[هذه السطور قبس مجتنى وخلاصة مكثفة للمحاضرة التي ألقيت اليوم في جامعة الفارابي بمدينة قم، ضمن فعاليات المؤتمر العلمي لتكريم الآراء والأفكار الكلامية للشهيد الصدر]. فضيلة الشيخ أحمد مبلغي
مقدمة
ها نحن نلج عتبة كلام التاريخ في الفضاء الروحي والفكري للشهيد الصدر؛ وهو تعبير لم يألف مقاعده بعد في المعاجم المقررة لعلم الكلام الموروث، ولم يستقر في تضاريسه العتيقة، غير أنه يشرع نافذة علوية تهب منها رياح التجدد لتكشف عن مجاهل لم تطأها أقدام السالكين في فكره المتدفق.
إن الرهان هنا لا يغازل ترف ابتداع المصطلحات ولا يسعى وراء بريق الألفاظ الطافية، بل هو مسعى معرفي جسور يروم استنطاق المسكوت عنه، وهتك الحجب عن طبقات فكرية باذخة في وجدان الصدر؛ طبقات طالما حاصرتها الأطر التقليدية فغدت في ظلالها إما متوارية عن عيون النظار، أو مقروءة بضوء شاحب ورؤية كليلة تفقد النص نبضه الحي وجلال حضوره التمدني.
يقوم كلام التاريخ، في الأفق المعرفي للشهيد الصدر، على وثبة منهجية رصينة تنقل النظر الكلامي من البحث التجريدي في الذات والصفات، ومن ضفاف الفطرة الفردية المعزولة، إلى معترك الصيرورة الإنسانية وتتبع الامتداد العيني للفاعلية الإلهية وسننها الحاكمة في مسرح التاريخ.
إنه ليس بديلا عن علم الكلام الموروث ولا ارتماء في أحضان فلسفة التاريخ الوضعية، بل هو حقل معرفي يتآخى فيه العقل البرهاني مع الوحي الهادي، ليعيد إلى الإنسان بهاء حريته ومضاء مسؤوليته تحت مظلة سنن تاريخية مطردة، جاعلا من الدين أصلا كونيا يحدد الاتجاه ويرسم الغايات، لا مجرد شحنة وجدانية عابرة.
▪︎ هندسة كلامية خماسية للتاريخ:
تنتظم الرؤية الكلامية للتاريخ عبر هندسة خماسية الطبقات:
الطبقة الأولى: مقصد الحركة:
ليست الغاية هنا محطة وصول تقف عندها المسيرة فتخمد جذوتها، بل هي ينبوع أزلي يفيض بالحياة ووقود دائم يستنفد السكون؛ ذلك أن الغاية الكبرى لا بد أن تكون مطلقة التوليد، متجسدة في التوق نحو العدل المطلق. وهو أفق إلهي لا يؤدي بلوغ قبسات منه إلى نضوب طاقته الدافعة، بل يفتح أمام الإنسان آفاقا لا متناهية من التدفق والارتقاء في معارج الكمال.
يقول: “الهدف هو وقود الحركة، وهو في نفس الوقت القوة التي تمتصّها عند تحقّق الهدف، فتتحوّل الحركة الى سكون باستنفادها لهدفها”.
الطبقة الثانية: مسار الحركة:
ينطلق التاريخ من مهاد الوحدة الفطرية والبساطة الإنسانية الأولى، حتى إذا ما تفتقت الطاقات واشتد عود التجربة، تمايزت القابليات وتداخلت المصالح. وهنا يفيض بيان الشهيد الصدر في تمييزه الحاسم بين تباين القدرات بوصفه ناموسا تكوينيا يبتغي التكامل، وبين الاستثمار والقهر بوصفهما عارضا طارئا تفرضه علاقات الظلم الاجتماعي.
يقول في تفسير آية “كون الناس أمة واحدة”:
“ونلاحظ من خلال هذا النصّ أنّ الناس كانوا اُمّةً واحدةً في مرحلة تسودها الفطرة، ويوحّد بينها تصوّرات بدائية للحياة وهموم محدّدة وحاجات بسيطة، ثمّ نمت ـ من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة ـ المواهب والقابليات، وبرزت الإمكانات المتفاوتة، واتّسعت آفاق النظر، وتنوّعت التطلّعات، وتعقّدت الحاجات، فنشأ الاختلاف وبدأ التناقض بين القويّ والضعيف، وأصبحت الحياة الاجتماعية بحاجة إلى موازين تحدِّد الحقّ وتجسّد العدل، وتضمن استمرار وحدة الناس في إطار سليم، وتصبّ كلّ تلك القابليات والإمكانات ـ التي نمّتها التجربة الاجتماعية ـ في محور إيجابيّ يعود على الجميع بالخير والرخاء والاستقرار، بدلا عن أن يكون مصدراً للتناقض وأساساً للصراع والاستغلال”.
وبهذا البرهان يدحض الشهيد الصدر حتميات المادية التاريخية، مؤكدا أن الاستلاب ليس قدرا لازما، وأن منافذ التحرر تظل مشرعة بوعي الإنسان وحريته المسؤولة.
الطبقة الثالثة: شرط تجاوز الانحراف:
حين ترتكس المنظومة البشرية في أوحال انحرافاتها وتستبد بها مصالحها المحاصرة، تفقد قدرتها الذاتية على الانعتاق من قيود بنيتها المأزومة، فيغدو الوحي نورا متعاليا يخترق تلك الدائرة المغلقة. فالوحي في هذا الميزان ليس مجرد دليل فقهي لاستنباط الأحكام الفرعية، بل هو ضرورة كلامية تأسيسية ونداء كوني لتقويم مسار التاريخ وإعادة صياغته على هدى الربوبية الحقة.
الطبقة الرابعة: الدولة:
تغادر الدولة حيز التكليف الشرعي المجرد المحبوس في أطر الخلافة الانتزاعية وإقامة الحدود، لترتقي إلى مقام القدرة التمدنية والإطار الحضاري الكلي الذي يوجه التجربة الإنسانية. إنها تقاس بمدى كفاءتها البنائية وطاقتها على تجسيد قيم الوحي في عصب المؤسسات والوقائع الاجتماعية، فتغدو المعبر الواقعي والصلة الموضوعية بين تعاليم السماء والامتداد العيني في التاريخ.
يقول في ذلك:
“إنّ الدولة الإسلامية تارةً تُدرس بما هي ضرورة شرعية؛ لأنّها إقامة لحكم الله على الأرض وتجسيد لدور الإنسان في خلافة الله، واُخرى تدرس على ضوء هذه الحقيقة ولكن من ناحية معطياتها الحضارية العظيمة وقدراتها الهائلة التي تتميّز بها عن أيّ تجربة اجتماعية اُخرى”.
الطبقة الخامسة: الأمة بوصفها الحامل التاريخي ومحور الشهادة الحضارية:
إن هذه الأمانة الكبرى، تقع على عاتق الأمة الجامعة تحقيقا للبلاغ القرآني:
{لتكونوا شهداء على الناس}
وتلك الشهادة لا تستقيم إلا بوسطية جامعة تدفئ علائقها الداخلية وتجنبها الاحتراب العقيم، وتستند بالضرورة إلى تضافر مقومات ثلاثة:
أولها تركيب عقائدي ينقل العقيدة من برود المفاهيم الذهنية الساكنة لتنبع في صورة عملية بناء مشهودة في صلب الواقع، إنقاذا لها من التلاشي والبهتان.
يقول:
“بأن تحوِّل عقيدتها إلى عملية بناء”
وثانيها تركيب نفسي يمثل الجسر العاطفي والدافع الوجداني الذي يشحن الإرادة الجمعية ويمنح العقيدة حرارة التجسد والتأثير.
يقول في ذلك:
“… يفجّر في المواطنين طاقات هائلةً، ويمدّهم بزخم روحيّ كبير، ويجعل كلّ فرد يشعر بأنّ استجابته لعملية البناء…”
وثالثها تركيب تاريخي يستنهض الذاكرة الحية ويشد الأمة إلى جذورها الأصيلة، ردا على دعوات الابتداء من الصفر والامتداد بدون جذور عبر الاستلاب للنماذج الوافدة.
فإذا التأمت هذه الأبعاد، نهضت الأمة فاعلا تاريخيا يقود حركة التغيير ويشيد معالم الحضارة.
يقول:
“…لها جذور تأريخية ونفسية ومرتكزات فكرية”

الاجتهاد موقع فقهي