الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / هل (نطحت) العقيلة زينب (ع) جبينها بمقدم المحمل؟ أو (نطحت) مقدم المحمل؟
الباحث الاسلامي الشيخ حسين رزوقي المياحي

هل (نطحت) العقيلة زينب (ع) جبينها بمقدم المحمل؟ أو (نطحت) مقدم المحمل؟

نحاول في هذا المقال أن نسلط الضوء على أحد الأخبار ذات المساس المباشر في حياتنا اليوم، بل صدرت وفقه الفتاوى، ورتبت عليه الآثار، بل أصبح من المقدسات لدى البعض بحيث يتعرض منكره للعقوبة الإلهية إذا تجرأ على إنكاره!. بقلم: الباحث الاسلامي الشيخ حسين رزوقي المياحي

الاجتهاد: من البديهيات العقلائية ـ بل ربما العقلية أيضاً ـ أن كل خبر من الأخبار قابل للصدق أو الكذب، بل إن الكذب يكاد يكون هو السائد في الأخبار المتناقلة بين أبناء البشر، ولا بد من دليل على الصحة، وهو ما يشهد به الوجدان في كل عصر. وكثيراً ما أستشهد بقول الرصافي:
وما كتبُ التاريخ في كلّ ما حوت لأحداثها إلا حديثٌ ملفّقُ
نظرنا بأمر الحاضرين فرابنا فكيف بأمر الغابرين نصدّقُ
من هنا جاء التوقف في الكثير من الأخبار ودراستها وتمحيصها في مختلف العلوم ذات العلاقة بالأخبار، لبيان الغث من السمين فيها، ووضعت القواعد العلمية للتعامل مع الأخبار والمخبرين، لئلا تصبح الأمور فوضى لمن هبّ ودب، ولئلا يفتح الباب مشرعاً أمام أصحاب الدس والوضع والكذب والأغراض المختلفة.

وفي هذا المقال نحاول أن نسلط الضوء على أحد الأخبار ذات المساس المباشر في حياتنا اليوم، بل صدرت وفقه الفتاوى، ورتبت عليه الآثار، بل أصبح من المقدسات لدى البعض بحيث يتعرض منكره للعقوبة الإلهية إذا تجرأ على إنكاره!.

مفاد هذا الخبر أن العقيلة زينب (ع) عند رؤيتها رأس أخيها الحسين «نطحت جبينها بمقدم المحمل». وبغض النظر عن إمكان وقوع ذلك منها (ع) بعد وصية الإمام الحسين (ع) لها بالصبر، وأن لا يذهب حلمها الشيطان وأن تتعزى بعزاءالله، أو عدم وقوعه، من حقنا أن نتوقف عند مصدر هذا الخبر، لنتحقق منه إن كان محفوفاً بقرائن الصدق والوثاقة أو أنه مظنة للدس والوضع.

وقبل إيراد الملاحظات الضرورية لا بد أن نذكر صدر الخبر المذكور كما ورد في بحار الأنوار، لنتوقف عنده في هذا القسم، تاركين مناقشة المتن للقسم الآتي.

فقد ورد النص في البحار بالشكل التالي:

«أقول: رأيتُ في بعضِ الكتب المعتبرة: رُويَ مرسلاً عن مسلم الجَصّاص قال: دعاني عبيد الله بن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة ….» البحار، المجلسي45: 114.

ولنا أن نورد الملاحظات التالية:
أولاًـ أول المصادر التي التي ورد فيها هذا الخبر هو بحار الأنوار للعلامة المجلسي (رحمه الله) المتوفى سنة 1110 هـ أي في القرن الثاني عشر الميلادي. وهذا الكتاب ـ كما هو معروف ـ لم يكتب بقلم الشيخ المجلسي، إنما كانت هناك لجنة لجمع الأحاديث والأخبار تحت إشرافه، كان الغرض من تشكيلها جمع الأحاديث والأخبار في مجموعة حديثية واحدة، دون الأخذ بنظر الاعتبار صحة تلك الأحاديث أو عدم صحتها، ولا كونها عن المعصومين أو غيرهم، ولا كونها تاريخية أو قصصية أو غيرها.

فمن غير المؤكد أن من أثبت هذا الخبر هو العلامة المجلسي نفسه، فربما كان أحد تلامذته، وإن كان هذا لا يقدم كثيراً ولا يؤخر، إلا أن اعتبار الشيخ المجلسي كونه عالماً بارزاً لا يقاس باعتبار أحد تلامذته. ومن جهة أخرى يكون الأمر مظنة لاجتهاد أحد تلامذته في إثبات الخبر المذكور في البحار لدوافع خاصة به هو، بعيداً عن رضا العلامة المجلسي أو عدم رضاه.

ومما يشجع على هذا الاعتقاد أن العبارة التي تصدرت الخبر لا يمكن أن تصدر من عالم يحترم لغة العلم، وهو ما نربأ بالعلامة المجلسي عنه، فلو قال هذه العبارة اليوم متكلم في أحد المقاهي لطالبه الحاضرون بالدليل، فكيف برجل مثل العلامة المجلسي؟.
ثانياً: إن رواية هذا الخبر بعد مرور أكثر من ألف سنة على واقعة الطف يثير الاستغراب كثيراً، فالواقع الشيعي لم يكن يعرف هذا الخبر طيلة تلك الفترة، والأجيال المتعاقبة من الشيعة على مدى تلك القرون لم يطرق أسماعها أن العقيلة «نطحت جبينها بمقدم المحمل» حتى عصر الدولة الصفوية وأيام تأليف كتاب البحار بالتحديد.

ثالثاً: لا وجود لهذا الخبر في أي مصدر آخر قبل البحار، فهو الراوي الوحيد الحصري له، ولا بد أن يمنح براءة الاختراع فيه، إن كانت هناك براءة في مثل هذه الاختراعات.
رابعاً: بداية العبارة تشير إلى قضية مهمة، وهي أن من أثبت هذا الخبر في البحار حاول أن يطمس جميع معالم الاهتداء لحقيقة الخبر، مستخدماً كل ما من شأنه التعتيم والإخفاء، وسد الطريق علىمن أراد التحقق أو السؤال.

إلا أنه لم يكن غافلاً عن أن هناك من يتلقى مثل هذه الأخبار ويسوّقها لحاجة في نفس بعقوب، بل إنه كان يدرك جيداً أن جفاف حبر الكتابة كافٍ ليصبح الخبر مقدساً عند الكثير، لا سيما أولئك الذين رفضوا علم الدراية وعلم رجال الحديث ليفتحوا الباب على مصراعيه أمام الكذابين والوضاعين ليكتبوا ما شاؤوا، وليقولوا على المنابر ما يحلو لهم.

فالعبارة تستحق التوقف والتساؤل من عدة جهات:
1 ـ قوله: «رأيت في بعض الكتب» ولا ندري لماذا يختفي اسم الكتاب، واسم المؤلف، ومكان وزمن التأليف، وكيف حصل عليه؟ وما هو موضوع الكتاب؟ فهو ببساطة (إحالةٌ على مجهول) بامتياز شديد.
2 ـ قوله: «المعتبرة» فإن كان الكتاب مجهولاً إلى الحد الذي لا نعرف منه إلا اسم الجنس، فكيف استطاع الراوي أن يتوصل إلى حقيقة اعتباره؟ وكيف يكون الكتاب المجهول الاسم والمؤلف معتبراً؟
3 ـ بأي طريقة يروي الرجل ذلك الكتاب المجهول الذي سماه معتبراً؟ هل أخذه مناولةً؟ هل قرأه على راوٍ موثوق؟ هل يرويه هو بسند معين عن مؤلفه؟ لا شك أنه لم يحصل شيء من ذلك، غاية ما في الأمر أن الراوي يدّعي أنه (رأى في كتابٍ من الكتب).

4 ـ قوله: (روي مرسلاً): وهذه مرحلة أخرى من مراحل الإخفاء والتستر والتعتيم على الخبر، وهي علّة أخرى وطامة كبرى، فهو يجد في كتاب مجهول، لراوٍ مجهول، عبارة تدل على الجهالة أيضاً وهي بصيغة المبني للمجهول (روي مرسلاً) فلا يخرج الخبر من جهالة إلا إلى جهالة أعمق.
5 ـ قوله: (عن مسلم الجصاص): وهذه طامة أخرى وكذبة صلعاء لم يُحكم الراوي تسويقها، فهذا الرجل المزعوم لا وجود له من الأساس، ولا أثر له ولا عين طيلة أكثر من ألف سنة! ولم تذكره كتب التراجم الشيعية ولا السنية ولا غيرها. ولم يظهر اسمه إلا في هذا الخبر المزعوم، وكأنه خُلق ليروي هذا الخبر فقط، ولم نعرف بحاله ولا حال خبره الفريد إلا بعد أكثر من ألف سنة.
ويبدو أن هذا الرواي المزعوم ـ طبقاً للخبر المزعوم نفسه ـ من أصحاب النبي (ص)، ذلك أنه يقول واصفاً الحسين (ع) في الخبر المذكور: «أشبه الخلق برسول الله!»، وهذا يقتضي أنه رأى رسول الله (ص) وإلا كان من المفترض أنه يتكلم عن حسّ ومشاهدة، لا أنه يروي عن الإمام مثلاً، أو يروي عمن رأى رسول الله (ص).

وخلاصة الأمر في هذا القسم: أن هذا الخبر طبقاً للقرائن والشواهد التي ذكرناها، مدسوس في البحار، لا يُعلم من الذي دسه، ولا أصل له في مصادر الشيعة ولا السنة بالمطلق، وقد ظهر أيام الدولة الصفوية بعد عشرة قرون من واقعة الطف. وراويه مجهول الذات، بل مختلق لا وجود له في التاريخ بالمطلق.

ننتقل إلى صفحة أخرى من البحث وهي ملاحظة المتن والصياغة. وإليك ـ عزيزي القارئ ـ أبرز ما يمكن إيراده على هذا الخبر:

1 ـ يقول الخبر نقلاً عن الجصاص المزعوم: «دعاني ابنُ زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة…»

فبحسب هذا الخبر المزعوم أن الجَصّاص كان من أعوان عبيد الله بن زياد وخدمه، بل من ثقاته المعتمدين عنده والمستخدمين في شؤون القصر، ومهنته التجصيص (أي استخدام الجُص في تشييد وتزيين البناء)، وهي مهنة خطيرة تحتاج إلى خبرة ومهارة عالية لا تسند إلا لذوي الخبرات، أضف إلى ذلك أنها لا يكلَّف بها إلا ذوو الصفحات البيضاء من الناحية الأمنية. إذ إننا ندرك أن الملوك والأمراء الظلمة لا يعتمدون أحداً في مهنة خطيرة ما لم يكن مخلصاً شديد الإخلاص والطاعة لهم، ولا يسمحون لأيٍّ كان بدخول قصورهم، لا سيما ما يتعلق من أعمالهم بمثل هذه الشؤون.

وبناء على ذلك يكون اعتماد مثل هذا الرجل ـ على فرض التسليم بوجوده حقيقةً ـ وتصديق ما يرد عنه بحق الحوراء زينب (ع) من أبشع التناقضات التي لا ترضاها العقول السليمة، فكيف يطمئن الشيعي الموالي أن يعتمد أوصافاً ينقلها النواصب وأعوان الظلمة والمتسكعين على موائدهم في نساء أهل البيت (ع) وسيدتهن الحوراء زينب؟

بل إن ذلك من أبشع الحماقات التي يرددها البعض ولا يدرك حجمها، ولو أنه عرف لأدرك حجم الجريمة التي ارتكبها من دسّ هذا الخبر في كتبنا، ولتبرّأ من أمثال هذه الأخبار البائسة التي يصرح واضعها أنه ينقلها عن النواصب وأعوان الظلمة.

2 ـ أن المتن فيه الكثير من الإشكالات والاضطرابات التي لا تكاد تنتهي.

منها مثلاً أنه يصف الحسين (ع) بأنه كان «أشبه الخلق برسول الله (ص)» فهل كان الجصاص المزعوم ممن رأى رسول الله (ص)؟ ولو قال قائل: إن شبه الحسين (ع) برسول الله (ص) أمر معروف شائع بين الناس. قلنا: هنالك فرق بين من يروي عن حسّ ومشاهدة، وبين من ينقل خبراً شائعاً، فالرجل لم يقل: سمعت أنه أشبه الخلق برسول الله، أو قال لي أحد أصحاب رسول الله، إنما يقارن بنفسه بين المشبَّه والمشبَّه به عن حسٍّ ومشاهدة، وهذايقتضي أنه رأى رسول الله (ص). ولو فتشنا أسماء الصحابة من الجنّ والإنس لما عثرنا على صحابي بهذا الاسم، وهذه المهنة التي لم يعهد عن الصحابة أنهم مارسوها.

ومنها أنه يقول: «فأقبلت على خادم كان معنا، فقلت: ما لي أرى الكوفة تضج؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت من هذا الخارجي؟. فقال: الحسين بن علي (ع) قال: فتركت الخادم حتى خرج…».

فهو لا يعلم بمقتل الحسين (ع) ولم يسمع به، في حين أن الكوفة بقيت لما يقرب من أربعة أشهر تغلي بسبب نهضة ‏الحسين، وقد سمع بقتل الحسين (ع) حتى الأطفال في حجور أمهاتهم. بل إن الجَصاص المزعوم قال بعد قليل: «وأتيت إلى الكِناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس‏…» مما يعني أن الناس كانوا يعلمون بقتل الحسين (ع) وقد خرجوا لرؤية السبايا. فهل كان الجصاص في عداد الموتى فبُعث من قبره كما بُعث خبره أيام تدوين البحار؟

3 ـ من المعروف في الحروب والمعارك أن قائد المعركة يسارع بإبلاغ القيادة العليا بمستجدات الحرب أولاً بأول، وهذا ما فعله عمر بن سعد لعنه الله بعد مقتل سيد الشهداء، إذ قام بقطع الرؤوس كلها، وسرّح بها في اليوم العشر إلى الكوفة، وبقي في كربلاء حتى اليوم الحادي عشر من محرم، وهو ما روته التواريخ الإسلامية، بل رواها أجلة علمائنا ومنهم السيد ابن طاوس عليه الرحمة وغيره.
إلا أن رواية الجصاص لها سيناريو آخر مقلوب مخالف لطبيعة الأمور، فقد ادعى أن السبايا دخلت الكوفة (قبل الرؤوس)، وهذا ما لم يلتفت إليه الكثير ممن مرّ بهذا الخبر البائس مروراً عابراً.
يقول الخبر المذكور: « فبينما هي تخاطبهن ـ أي أم كلثوم ـ إذا بضجّة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين‏».

4 ـ في هذه القصة الأسطورية تفاصيل كثيرة، عن عدد المحامل، وأوصاف الإبل، وأحاديث بين السبايا والناس، وأشعار، وغير ذلك من التفاصيل، فمن روى تلك التفاصيل الدقيقة عن الجصاص المزعوم؟ حال أن الجصاص يدعي أنه خرج لوحده لمشاهدة ما يجري، بل إنه تسلل من القصر حتى لا يعلم به حتى الخادم. فمن هو الواسطة في النقل بينه وبيننا؟

5 ـ أن الحادثة المهمة في القصة كلها هي ما زعمه من ضرب السيدة زينب (ع) جبينها بمقدم المحمل، يقول: «حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها» ومثل هذه الحادثة لا بد أن يكون قد شاهدها الكثيرون وليس الجصاص وحده، بل إنه يقول بصيغة الجمع: «رأينا الدم» فيا ترى، ما وجه اختصاص الجصاص برواية هذه الحادثة دون غيره من مئات بل آلاف الناس الذين شاهدوها؟

6 ـ يقول السيد ابن طاوس في اللهوف عن عمر بن سعد لعنه الله تعالى: «ثم رحل بمن تخلف من عيال الحسين (ع) وحمل نساءه على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء، مكشفات الوجوه بين الأعداء وهنّ ودائع الأنبياء» اللهوف: 143. والوطاء خلاف الغطاء، أي أنهم حملوهن على الجمال بلا هودج ولا محمل ولا غطاء.

بينما يذكر الجصاص أن زينب (ع) «نطحت جبينها بمقدم المحمل». وهذا يقتضي أنهم حملوهنّ معززات مكرمات كما أتين مع الحسين ع من المدينة. وهو تناقض فاحش بين هذه الرواية ورواية السيد ابن طاوس رحمه الله. فيا ترى أين وجدت زينب (ع) محملاً وهي بين يدي هؤلاء الأجلاف لتضرب رأسها فيه؟
يتبع …. القسم الثالث إن شاء الله تعالى.

7 ـ لو دقّق القارئ العربي في هذا الخبر لأيقن منذ الوهلة الأولى أن لغته لا ترقى لمستوى اللسان العربي في ذلك الزمان، فنحن نعرف أن لغة العرب في العصر الأموي كان لها رونق خاص وديباجة مميزة، تختلف عما هي عليه في العصر العباسي، ثم العصور المتأخرة. فلغة الخبر المذكور ركيكة جداً لا يتناسب حتى مع لغة العرب في عصر تدوين كتاب البحار، مما يدل على أن هذا الخبر ربما كان يدور بين بعض عوام الناس، بل حتى بين جهّال الأعاجم ممن لا يفقهون من اللغة العربية شيئاً.

ولكي ندلل على ذلك نأخذ بعض المقاطع التي تخالف السياق العربي بشكل فاضح:
أ ـ الأشعار التي وردت عن الإمام زين العابدين (ع) والسيدة العقيلة (ع) لا ترقى إلى أبسط مستويات الفصاحة والبلاغة، وقد بلغت من ضعف التركيب وركاكة التعبير ما لا يرضاه حتى المبتدئون بكتابة الشعر، وإني لأخجل من نسبتها لنفسي، فكيف أرضى نسبتها لسيدي ومولاي زين العابدين (ع) أو عقيلة الطالبيين التي تفرغ عن لسان أبيها فصاحةً وبلاغةً، توقفت عندها عقارب الزمن مذهولة وهي تصدح في مجلس عبيد الله بن زياد وسيده يزيد؟

خذ مثلاً ما نسبه الراوي للإمام زين العابدين من قوله:
أليس جدي رسول الله ويلكم (أهدى البرية من سُبل المضلينا)
فهل ترى عزيزي القارئ أن معنى (أهدى) في هذا التركيب صحيح؟ وهل كان الواضع يفرّق بين (هدى) و(أهدى)؟
أين هذا من قوله تعالى: وهديناهم صراطاً مستقيماً؟
وهل يقال في العربية: أهديته من سبل المضلين؟؟!

أو قوله عن الإمام زين العابدين (ع):
بني أمية ما هذا الوقوف على تلك المصائب لا تلبون داعينا
فهو أشبه بهذيان المحمومين وتخليط السكارى أو المجانين، ولا يمكن بحال من الأحوال نسبته لصاحب الصحيفة الشريفة أو الخطب الصاعقة التي أخرست الزمان وأذهلت أهله.

ولو أردنا أن نستقصي كل ما ورد في الخبر من ركاكة وابتذال في الألفاظ لطال بنا المقام.
وهذا غيض من فيض.

ب ـ من التراكيب المخزية التي لا أدري كيف استساغها بعض الخطباء والمعنيين بهذا الشأن، بل استماتوا في الدفاع عنها وأصدروا على أثرها فتاوى شرعية، ونظموا أناشيد، قوله عن العقيلة زينب (ع): «فنطحت جبينها بمقدم المحمل».

وهذه العبارة مخالفة للغة العرب من جهتين:
الجهة الأولى: أن الفعل نطح لا يتعدى بحرف الجر، فلا يقال: نطح الكبش رأسه بالجدار، إنما يقال: نطح الكبشُ الجدار. أو نطح كبشاً آخر مثله. ودونكم معاجم اللغة العربية فتشوها عن آخرها، ستجدون أن العرب تقول: نطح الكبشُ الكبشَ، وانتطحت الكباش، وهذا أمر لا ينتطحُ فيه كبشان.
ومن الطريف أن صاحب البحار نفسه نقل رواية عن مناقب ابن شهر آشوب، مفادها أن خطيباً من أهل واسط لعن علياً على المنبر فإذا بثور عبر الشط… ونطح الخطيبَ فقتله. ولم يقل: نطح رأسه بالخطيب.

الجهة الثانية: أن العرب لا تستخدم النطح إلا للكباش، وما كان له قرنٌ من الحيوانات فلا يقال نطح فلانٌ الجدار. إنما يقال: ضرب رأسه بالجدار. إلا أن الواضع لا يعنيه الإساءة للسيدة الجليلة بنت سيد الوصيين، فنسب هذا الفعل لها وهي أجل من أن توصف بمثل هذا اللفظ البائس، الذي يكشف ـ على أقل التقادير ـ عن جهل الواضع باللغة العربية وبعده عنها، وأنه لم يكن من رجال ذلك العصر، إنما هو رجل من عوامّ العرب أو العجم، وفي عصور متأخرة جداً عن الحادثة.

فالواضع أخطأ خطأين في آنٍ واحد: الأول في عدم استخدام المفردة في محلها وفق السياق العربي، أي استخدم (النطح) للإنسان، وهو للكباش، والثاني تعدية الفعل بحرف جر، وقلب المعنى إذ تحول الناطح منطوحاً، والمنطوح ناطحاً.
وتوضيخ ذلك أن تعبير (نطحت رأسها) يعني أنه وقع عليه فعل الفاعل، فيكون منطوحاً، والصحيح في العربية أن يقال: نطح الكبش الرجلَ، فيكون الكبش ناطحاً، وليس رأس الكبش، كما هو معروف لمن له أدنى معرفة باللغة العربية.

8 ـ في نهاية المطاف لا بد أن نسأل أنفسنا هذا السؤال: ما هي الصورة الحقيقية لزينب (ع) بعد واقعة الطف؟
هل كانت كسيرة منهزمة أمام الأعداء تظهر الجزع الفاحش أمامهم لتكون عرضة للشماتة والذل؟ وهل ينسجم هذا مع الخُطب والبيانات الكثيرة التي وردت عنها في مواقف تنعقد عندها ألسن الشجعان؟

يقول لها عبيد الله بن زياد شامتاً: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. فتجيبه على الفور: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد (ص) وطهرنا تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا. فيستشيط غضباً من ردها فيقول: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ فتقول: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قومٌ كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم، فانظر لمن الفلج، هبلتك أمك يا بن مرجانة!.

تقول هذا وهي ترى رأس المولى بين يدي العتل الزنيم، بل تراه في موقف آخر بين يدي يزيد بن معاوية وهو ينكته بمخصرته فتقول: أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله (ص) سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد… إلخ.
وتقف بكل ثقة لتستكمل الصرخة الحسينية في كربلاء يوم نادى بأعلى صوته «هيهات منا الذلة» لتقول ليزيد: ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك.

أقول للقارئ الكريم، وللخطباء الذي يسعون لاستدرار الدمعة أيضاً: ألا تهزكم هذه المواقف من أعماقكم لتشعل العبرات في صدوركم وتغرق عيونكم بالدموع؟ أم أننا بحاجة لتقديم زينب (ع) بصورة المنكسرة الحزينة الباكية الجزوعة أمام الأعداء؟
نعم، لا ننكر أنها جزعت أشد الجزع على الحسين (ع) ، وبكت وندبت، وعلى مثل الحسين فليبك الباكون، إلا أن ذلك لم يكن بمرأى ومسمع من الأعداء، وهو ما يؤيده النقل الصحيح، وطبيعة التربية العلوية والسجايا الفاطمية، بل ما يفرضه وجوب الستر والحجاب بمعناه الأعم من حجاب اللباس.

خلاصة البحث: إن هذا الخبر مدسوس موضوع مكذوب على آل البيت (ع) وعقيلة بني هاشم، وقد وضع أيام تدوين البحار ممن لا يفقه في العربية شيئاً، ولا يدرك حجم الإساءة التي سببها للمذهب وعقيلة الوحي، وكان كل همه أن يظهرها بمظهر المنكسرة الحزينة الباكية لإبكاء العوام من الناس ولو على حساب مقام العقيلة والإمام السجاد (ع)، أو لتبرير واحدة من الممارسات الدخيلة التي رأيناها شاعت وذاعت فيما بعد انطلاقاً من هذه الأخبار المسمومة التي تسعى لحرف المسار الحسيني عن قيمه العليا، وأهدافه السامية، ليتحول المشهد إلى اختراعات وابتداعات وخرافات هنا وهناك، لا تعدو دائرة الجهل، أو المتاجرة بالمقدسات، ولو على حساب سمعة أهل البيت (ع) ومقامهم.

وبعبارة أخرى أن هناك من يسعى أن يكون الشغل الشاغل للشيعة هو الداخل الشيعي، وأن يعج المجتمع الشيعي بالبدع والخرافات التي لم ينزل الله بها من سلطان، فيما تنكشف ظهورهم لكل من يتربص بهم الدوائر، ويغيب الوجه العلمي الناصع المشرّف لهذا المذهب الطاهر. وهو عين الفساد الذي نهض الإمام الحسين (ع) لإصلاحه.
والحمد لله رب العالمين.

يتبع…. إجابات عن بعض ما قيل في الرواية المذكورة…

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع الاجتهاد وللقارء المحترم حق في الرد عليها ونحن ننشرها بكل سرور

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics