الرئيسية / الضبط / 2 تقرير خبري / هل يتبنى المرجع الأعلى السيد السيستاني فكرة الدولة المدنية ؟.. د. سليم الحسني
منير-الخباز--السيد-السيستاني

هل يتبنى المرجع الأعلى السيد السيستاني فكرة الدولة المدنية ؟.. د. سليم الحسني

سماحة السيد منير الخباز: إن السيد السيستاني يرى بأن الدولة المدنية هي الحل الوحيد لتأمين حاجات المجتمع الإسلامي الذي يضم أقليات من الديانات الأخرى كالمسيحية والايزدية والصابئة فضلا عن المذاهب الإسلامية المختلفة، كما إن الشيعة وفي إطار جسم المجتمع الاسلامي العام، يعتبرون أقلية، وإن كانوا في العراق أكثرية../ د. سليم الحسني: كلام السيد الخباز يثير الغرابة الى أعلى مستوياتها، فهو ينسب الى المرجع الأعلى قولاً خطيراً ورأياً خارجاً عن سياق الفعل المرجعي القائم على أساس الدليل الشرعي.

الاجتهاد: في كتابة له في صحيفة المثقف يقول الدكتور سليم الحسني: اطلعتُ على حديث للسيد منير الخباز ينسب فيه الى المرجع الأعلى السيد السيستاني أنه يتبنى فكرة الدولة المدنية، حيث يقول السيد الخباز ما نصه:

( إن السيد السيستاني يرى بأن الدولة المدنية هي الحل الوحيد لتأمين حاجات المجتمع الإسلامي الذي يضم أقليات من الديانات الأخرى كالمسيحية والايزدية والصابئة فضلا عن المذاهب الإسلامية المختلفة، كما إن الشيعة وفي إطار جسم المجتمع الاسلامي العام، يعتبرون أقلية، وإن كانوا في العراق أكثرية؛ الهدف من ذلك هو أن يأخذ كل دين ومذهب حريته في ممارسة طقوسه وشعائره، والحل يتمثل في الدولة المدنية التي تقوم على صناديق الاقتراع والتمييز بين السلطات الثلاث، فما لم نركز على إقامة الدولة المدنية في العراق، لا نستطيع أن نوفر الحرية لأصحاب الأديان والمذاهب المختلفة بما فيهم المذهب الشيعي، فالإصرار على الدولة الدينية سيخلق صراعا عنيفا يبقى ويستمر مئات السنين، ولأجل ذلك يدعو السيد السيستاني إلى التركيز على الدولة المدنية وهذه سابقة لم يدعو إليها مرجع أو عالم من الشيعة بهذا الوضوح). ( لقراءة تفاصيل الحوار الذي أجراه موقع شفقنا مع السيد منير الخباز راجع هنا )

كلام السيد الخباز يثير الغرابة الى أعلى مستوياتها، فهو ينسب الى المرجع الأعلى قولاً خطيراً ورأياً خارجاً عن سياق الفعل المرجعي القائم على أساس الدليل الشرعي. فالمرجع ليس محللاً سياسياً، إنما يدرك مسؤوليته الشرعية الحساسة باعتبار أن رأيه يمثل مصير أمة وبلد وحاضر ومستقبل، ويرجع في ما يقول الى القرآن والسنة الصحيحة في استنباط آرائه الفقهية.

فالامام الخميني عندما تبنى فكرة ولاية الفقيه في إقامة الدولة، كان يستند الى أدلته الشرعية، وعندما تبنى الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر فكرة الحكومة الإسلامية فانه استند الى نفس المعيار، وكذلك بقية المراجع في مثل هذا الموضوع المصيري، فلكل واحد منهم مستنده العلمي القائم على البحث والدليل في الاقتراب أو الابتعاد من الحكم الإسلامي.

أغلب الظن أن السيد منير الخباز، لم يفهم معنى الدولة المدنية، فنسب ذلك الى السيد السيستاني، أو أنه سمع كلاماً من المرجع الأعلى لم يفهم دلالته، فذهب بهذا المذهب الغريب على أجواء الحوزة العلمية والطارئ على المرجعية الدينية وفكر أهل البيت عليهم السلام.

لقد أخذ مصطلح (الدولة المدنية) انتشاره الأوسع في الشرق، بعد ما عرف بثورات الربيع العربي، وقد جرى تداوله في حالته الفضفاضة من دون تحديد مفهومه الدقيق، وحتى الآن يفتقر المصطلح الى الحد الأدنى من الوضوح الذي يمكن أن يجعله موضع نقاش جاد في مجال الدراسات السياسية.

ولم تشهد مساحات الفكر السياسي العميقة والرصينة والتي تمثل مصادر العلوم السياسية، نقاشاً وتداولاً لهذا المصطلح، وهذا ما يجعل تعريفه حتى الآن غامضاً ومختلفاً. بل حتى الذين يعلنون عن تبنيهم لفكرة الدولة المدنية، لا يستطيعون أن يقدموا تفسيرات مقنعة عن آفاقها وعن اختلافها مع الدولة العلمانية، إلا بمقدار الاستخدامات اللفظية لا أكثر.

وأقصى ما يصل اليه دعاة الدولة المدنية، أنهم يحاولون تمييزها عن الدولة العلمانية، بأنها ترفض تسلم العسكر ورجال الدين السلطة، لأن الدولة تقوم على أساس القانون والدستور والحرية الفردية وتعدد الأديان والمذاهب.

وعند التأمل في هذا التفسير، فانه يبدو واهياً، إذ لا فرق حقيقي بينها وبين المفهوم العلماني للدولة التي تفصل الدين عن الدولة أو الدين عن السياسة.

لقد تم الترويج لمصطلح (الدولة المدنية) بهذه الكثافة الإعلامية، وكما ذكرت قبل قليل، بعد موجة الربيع العربي، وكان الدافع وراء ذلك، هو تسويق العلمانية في الشرق الأوسط بطريقة أكثر إمعاناً في تحجيم نقاط القوة فيه والمتمثلة في العراق بالمرجعية الشيعية.

فبحسب التعريفات السائدة فان الدولة المدنية لن يكون فيها مكان للمرجعية الدينية بالشكل المعروف، وأن المرجع لن يكون بمقدوره الإفتاء في قضايا مصيرية أو مهمة، فمثلاً فتوى الجهاد الكفائي تُعتبر في الدولة المدنية، مخالفة فاضحة للقانون والدستور يجب محاكمة المرجع عليها.

وعلى هذا فهل يُعقل أن السيد السيستاني وهو المرجع الأعلى الذي يعرف أكثر من غيره دوره وموقعه ومسؤوليته الشرعية، يتبنى فكرة الدولة المدنية التي تؤدي في النهاية الى تقويض المرجعية وانهاء دورها من الحياة والمجتمع؟

يحتاج كلام السيد منير الخباز الى تدقيق في مصدره، والى إيضاح منه أو من مكتب السيد السيستاني في هذه القضية المهمة، خصوصاً وأن التحديات والشبهات المثارة على التشيع والإسلام تزداد يوماً بعد يوم.

 

سليم الحسني

 

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics