خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 5 مذكرة / ملاحظات على مقال هشام داود .. علي المدن يكتب: المرجع السيستاني بين تراث النجف وحركة تشرين الإصلاحية
علي المدن

ملاحظات على مقال هشام داود .. علي المدن يكتب: المرجع السيستاني بين تراث النجف وحركة تشرين الإصلاحية

الاجتهاد: كتب الدكتور هشام داود مقالا قيماً عن الحركة الاصلاحية التشرينية الجارية في البلاد، ومن منطلق تقديري واحترامي لما كتبه، وإيماني بأهميته وضرورة فتح النقاش في المجالات التي ذكرها، أشير إلى عدة ملاحظات لا تقلّل من قيمة ما كتب بقدْر ما تثري الأفكار الواردة في المقال.

– في النقطة الأولى ذكر الدكتور هشام بعض الكتب المهمة التي انتجتها النجف وكانت على علاقة بما أسماه (تراث الحوار والجدل والانفتاح الفكري) المؤسس لبعض أهم النماذج السياسية في الأوساط الشيعية، وكان من تلك الكتب كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” للنائيني وكتاب “الجمهورية الإسلامية” للخميني، وكنت أتمنى عليه أيضاً أن يذكر كتاب “الإسلام يقود الحياة” لمحمد باقر الصدر بل وحتى كتاب “نظام الحكم والإدارة في الإسلام” لشمس الدين.

أعرف أن القائمة طويلة ويمكن أن تضاف لها كتب أخرى كمولفات فضل الله ومغنية والفضلي وغيرهم، إلا أن الإشارة لكتاب الصدر، وبدرجة أقل منه كتاب شمس الدين، من الأهمية بمكان. هذا ومن المؤكد أن سلسلة نصوص السيستاني التي تناولت الشأن العراقي منذ 2003، والتي يواصل حامد الخفاف جمعها، ستكون واحدة من أحدث وأهم تلك الكتب التي أنتجتها النجف في القرن الأخير.

– بخصوص منهجية السيستاني في التعاطي مع الحركة التشرينية ذكر الدكتور هشام، أن السيستاني (يجمع بين منهجية ابن خلدون وتفكيكه لماهية السلطة من جهة، وانحداره الفلسفي من المشروطة المحدّثة للمجتمع ومؤسساته في سياق عمران يبنى بشكل واعي وبقوانين عصرية ووضعية يتصدر فيه قرار الشعب موقعه السيادي).

ما قاله الدكتور صحيح، ولكني أرى أن من المهم أيضاً الإشارة إلى المدرسة الفكرية التي ينحدر منها السيستاني مباشرة (ربما أكثر قرباً حتى من المشروطة)، وهي المدرسة التفكيكية للميرزا الأصفهاني ومجتبى القزويني (والسيستاني تلميذهما، ومعه مجموعة كبيرة من الباحثين، من بين أهمهم: محمد باقر ملكي ميانجي ومحمد رضا حكيمي ومحمد صادقي طهراني)، وقد أسميت سابقاً هذه المدرسة بالأخبارية الجديدة التي تميل إلى المحافظة في التعامل مع الفقه وأصوله والإلهيات الفلسفية المؤسسة على المقدمات الشائعة في التراث العقلي اليوناني، وتحاول أن تستعيض عنها بما تستقيه من مفاهيم ومقدمات (عقلية أو روائية) مأخوذة من المدونات الحديثية الشيعية. فهذه المدرسة وإن كانت ذات صبغة تدينية ورعية، ومنحى فكري محافظ فيما يخص الأفكار الواردة عن غير مدرسة ائمة المذهب الإمامي إلا أنها أكثر انفتاحاً وواقعيةً في المجال السياسي. وهذه بحد ذاتها مفارقة تستحق التأمل والبحث.

– في مجال الضغوط التي تمارس على المرجع السيستاني ذكر د. هشام عدة جهات، منها: (1) أحزاب ومليشيات وجماعات ما دون الدولة، (2) دوائر السياسة والأمن المؤثرة في طهران، (3) بعض رجال الدين داخل الحوزة النجفية ذاتها.

وما نضيفه على هذه الجهات الثلاث هو “الشارع العراقي المحتج” وجمهور الحركة التشرينية، فهم أيضاً لهم ضغوطهم على المرجع السيستاني، بل إن تأثيرهم أكبر وأهم من جميع الضغوط والديناميات الأخرى المأخوذة بنظر الاعتبار في صياغة خطاب السيستانية وقراراتها، وهناك منحى بيانياً نلاحظه، هو: كلما تصاعد الضغط الجماهيري في الشارع العراقي زاد خطاب السيستاني جرأة وانفتاحاً ودعماً، وكلما خفّ هذا الضغط قلّ خطاب السيستاني عن ذلك. وقد كتبت عن ذلك مقالاً خاصاً تحت عنوان (السيستاني والاحتجاجات).

– في النقطة الأخيرة لمقال الدكتور هشام يقول: (إن ما يحصل في العراق اليوم هو حركة مجتمعية تغييرية ذات طبيعة ديمقراطية، حتى اليوم غير انتقامية، تحاول أن تضع حقوق الإنسان والجماعات في صلب توجهات الدولة القادمة. إنها حركة تعمل من أجل عقد اجتماعي جديد وبناء أمة جديدة حسب قيم ورموز ومخيال جديد متقاسم دون تهديم الموروث المؤسساتي القائم مهما كانت هشاشته).

هذه في تقديري نقطة مهمة جداً وقد سبق لي في موضع آخر الإشارة إلى أن من ميزات هذه الحركة الاحتجاجية أنها حولت النقاش في العراق من جانبه السياسي (وكثيراً ما يكون نقاشاً طائفياً جاءت به أحزاب المعارضة لحظة سقوط النظام سنة 2003 ونشرته في أوساط العراقيين وأذهانهم) إلى جانب النقاش الحقوقي/الدستوري.

ولأول مرة في تاريخ العراق نجد جمهور المعترضين على النظام السياسي وسياساته تُحاكم وفق تصورات وأفكار حقوقية ودستورية بدل أن تكون طائفية أو مناطقية، ناهيك عن بعض الحقب التاريخية التي كان صوت السلاح يكمم فم أي نقاش وحوار ويحول دون الاشتغال بهما، يوم كان صوت المعركة أعلى من أي صوت فكري حواري نقدي.

وعليه فإن هذه الحركة الإصلاحية التشرينية الجديدة لا تكتفي بحمل مطالب جديدة على واقعنا السياسي وإنما أيضاً تضع لمساتها على آلية وطبيعة تناول هذه المطالب وتداولها في المجال الاجتماعي العام.

مقال الدكتور هشام داود، وكما هو الحال في كل ما يكتب وينشر هذا الباحث الكبير، نافع ويستحق العناية، وفي ظني أنه سيكون أكثر غنى لو أضفنا له، أو أخذنا بنظر الاعتبار، الملاحظات المتقدمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *