الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / أثر شعائر عاشوراء في نشر الفكر الحسيني في دول شمال أوروبا / ألمانيا وفرنسا
عاشورا-في-ألمانيا-وفرانسا

أثر شعائر عاشوراء في نشر الفكر الحسيني في دول شمال أوروبا / ألمانيا وفرنسا

اليوم لا توجد نقطة من نقاط العالم يكون فيها شخصان من الشيعة إلا ويقيمان فيها المآتم، ويبذلان المال والطعام. رأيت في ميناء (مارسال) في الفندق شخصاً واحداً عربياً شيعياً من أهل البحرين، يقيم المأتم منفرداً، جالساً على الكرسي، بیدة الكتاب يقرأ ويبکي، وكان قد أعدّ مائدة من الطعام فرقها على الفقراء. م. د. حيدر عبد الجليل عبد الحسين الحربية

خاص الاجتهاد: من ضمن الطقوس المهمّة التي يؤدّيها المسلمون هي الشعائر الحسينية التي يحرص المسلمون في أنحاء العالم على أدائها، والتي في مقدّمتها مراسم عاشوراء التي تجسدها مواكب شعبية، وفعاليات خيرية، ومجالس دينية.

وقد باتت ظاهرة سنوية في الكثير من المدن الأوروبية، يشترك فيها حتى غير المسلمين، ويتآلف – عندها أبناء الطوائف والمذاهب المختلفة، لتشكّل فسيفساء متجانسة من التفاهم والتسامح، معبّرة عن القيم الأخلاقية والإنسانية التي تفرض احترامها على العالم، ليس عبر الفعاليات الاحتفالية الخالصة بمناسبة واقعة الطف، التي استشهد فيها حفيد رسول الله(ص) أبو عبد الله الحسين(ع) في أرض كربلاء، بل عبر ما يرافقها من فعاليات اجتماعية، كإطعام الفقراء، والتكافل الاجتماعي، والحوارات البنّاءة، فضلاً عن الجوانب الثقافية والإعلامية في صور من الخطابة والشعر، وإقامة الماراثونات والمواكب الراجلة، وتنظيم الندوات الدينية والثقافية، واستنهاض اللغة والثقافة الأم لدى الأجيال الناشئة.

وفي ضوء ذلك سوف يتناول هذا البحث صوراً من تلك الشعائر مع أهمّ المؤسّسات الدينية المعنية في عدد من الدول الأوروبية، لاسيما تلك التي تقع في شمال القارّة.

ألمانيا

وجنوباً إلى ألمانيا، وتحديداً في بريمن، أصغر ولايات ألمانيا الاتحادية مساحةً، يتحدّث الحاج فضل رعد ل(الصباح) عن الاحتفال في ذكرى عاشوراء، حيث تُحيي: جمعية (المصطفى) المجالس الدينية، كما تقيم الفعّاليات التي تُعرّف الناس بها.
وفي ألمانيا أيضاً، ينظم مركز (الحسنين) في برلين احتفالات سنوية في ذكرى. عاشوراء في مجالس عزاء حسينية، بحضور عدد غفير من المسلمين”، (1).

فوفق دراسة ميدانية، فإنّ عدد المسلمين في ألمانيا يتراوح نحو (۴،۳) ملايين نسمة، يشكّلون نسبة،(۵٪) من تعداد سکان آلمانیا.
ويقول العراقي المقيم في المانيا فائز حسن لـ(الصباح): إنّ الكثير من الألمان یتشوّقون إلی معرفة كنه المناسبة، فنسعى إلى تعريفهم بتأريخها و الظروف التأريخية التي عاصرتها.
يتابع فائز: لا تجد أي أثر للتعصّب الديني والمذهبي لدى الكثير من المسلمين من مختلف الطوائف، حيث يحضرون المجالس الدينية، التي تتضمّن قراءة القران الكريم، إضافة إلى تعريف بالمناسبة باللغة الألمانية، كما يتلو السيد حسين الموسوي تفاصيل الفاجعة المؤلمة لواقعة الطف.

وعلى المنوال نفسه يجتمع المسلمون في هانوفر – عاصمة ولاية سكسونيا السفلى، إحدى ولايات ألمانيا، وإحدى أكبر مدن البلاد – لإحياء مراسيم عاشوراء عبر تلاوة آيات من القرآن الكريم، والقصائد الشعرية في المناسبة، وتنظيم موائد الإطعام للمدعوين، إضافة إلى حملات التبرّعات للمعوزين والمحتاجين، وتمويل الفعّاليات الدينية والاجتماعية.

يقول الشيخ علي الخفاجي لـ(الصباح): إنّ عاشوراء أصبح فرصة يجتمع عندها أبناء الشعوب المقيمين في ألمانيا، فتجد العراقي إلى جانب التركي والإيراني والمصري والألماني والمغربي، يؤدّون جميعهم ذات الطقوس، ويتبادلون ثقافات الاحتفال المختلفة من شعب إلى آخر.

وبحسب عبد الوارث عمر، المصري المقيم في ألمانيا في حديثه إلى (الصباح)، فإنه يشعر بحقيقة الوحدة الإسلامية، وهو يشارك في مراسم عاشوراء التي يديرها عراقيون، مضيفاً أنّ هذا المهرجان في ألمانيا يجمع السني مثلما الشيعي، والعراقي مثلما المصري، وأبناء الشعوب الأخرى،مستلهمين من الذكرى العبر والدروس في الصبر والشجاعة والوقوف بوجه الظلم”.(2)

أما في العاصمة برلين، فقد كشف المعزّون عن ولائهم لأئمّة أهل البيت(ع) من خلال حضورهم في المساجد والحسينيات بمختلف مدن ألمانيا، وإقامة العزاء، وقراءة المراثي في ذكرى استشهاد سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين(ع) وصحبه الأبرار.

كما شهدت مدن برلين، وهامبورغ، واخن، حضوراً لافتاً في مراسم العزاء التي أُقيمت تخليداً لذكرى واقعة الطف، وقد بدأت مراسم العزاء في مختلف المدن بإقامة صلاة الجماعة، وقراءة زيارة عاشوراء، ومن ثم سرد الأشعار و المراثی التی تکشف عن خفایا جانب من حوادث کربلاء.

أما مدينة أسن، فقد شهدت مراسم انطلاق إحياء ذكرى واقعة الطف باستعدادات ضخمة، تضمّنت المراسم يومياً: محاضرة إسلامية قبل صلاة المغرب والعشاء، تلاوة لآيات من الذكر الحكيم، وقراءة زيارة عاشوراء المباركة، المجلس الحسيني مع عروض مستوحاة من واقعة الطف، أراجيز حسينية شعبية، مع قصائد إلقائية لشعراء المنبر الحسيني، قصائد لطمية للشاعر ثامر السراج الكاظمي، الذي أخذ على عاتقه إدارة الموكب مع ثلة من الشباب الحسيني، العشاء على مائدة سيّد الشهداء(ع).

وفي مدينة بون – بالغرب الألماني – تقام فيها كل عام مراسم عاشوراء من قبل المسلمين، وهي فرصة للتلاحم، هذا ما قاله الشيخ أبو علي الأنصاري المشرف على الجمعية العراقية التي تنظّم هذه المراسم.
ويضيف: إنّ النظر إلى ثورة كربلاء على أنّها حدث تاريخي كغيره من الوقائع التي سجّلها التاريخ، والتي نتجت عن تضافر ظروف سياسية وفكرية، لتعبير عن موقف أمّة اقتضت تغييراً بهذا الأسلوب الفريد، الذي لم تشهده كل تجارب الأمم والشعوب السابقة، والذي لن يتكرّر بكل عناصره وخصوصياته ؛ ذلك أنّ هذه النظرة ستخرج قضية كربلاء عن كونها منهجاً كاملاً وأسوة صالحة للاقتداء بها واتباعها في كل وقت.(3)

ويظهر أنّ مأساة الإمام الحسين(ع) ققد شغلت اهتمام الباحثين الألمان، الذين أولوا هذه المسألة عناية كبيرة من البحث والتقضى عن حقيقتها، ومدى ما تركته من آثار على المسلمين، وهذا ما ظهر، على سبيل المثال لا الحصر، في كتاب (المجالس = السنية)، وتحديداً في صفحة ٢٠٠، ” نقلاً عن رسائل الحكيم والفيلسوف الألماني في رسالته عن النهضة الحسينية وتأثيرها على العالم الإسلامي، قول هذا الفيلسوف عن تأثير إقامة المآتم الحسينية على حياة المسلمين وتقدمهم،

قوله: وليس لواحدة من الروابط الروحانية التي بين المسلمين اليوم تأثير في نفوسهم كتأثير إقامة مآتم الحسين، فإذا دام انتشار و تعمیم هذه المآتم بين المسلمين مدّة قرنين آخرين لابدّ أن تظهر فيهم حياة سياسية جديدة، وأنّ الاستقلال الباقي للمسلمين اليوم نصف أسبابها هو اتباع هذه النكية، وسنرى اليوم الذي يتقوّى فيه سلاطين المسلمين تحت ظلّ هذه الرابطة، وبهذه الوسيلة سيتّحد المسلمون في جميع أنحاء العالم تحت لواء واحد؛ لأنّه لا يرى في جميع الطبقات الفرق الإسلامية من ينكر ذكر مصائب الحسين و ينفر منها بسبب ديني، بل للجميع رغبة طبيعية بشكل خالصّ في أداء هذه المراسيم المذهبية، ولا يرى في المسلمين المختلفين في العقائد سوى هذه النكبة الأتحادية.

الحسين أشبه الروحانيين بحضرة المسيح، ولكنّ مصائبه كانت أشدّ و أصعب، كما – أنّ أتباع الحسين كانوا أكثر تقدماً من أتباع المسيح في القرون الأولى، فلو أنّ المسيحيين – سلكوا طريقة أتباع الحسين، أو أنّ أتباع الحسين لم تمنعهم من ترقياتهم عقبات من نفس المسلمين، لسادت إحدى الديانتين في قرون عديدة جميع المعمورة كما أنّ من حين زوال – العقبات عن طريق أتباع الحسين أصبحوا كالسيل المنحدر يحيطون بجميع الملل وسائر الطلبقات”.(4)

فرنسا

نقلت مجلّة العلم النجقية عن جريدة (حبل المتين)الفارسية، التى كانت تصدر في الهند مقالاً كتبه الدكتور جوزيف الفرنسى، عن المسلمين في أنحاء العالم وتقسيمهم إلى فرقتين: شيعية وسنية، وما اتصف به الشيعة من التقية، قال فيه: ويقيم الشيعة المآتم تحت الستار، يبكون فيها على الحسين، فأثرت هذه المآتم في قلوب هذه الطائفة إلى حدّ أنه لم يمرّ عليها زمن طويل حتى بلغت الأوج في الشرق، ودخل في هذه الطائفة بعض الوزراء و کثير من اللملوك و الخلفاء، فبعضهم اخفی ذلك تقیةً، و بعضهم أظهره جهاراً.

ويستطرد الكاتب ألفرنسي فيقول: ويمكن القول: بأنه لا يمضي قرن أو قرنان حتى يزيد عدد الشيعة على عدد سائر قرق المسلمين، والعلّة في ذلك هي إقامة هذه مآتم التى جعلت کل فرد من أفرادها داعية الى مذهبه.

اليوم لا توجد نقطة من نقاط العالم يكون فيها شخصان من الشيعة إلا ويقيمان فيها المآتم، ويبذلان المال والطعام. رأيت في ميناء (مارسال) في الفندق شخصاً واحداً عربياً شيعياً من أهل البحرين، يقيم المأتم منفرداً، جالساً على الكرسي، بیدة الكتاب يقرأ ويبکي، وكان قد أعدّ مائدة من الطعام فرقها على الفقراء.

هذه الطائفة تصرف في هذا السبيل الأموال على قسمين: فبعضهم يبذلون في كل سنة من أموالهم خاصّة في هذا السبيل بقدر استطاعتهم ما يقدر بالملايين من الفرنكات. والبعض الأخر من أوقاف خصصت لإقامة هذه المآتم، وهذا المبلغ طائل جداً.

ثم يواصل الكاتب الفرنسي كلامة ويقول: فلهذا ترك جمع غفير من عرفاء هذه الفرقة أسباب معاشهم واشتغلوا بهذا العمل، فهم يتحمّلون المشاق ليتمكنوا من ذكر فضائل كبراء دينهم، والمصائب التي أصابت أهل هذا البيت، بأحسن وجه وأقوى تقرير على رؤوس المنابر وفي المجالس العامّة، وبسبب هذه المشاق التي اختارتها هذه الجماعة في هذا الفن يفوق خطباء هذه الفرقة على جميع الطوائف الإسلامية.

ويستطرد الكاتب فيقول: إن العدد الكثير الذي يرى اليوم في بلاد الهند من الشيعة هو من تأثير إقامة هذه المآتم. فرقة الشيعة حتى في زمن السلاطين الصفوية لم تسع في ترقي مذهبها بقوّة السيف، بل ترقت هذا الترقي المحیّر للعقول بقوّة الكلام، الذي هو أشدّ تأثيراً من السيف، ترقت اليوم هذه الفرقة في أداء مراسيمها المذهبية .

ويقول الكاتب بعد ذلك: فرقة الشيعة حصلت من هذه النكبة على فائدة تامّة، فألبست ذلك لباس المذهب. وعلى كل حال فالتأثير الذي يلزم أن يحصل على قلوب العامة والخاصة في إقامة العزاء والمأتم قد حصل، فمن جهة يذكرون في مجالس قراءة التعزية المتواصلة وعلى المنابر المصائب التي وردت على رؤساء دينهم، والمظالم التي نزلت على الحسين مع تلك الأحاديث المشوقة إلى البكاء على مصائب آل رسول(ص)، فبيان تلك المصائب للأنظار ايضا له تأثير عظيم، و يجعل العام و الخاص من هذه الفرقة راسخ العقيدة فوق التصوّر، وهذه النكات الدقيقة أصبحت سبباً في أنه لم يسمع بأحد من هذه الفرقة من ابتداء ترقي مذهب الشيعة أنه ترك دين الإسلام، أو دخل في فرقة إسلامية أخرى.

هذه الفرقة تقيم المآتم بأقسام مختلفة، فتارة في مجالس مخصوصة ومقامات معينة، – وحيث إنه في أمثال هذه المجالس المخصوصة والمقامات المعينة يكون اشتراك الفرق الأخرى معهم أقل، أوجدوا المآتم بوضع خاصّ، فعملوا في الأزقة والأسواق، وداروا به بين جميع الفرق، وبهذا السبب تتأثر قلوب جميع الفرق و لهذا السبب قلوب جميع الفرق منهم ومن غيرهم بذلك الأمر الذي يجب أن يحصل من البكاء.

ولم يزل هذا العمل شيئاً فشيئاً يورث توجّه العام والخاص إليه، حتى أن بعض الفرق الإسلامية الأخرى وبعض الهنود قلدوا الشيعة فيه، واشتركوا معهم في ذلك، وهذا العمل في الهند أكثر رواجا منه في جميع الممالك الإسلامية، كما أنّ سائر فرق الاسلام هناك اكثر اشتراكا مع الشيعة في هذا العمل من سائر البلاد.

و يظن انّ هذا العمل بين الشيعة قد جاء من ناحية سياسة السلاطين الصفوية، الذين كانوا أوّل سلسلة استولت على السلطة بقوّة المذهب، ورؤساء الشيعة الروحانيون أيدوا هذا العمل، وأجازوه شيئاً فشيئا.

ومن جملة الأمور التي صارت سببا في ترقي هذه الفرقة وشهرتها في كل مكان، هو إزادة أنفسهم بالرأي الحسن، بمعنى أنّ هذه الطائفة بواسطة مجلس المآتم واللطم والدوران وحمل الأعلام في مأتم الحسين جلبت إليها قلوب باقي الفرق، بالجاه والاعتبار، والقوّة.

ويختم الكاتب كلامه بقوله: لهذا نرى أنه في كل مكان ولو كانت جماعة من الشيعة – قليلة، يظهر عددها في الأنظار بقدر ما هي عليه مرتين، وشوكتها وقدرتها بقدر ما هي : عليها عشرات المرات، وأكثر أسباب معروفية هؤلاء القوم وترقيهم هي هذه النكبة، – ومصنفو أوروبا الذین کتبوا تفصیل مقاتلة الحسين وأصحابه وقتلهم – مع أنه ليس لهم – عقيدة بهم قط – أذعنوا بظلم قاتليهم وتعدّيهم، وعدم رحمتهم، ويذكرون أسماء قاتليهم بالاشمئزاز، وهذه الأمور طبيعية لا يقف أمامها شيء، وهذه النكبة من المؤيدات الطبيعية لفرقة الشيعة “.(5)

الهوامش:

1 – انظر: العكيلي، دلال، عاشوراء في أوروبا، طقوس وقيم تفرض احترامها على العالم، شبكة النباً المعلوماتية، مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام (1V / 0 1 / 0 1 ٢٠ م). .http:/annabaa.org/arabic/ashura/3873

2 -انظر: أبوزيد، عدنان، عاشوراء في أوروبا (يوحد الشعوب ويعرف العالم بالإسلام)، جريدة الصباح، الموقع الإلكتروني، شبكة الإعلام العراقي، بغداد (١٣ / ١١ / ٢٠١3 م). . http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=58321

3 – الجابري، فاتن، عاشوراء في ألمانيا يوحد العراقيين: جريدة الصباح، الموقع الإلكتروني، شبكة الإعلام .http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID= 2014 م(: 80156 /11/ العراقي، بغداد )

4 -. الشهرستاني، صالح، تاريخ النياحة على الإمام الشهيد الحسين بن علي ص 36 37

5-. المصدر السابق: ص 33- 36

المصدر: قسم من مقالة بعنوان: أثر شعائر عاشوراء في نشر الفكر الحسيني في أُوروبا دُول شمال أُوروبا أُنموذجاً – م. د. حيدر عبد الجليل عبد الحسين الحربية

عن arabi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Google Analytics Alternative