خاص الاجتهاد: يتناول فضيلة الشيخ حيدر الكرباسي في بحث فقهي مفصل الحكم الشرعي للمضائق البحرية، ولا سيما مضيق هرمز، من أربع جهات رئيسية: السلطنة عليها ملكية وولاية، وحكمها بعد الدخول في معاهدات دولية، وحكم المضائق التي تستعمل كممر للمواد الضرورية، وحكم استخدامها كسلاح ضد الخصوم في حالة الحرب.
الجهة الأولى: السلطنة على المضائق
وطرح فضيلته ثلاثة احتمالات فقهية في هذه المسألة:
الاحتمال الأول: التفصيل بين ما كان المضيق فيه حدثاً طبيعياً، فيكون للإمام كسائر المنافع الطبيعية العامة، أو اصطناعياً بشرياً كالقناة، فيكون لصانعه.
الاحتمال الثاني: أن المضائق كسيوف البحار التي عُدّت من الأنفال، فهي للإمام مطلقاً.
الاحتمال الثالث – وهو الأقوى: أن المضائق ممرات مائية كالطرق البرية، فالمضيق المحاط بدول لها مخرج واحد يشبه الطرق ذات المخرج الواحد (بُن بَست بالفارسية)، وهي ملك لملاك البيوت المطلة عليها بنحو الشركة. وبالتالي يكون المضيق بما فيه من ثروات حيوانية ونباتية ومعدنية ملكاً لملاك الأراضي المطلة عليه.
وأوضح: إن كانت الأملاك المطلة أملاكاً شخصية لعموم الناس، يكون للإمام التصرف فيها بملاك الولاية العامة، وتنتقل الولاية للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة. وإن كانت للإمام أو المسلمين أو الدولة، فالتصرف راجع للإمام، وهنا يكون الفقيه الجامع للشرائط ولياً بلا خلاف.
الإحياء والملكية في العصر الحديث
وأشار الشيخ الكرباسي إلى أن المناطق المحيطة بالمضيق استراتيجية، فلا تأذن الدول بتملكها، فلا يحصل الإحياء الموجب للملكية. كما أن ما لا تأذن به الدولة لا يأذن به الحاكم الشرعي، لأن إذن الحاكم الشرعي شرط في الملكية بالإحياء. وبالتالي لا تصير مملوكة بالإحياء في عصرنا، وتكون من الأراضي التي باد أهلها والتي هي من الأنفال.
وخلص إلى أن المتولي على المضائق هو الحاكم الشرعي بناءً على الولاية العامة أو الولاية في الأمور العامة.
الجهة الثانية: حكم المضائق بعد المعاهدات الدولية
وذهب الشيخ الكرباسي إلى وجود إشكال في إطلاق لزوم الوفاء بالمعاهدات الدولية من ثلاثة وجوه:
الأول: أن المعاهدات تكون ملزمة إذا كانت بالاختيار لا الإكراه، وجملة كبيرة منها تحصل تحت سيف الخوف أو الإكراه.
الثاني: أن المعاهدات تكون لازمة إذا كانت معاوضية، والحال أن جملة كبيرة منها يكون العوض والمعوض فيها لطرف واحد وهو الإمام.
الجهة الثالثة: المضائق كممر للمواد الضرورية
وقسّم الباحث المضائق بحسب الأهمية إلى مضايق عالمية تشكل شريان الدم للعالم كمضيق هرمز، وأخرى ليست بهذه المثابة.
وقد يقال إن المضايق العالمية من الضرورات كالهواء والماء والغذاء والدواء، فيشملها حكم الضرورات. لكن هذا الحكم خاص بالضرورات المنحصرة ولا يتناول صورة وجود بديل كالممرات الأرضية وإن كانت كلفتها أكثر. كما أنه يختص بالممرات المختصة بالمواد الضرورية دون غيرها.
