهنه كان جوّالا، نقادًا، حتى إنه كان يعيد نقد كلام نفسه الذي قاله بالأمس؛ لأنه كان يُعمل الفكر فينقده ثانية.
وقد ذكر هو بنفسه ذات مرّة أنّ الميرزا الشيرازي الكبير لم يتمكن من تقديم أثر مكتوب بسبب جولان فکره.

– مضى درس الرجال اليوم في رثائه وعرض هذه الكلمات في تأبينه، غير أن آية الله الشبيري (رحمة الله عليه وقدّس الله أسراره) كان فوق جميع هذه المعاني التي ذكرتها لكم.

وحكايتي مع آية الله الشبيري إنما كانت بحد ما عرفته أنا به، وإلا فإنّ شأن السيد الشبيري كـ (حكاية المولوي في معرفة الفيل في الظلام، هكذا عرفته أنا، لكنه كان فوق معرفتنا وإدراكنا، وجعل الله له الجنة، وياله من موضع دفن فيه! إلى جوار المرحوم السيد أحمد الخوانساري في مسجد بالاسر، وكان جديراً بهذا المدفن.

و[ هنا أستذكر وأقول بأن] من الأمور التي لم تكن تفوت السيد الشبيري نوافله، شأنه شأن السيد أحمد الخوانساري، ففي الصباح كان يأتي للصلاة فيصلي ركعتي النافلة أولاً، وفي الظهر كان يأتي إلى المدرسة الفيضية لإقامة الصلاة وكان يصلي نافلة الظهر أولاً ثم يصلي صلاة الظهر، وكان على الطلاب أن ينتظروا بعد صلاة الظهر، إذ كان يصلي نافلة العصر، ثم يصلي صلاة العصر وكان يجلس بعد ذلك.

وعلى أي حال، فقد فقدنا في الأسبوع الماضي رجلاً عظيماً، رضوان الله ورحمته عليه، فقد كان رجالياً محققاً، وفقيهاً متتبعاً دقيقاً، وله جهات متعدّدة ذكرتُ إجمالها لخدمتكم، ويقتضي تفصيلها بحثاً مستقلاً، فالكلام عن السيد الشبيري لا ينقضي بهاتين الكلمتين، غير أنّ الوقت قد ضاق، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

الفاتحة لروحه الطاهرة مع الصلوات.

 

(۱) الرابع من شهر مهر سنة ١٤٠٥ هـ.ش الموافق يوم السبت ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ، وقد تم انتخاب أهم ما ورد في كلمة سماحة الشيخ النجفي (دام عزه) مع بعض التصرف من التعديل والتأخير والتقديم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *