خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 5 مذكرة / حلقات الأصول للسيّد الشهيد محمد باقر الصدر (ره) بين صياغتين / الشيخ عبد الغني العرفات
حلقات-الأصول

حلقات الأصول للسيّد الشهيد محمد باقر الصدر (ره) بين صياغتين / الشيخ عبد الغني العرفات

الاجتهاد: حاول الشهيد آية الله السيّد محمد باقر الصدر(قدّس سرّه) تطوير علم اُصول الفقه في كتابه (دروس في علم الاُصول) المعروف بالحلقات، وذلك من حيث المنهج والاُسلوب والمحتوى. وهذه المحاولة قد تكون موفّقة، وقد يرد عليها ما ورد على غيرها من المحاولات التي سبقتها من محاولات التطوير في الدرس الاُصولي، فقد تكون ثمة ثغرات غفلت عنها، أو أن تكون قد حدثت دواعي تجديد أخرى بحيث أصبحت محاولة الشهيد الصدر بعيدة عن الركب الاُصولي فتحتاج لمقومات اللحوق بهذا الركب.

وقد صدر قبل مدّة كتاب الحلقات في صياغة جديدة() تحت إشراف آية الله السيّد محمود الهاشمي – رحمه الله – وتقوم هذه الصياغة على إعادة ترتيب المباحث الاُصوليّة التي وضعها السيّد الصدر في الحلقات بما يتوافق مع الترتيب السابق الذي كانت تجري عليه أبحاث (الكفاية). فهل وفقت هذه المحاولة؟ هذا ما سنستعرضه في هذه الكلمات.

وقبل أن نقيّم هذه المحاولة علينا أن نذكّر أولاً بالمبرّرات التي وضعها السيّد الصدر لقيامه بكتابة الحلقات – مع اختصار منّا – قال (قدّس سرّه):

المبرّر الأوّل: أن هذه الكتب الأربعة – يعني (المعالم) و (القوانين) و (الرسائل) و (الكفاية) – تمثّل مراحل مختلفة من الفكر الاُصولي ، فالمعالم تعبّر عن مرحلة قديمة تاريخيّا من علم الاُصول، والقوانين تمثّل مرحلة خطاها علم الأصول واجتازها إلى مرحلة أعلى على يد الشيخ الأنصاري وغيره من الأعلام، والرسائل والكفاية نفسهما نتاج اُصولي يعود لما قبل مائة سنة تقريبا ،

وقد حصل علم الاُصول بعد الرسائل والكفاية على خبرة مائة سنة تقريبا من البحث والتحقيق على يد أجيال متعاقبة من العلماء المجدّدين ، وخبرة ما يقارب مائة سنة من البحث العلمي الاُصولي جديرة بأن تأتي بأفكار جديدة كثيرة وتطوّر طريقة البحث في جملة من المسائل وتستحدث مصطلحات لم تكن تبعا لما تتكّون من مسالك ومبان ،

ومن الضروري أن تنال الكتب الدراسيّة حظا مناسبا لها من هذه الأفكار والتطورات والمصطلحات لئلا يفاجأ بها الطالب في بحث الخارج دون سابق إعداد….
فالطالب لكي يتسلل من كتب السطح إلى درس الخارج كأنه يكلف بطفرة وبأن يقطع في لحظة مسافة لم يقطعها علم الأصول خلال تطوره التدريجي إلا في مائة عام.

المبرّر الثاني: أنّ الكتب الأربعة السالفة الذكر – على الرغم من أنّها استعملت ككتب دراسيّة منذ أكثر من خمسين عاما – لم تؤلّف من قبل أصحابها لهذا الهدف، وإنّما اُلّفت لكي تعبّر عن آراء المؤلّف وأفكاره في المسائل الاُصوليّة المختلفة ، وفرق كبير بين كتاب يضعه مؤلفه لكي يكون كتابا دراسيّاً وكتاب يؤلّفه ليعبّر فيه عن أعمق وأرسخ ما وصل إليه من أفكار وتحقيقات ،

لأنّ المؤلّف في الحالة الاُولى يضع نصب عينيه الطالب المبتدئ الذي يسير خطوة فخطوة في طريق التعرف على كنوز هذا العلم وأسراره، وأمّا في الحالة الثانية فيضع المؤلّف في تصوّره شخصا نظيرا له مكتملا من الناحية العلميّة ويحاول أن يشرح له وجهة نظره ويقنعه بها بقدر ما يتاح من وسائل الاقناع العلمي.

ومن الواضح أنّ كتابا يوضع بهذا الاعتبار لا يصلح أن يكون كتابا دراسيّاً مهما كانت قيمته العلميّة وإبداعه الفكري ، ومن أجل ذلك كانت الكتب الدراسيّة المتقدّمة الذكر غير صالحة للقيام بهذا الدور على جلالة قدرها العلمي لأنّها اُلّفت للعلماء والناجزين لا للمبتدئين والسائرين.

…ومن هنا لم يراع فيها أيضا ما يجب أن يراعى في الكتب الدراسيّة من التدرّج في عرض الأفكار من البسيط إلى المعقّد ومن الأسبق رتبة إلى المتأخّر، بحيث تعرض المسألة المتفرّعة ذاتا في تصوراتها على حيثيات مسائل اُخرى بعد أن تكون تلك الحيثيات قد طرحت وبحثت.

…ومن هنا لم يراع فيها ما يجب أن يراعى في الكتب الدراسية من توفير فهم مسبق عند الطالب للمسائل والقواعد التي يستعان بها لاثبات المدعى في مسألة أخرى والبرهنة عليها ، أو لاقتناص الثمرة الاُصوليّة لها.

…ومن هنا لم يحرص أيضا على إبراز الثمرة بكثير من المطالب التي يتبين من خلالها الارتباط بين تلك المطالب بعضها ببعض ، فاُهملت في كثير من الأحيان أوجه العلاقة بين الأفكار الأصولية ولم يتعرض لها إلا بقدر ما يحتاج إليه في مقام الاستدلال على مطلب أو ابطاله،

…ومن هنا لم يحرص أيضا على وضع كثير من النكات والمباحث في موضعها الواقعي وبصيغة تتناسب مع كليتها وأهميتها ، وإنما دست دسا في مقام علاج مشكلة أو دفع توهم أو أثيرت من خلال تطبيق من تطبيقاتها ومن الواضح أن الممارس العالم يستطيع من خلال ذلك أن يضع النكتة في موضعها الواقعي ويعطيها حدودها المناسبة، ولكن قلما يتاح ذلك للطالب فيبقى فهمه لتلك النكات والمطالب فهما تجزيئيا وضمن دوائر محدودة

…ومن هنا لم يحرص أيضا على اجتناب استعمال مصطلحات لم يأت بعد تفسيرها ، لأن الحديث في تلك الكتب مع العالم لا مع الطالب، والعالم محيط بتلك المصطلحات منذ البدء، ولهذا نجد في الصفحة الأولى من الكفاية استعمال مصطلح حجية الظن بناء على تقرير دليل الانسداد على الحكومة وهو مصطلح لا يكشف النقاب عنه إلا في أواسط الجزء الثاني من الكتاب.

المبرّر الثالث: وهو أيضا ناتج عن الحالة العامّة التي لوحظت في المبرر السابق ، وهي أن المؤلّفين كانوا يكتبون لأمثالهم لا للمبتدئين. وحاصل هذا المبرّر أنّ المقدار الذي ينبغي أن يعطى من الفكر العلمي الاُصولي في مرحلة السطح يجب أن يحدّد وفقاً للغرض المفروض لهذه المرحلة ، والذي أعرفه غرضا لهذه المرحلة تكوين ثقافة عامّة عن علم الاُصول لمن يريد أن يقتصر على تلك المرحلة ، والاعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس،

وهذا هو أهمّ الغرضين فلا بدّ إذن أن يكون المعطى بقدر يكفل ثقافة عامّة تحقّق هذا الاعداد وتوجد في الطالب فهما مسبقا بدرجة معقولة لما سوف يتلقّى درسه من مسائل ، ومرتبة من العمق والدقة تتيح له أن يهضم ما يواجهه في أبحاث الخارج من أفكار دقيقة موسّعة وبناءات فكرية شامخة،

ومن الواضح أن هذا يكفي فيه أن توفر الكتب الدراسية على إعطاء علم الاُصول بهيكله العامّ، ولا يلزم أن يمتدّ البحث في تلك الكتب إلى التفريعات الثانويّة ويتلقى وجهات نظر فيها بل الأفضل أن تترك هذه التفريعات على العموم إلى أبحاث الخارج ما دامت المفاتيح التي سوف يتسلّمها الطالب كافية لمساعدته على الدخول فيها بعد ذلك مع اُستاذ بحث الخارج…

المبرّر الرابع: أن الطريقة المتبعة في تحرير المسائل وتحديد كلّ مسألة بعنوان من العناوين الموروثة تاريخيّا في علم الاُصول لم تعدّ تعبّر عن الواقع تعبيرا صحيحا، وذلك لأنّ البحث الاُصولي من خلال اتساعه وتعميقه بالتدريج منذ أيّام الوحيد البهبهاني إلى يومنا هذا طرح قضايا كثيرة جديدة ضمن معالجاته للمسائل الاُصولية الموروثة تاريخيّا،

وكثير من هذه القضايا تعتبر من الناحية الفنيّة ومن الناحية العمليّة معا أهم من جملة من تلك المسائل الموروثة ، بينما ظلت هذه القضايا تحت الشعاع ولا تبرز إلا بوصفها مقدمات أو استطرادات في مباحث تلك المسائل.

ملاحظات على الصياغة الجديدة:

جرت محاولات عدّة لتنظيم مباحث الأصول تحت أبواب وأقسام، فقدّمت مباحث على مباحث بحيث يؤثّر السابق في فهم اللاحق وغير ذلك من اللحاضات الفنيّة .

وهذه المحاولات قديمة زمنًا على (الكفاية)و(الرسائل) وهما الكتابان اللذان غيّر الشهيد الصدر ترتيب مسائلهما. ومن هذه المحاولات ما قام به الفاضل التوني (ت 1071ه) في كتابه (الوافية) فقسّم المباحث إلى مباحث الألفاظ والمباحث العقلية ، وأدرج مبحث مقدمة الواجب ، والضد ، ومباحث المفاهيم ،

في قسم المباحث العقلية تحت عنوان (التلازم بين حكمين) بينما يدرجها صاحب الكفاية في المجلّد الأوّل الخاص بمباحث الألفاظ() ، وقد التزم الشيخ محمد حسين الأصفهاني بمنهج الفاضل التوني إلى حدّ ما في كتابه (الاُصول على النهج الحديث)().

فنقول : إذا كان الاعتبار والقيمة لمنهج القدماء فلماذا لم يؤخذ بمنهج الفاضل التوني ومن سار على نهجه كالأصفهاني ؟

وأما إذا كانت العبرة هي أهمّية بحث على بحث، بلحاظ كون أسبقيته في العرض مؤثرة في فهم المطلب الآخر أو بلحاظات فنّية اُخرى فلماذا لا نأخذ به سواء كان قديما أو حديثا.

وقد ذكر السيّد الشهيد أهميّة تقديم بعض الأبحاث على بعض بلحاظات فنيّة وعلميّة عديدة ضمن المبررات الأربع التي استعرضها في مقدمة الحلقات لاستبدال الكتب الدراسية السابقة بغيرها. والملحوظ أنّ سماحة السيّد الهاشمي “ره” قد غيّر تنظيم مباحث الحلقات وأرجعها إلى ما كانت عليها في كتاب الكفاية.

ولأجل تقييم الصياغة الجديدة التي تبنّاها السيّد الهاشمي لهذا الكتاب لابدّ لنا من دراسة هذه الصياغة في ضوء المبرّرات الأربع التي ذكرها السيّد الشهيد رحمه الله في مقدّمة الكتاب، لنرى مدى نجاح هذه الصياغة أو عدم نجاحها في الحفاظ على ملاكات تلك المبرّرات:

1- في ضوء المبرّر الأوّل:

أمّا في ضوء المبرّر الأوّل الذي أكّد فيه السيّد الشهيد قدّس سرّه على أنّ علم الاُصول قد حصل – بعد كتابي (الرسائل) و (الكفاية) – على خبرة مائة سنة تقريباً من البحث والتحقيق على يد أجيال متعاقبة من العلماء المجدّدين، وخبرة ما يقارب مائة سنة من البحث العلمي الاُصولي جديرة بأن تأتي بأفكار جديدة كثيرة ،

وتطوّر طريقة البحث في جملة من المسائل، وتستحدث مصطلحات لم تكن، تبعاً لما تتكوّن من مسالك ومبان . ومن الضروري أنّ تنال الكتب الدراسيّة حظّاً مناسباً لها من هذه الأفكار والتطوّرات والمصطلحات، لئلّا يفاجأ بها الطالب في البحث الخارج من دون سابق إعداد.

فإننا نجد أنّ السيّد الهاشمي “ره” وإن كان قد بذل سعيه للحفاظ على ملاك هذا المبرّر في الصياغة الجديدة للكتاب، وذلك بعدم حذف شيء مما أضافه السيّد الشهيد رحمه الله فيه لينال الحظ المناسب له من الأفكار والتطوّرات والمصطلحات الجديدة، ولكنّه قد غيّر مواضعها من حيث التقديم والتأخير في العرض والأداء بما يباين – في الغالب – ما اختاره السيّد الشهيد رحمه الله من مواضعها الطبيعيّة المناسبة لها، وستجد جملة من نماذج ذلك في ضوء المبرّرات القادمة.

وهذا السعي – طبعا – سعيٌ مشكور من قبله حفظه الله وإن قلّت ثماره بسبب ما قلنا من تغيير المواضع في العرض والأداء ، كما سيظهر ذلك في ضوء المبرّرات القادمة.

2- في ضوء المبرّر الثاني:

وأمّا في ضوء المبرّر الثاني، فبينما أكد السيد الشهيد قدّس سرّه على ضرورة التدرّج في عرض الأفكار من الأسبق رتبةً إلى المتأخّر ، بحيث تعرض المسألة المتفرّعة ذاتاً في تصوراتها على حيثيّات مسائل اُخرى بعد أن تكون تلك الحيثيّات قد طرحت وبحثت ، نجد أنّ السيّد الهاشمي “ره” قد غيّر هذا التدرّج ضمن الصياغة الجديدة للكتاب في جملة من المباحث العلميّة الواردة فيه.

وفي هذا الصدد نكتفي بذكر نموذجين من الابحاث التي خالف فيها السيّد الهاشمي التدرّج المذكور في هذا المبرّر :

أوّلاً : نلاحظ أنّ السيّد الهاشمي رحمه الله قدّم بحث الإطلاق ومقدّمات الحكمة على بحث العموم بحسب الترتيب الذي التزمه في الكتاب لأجل الحفاظ على التدرّج الذي أشار إليه في هذا المبرّر ، وذلك بسبب ما تشتمل عليه مباحث العموم من مسألة توقّف دلالة أداة العموم على إجراء الإطلاق ومقدّمات الحكمة في مدخولها ، أو عدم توقفها على ذلك،

وهذا ما يستدعي الفراغ مسبقاً عن تصوّر الإطلاق ومقدّمات الحكمة ووظيفتها ، ولكنّ السيّد الهاشمي قدّم في الصياغة الجديدة للكتاب – في الحلقة الثانية والثالثة معاً- بحث العامّ والخاص على بحث الإطلاق والتقييد تبعاً للنهج الواردفي كتاب الكفاية .

وثانياً: نلاحظ أنّ السيّد الشهيد قدّس سرّه أخّر البحث في قاعدة (إجزاء الأوامر الإضطراريّة عن الحكم الاختياري) عن بحث التخيير بين الأقل والأكثر وافتراض استحالته لأجل الحفاظ على التدرّج المذكور في هذا المبرّر أيضاً، وذلك بسبب أنّ تصوّر التخيير بين الأقل والأكثر وافتراض استحالته دخيلٌ في استيعاب تلك القاعدة ، ولكنّ السيّد الهاشمي قد عكس ذلك أيضاً في الصياغة الجديدة للكتاب ، حيث قدّم استعراض قاعدة الإجزاء على بحث التخيير بين الأقل والأكثر في الحلقة الثانية من الكتاب

3- في ضوء المبرّر الثالث :

وأمّا في ضوء المبرّر الثالث – الذي أكّد فيه السيّد الشهيد قدّس سرّه على كفاية إعطاء علم الاُصول بهيكله العام في الكتب الدراسيّة في مرحلة السطوح ، ولا يلزم أن يمتدّ البحث في تلك الكتب ويتلقّى وجهات النظر فيها إلى التفريعات الثانوية ، كالبحث في (استصحاب عدم التذكية) وبحث (لا ضر ولا ضرار)

بل الأفضل أن تترك هذه التفريعات على العموم إلى أبحاث الخارج – فإنّنا نرى أنّ السيّد الشهيد رحمه الله لم يكتف في حذف الابحاث غير الضروريّة في كتاب الحلقات على بحثي (استصحاب عدم التذكية) و(لا ضرر ولا ضرار) بل إنّه لم يتعرّض أيضاً الى جملة من الأبحاث الاُخرى التي يبدو أنّها مشمولة لملاك هذا المبرّر الثالث وإن تعرّض لها الاصحاب في الكتب السابقة ، من قبيل بحث (الحقيقة الشرعيّة ) و(الصحيح والأعم ) و (المشتق) ولكنّ السيّد الهاشمي “ره” أرجعها إلى الكتاب في الصياغة الجديدة للحلقة الثالثة بما استغرق ما يقارب أربعين صفحة بحسب طبعة الصياغة الجديدة للكتاب .
وقد ذكر بعض أساتذة الحوزة بعد ثمانين درساً في البحث المشتق : عدم ظهور ثمرةٍ له

4- في ضوء المبرّر الرابع :

وأمّا في ضوء المبرّر الرابع – الذي أكّد فيه السيّد الشهيد رحمه الله على وجود عيب فنّي كبير في الكتب الدراسيّة السابقة ، وهو عبارة عن أنّ البحث الاُصولي من خلال اتساعه وتعمّقه بالتدريج طرح قضايا كثيرة جديدة ضمن معالجته للمسائل الاُصولية الموروثة تاريخيّاً ،

وكثير من هذه القضايا تعتبر من الناحية الفنيّة ومن الناحية العمليّة معاً أهم من جملة من تلك المسائل الموروثة ، بينما ظلّت هذه القضايا تحت الشعاع في الكتب الدراسيّة السابقة، ولا تبرز إلّا بوصفها مقدّمات أو استطرادات في مباحث تلك المسائل – فإننّا نجد أنّ السيّد الشهيد رحمه الله لإجل تلافي هذا العيب الموجود في الكتب الدراسيًة السابقة قد اقتطف جملةً من القضايا العقليّة المهمّة في علم الاُصول التي جاءت في الكتب الدراسية السابقة في ذيل دلالات الأمر ، وصارت تحت الشعاع لبحث (دلالة الأمر بالشيء على وجوب مقدّمته ) أو لبحث (دلالة الأمر بالشيء وعلى حرمة ضدّه ) ووضعها في كتاب الحلقات ضمن باب مستقل بعنوان (بحث الأدلة العقليّة) واختار لكلّ واحدةٍ منها عنواناً مستقلاً لا يوجب دخولها تحت شعاع بحث آخر، وذلك من قبيل :
1- قضيّة (إمكان الشرط المتأخّر أو استحالته).
2- قضيّة (إمكان الواجب المعلّق أو استحالته).
3- قضيّة (ضرورة تقيّد التكليف بعدم الاشتغال بالمزاحم ).
4- قضيّة (عدم جواز تضييع المقدّمات المفوّته).

وقد أرجع السيّد الهاشمي “ره” في الصياغة الجديدة للحلقة الثانية والثالثة معاً – هذه القضايا إلى بحث الأوامر مرّة اُخرى تحت عناوين فرعيّة ضمن العناوين الكبيرة الموروثة تاريخياً في علم الاُصول رغم كونها لا تقل أهميّة من تلك العناوين الكبيرة الموروثة في هذا العلم.

وبهذا أصبحت ثلاث من هذه القضايا المهمّة – وهي القضية الاُولى والثانية والرابعة – تحت شعاع عنوان كبير من العناوين الموروثة تاريخياً في علم الاُصول وهو عنوان (دلالة الأمر بالشيء على وجوب مقدّمته) وأصبحت واحدة منها – وهي القضية الثالثة – تحت شعاع عنوان كبير آخر من العناوين الموروثة تاريخيّاً في علم الاُصول وهو عنوان (دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضدّه) وهذا يعني رجوع العيب الفنّي المذكور في المبرّر الرابع مرّةً اُخرى في الصياغة الجديدة لهذا الكتاب .

وبهذه التغييرات المنهجيّة الواسعة التي أشرنا إلى بعضها قد ضيّع السيّد الهاشمي “ره” الكثير الكثير من ملاكات المبررات الأربعة التي ذكرها السيّد الشهيد رحمه الله لاستبدال الكتب الدراسيّة السابقة بهذا الكتاب، وهذا لم يكن مرجوّاً من مثل سماحة السيّد الهاشمي “ره” الذي هو من أبرز تلامذة السيّد الشهيد قدّس سّره .

العذر الوحيد لوضع الصياغة الجديدة :

وأخيراً أقول : إنّ العذر الوحيد الذي يمكن لسماحة السيّد الهاشمي “ره” أن يلتمسه لنفسه في وضع هذه الصياغة الجديدة لكتاب الحلقات، عبارة عن دعوى أنّ هذه ليست محاولةً لتغير الكتاب الذي ألّفه السيّد الشهيد رحمه الله ونسخ صياغته الاُولى بالمرّة ،

وإنّما هي محاولة لإيجاد صياغة اُخرى إلى جنب الصياغة الاُولى لهذا الكتاب تلبيةً لرغبة من يرغب لهذه الصياغة الجديدة حتّى إن كانت مفضولةً بالقياس الى الصياغة الأصليّة الصادرة من السيّد الشهيد رحمه الله، وهذا لا يعني ترك الصياغة الأصلية الفاضلة، أو نسيانها ، أو نسخها بصورة نهائيّة إلا أنّ هذا العذر لا نجده معذّرًا له أبداً رغم كلّ احترامنا وإجلالنا له،

وذلك لعدة اعتبارات :

أوّلاً ،إنّ وضع إنتاج مفضول إلى جنب إنتاج فاضل يعتبر قبيحاً عرفاً وعقلائيّاً مهما كان مجال ذلك الإنتاج ، وبالأخص فيما إذا كان في الجال العلمي والدراسي ، ولا سيّما إذا كان التفاوت بينهما في الفضيلة كبيراً جدّاً ، كما هو كذلك بالفعل .

وثانياً : إنّ هذه العمليّة تؤدّي إلى إغراء عدد كبير من طلاب العلوم الدينيّة، وإيجاد توهّم خاطئ لهم بأفضليّة هذا المفضول .

وثالثاً: إنّ القائم بوضع هذه الصياغة الجديدة ليس شخصاً مجهولاً، أو عاديّاً، أو من صغار أعضاء الحوزة العلميّة ، وإنّما هو رمز بارز من رموز الحوزة العلميّة ومن أبرز تلامذة السيّد الشهيد المعروفين، وهذا ما يجعل لعمله هذا دلالة عرفيّة واضحة على أنّه قد أراد بعمله هذا تصحيح عمل اُستاذه وتغييره نحو الكمال حسب رأيه واعتقاده ، لا مجرّد وضع إنتاجٍ مفضول إلى جنب إنتاجٍ فاضل .

وقد كنت أتمنى على السيّد الهاشمي – رحمه الله تعالى – أن يترك محاولة السيّد الشهيد للتجربة زمنا أطول، فالمدّة التي مارستها الحوزة في تدريس الحلقات غير كافية للحكم على عدم جدارتها، بل تترك التجربة لتأخذ مداها ويتم تعديل الوضع القائم ليتلائم مع هذه التجربة، وتزول الموانع التي ربما وجدت دون نجاحها ، لا أن يقوم بتطوير التجربة لوضع خاطئ كما كان يعتقد السيّد الشهيد من خلال ما عرضناه من المبرّرات التي ذكرها في مقدّمة الحلقات .وكان بإمكانه حفظه الله أن يقوم بمحاولة مستقلة في تأليف كتاب مستقل يضع فيه ما يراه مناسبا.

والحمد لله أوّلاً وآخراً وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Slider by webdesign