وأوضح أن للضروريات حكماً فقهياً خاصاً، فلا يجوز لأحد منع الاستفادة منها، ولكن جواز البيع لا ينافي الملكية كالأملاك المحتكرة. وفي الضروريات احتمالات فقهية: أعلاها أنه لا يصح الربح فيها بل يجب توفيرها مجاناً أو بثمن قليل من الأموال العامة، وأوسطها صحة الاتجار بأجرة المثل، وأدناها صحة الاتجار مطلقاً. وهذا كله يختص بالضروريات المنحصرة بفرد واحد وبمالك واحد.
الجهة الرابعة: استخدام المضائق كسلاح في الحرب
وشدّد الشيخ الكرباسي على أن الأحكام الثابتة عند الحروب تختلف عن غيرها، فالمعاهدات الدولية لا تكون ملزمة في الحروب لأن عدم الحرب شرط ضمني، ولأن الكافر الحربي بمجرد حربه تنفسخ ملكيته فتنتقل للإمام فتنهدم المعاهدة.
وأضاف: لو فُرض وجود أملاك شخصية فلا ضير في التصرف فيها في حالة الحرب بدون إذن مالكها، لأن ما دلّ على وجوب نصرة أهل الإيمان يتناول النصرة العسكرية والاقتصادية، ويتناول النصرة بالنفس وبالمال ولو كان المال مضيقاً مائياً، فيلزم تمكينهم من التصرف بالمضيق لأنه سلاح اقتصادي. ووجوب البذل ينقل السلطنة من المالك إلى المبذول إليه.
تصرف الجمهورية الإسلامية في مضيق هرمز
بناءً على ما تقدم، رأى الشيخ الكرباسي أنه يحق للجمهورية الإسلامية التصرف في مضيق هرمز حتى مع فرض وجود أملاك شخصية للناس تطل عليه، وحتى مع عدم إذن الدول المطلة عليه، وحتى مع عدم إذن الجهات الدولية المخولة فيه، وحتى مع مخالفة القوانين الوضعية، لأنها متولٍّ شرعي عليه بناءً على الولاية في الأمور العامة.
مراحل الفقاهة
وختم الشيخ الكرباسي بحثه بالتنبيه على أن بعض الفقهاء تمر فقاهتهم بمرحلتين: مرحلة ملاحظة الأدلة النقلية واستخراج الأحكام الشرعية منها وفق القواعد، ومرحلة استخراج الأحكام وفق قانون تقديم الأهم على المهم عند التزاحم، المبتني على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.
وهذه المرحلة يضطر لها الفقيه حين تُسلَّم إليه مقاليد الزعامة، سواء كانت دينية اجتماعية أو دينية سياسية أو دينية اجتماعية سياسية، حيث يتصرف وفق تشخيصه للمصلحة بعد المشورة.
نص المحاضرة:
هناك أربع جهات في المضائق كمضيق هرمز ينبغي البحث عنها من الناحية الفقهية:
الأولى: من حيث السلطنة عليها ملكية وولاية.
الثانية: من حيث حكمها بعد الدخول في معاهدات ترتبط بها.
الثالثة: حكم المضائق التي تستعمل كممر للمواد الضرورية.
الرابعة: حكم استخدامها كسلاح ضد الخصوم في حالة الحرب.
ولنتكلم في هذه الجهات باختصار بعونه تعالى:
الأولى: من حيث السلطنة عليها ملكية وولاية.
المضائق فيها احتمالات فقهية:
الأول: التفصيل بين أن يكون المضيق حدث بأسباب طبيعية كما هو المعتاد،فيكون للإمام ع كغيرها من المنافع الطبيعية العامة.
أو بأسباب اصطناعية بشرية كالقناة،فيكون لصانعه لعمومات الإحياء.
الثاني: أنها كسيوف البحار التي عدت من الأنفال، فهي للإمام ع مطلقا لأنها من الأنفال.
الثالث: ـ وهو الأقوى ـ أن المضائق التي هي ممرات مائية كالطرق البرية ، فالمضائق المحاطة بالدول التي يكون لها مخرج واحد كالطرقات ذات المخرج الواحد التي تسمى بالفارسي ( بُن بَست)، و التي هي ملك لملاك البيوت التي تطل على هذا الطريق بنحو الشركة،وقد ذكر الفقهاء ذلك.
وبالتالي فيكون المضيق المائي بما فيه من الثروات الحيوانية والنباتية والمعدنية وغيرها ملك لملاك الأراضي المطلة على المضيق بنحو الشركة.
وحينئذ فإن كانت الأملاك المطلة كلا أو بعضا أملاكا شخصية لعموم الناس فيكون لهم، ويكون للإمام ع التصرف فيها بملاك الولاية العامة.
وتنتقل الولاية للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة بناءا على ثبوت الولاية العامة أو الولاية في الأمور العامة له.
وإن لم تكن كذلك بأن كانت كلا للإمام أو للمسلمين أو للدولة أو لغير ذلك من العناوين التي تكون الولاية فيها للإمام ع فالتصرف في كل ذلك راجع للإمام ع من باب الملك أو الولاية الخاصة، و هنا يكون الفقيه الجامع للشرائط وليا بلا خلاف.
ومن الناحية الواقعية فالمناطق المحيطة بالمضيق حيث إنها استراتيجية فلا تأذن الدول بتملكها، فلا يحصل الإحياء حتى يترتب عليه الملك.
على أن مالم تأذن به الدولة لا يأذن به الحاكم الشرعي إما لأن القائد حاكم شرعي وإما لأن بعض الدول ممضاة من الحاكم الشرعي فلا تصير مملوكة لأن الحق أن إذن الحاكم الشرعي شرط في الملكية بالإحياء.
فلا تصير مملوكة بالإحياء في عصرنا ولا بإحياء قبل عصرنا لأنه إما غير حاصل وإما لأن أهله بادوا،فتكون من الأراضي التي باد أهلها والتي هي من الأنفال.
على أنه لو فرض وجود ملك شخصي منذ سنين طويلة فيمكن مصادرته على الولاية في الأمور العامة،ولكن أصل هذا الفرض غير معلوم.
فتلخص: أن المتولي على المضائق هو الحاكم الشرعي بني على الولاية العامة أو الولاية في الأمور العامة أو لا.
هذا كله بالنسبة للجهة الأولى.
الثانية: من حيث حكمها بعد الدخول في معاهدات ترتبط بها.
قد يقال : إن المعاهدات الدولية تفرض على الدول التصرف في المضائق بمقتضيات تلك المعاهدات، لأن الولاية على الأموال ليست من قبيل الأحكام التي لا تنفذ فيها المعاهدات بل حكمها حكم الأملاك والحقوق من هذه الجهة.
و لكن في إطلاق لزوم الوفاء بالمعاهدات الدولية إشكال من وجوه:
الأول: أن المعاهدات الدولية تكون ملزمة إذا كانت بالاختيار لا الإكراه، وجملة كبيرة تحصل تحت سيف الخوف أو الإكراه.
الثاني: أن المعاهدات تكون لازمة إذا كانت معاوضية، فيتعبر فيها وجود عوض ومعوض،و الحال أن جملة كبيرة من المعاهدات يكون المعوض والعوض فيها لطرف واحد وهو الإمام عليه السلام.
الثالثة: حكم المضائق التي تستعمل كممر للمواد الضرورية.
إن المضائق قسمان بحسب الأهمية : فمنها مضايق عالمية تشكل شريان الدم للعالم كمضيق هرمز الذي تمر منه نسبة كبيرة من الطاقة للعالم وغيرها من المواد الضرورية ، ومنها ما لا تكون بهذه المثابة.
و قد يقال بأن المضايق العالمية من الضرورات، ككلي الهواء والماء والغذاء والدواء والأرض وغيرها، فيشملها حكم الضرورات كما سنوضح بعونه تعالى.
ولكن هذا الحكم خاص بالضرورات المنحصرة ولا يتناول صورة وجود بديل كممرات أرضية ونحوها وإن كانت كلفتها أكثر.
كما أنه يختص بالممرات المختصة بالمواد الضرورية دون غيرها، وما يمر بالمضائق عادة لا ينحصر بالمواد الضرورية.
(حكم الضروريات)
الضروريات لها حكم فقهي خاص فإنه لا يجوز لأحد منع الاستفادة منها ،ولكن جواز البيع لا ينافي الملكية كالأملاك المحتكرة.
وفي الضروريات احتمالات فقهية : أعلاها أنه لايصح الربح فيها بل يجب توفيرها مجانا أو بثمن قليل من الأموال العامة،وهو ظاهر بعض الروايات، ومقتضى دليل حرمة أخذ الأجرة على الواجبات.
وأوسطها أنه يصح الاتجار بها بأجرة المثل. وأدناها صحة الاتجار بها مطلقا.
ولكن هذا كله يختص بالضروريات المنحصرة بفرد واحد وبمالك واحد.
الرابعة: حكم استخدامها كسلاح ضد الخصوم في حالة الحرب.
الأحكام الثابتة عند الحروب تختلف عن الأحكام الثابتة عند غيرها.
فالمعاهدات الدولية لا تكون ملزمة في الحروب لأن عدم الحرب شرط ضمني،ولأن الكافر الحربي بمجرد حربه تنفسخ ملكيته ،فتنتقل للإمام فتنهدم المعاهدة لصيرورة المعوض والعوض لواحد.
ولو فرض وجود أملاك شخصية فلا ضير في التصرف فيها في حالة الحرب بدون إذن مالكها إذ ينبغي التنبه لنكتة دقيقة وهي أن ما دل وجوب نصرة أهل الإيمان يتناول النصرة العسكرية والاقتصادية ويتناول النصرة بالنفس و بالمال ولو كان المال مضيقا مائيا ،فيلزم تمكينهم من التصرف بالمضيق لأنه سلاح اقتصادي.
ووجوب البذل ينقل السلطنة من المالك إلى المبذول إليه،فتثبت السلطنة عليه في حالة الحرب حتى عند من لا يرى ثبوت الولاية في الأمور العامة للفقيه الجامع الشرائط.
ومما ذكرنا ظهر حكم تصرف الجمهورية الإسلامية في مضيق هرمز إذ يحق لهم التصرف فيه حتى مع فرض وجود أملاك شخصية للناس تطل عليه، حتى مع فرض عدم إذن الدول المطلة عليه ،حتى مع عدم إذن الجهات الدولية المخولة فيه،حتى مع مخالفة القوانين الوضعية.
لأنها متول شرعي عليه ،بني على الولاية في الأمور العامة أو لا.
(مراحل الفقاهة)
ثم إنه ينبغي التنبيه على أمر وهو أن بعض الفقهاء تمر فقاهتهم بمرحلتين: مرحلة ملاحظة الأدلة النقلية وحدودها واستخراج الأحكام الشرعية منها وفق القواعد المربوطة بها.
ومرحلة استخراج الأحكام وفق قانون واحد وهو تقدم الأهم على المهم عند التزاحم والمبتني على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد المعلومة في صورة الانفتاح أو المظنونة في صورة الانسداد، فيكون للعقل هنا مسرح واسع.
وهذه مرحلة لايصل لها الفقيه إلا بعد إحكامه للمرحلة الأولى وممارسته لها لفترة من الزمن.
وهذه المرحلة يضطر لها الفقيه حين تسلم مقاليد الزعامة إليه مطلقا كانت زعامة دينية اجتماعية أو كانت زعامة دينية سياسية أو كانت زعامة دينية اجتماعية سياسية.
والفقيه في هذه المرحلة يتصرف وفق تشخيصه للمصلحة بعد المشورة مع قطع النظر عن العمومات والإطلاقات و غيرها من البيانات الشرعية من حيث إن الكل مقيد عنده بالمصلحة وبقاعدة تزاحم الأهم والمهم، وأن باب تشخيص ذلك في ما يرتبط بالدين والمذهب مفتوح للعقل.
رابط مشاهدة البحث عبر اليوتيوب
الاجتهاد موقع فقهي