خاص الاجتهاد: كان السيّد الخامنئي قد كتب مقالاً بعنوان [الأصول الأربعة في علم الرجال]، ونُشر في الكتاب التذكاري للمرحوم العلاّمة الأميني.
كنت قد ذهبت إلى طهران وكان السيّد الخامنئي آنذاك في طهران أيضاً، فأعطاني ذلك المقال قبل أن يُطبع وطلب مني أن أقرأه. فقلت: إن هذه المطالب تحتاج إلى تتبّع والرجوع إلى المصادر وليس لديّ هنا كتب أستطيع مراجعتها. فقال: يكفيني منك المقدار الذي تحفظه في ذاكرتك.
اطّلعت على المقال ودوّنت بعض الملاحظات في حواشيه، وبطبيعة الحال لأنّني كتبتها اعتماداً على الذاكرة، فقد كانت في كتابتي بعض الأخطاء التي لم تكن تُخلّ بأصل المطلب؛ غير أن صاحب «قاموس الرجال» كتب نقداً عليها في الرسائل التي بعث بها إلى السيّد الخامنئي. وقد أجبته أنا أيضاً بجواب مفصّل.
من جملة المطالب التي كان السيّد الخامنئي قد ذكرها في مقاله، وعلّقتُ عليها، ما يتعلق بـمؤسس علم الرجال؛ فقد اعتبر، اعتماداً على السيد حسن صدر في کتابه «الشيعة وفنون الإسلام»، أن مؤسس علم الرجال شيعي.
فكتبت في الحاشية: «أخطأ السيد حسن صدر؛ لأن شُعبة [بن الحجّاج] توفي سنة ۱۶۰، لا سنة ۲۶۰؛ ولذلك فهو مؤسس علم الرجال». وقدّر السيّد الخامنئي كلامي كثيراً، وقال: «لقد حفظتم ماء وجهنا؛ إذ كان من الممكن أن يرى السنّة هذا الكلام ويأخذوا علينا ذلك».
وبطبيعة الحال كان الخطأ من المرحوم الصّدر، لا من السيّد الخامنئي، لكنه مع ذلك حذف هذا المطلب من مقاله. وقد نقل السيّد الخامنئي حواشيّ في مقاله مع ذكر اسمي وبأمانة في النقل، مستخدماً تعبيراً من قبيل: «لفلان بيانٌ محقّق»، [استدلال متين ردّ فيه قول مؤلّف القاموس].
كما أني كتبت في إحدى الحواشي: إن النجاشي في الفهرست، عند ترجمته للشيخ الطوسي، لم يذكر بعض كتب الشيخ المعروفة، مثل المبسوط والتبيان؛ كما أنه لم يذكر تاريخ وفاة الشيخ، ويُستفاد من ذلك أنه لم يكن حيّاً إلى زمان وفاة الشيخ. فكتب المحقق التستري ردّاً على هذا الكلام [وقال]: «هذا الاستدلال عجيب جدّاً. وأما قوله إنه لم يذكر اسمَي المبسوط والتبيان للشيخ فليس الأمر كذلك؛ فقد ذكر كليهما، بل إنه بعد ذكر التبيان قال: في تفسير القرآن! فليراجع النسخة المطبوعة نفسها.
وأما قوله: إنه لم يذكر وفاة الشيخ في كتابه، أيُّ دليل هذا؟! إنه لم يذكر ولادته أيضاً! لكل كتاب موضوعه. وكتاب النجاشي، كفهرست الشيخ، هو فهرست لكتب الشيعة. وإذا ذكر أحياناً ولادةً أو وفاةً فإنما ذلك تبرّعاً واستطراداً».
لكنّي كتبت مقالاً رددتُ فيه بالتفصيل على كلام المرحوم التستري. ومن جملة ما كتبت:
إن هذا النوع من الخطأ في ذكر المثال مما لا يُخلّ بأصل المطلب، وقابلٌ للتغاضي عنه؛ لأنني حين كتبت الحاشية [على مقال السيّد الخامنئي] لم تكن لديّ إمكانية الرجوع إلى الكتاب، وقد دوّنت ملاحظات اعتماداً على الذاكرة، وهي مجرّد تمهيد للمراجعة ولم يكن المقصود منها النشر. ولهذا ومن باب سهو القلم أو خطأ الذاكرة، ذكرتُ المبسوط والتبيان بدلاً من الخلاف ومصباح المتهجّد.
ولو كان الأمر مبنيّاً على ذكر الأخطاء من دون الالتفات إلى الغرض الأصلي للكاتب، فإن الناقد نفسه كتب الآية الكريمة ﴿هاتوا برهانكم﴾ خطأً، الناقد نفسه كتب الآية الكريمة ﴿هاتوا برهانكم﴾ خطأً، فقال: «فأتوا ببرهانكم»، كما أنه ذكر لقبي (شبير) من دون ياء. ولكن مثل هذه الأخطاء قابلة للتغاضي عنها؛ لأنها لا تُخلّ بأصل المطلب.
وكتبت كذلك جواباً عن إشكاله بشأن عدم ذكر ولادة الشيخ: «أيُّ قياس هذا الذي تُقاس فيه الولادة بالوفاة؟ إن الشخصيات عادةً إنما تكتسب مكانتها عند الوفاة لا عند الولادة؛ ولذلك فإن ولادة كثير من كبار الشخصيات مع وضوح تاريخ وفاتهم تبقى مجهولة. ولا نذهب بعيداً؛ فالمحقق المعاصر نفسه، التستري، مع مقامه الرفيع في علم الرجال، يذكر تاريخ ولادته على سبيل التقريب في حدود سنة ۱۳۲۰، مع أن سماحته، بالإضافة إلى كونه شخصية علمية، هو نفسه من أسرة علمية كبيرة! إن تاريخ ولادة الشيخ [الطوسي] – وإن كان مضبوطاً – غير موجود في كتب الشيخ المتاحة بأيدينا، وليس لدينا دليل على أن النجاشي كان مطّلعاً على تاريخ ولادة الشيخ وأنه تعمّد عدم ذكره في كتابه».
وكنتُ – تمهيداً لردّ مطالب المرحوم التستري – قد كتبت بالتفصيل مطالب عديدةً تؤيد كلامه، ثم رددتُ كلامه بعد ذلك. وممّا يُنقل أن آقا ضياء العراقي كان أحياناً ينقل كلام شخص آخر بإسهاب وحماس، فيقول له تلامذته: «يا مولانا إن صاحب هذا الكلام نفسه لم يقله بهذا القدر من الحماس والتفصيل!» فيقول آقا ضياء: «يجب عليّ أولاً أن أسيّره أسداً ثم أطرحه أرضاً؛ لأنّ طرح الضعيف أرضاً ليس إنجازاً».
السيّد موسى الشبيري الزنجاني (ره)
[جرعه ای از دریا، ج ۳، ص ۷۰۰]
الاجتهاد موقع فقهي