الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / التدقيق الفقهي عند الوحيد البهبهاني .. آية الله السيد أحمد المددي
الوحيد البهبهاني

التدقيق الفقهي عند الوحيد البهبهاني .. آية الله السيد أحمد المددي

إذا أردنا أن نحكم على روايات أهل البيت “عليهم السلام” وفقاً لكتاب الخلاصة لعله يفي بـ 20% من الأحاديث. فقد قام العلامة البهبهاني مضافاً إلى موافقته للأصحاب على العمل بالروايات إلى فتح باب جديد في الرجال، أي جعل طرق التوثيق للكثير من الضعفاء؛ لوجود رواياتهم في الكتب الأربعة أو رواية الأصحاب عنه أو لكونه صدوقاً، أو لكونه شيعياً في أصله وحسبه أو غيرها.

الاجتهاد: الكلام حول شخصية عظيمة علمية كالوحيد البهبهاني، يحتاج إلى عدّة جلسات وعدة محاور وعدة موضوعات وعدة نكات مختلفة جداً، ودراسات من زوايا مختلفة، لحياة هذا العالم العظيم لكن نتعرّض بالمقدار المختصر الذي يناسب المقام.

الشيخ الوحيد البهبهاني قدس سره شريف يعدّ من مفاخر مذهب الإمامة ومن مفاخر علمائنا، قدس الله أسرارهم.

بعبارة أخرى: نحن جملة منا المقامات لا نكتفي بأن نقول قال فلان، وقال فلان في مدحه كذا، وقال فلان في وصفه كذا، لأنّ جملة من الشخصيات قد لا نحيط بجميع جوانبهم تفصيلاً: فنضطر حينئذٍ إلى الكشف عن حياتهم إلى أن نذكر كلام الآخرين من العلماء، مما جاء في كتب السيرة والتراجم وما شابه ذلك، نطلع إلى عظمة بعض الشخصيات من خلال هذه الأمور، لكي يظهر لنا واقعهم وآثارهم العلمية، والعملية، ورُقيّهم الروحي الخاص بهم، لا نحتاج إلى ذكر قال فلان وفلان، إنا نستطيع أن نقيم أمثال هؤلاء بأنفسنا، وإذا ذكرنا أقوال الآخرين، فإنّه من باب التأييد.

هذا الرجل العظيم كتبه وآثاره العلمية موجودة، تأثيره في الحوزات العلمية إلى يومنا هذا مهشود، معروف بالوجدان، من دون تعبّدٍ. فهنا لابّد أن نتعرّض إلى صورة إجمالية وإلّا البحث يحتاج إلى جلسات

فلما نتكلم عن الخصائص فنرجع إلى سنوات ما بعد الغيبة الكبرى، خصوصاً إلى القرن الرابع والخامس، نجد إتجاهات ثلاث في الفكر الشيعي، خصوصاً بالدرجة الأولى في الفقه الإمامي:

الإتجاه الأول:

إتجاه القميين، وهذا الإتجاه يعتمد على الخبر في معرفة صنع رسول الله’ وفي معرفة الأحكام، بل في معرفة التفسير وما يتعلق بأمور الشريعة.

الإتجاه الثاني:

الإجماع والمراد منه هو التلقي بالقبول من قبل الفقهاء، وهذا إتجاه متكلمي فقهائنا وأصحابنا غالباً، وإلى من يذهب مذهب العقل، مثل السيد المرتضى رحمه الله، وإتجاههم العام التلقي بالقبول عند الطائفة في السنن ومعرفة الشريعة في جميع الأمور المتعلقة بالدنيا وبالبرزخ والآخرة.

الإتجاه الثالث:

الجمع بين الأخبار والإجماع، وهو للشيخ الطوسي، حيث يعدّ هذا المسلك جديداً، لأنّ أكثر القمّيين كان إتجاههم الأخبار والكثير من البغداديين كان إتجاههم التلقي بالقبول المعبّر عنه بالإجماع.

وبعد القرن الرابع والخامس قسمٌ من أصحابنا، سلكوا مسلك السيد المرتضى في الإجماع وجملة كثيرة من أصحابنا سلكوا مسلك الشيخ الطوسي.

طبعاً هذا المسلك يحاول أن يقبل ويأخذ طائفة من الأخبار، ويكشف عن المتلقّى بالقبول عند الأصحاب، وأي مسألة تمّ قبولها وأي مسألة ردوها.

ثمّ في القرن السابع الهجري قد قسم العلامة الحلّي رحمه الله الأخبار بالتقسيم المعروف، إلى صحيح، وضعيف و… حيث يعدّ هذا تصوّراً هامّاً جداً في المعارف الدينية الشيعية.

وقد حظي مسلك العلامة بالقبول من قبل المتأخرين، لكن واجه علماء الشيعة صعوبات بالنسبة إلى الروايات حسب هذا التقسيم فيعرضون عن الروايات وإن كانت صحيحة إذا أعرض الأصحاب عنها، ويعملون بالروايات الضعيفة إذا عمل بها الأصحاب.

حتى ظهر الأخباريّون في القرن الحادي عشر في الساحة العلمية الشيعية، حيث طرحوا فكرة جديدة وهي العمل بجميع الروايات الموجودة في كتبنا المشهورة، هذا بالنسبة إلى الأخبار.

أما بالنسبة إلى الإجماع والتلقي، فناقشوا فيه ولم يقبلوه؛ لأنهم حصروا الطريق بالأخبار.

حتى ظهر المحقّق الوحيد البهبهاني في القرن الثاني عشر، فإنّ الملاحظة في كتبه العلمية، تبيّن إنّه:

1 ـ آمن بنظرية عمل الأصحاب للعمل في روايات وطرحها.

2 ـ فتح باب المناقشة على مصراعيه كما عمل المحقق الأردبيلي، فهو من أوائل المؤسسين لهذا المجال، حيث حاول أن يذكر أن جملة من الرواة الضعاف؛ أن منشأهم الجهالة، لا تعريف القدماء، حيث حاول أن يوثّق جملة من هؤلاء.

النقطة المهمة:

إذا أردنا أن نحكم على روايات أهل البيت “عليهم السلام” وفقاً لكتاب الخلاصة لعله يفي بـ 20% من الأحاديث. فقد قام العلامة البهبهاني مضافاً إلى موافقته للأصحاب على العمل بالروايات إلى فتح باب جديد في الرجال، أي جعل طرق التوثيق للكثير من الضعفاء؛ لوجود رواياتهم في الكتب الأربعة أو رواية الأصحاب عنه أو لكونه صدوقاً، أو لكونه شيعياً في أصله وحسبه أو غيرها.

وعليه إذا أضفنا ما موجود في كتاب العلامة إلى ما ذهب إليه الوحيد نصل النسبة إلى 40% من رواة الأ؛اديث و60% من روايات أهل البيت”عليهم السلام”، ولذا إلى يومنا هذا تذكر آراءه، وحيث إنّه استشعر أن روايات أهل البيت”عليهم السلام” أعظم من هذه المعايير التي وضعها الأصحاب، حيث إنّها كانت ناقصة بإعتبار شدّة المشاكل التي تعرض لها الشيعة، وهو الذي أثّر على الأخباريين للقول بصحّة جميع الروايات.

فالوحيد حاول أن يوسع دائرة العلم، حيث أعطى ثراء فكرياً للأبحاث الفقهية وقيمة علمية ذاتية لها، لأن الفقه هو الفهم الدقيق والفطانة، حيث يعتمد على الحدّة أي فهم حديدي يستطيع أن يصل إلى غوامض الأمر وإلى الباطن.

والوحيد البهبهاني في هذه الجهة يتميّز بالتفوّق على علماء السنّة فإن هذا العمق في نفس المسألة الفقهية لا نجده عند علماء السنة نعم فقهائهم من أواخر القرن الأوّل والثاني قد شقّقوا المسائل الفقهية؛ لكن في الإستدلال إجمالاً ليس بالمعنى الدقيق.

والوحيد البهبهاني قام بالتدقيق الدقيق في المسائل الفقهية، حيث لم يكن هذا التدقيق ملحوظاً قبله بهذه الصورة، وقد استمرّ على هذه الفكرة الأصحاب، وعلى رأسهم تلاميذ الوحيد نفسه، أمثال: الشيخ جعفر الكبير، والسيد بحر العلوم، وصاحب الجواهر وخصوصاً في المكاسب.

نعم؛ هذا بعد قرن من زمن الوحيد البهبهاني فيعدّ البهبهاني من السّباقين بهذا العمل في كتبه الفقهية.

أمّا في الجانب الرجالي فقد سلك مسلك العلّامة البهبهاني: المحدّث النوري صاحب المستدرك، حيث حاول أن يوثق طائفة كثيرة من الروايات؛ لأنّه كان رجالياً من المدرسة الوحيديّة.

فهنا سؤال يطرح نفسه: كيفية الإستفادة من مدرسة الوحيد في زماننا الحاضر.

أولاً: إنّ ما سلكه الوحيد من ناحية التدقيق الفقهي الذي أفاده رحمة الله عليه والغوامض الفقهية والأسرار، فلابّد أن نسلك هذا السلوك لأنه يعطي إثراء فقهي في جميع الجوانب.

ثانياً: إستخدام هذا التدقيق الفقهي في زاويتين تدريجياً:

الأولى: ندرس روايات أهل البيت”عليهم السلام” لكي نعطي تفسيراً دقيقاً عميقاً في البحث، ونحلّل الروايات بحب الموازين الفقهية العلمية، الروحية، العقائدية و… وعليه نطبّق ما فهمناه من الروايات في زماننا.

حيث يجب أن نلاحظ:

1 ـ ما يتعلّق بجوزاتنا العلمية وتراثنا وعلمائنا و…

2 ـ ما يتعلّق بالعالم الإسلامي، وربط الروايات بالعالم الإسلامي، وحل المشاكل التي يمكن أن تحلّ، أي تخفيف المشاكل، والإئتلاف بين المسلمين.

3 ـ الإرتباط بالقانون العالمي، نقل القوانين والآراء العالمية و… فإذا وصلنا إلى عمق مصادر الروايات والتحقيق في نفس المسائل الفقهية، نستطيع أن نعكس هذا على الجامعات الأكاديمية غير المسلمة.

فالتدقيق الذي ذكره الوحيد البهبهاني كان للفكر الشيعي، ونحن نستطيع أن نجعله إلى العالم بشكل عام.

وكذلك بالنسبة إلى النقطة الثانية التي نوافق الوحيد بها، سلوكه من إعطاء توثيقات جديدة بجملة من الرواة، لأنه شيءٌ لابدّ منه.

نحن نحتاج إلى جوانب أخرى، من جمع شواهد أخرى عن الرجل، مختى كان يعيش، وأين، والتراث الذي نقله، هل يتعلّق بالإمامية، من تراث الأصحاب، من تراث القميّين، من تراث الكوفيّين حيث جعلنا هناك ضوابط معيّنة لم نجدها عند السابقين.

وكذلك مسألة عمل الأصحاب، وإعراض الأصحاب، تحتاج إلى شواهد كثيرة. فنلاحظ أن جملة من الأصحاب مثل الشيخ الأنصاري والشيخ النائيني والسيد الخوئي قد سلكوا مسلك الشيخ الوحيد في الدقة الفقهية وعملوا بها، لكن لم يوافقوه في بعض الأمور من الجانب الحديثي والرجالي.

هذا شيءٌ إجمالي، ويحتاج إلى فتح حلقات جديدة، وآفاق جديدة لإكحال ما فتحه الوحيد البهبهاني رحمة الله عليه.

.والحمد لله ربّ العالمین.

المصدر: (هنا)

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics