خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 4 حوار / مكانة النظام الفقهي في منظومة العلوم الإسلامية/ حوار مع الأستاذ الشيخ مهدي نيازي الشاهرودي
منظومة العلوم الإسلامية

مكانة النظام الفقهي في منظومة العلوم الإسلامية/ حوار مع الأستاذ الشيخ مهدي نيازي الشاهرودي

الاجتهاد: إن نشر الثقافة والمعارف الدينية هي من المسؤوليات الكبيرة التي تقع على عاتق وسائل الاعلام بصفة خاصة، ولهذا فقد أولت صحيفة الوفاق أهمية لهذه المسؤولية لأجل تحقق هذا الهدف وتأتي سنوية تكريم أحد علماء وفقهاء الإمامية وهو المحقق الحلي رحمه الله (28 ربيع الثاني 602 هـ.ق.) الذي كان من أعاظم أساطين مدرسة الإمامية، وذلك من خلال حوار علمي أجرته الصحيفة مع أحد علماء الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة وأستاذ بحث الخارج في الفقه والأصول سماحة آية الله الحاج الشيخ مهدي نيازي الشاهرودي للحديث عن هذه الشخصية العلمية والفقهية والمكانة الرفيعة للمحقق الحلي (رض)، وكذلك بيان مكانة علم الفقه ضمن منظومة العلوم الإسلامية، وكذلك دوره وأثره في المجتمعات الإسلامية عموماً والمجتمع المسلم في ايران خصوصاً.

سماحة الأستاذ بيّنوا لنا مكانة وأهميّة النظام الفقهي والاجتهاد الشيعي في منظومة العلوم الإسلامية لدى الامامية.

لقد دُوّن النظام الاجتهادي لدى الامامية وتطوّر بالاستعانة بالقرآن والفكر الأصيل ووصايا الأئمة المعصومين (عليهم السلام) واستقامة طريقة الاجتهاد على طول التاريخ فتركت لنا ميراثاً ثريّاً في علم الاُصول والفقه، وهذه الاستقامة رهينة القيادة النظرية للفقاهة على المجتمعات الاسلامية.

من هنا كان للفقهاء في السلوك والعلاقات الاجتماعية وطريقة حياة المسلمين في كلّ مرحلة آراء وآفاق جديدة، وبذلك أعطوا لنظام الاستنباط استحكاماً، ورفدوا ميراث الشيعة الفقهي.

انّ التقنيّة في عصرنا الحاضر غيّرت حياتنا وحياة المجتمعات البشرية بحيث بقي الكثير من الاُمور والأبحاث التي لها حكم في الفقه الاسلامي بلا موضوع وحلّ محلّها موضوعات معقدة قدّام الفقهاء وأصحاب الإفتاء ويحتاج فهمها وادراكها الى علم واسع ونظر دقيق، لذا فانّ تجديد النظر وتحديث نظام الفقاهة يلازم الحصول على جواب مناسب لمثل هذه الحياة ومثل هذه المجتمعات.

وبالتالي عرض تلك الأبحاث بنحو صحيح على المصادر الفقهية لأنّها تسوقنا الى سلوك مناهج وقواعد جديدة في طريق تكامل الاجتهاد وفتح فصل جديد في الفقاهة.

وهنا نعتقد انّ فقه الإماميّة والنظام الاجتهادي فيه لا بدّ أن يكون في إطار المباني والاُصول العقلانية والثوابت في الاجتهاد، وأن يكون له قدرة الاجابة عن المستجدّات الزمانية والمكانية.

يمتاز فقه الامامية ـ مقارنة بفقه سائر المذاهب والفرق الاسلامية ـ بالشمولية والابداع الخاص، لانتهاله من العين الصافية وبحر علوم النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) حيث تداوله على طول التاريخ فقهاء عظام يمتازون ببعد النظر، وهو حصيلة جهود قيّمة تركت لنا هذه الثروة الكبيرة من الكتب الاستدلالية الفقهية وفتاوى علماء الشيعة طيلة الغيبة الكبرى التي هي الآن في متناولنا.

انّ سعة باب الاجتهاد هو منشأ التطوّر والتحوّل الرائع في الفقه منذ البداية وحتى الآن بلحاظ كثرة المباحث والمسائل المتناسبة مع شرائط ومقتضيات الزمان، وأيضاً بلحاظ ما بعد التعمّق في علم الفقه.

وممّا يذكر أن نظامنا الاجتهادي يحتوي على أكثر من خمسين باباً فقهيّاً في مختلف المسائل (الفردية، الاجتماعية، السياسية، العبادية، المعاملات، القضاء، الحكومة، البيئة، الطب، الأمن، الرفاه و…) ولكلّ منها فروع وأقسام عديدة، أضف الى ذلك المسائل المتفرّقة والمستحدثة التي ظهرت في الفقه.

ولا يخفى أنّ في هيكلة علم الفقه والمسائل التي تخضع لعملية الاستنباط هناك نواقص واخفاقات لا بدّ من رفعها بيد المجتهدين وملأ الفراغات وحلّ الاشكالات الموجودة في هذا الطريق، وذلك من خلال استبدال المباحث فيها أو اضافة مباحث حقوقيّة عصرية مشابهة لها ممّا هو موجود في الكتب الفقهية، لذا ينبغي للفضلاء والمتخّصين في الفقه التركيز على هذه الاشكالات والفراغات ورفعها، والنظر اليها بنظرة فقهية علمية جديدة.

لذا فانّ قوام ودوام الفقه الشيعي يرتبط تماماً بالاجتهاد الفاعل والحداثة الفقهية المنظبطة الصحيحة، وبالاجابة عن المسائل المستحدثة في العالم المعاصر لمختلف المجالات (الفردية، الاجتماعية، الثقافية، الفنية، الاقتصادية، السياسية، الدولة و…) وهذا الأمر الهامّ يتحقّق من خلال أمرين:

الأول: المعرفة التامّة والتسلّط الكامل للفقيه على الاُصول والقواعد ومسائل الاستنباط والاجتهاد، والأهم من ذلك التطبيق الصحيح لها.

الثاني: المعرفة بالمسائل المعاصرة المبتلى بها على مختلف الأصعدة والمجالات، المحلّية منها أو العالمية، والادراك الصحيح والفهم العميق للبشرية والدنيا التي نعيش فيها، وذلك بما يتطابق ويتناسب مع شرائط الزمان والمكان، ومعالجة ذلك علميّاً واجتهاديّاً.

ومن خلال هذين الأمرين يمكن دعوى أنّ أثر الفقه الشيعي، وكذا مسؤولية والتزام الفقيه الشيعي تمكنا من الاجابة المتقنة والصحيحة جيّداً عن المسائل الفردية والاجتماعية في مختلف المجالات.

ما هي مصادر الفقه وأهم خصائصها، أي مراحل الاجتهاد الشيعي بالنسبة لخطر البدعة والتحجّر؟

المصادر الغنيّة الفقهية في المدرسة الفقهية الشيعية عبارة عن “الكتاب ” أي النصوص وظواهر الكتاب ، و”السنّة” التي هي قول وفعل وتقرير المعصومين(عليهم السلام)، و”الاجماع”، فقد يرتبط اتفاق رأي الفقهاء في حكم موضوع ما بكاشفيته عن السنّة، و”العقل” فانّ المراد به الادراك القطعي لحكم العقل بثبوت الحكم الشرعي الذي اما يكشف بدواً عن الحكم الشرعي، أو من خلال الملازمة بين حكم العقل والشرع، أي قاعدة” كلّما حكم به العقل حكم به الشرع” الذي من خلاله يحصل على الحكم الشرعي.

وبعبارة أدقّ: يمكن من خلال المدركات العقلية (سواء العقل النظري أو العملي) استنباط الأحكام في حال كونها قطعية، لكن هذه المدركات لا أثر لها في تشخيص الملاكات وعلل الأحكام واثبات الحكم الشرعي، بل أثرها امّا لتشخيص العلاقة بين الأحكام كعلاقة التضاد والتقابل أو الاستلزام والتقارن، والمُدرك العقلي في هذا النوع يرجع الى تشخيص صغرى الدلالة في الخطاب الشرعي، أو أثرها لمعرفة الوظيفة العملية في حالة الشك في الحكم الشرعي، لا تعيين نفس الحكم الشرعي، ويسمّى هذا النوع في الاصطلاح: الاُصول العملية العقلية (الاحتياط، التخيير، البراءة).

وبالطبع لا بدّ من اثبات الحجّية واعتبار المصادر المذكورة لاستنباط الأحكام الشرعية في علم اُصول الفقه، وكذا العلم الأصيل الذي يبيّن القواعد والاُصول التي تساعد الفقيه على تحصيل الأحكام الشرعية.

انّ اُصول الفقه يتكفّل بتدوين واتقان أجزاء وفروع علم الفقه، فانّ التفقّه بلا اسناد الاُصول كالبناء بلا أساس يكون ضعيفاً ومتزلزلاً، قال العلّامة الحلّي قي مقدّمة كتاب “تحرير الأحكام” في فضل ومنزلة علم الفقه: “…. تنظيم اُمور معاش الناس ومعادهم”،

ويمكن القول في توضيح هذا الكلام الذي ينطوي على مطالب وحقائق كثيرة: انّ الانسان موجود اجتماعي، وبدون أن يعيش مع أبناء جلدته لا يستطيع تأمين احتياجاته، ولا يتمكن من تطوير استعداداته التي وهبها الله له، وكذا لا تمكن الحياة المدنية بدون قوانين وضوابط في جميع ميادين نشاط الانسان وفعاليته سواء الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، السياسية، الأمنية و…

وحيث لا احاطة لعقل الانسان بمصالح ومفاسد الاُمور الواقعية، وأنّه غير قادر على معرفة ما ينفعه أو يضرّه، ولا يستطيع وضع القوانين والضوابط التي تضمن له سعادة الفرد والمجتمع، ولا يستطيع معرفة التكاليف الموجبة لبلوغ الانسان الكمال الحقيقي، أي خلوص العبودية، لذا يهبّ الوحي والشريعة لمساعدة العقل، فيجعل القوانين والأحكام التي تنظّم اُمور المعاش والمعاد وتكفل سعادة الانسان.

وقد كفلت الشريعة الاسلامية جميع مجالات حياة الانسان واحتياجاته الحقيقية ووضعت لها برنامجاً وطريقاً، ويرى الاسلام أنّ العبادة والعبودية هما سرّ حركة الانسان في طريق كماله الحقيقي الذي لا يتحقّق الّا في ظلّ العبودية الجماعية والمجتمع الايماني، لذا فانّ نيل السعادة الحقيقية والشاملة رهين اقامة أحكام ومعارف كتاب الله بشكل كامل ودقيق، واقامة المعالم النبوية ومعارف الأئمة الأطهار(عليهم السلام) في جميع المجالات العبادية، الاجتماعية، الثقافية، السياسية، القضائية، القانونية،، الاقتصادية و… قال الله تعالى: (ولو أنّهم أقاموا التوراة والانجيل وما اُنزل اليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) (المائدة: 66) .

وأمّا بالنسبة الى المقطع الثاني من السؤال، أعني مخاطر هذه المرحلة فنقول: انّ أهم خصائص الفقه الشيعي هي عبارة عن مراحل ومسيرة الاجتهاد الحي والفاعل الذي كان على طول التاريخ نوراّ يضيء الطريق للانسان في اُموره الفردية والاجتماعية،

لذا قال الامام الخميني (رض): “انّ علم الفقه يدير شؤون الانسان والمجتمع من المهد الى اللحد بشكل كامل”، والنظام الاسلامي الذي أسّسه على أساس ولاية الفقيه ـ الذي بُني على الأحكام الفقهية ـ بنفسه حاك عن المكانة الخاصة للفقه والفقاهة في بناء الحكومة والمجتمع المسلم.

لذا في بعض الأحيان قد يضطر في ادارة وتنظيم اُمور المجتمع الديني الى اتخاذ خيارات صعبة، فمن جهة معضلة الاخبارية “الاكتفاء بالظاهر” التي لاحت في اُفق الفقاهة، ومن جهة اُخرى “الجمود على اللفظ” باسم الاجتناب عن التحجّر، فانّ هاتين الجهتين عرّضا الفقه الشيعي الى خطر “الالتقاط” الذي فتح باب الفقاهة بوجه ” القياس والاستحسان” و “تشريع الحرام” باسم التجدّد والتنوّرالفكري الذي عقّد الموقف بين السنّة والبدعة، وفتح الباب للكثير من الأخطاء أو الخيانة للأحكام والحدود الالهية.

ما هي جهات ونكات العلميّة بشكل عام للعمل الدقيق بمفهوم التفريع والتطبيق الذي هو هوية الاجتهاد الشيعي؟

الإجابة عن هذا السؤال بحاجة الى مجال أوسع ولكن بإختصار يمكن أن نقول: انّ العمل الدقيق بمفهوم ” التفريع والتطبيق” الذي هو هوية ” الاجتهاد الشيعي مضافاً الى تأييد مقام الولاية العامّة لحجّة الله في آخر الزمان (عج) منوط الى اطلاع واحاطة عشرات المعلومات، منها:

معرفة النص والظاهر، التفكيك بين مقام الثبوت ومقام الاثبات، المعرفة الدقيقة للقيود الدخيلة في الموضوع واستيعاب جميع النكات الدخيلة، الفرق بين المصداق والموضوع ومتعلّق الحكم، المناسبة بين الحكم والموضوع، تعيين كون الحكم على الذات بما هو، أو على عنوان وعناوين خاصّة، معرفة وتشخيص المباني، الأهداف والمقاصد الكلّية للشريعة، ملاك عقلائية أو عدم عقلائية البناءات العرفية والمنافع الجماعية، معرفة تزاحم المصالح مع بعضها ومعرفة الأهم والمهم من المصالح والمفاسد في صورة التزاحم،

تفسير منضبط لمذاق الشارع، معرفة منطقة الفراغ وتعيين الحكم المناسب لها، تأثير الزمان والمكان على الموضوعات ومتعلّقات الأحكام، منهج تنقيح المناط والغاء الخصوصية، التفكيك في الحيثيات والشؤون المتعدّدة للمعصوم (عليه السلام)، وأيضاً كونه في مقام بيان أو عدم بيان الحكم، معرفة الشروط الشرعية من الشروط الولائية، فهم سياق زمان صدور الرواية، الدقة في أحوال الرواة والسائلين من الامام (عليه السلام)، معرفة زمان صدور الأحاديث وتمييز روايات التقية عن غيرها، فهم اصطلاحات زمان الصدور، معرفة الأحكام المولوية عن الارشادية، والتأسيسية عن الامضائية، الفردية عن الاجتماعية، الثابت عن المتغيّر،

التفصيل بين القضايا الحقيقية والخارجية، وبين العبادات والمعاملات، وبين الأحكام الأولية والثانوية، والولائية والحكومية، المعرفة الدقيقة لعلّة الحكم عن حكمة الحكم، والأحكام الوضعية والتكليفية، والحيثية ” التعليلية” والحيثية ” التقييدية”، والمصالح الكلّية والوقتية، والفتوى مع الحكم، ” المصلحة” مع ” الضرورة”، والشكل مع المضمون، والهدف مع الوسيلة، اختلاف مصلحة النظام مع المصالح المرسلة، و” فتح وسدّ الذرائع” لأهل السنّة،

فانّ كلّ هذه المسائل حيوية ومؤثّرة في أن نكون من الاُصوليين أو الاخباريين، من أهل البدع والتاركين لمصادر الشريعة أم لا، فقد يصعب معرفة التوجّه الفكري عن غيره ونكون بحاجة الى فاروق سماوي.

أمّا أنّه متى يتحقّق ويصدق ” بذل الوسع” الذي هو شرط الصحّة وحجّية الأحكام الصادرة والفتاوى نظراً الى الاُمور المذكورة وفي ظلّ الظروف المعاصرة المليئة بالمستحدثات؟ وما هي طريقة تعاملنا مع منطقة ” العفو” و”الفراغ” فانّها ترتبط بكثير من الاُمور والعوامل، منها: تبدّل المفاهيم العرفية، تأثير الزمان والمكان في الموضوعات، في المتعلّقات، في تغيير المصالح، وفي تحليل أو عدم تحليل المقاصد، في عقلائية أو عدم عقلائية المنافع، وغير ذلك.

ان شرئط الزمان ـ من خلال الامكانات المتوفّرة في كيفيّة اجراء الأحكام، وأيضاً عن طريق التأثير في العرف الأخلاقي والاجتماعي ـ من قبيل تزاحم المصالح مع بعضها ومع المفاسد، مسألة ” مكانة ودور بناء العقلاء” والسير المستحدثة التي لم تكن مرتكزة ولا عليها العمل في زمان الشارع، تفسيرنا لـ ” ما لا نص فيه” والتعابير الغير منضبطة لـ “مذاق الشارع” وموارد اُخرى عديدة كلّها دخيل في جدول الأهم والمهم أو الفاسد والأفسد.

لذا، ما لم يُعرف جميع هذه الموارد وغيرها ويُعمل به بدقّة لا يكون الرأي الفقهي منضبطاً ومشروعاً، وما لم تنظر المؤسّسة العلمية والفقهية لهذه الموارد بعين الجد وتتابعها علميّاً وتدخل في مطابّها وتعالج اشكالاتها النظرية والفكرية سوف نكون في دوّامة وحيرة ومفترق طريق ” البدعة والتحجّر”.

نظراً الى ما تحدّثتم به من الكلمات القيمة أن ظهور بعض المسائل المستحدثة وابداء الرأي فيها، الذي قد لا يكون مقبولاً أحياناً ووجيهاً، وقد يترك آثاراً سيّئة في المجتمع، في رأيكم ما هو الاستنباط الفقهي الصحيح البعيد عن مثل هذه التبعات والشامل للضوابط؟

ما يمكن قوله باختصار: أنّ من لوازم الاستدلال والاجتهاد الفقهي الصحّة، الاتقان، والمنهجية ممّا يكون منوطاً باُمور بعضها تقدّم في الجواب عن السؤال السابق،

وهنا نضيف ما يلي:

1- ضرورة المعرفة التامّة لمصادر وأدلّة الاجتهاد الفقهي، كالآيات الشريفة والروايات الصادرة عن المعصومين( عليهم السلام)، وادراك دور وتأثير علم الحديث، الرجال، التفسير وآيات الأحكام في الاستدلال الفقهي، بمعنى لزوم جمع آيات الأحكام الدخيلة في تلك المسألة الفقهية التي تأتي عادة ضمن الاستدلالات الفقهية في كلمات الفقهاء، وكذا الروايات الواردة في ذلك الموضوع،

لأنّ هاذين المصدرين هما الدليلين الأساسيين في الاجتهاد، ومصادرنا عادة يرجعا اليهما (الكتاب والسنّة)، ولا بدّ أن تكون الروايات صحيحة الاسناد والدلالة، وهذا بحاجة الى قواعد رجالية تضبط أحوال الرواة من حيث الوثاقة أو ما يحلّ محلّها، وكذا بحاجة الى دراسة، تقسيم الروايات في كلّ مسألة الى طوائف، فهم دلالتها، التنافي بينها وعدم التنافي، الجمع العرفي بينها، وعشرات المسائل التي قد تكون العمدة في الاستدلال الفقهي.

2- معرفة أقوال الفقهاء خصوصاً القدماء، وفهم الجوّ الفقهي لتلك المسألة في ذلك الزمان،

وذلك أولاً: أنّ أقوالهم في بعض الموارد تكون كاشفة عن الاجماعات والارتكازات المتلقّاة عن المعصومين (عليهم السلام) التي تُثبت مباشرة سنّة المعصوم وقوله. وثانياً: من فهم الاستظهارات والنكات المترتّبة عليها هناك قرائن تكون مفيدة في فهم الروايات. ثالثاً: أنّها توجب (اثبات أو نفي) ارتكازات المتشرعة، وبصفتها قرائن معنوية يمكن أن تشكّل استظهاراً، لذا يعطي فقهاء الشيعة لأقوال القدماء قيمة ومكانة، وهذه النكتة صحيحة وهامّة.

3- الدقّة في فهم القواعد الاّصولية والفقهية بلحاظ ما يلي:

أولاً: فهم هذه القواعد وحدودها والثغرات فيها.

ثانياً: التشخيص والتطبيق في الموضع الصحيح وفي مورده الذي يُظهرعلميّة وقوّة اجتهاد الفقيه، وهذه القواعد امّا ترتبط بالدليل الفقاهتي والاُصول العملية( الاستصحاب، البراءة والاحتياط)، وامّا ترتبط بالأدلّة الاجتهادية، مثل(الجمع العرفي والتعارض، الاستلزامات العقلية و…) وكذا المقايسة بينهما ومعرفة الحاكم والمحكوم، المقدّم والمؤخّر، بحيث يكون عدم العلم بهذه القواعد أوالغفلة عن تطبيقها بدقّة منشأً للخطأ في الاستنباط الفقهي، وبالتالي يكون الحكم غير واقعي، بل قد يكون موهناً.

4- الاستفادة الفقهية من السير والبناءات العرفية، العقلائية والمتشرعية، وهذا النوع من الأدلّة ليس لفظيّاً، بل هو علمي وقطعي، يعني من باب جمع القرائن أو حساب الاحتمالات تكون تلك الأدلّة كاشفة عن الحكم الشرعي أو عن السنّة، وأنّ الشارع يوافق على ذلك الحكم، والّا فلا ينبغي لذلك الاجماع أو السيرة المتشرعية أن تنعقد، ويجب الردع عن السيرة العقلائية، وهذا النوع من الأدلّة ـ خصوصاً دليل السيرة ـ من الأبحاث التي اُضيفت أخيراً الى المباحث الاُصولية، للاستفادة منها في الفقه كثيراً، لذا فالتحليل الصحيح لسيرة العقلاء والارتكازات العقلائية في الاستدلال الفقهي وفي أبواب مختلفة مهم جدّاً،

فانّ أحد مميّزات الشيخ الأنصاري (رض) في كتاب المكاسب هو هذه التحليلات، وكذا من مميّزات الميرزا النائيني (رض) في الفقه هو ذلك، حيث انّه بيّن سيرة العقلاء في المكاسب بشكل جيّد، فمثلاً تقسيم العقود الى عقود عهدية وعقود اذنية، أو الجواز واللزوم في الخيارات الى جواز ولزوم حقّي ومعاملي، وجواز ولزوم حكمي، هو من أفضل تحليلات الارتكازات العقلائية التي هي من ابداعاته في فقه المكاسب، وأيضاً دليل على تسلّطه وقدرته على التحليل العرفي والعقلائي، وهذا البحث من أفضل مباحث العقود والايقاعات الرائجة في الدنيا والوقت الحاضر.

ثمّ انّهم قسّموا السيرة في اُصول الفقه الى سيرة متشرعية وسيرة عقلائية، فسيرة المتشرعة هي عمل المتشرعة التي انعقدت في خصوص عرف المتشرعة، وهي تكشف عن تلقّي ذلك الحكم عن المعصوم (عليه السلام) بشكل قطعي، وسيرة العقلاء والعرف لا تختص بالمسلمين والمتشرعة، وهو ما يعبّر عنه بالعرف العام، ولا يخفى أنً كاشفية سيرة المتشرعة أقوى، لأنّ سيرة العقلاء ـ لأجل الكشف ـ بحاجة الى عدم ردع من ناحية الشارع، ومن اللّازم أن يكونا كاشفين عن قول المعصومين (عليهم السلام) أو عن سنّتهم.

ولا يخفى أنّ هذه السير تختلف بلحاظ المحتوى والمدلول عن الأخرى، وتنقسم سيرة العقلاء بلحاظ التأثير والعمل الى ثلاثة أقسام:

1- السيرة التي يثبت بها أصل الحكم الشرعي، مثل السيرة التي يؤخذ بها في باب الخيارات، فمثلاً في خيار الغبن الذي لم تثبت فيه رواية خاصّة أثبتوه بسيرة العقلاء، وهذه السيرة يُعمل بها في أبواب المعاملات كثيراً.

2- السيرة التي تُثبت صغرى الحكم الشرعي لا كبراه، فمبنى العرف مثلاً في مورد يرجع الى موضوع الحكم الشرعي، مثل السير التي تُثبت الشروط الضمنية في بعض العقود، فالبناء العرفي مثلاً على أنّ الذي يُجري معاملة كأنه يصرّح بأنّ المبيع صحيح وسالم، وهذه السيرة مبنى عرفي كاشف عن الشرط ضمن العقد، وتثبت كبراها من باب (المؤمنون عند شروطهم)، ويعبّر عن هذه السيرة بالسيرة الموضوعية.

3- السيرة المؤثّرة على دلالة وظهور الدليل الشرعي، أي السيرة التي تغيّر ظهورات الأدلة اللفظية، أو التي اُوجد فيها الاطلاق أو التقييد، وهذه أيضاً نوع من السيرة والارتكازات أو المناسبات المؤثّرة في تكميل الدليل الشرعي، وهي ليست دليلاً مستقلاً على الحكم الشرعي مباشرة، وهذه الموارد تشبه القرائن المعنوية المحفوفة بالدليل الشرعي، وفي الحقيقة النوع الثالث يرجع الى النوع الثاني أي يشكّل صغرى الظهور، وحيث انّ ظهورات الأدلّة كاشفة عن الحكم الشرعي، فانّ بها يثبت الحكم الشرعي، وهذا هو الفرق بين هذين القسمين.

وقد تصوّر البعض أنّ هذا نوع من العمل بالأقيسة أو الاستحسانات والمصالح المرسلة، والحال أنّه ليس كذلك،

وذلك أولاً: أنً تلك الأقيسة والاستحسانات والمصالح المرسلة لدى القائلين بها حجّة بشكل مستقل، لكن هذه المناسبات والارتكازات ليست حجّة بشكل مستقل، ولا بدّ من دليل شرعي.

وثانياً: أنّ هذه المناسبات والارتكازات العرفية أو العقلائية ما لم يوجد فيها ظهور دليل شرعي لا يمكن قبولها، وفي الحقيقة ما هو حجّة ظهور ذاك الدليل الشرعي، والسيرة حيثية تعليلية لها، لأجل ايجاد ظهور في الدليل الشرعي، لذا فهي حجّة من باب حجّية الظهور، من هنا فانّ مباحث السير والبناءات العقلائية في الفقه ترك ميراثاً قيّماً، وأوجد تحولاً قلّ نظيره في الاستدلالات الفقهية الشيعية لا يوجد في سائر المذاهب، ويعتبرهذا أحد الميزات والمفاخر التي تحققّت في الفقه الاجتهادي للامامية.

انّ أحد اشكالات السير المستحدثة التي لم تكن مرتكزة ولم يكن العمل عليها في عصر التشريع هو: أنّ هذا النوع من السير لعلّه لم يكن في عصر التشريع لكي نكتشف من عدم الردع الامضاء والتقرير، وهذا الاحتمال يكفي في عدم الكشف القطعي، لاحتمال عدم وجود سيرة، لذا لم يرد ردع، وهذا الاحتمال يُبطل الاستدلال القطعي، والنتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، ولكن بعض السير موجود في زمان المعصوم (عليه السلام)، وبعضها الآخرغير معلوم هل كان في ذلك الزمان أم لا؟

وأجاب الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الصدر(ره) عن هذا الإشكال بأنّه يمكن البحث عن طريق لذلك، فانّه لو لم تكن سيرة بهذا الشكل في زمان المعصوم(عليه السلام) لكن وجدت نكتة مشتركة في سيرة مشابهة لها كانت في ذلك الزمان ولم يرد ردع عنها، يكفي أن تكون تلك النكتة ممضاة ومقبولة لدى الشارع.

ولدينا ـ بحمد الله ـ في مجال تصحيح السير المستحدثة والاتجاه الشرعي لها بحث في الاُصول، وقد عرضنا لذلك عدّة وجوه وطرق، سوف يخرج قريباً ان شاء الله، ونأمل من العلماء والباحثين في هذا المجال نقد ذلك ودراسته.

5- التنقيح، التسلّط وفهم الموضوعات المرتبطة بالفقه ومسائله ـ سواء الموضوعات القديمة أو الجديدة ـ لأنّ الفهم الدقيق والعلمي لهذه الموضوعات في غاية الأهمية، فمثلاً بالنسبة الى الموضوعات القديمة طُرحت عناوين مختلفة في الأبواب الفقهية تُوخّيت الدقّة الكافية في بعضها، مثل:

تحقّق أوقات الصلاة، القبلة، الأوزان والمقادير، ولم يُبحث في بعضها الآخر، مثل: أنواع الطيور المحرّمة التي يجب أن يكون صفيفها أكثر من دفيفها، أو موضوع الاستحالة، وأنّه لو اُضيف الى الأجزاء الميّتة مواد كيميائية فصارت شيئاً آخر، فهل هذا من مصاديق الاستحالة أم لا؟ أو مثلاً الكحول والأنواع المصنوعة منها، مثل ما يُتّخذ من الخمر، هل له حكم الخمرلكي يكون نجساً أم لا؟ هذه ومئات المواضيع الفقهية الأخرى التي من الضروري البحث فيها، لأنّ معرفتها من الموضوعات المستنبطة والتي ترتبط بالفقه.

إذن أولاً: الكثير من الموضوعات مؤثّر في الشبهة المفهومية، التي تكون معرفتها من وظائف الفقيه لا المقلّد.

ثانياً: بعض هذه الموضوعات كلّي ودقيق، مثل: الأوزان والمقادير التي لا يستطيع المكلّف معرفة الموضوع فيها، وهذا المطلب بالنسبة للموضوعات المستحدثة بحاجة الى مزيد تتبع وبحث، مثل: هل يعتبرالموت الدماغي ـ الحياة النباتية ـ موت أم لا؟

فانّ جهاز الحياة النباتية لدى الانسان يحفظ الحياة لمدّة طويلة، وهذا النوع من الموضوعات المستحدثة موجود في علم الطب وبحاجة الى دراسة وبحث، أو مثلاً في باب المعاملات والعقود، فانّ هناك معاملات جديدة لا بدّ من معرفتها، ومعرفة نوع المعاملة التي تندرج تحتها، وهل أنّها صحيحة أم لا؟

وما هي العقود التي تقوم بها المصارف والبنوك؟ وهل ما تقوم به من أنواع المعاملات صحيح أم لا؟ وما هي أحكامها؟ وكذا ما هي حقيقة النقود الاعتبارية ـ الورق، الاسكناس ـ ؟ فما لم تُعلم هذه الموضوعات في الفقه لا يمكن استنباط أحكامها، ويمكن جمع هذه الموارد، سواء المستحدث منها أو حدود ومصاديق الموضوعات القديمة.

هذه وبعض آخر من اُمهّات مستلزمات وصفات الاستدلال الفقهي الدقيق يعطي استنباطاً صحيحاً علميّاً بعد مراعاة سائر الجهات والنكات التفصيلية.

اذن من الواضح أنّ ابداء الرأي في مجال الفقه الاجتهادي والأحكام الدينية كسائر العلوم أمر تخصصي وصعب للغاية، وبحاجة الى مراحل علمية دقيقة مقرونة بالاستدلال المتين، وهذا بحاجة الى سنوات من الجهد والعناء في هذا المجال، وليس الأمر مجرد استظهار حكم من آية أو رواية وجعلها في قالب الفاظ ومصطلحات سطحية بدون أخذ سائر الجهات ومراحل الاستنباط بنظر الاعتبار، والأسوء من ذلك نسبته الى الدين والشريعة.

وهنا نودّ التنويه بالمقام العلمي للفقيه المسلّم والاُصولي المسلّط سماحة سيدنا الأستاذ المعظم آية الله السيد محمود الهاشمي (رض) الذي كان يتألّم من بعض الآراء والمدوّنات الفقهية الضعيفة التي لا أساس أو مبنى صحيح لها، وفي مقام الجواب عن أنّه من المناسب الاجابة هذه المكتوبات والاشكالات على أبحاثه، كان يقول:

لا حاجة للردّ عليها، لأنّ الكلام ان كان علميّاً وطبقاً لضوابط وقواعد الاستنباط والاجتهاد فانّه يكون له أصالة وثبات، ويفتح لنفسه مجالاً في ساحة العلم، لذا لا ينبغي الاجابة عن مثل هذا الكلام والمدوّنات، فانّها كالزبد الذي يعلو الماء يذهب جفاءً، لذا كان يمتنع ويمنع الآخرين عن الاجابة عن ذلك، وكان يقول: ان كان الكلام طبقاً للمباني والموازين الاجتهادية المعروفة فانّه لا بدّ من النظر فيه ودراسته، فانّ تطوّر العلم يكون في تضارب الآراء.

وكان هذا منهجه ومنواله ، والّا لا ينبغي الاجابة عن ذلك اساساً الّا إذا كان يمسّ أركان الإسلام ويستهدفها ويترك آثار سيّئة في المجتمع المسلم، أو كان موجباً للشك والشبهة في أذهان المتدينين ويزلزل اعتقادهم في المعارف ودين الاسلام المبين، كما فعل (رض) مع رجل الدين الذي تكلّم في الميراث الروائي الشيعي حيث أصدر بيانين أجاب وأدانه فيهما.

ونضيف الى ذلك فنقول: قد يكون كلام أو كتاب ـ وان كان ضعيفاً ـ اذا طرح بطريقة ان لم تُبيّن نقاط الضعف فيه فانّ ذلك الكلام أو الكتاب يأخذ موقعه في أوساط المجتمع، وكذا لو أنّ كتاباً ليس قوياً من الناحية العلمية ولكن بسبب الاعلام قد يكون كتاباً دراسياً، من هنا لا بدّ من نقد مثل هذا الكتاب بشكل علمي ومنصف.

ومن اللّائق والمناسب أن تكون مكتوبات والمؤلفات ذات عيار ورصانة علميّة للعلماء والأعاظم، كتباً ومتناً دراسية ومداراً ومحوراً لمختلف المراحل (المقدّمات، الدراسات العليا، بحوث اجتهادية)، وبهذا الصدد كنت خلال ملازمتي لاُستاذي في مرحلة التحصيل والتعلّم (1370-1378 هـ ش ) قد استفدت الكثير منه قبل تصدّيه لمنصب القضاء ومن بداية تصدّيه للمرجعيّة، حيث كنت اشترك في الجلسات المفيدة والعلمية للاستفتاء (1388-1396 هـ ش) وكذا ملازمتي اليومية عن الإجابة للاسئلة الشرعيّة والفقهيّة مع سماحته (رض)،

وانّي اعتقد بشكل عام أنّ تأليفاته ودروسه وبحوثه العلمية هي ذخر قيّم، وأنّها الشاخص والمنهج الصحيح والدقيق للبحوث العلمية وكانت مؤشرة الاستنباط الفقهي وهوية الاجتهاد الشيعي، لذا فانّي اقترح الاستفادة من هذه الآثار العلميّة القيّمة، وأن يطبع ما تبقّى من مخطوطات علمية بالتعاون مع أبنائه الأمجاد وجهود فضلاء مؤسّسة دائرة المعارف الاسلامية الموقّرة لأهل البيت(عليهم السلام) لتكون ذخراً لهذا الفقيه الجليل الراحل ومن الباقيات الصالحات له،

ومن المناسب اهتمام علماء الكرام في الهيئة العلمية للحوزة العلمية ومديرها المعزز آية الله الشيخ الاعرافي (وفّقه الله لمرضاته) لما فيه من الدراية والسعاية، بهذا الأمر أيضاً لكي تعمّ الاستفادة من آثاره الفقهية والاُصولية في الحوزة العلمية والمراكز والبحوث العلمية لمختلف المراحل والمجالات من تعليمي، دراسي، تحقيقي، تقنيني، علمي وعملي و… في ساحات عديدة، على أمل أن نشهد تخرّج علماء الأعلام وفضلاء الكرام وأهالي الدقّة والنظر من حوزة النجف الأشرف وقم ومشهد وسائر البلاد ممّن يشتغل بالبحث والتحقيق والتدريس من أجل بيان التراث العلمي والكنز المعنوي للشريعة الاسلامية وأهل البيت(عليهم السلام) ، كما نرجو حفظ هذا التراث من التحريف والبدعة، وأن نسعى للتعريف به والاستفادة منه وتكميل وتوسيع دائرة هذا العلم الشريف.

نظراً الى ما تفضلتم به في ساحة الفقه والفقاهة، هنا سؤال أساسي نود الإجابة عنه وهو ما مدی توسّع وتنوّع علم الفقه وارتباط وتأثيره بالنسبة للعلوم الأخرى من الإنسانية، التجريبية، الإجتماعية والإسلامية؟

بشكل عام، الغرض من علم الفقه عبارة عن تشخيص ومعرفة الوظيفة العملية للمكلف، وتحصيل الأحكام الشرعية العملية والفرعية، فانّ لكل فعل وترك حكم شرعي موجود وثابت. ولأجل خروج المكلف عن عهدة المسؤولية الشرعية واطاعته لله تعالى لا بدّ من معرفة تلك الأحكام التي تكون اطاعتها وامتثالها ضماناً لجميع المنافع البشرية ومصالح العباد، وقد جعل الشارع المقدس طريق العدالة الاجتماعية وسعادة البشرية في هذا المسير.

هذا هو الغرض الأصلي والنهائي لعلم الفقه بنحو الاجمال والاختصار، أما تفصيل الغرض من هذا العلم فبحاجة الى مزيد بيان وتوضيح، لأنّ الوظيفة العملية التي هي موضوع علم الفقه تشمل جميع الأفعال والتروك في جميع مجالات ونواحي حياة الانسان، وهذه الأحكام بدأت قبل ولادته وهي جارية الى ما بعد وفاته، كما أنّها تشمل جميع مناحي حياة الانسان، حيث هناك يوجد في كل مجال منها حكم شرعي، وهذا ما يؤكد أهميّة علم الفقه ودوره وتنوعه،

ومن الواضح أنّه يمكن بل قد يلزم أحياناً الاستفادة في بيان المنهج من العلوم الأخرى، فلذا بعد هذه المقدمة القصيرة حينئذ يمكن بيان الارتباط والآثار المترتبة على علم الفقه بالنسبة للعلوم الأخرى في ساحات ثلاثة:

الساحة الأولى، مجال وأثر العملي

يشمل علم الفقه جميع نواحي الانسان وجميع الناس والاجيال، فانّ في نواحي الحياة هناك أحكام فقهية، ولعلم الفقه دور ووظيفة شرعية في جميع هذه المجالات الفردية والاُسرية والاجتماعية والمحلية والعالمية، فالفقه لا يختص ببيان حكم الناس فرداً فرداً فحسب، بل يتعهد ببيان أحكام المجتمع بأسره، أي أنّه يشمل ما يسمى بالنظام ويعيّن الحكم الجماعي،

كالنظام القضائي، النظام الاقتصادي، النظام السياسي، النظام الاداري وغير ذلك ممّا يلزم استخراج واستنباط أحكامه من بطون المصادر الفقهية، ودور الفقيه في هذه الموارد هو استنباط تلك الأحكام والأنظمة، وبالطبع اهتمّت مصادرنا الفقهية بأحكام الفرد ومسائله أكثر من اهتمامها بالسياسة العامة والأنظمة الجماعية وما يرتبط بها من أحكام تخص الحكومة والمجتمع، بدلائل عديدة التي تتطلب بيانه مجالا آخر،

لكن على أي حال تلك الأحكام بأسرها موجودة في الفقه وهي محل ابتلاء، خصوصاً بعد الثورة الاسلامية حيث ازدادت الحاجة والابتلاء على نطاق واسع، وعلم الفقه يتكفل باستخراج أحكام تلك المسائل ويخصص لها أبواباً وفصولاً، وكثرة وسعة الحاجة هي التي تعيّن الغرض من الفقه، لذا فانّ الغرض من الفقه من الناحية العلمية هو الوصول الى تلك الاُمور المهمة والحيوية، وكذا بيان الحكم الشرعي لمستحدثات المسائل والموضوعات التي صارت محل ابتلاء، وذلك ضمن غرض علم الفقه ،

لذا فانّ دائرة الغرض بلحاظ البعد العلمي أوسع من علم الفقه، وعليه لا يكون عمل الفرد فقط موضوعاً للأحكام الفقهية، بل مثل النظام القضائي والاقتصادي والحكومة والادارة وغيرها موضوعات للأحكام أيضاً وهي من المسائل الفقهية، بل ما يرتبط بالعلوم التجريبية أيضاً مشمول للأحكام الفقهية كمسائل البيئة وما يرتبط بها من أحكام،

وذلك نظير ما هو جائز في البيئة وما هو ممنوع، وكذا الأحكام الدولية كمسائل الحرب وسلاح الدمار الشامل، وكثير من المسائل المستحدثة في علم الطب التي يأخذ الحكم بجوازها وعدمه مساحة واسعة في الفقه، بحيث لو أردنا جمع تلك المسائل لكانت بحجم رسالة عملية، ونظير ذلك موجود أيضاً في العلوم الطبيعية الأخرى، ولجميعها حكم في الشريعة وفقه الاسلام.

الساحة الثانية، مجال وأثر العلمي

الغرض العلمي للفقه هو البحث الأهم في مجال الفقه، وهو بحاجة الى دقة واهتمام خاص، وفي بداية الأمر نحاول معرفة منهج استخدام المصادر الاسلامية والشريعة في العلوم والمعارف الاسلامية كالكلام، التفسير والأخلاق و… ،

فالمفسر مثلاً ان لم يكن فقيهاً لا معرفة له بمذاق الشارع يخطأ كثيراً، وكذا المتكلم الذي لا معرفة له بأحكام الشارع، وهكذا في سائر المعارف الاسلامية والمعالم الانسانية الأخرى، فالمفسر والمتكلّم الفقيه يكون أكثر تسلّطاً ودقة في مجال التفسير والعلوم القرآنية من المفسر والمتكلم الذي لا معرفة تامة له بالفقه،

هذا مضافاً الى أنّ بعض العلوم البشرية تعتمد تماماً على الفقه، فعلم القانون المدني مثلاً أو قانون العقوبات، علم الاقتصاد والاقتصاد الاسلامي لا يمكن دراسته أساساً بدون المعرفة التامة بالفقه والمنهج الاجتهادي الفقهي، ومسائل من هذا القبيل اما تستخرج أحكامها من الفقه مباشرة مثل حق الملكية الخاصة في الاقتصاد أو حرية المنافسة الاقتصادية المستفادة من الآيات والروايات، أو عن طريق الجمع بين الأحكام الشرعية الفوقانية والقانونية القابلة لاستخراج أحكامها بشكل غير مباشر كما بيّن الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الصدر (رض) في كتاب «اقتصادنا» المنهج في التعامل معها، وأنّه كيف يمكن أن نصل من خلال الأحكام الشرعية الى نظام اقتصادي اسلامي متناسق ومنسجم،

فانّ التنظير في هذه العلوم الاجتماعية المختلفة لا يتيسر بدون اشراف تام على الفقه والاجتهاد الفقهي أساساً، وهو بحاجة الى علم الفقه يشخّص حدود وثغور تلك النظريات، لذا فانّ تأثير علم الفقه في العلوم الاسلامية والانسانية كبير جدّاً، أما تأثيره في العلوم البشرية فواضح، وكذا له تأثير في أهداف ومنهج العلوم الطبيعة والتجريبية،

بحيث تتغير النظرة الى المسائل التجريبية من خلال النظرة الفقاهتية المعتمدة على المباني الاسلامية، مضافاً الى معرفة الكثير من مسائل العلوم التجريبية اللازمة والضرورية من غيرها وكيفية التعامل معها وطريقة استخدام تلك العلوم والمنهج المعتمد فيها وتحديد مسارها وغير ذلك.

اذن لعلم الفقه علاقة وصلة بجميع العلوم الأخرى، وهذا الأثر يقتضي ـ من أجل الوصول الى معارف لعلم الفقه تأثير بالغ فيها ـ اضافة مباحث فقهية واحداث فقه تخصصي في علم الفقه، فمثلاً لا بدّ من ايجاد فقه القضاء والعقوبات، فقه السياسة، فقه الادارة، فقه الجهاد، فقه الصحة، فقه الاُسرة والأحوال المدنية وغيرها،

وهذه الموضوعات توسع من دائرة الأبحاث الفقهية من جهة، وتلبّي حاجات الانسان المعاصر من جهة اُخرى، وذلك من خلال اتباع منهج اجتهاد جواهري صحيح لاستخراج واستنباط أحكام المسائل من المصادر الفقهية، لا استنباطها بحسب المذاق الشخصي والأفكار اللقيطة، بل يكون ذلك على أساس فقهي اجتهادي رصين، وهذا بحاجة الى جهود وتقسيم فقهي جديد لا بدّ من تدوينه وتنظيمه وتبويبه.

لقد كان فقهاؤنا يتماشون مع التقدّم والتطور خطوة بخطوة، وكانوا يوسعون من دائرة مسائل علم الفقه، وكلما تدخل بذلك مسائل جديدة في فقه العامة فهم يستنبطون لها حكماً شرعياً، بل كانوا يتابعون تأثير الفقه والاجتهاد الفقهي على سائر العلوم الأخرى، فصنّفوا في ذلك تصانيف، والحال نحن قمنا بتعميق الكتب الفقهية الأساسية فقط، من دون الاهتمام بالمسائل الأخرى، بل تمّ الاستفتاء عن المسائل الجزئية المستحدثة فقط، فكان الجواب يأتي للمستفتي خاصة، مضافاً الى عدم وضع تلك المسائل في مكانها المناسب، وهذا ما يتطلّب جهوداً فقهية واجتهادية كبيرة.

الساحة الثالثة، مجال وأثر الديني

المراد من الغرض الديني حفظ الدين من الاندراس والتحريف، وبالتالي حفظ الامة الاسلامية من الانحراف والضلالة، لأنّ الامة الاسلامية محفوظة بأحكام الدين والشريعة الالهية من خلال الفقه وبيد الفقهاء، ومع الأسف في سائر الشرائع الاخرى ـ اليهودية، النصرانية، والمجوسية ـ لم يتحقق هذا الأمر بل تعرضت للتحريف والاندراس.

ولحسن الحظ حفظ الشريعة الاسلامية انما تمّ ببركة السنة والروايات الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) في جميع الأبواب، ومن ثمّ وصلت بيد الفقهاء في عصر الغيبة، وقد بُذلت جهود كبيرة لحفظها وتدوينها فتحمّلوا في هذا الطريق مصاعب كثيرة حتى وصلت اليوم الينا، وبذلك عادت الحياة وازدهر الاجتهاد والاستنباط الفقهي.

نظراً لما ذكرتموه من مكانة ومتطلّبات النظام الفقهي والاجتهاد الشيعي، ما هي مسؤولية العلماء وأهل الفن أزاء هذا العلم الشريف؟

من أجل الاجابة المناسبة عن هذا السؤال أود التطرّق لبيان سماحة آية الله القائد المعظم السيد الخامنئي (حفظه الله) الذي كتبه بمناسبة أول تجمّع في دائرة معارف الفقه الاسلامي عام 69 ش والذي ذكر فيه مطالب هامّة سوف اُحاول بيانها وتوضيحها خلال الجواب، قال: “

يتضمّن مصطلح الفقه الاسلامي مجموعة متكاملة من الأبحاث تسمّى في العرف المعاصر بعلم الحقوق ولها مجالات مختلفة، وهي بجملتها تتكفّل بتنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع، وتشمل من نواحي عديدة الضوابط والمقرّرات الحاكمة على حياة الانسان، مضافاً الى ذلك فانّ الفقه يضع علاقة الانسان مع الله في قالب أحكام واضحة ورصينة، فيما لا يتصف علم الحقوق بمثل ذلك،

فالفقه الاسلامي المصطلح يكون أوسع دائرة من المصطلح العالمي لعلم الحقوق، ويشتمل فقه الامامية ـ المتّخذ من مذهب أهل البيت عليهم السلام ـ من بين فقه المذاهب الاسلامية المختلفة على ذخائر قيّمة، وهو بحر عميق بالتحقيق والتفريع، بحيث لا يمكن أن نجد له نظيراً في فقه المذاهب الاسلامية الأخرى، وهذا ما أعطى الفقه الشيعي ثراءً فائقاً قلّ نظيره.

انّ هذ العلم الديني ومنذ أوائل ظهور الفقه التفصيلي والاستدلالي لدى الشيعة، أي منذ القرن الرابع الهجري الى يومنا الحاضر صار يزدهر ويتوسّع يوماً بعد آخر، وصار يتّصف تدريجياً باسلوب ومنهج استنباطي رصين وثابت ألا وهو منهج الفقاهة، وقد أخذ علم اُصول الفقه على عاتقه مهمّة تدوين وترسيخ أجزائه واُصوله.

ونشهد في هذا المجال الجهود الناجحة لآلاف فقهاء الشيعة العظام وبينهم المئات من المؤلّفين المعروفين وعشرات الفقهاء من المبدعين الذين تركوا خلال ألف عام آثاراً عجيبة نصب أعيننا.

انّ هذا الكنز العظيم والنادر اليوم في متناول فقهاء الشيعة البارزين وبعض المتدينين، لكن تكريم هذه الثروة المعنوية جعل على عاتق جميع أهل الاختصاص في فقه الامامية ثلاث وظائف أساسية، وهي: التعريف بفقه الامامية، الاستفادة والتكميل، والوظيفتين الاُوليين ناظرتين الى الماضي والحاضر، والثالثة الى المستقبل.

ومن المناسب هنا الحديث باختصار عن كلّ منها:

1- التعريف: فقه الشيعة مجهول ولا يعرف غير المسلمين غالباً عن فقه الاسلام شيئاً، وآراؤه في الكتب الاستدلالية التي كُتبت من قبل غير الشيعة غالباً مسكوت عنها ومغفول، وفي دوائر المعارف العالمية بل الاسلامية يكون الفقه الشيعي في عداد الآراء الفقهية للمذاهب المهجورة، وهذا ظلم كبير لعلم بهذه السعة والعمق والتطوّر، حيث يمكن دعوى عدم امتلاك أحد المذاهب الاسلامية فقهاً بهذه الخصوصيات الثلاثة.

انّ التعريف بهذا الفقه وسحبه الى الساحة العالمية والكتب الفقهية لسائر المذاهب الاسلامية ومراكز الدراسات القانونية في العالم يعتبر خدمة للعلم والعلماء، ويجب أن يتمّ هذا الأمر بمنهج صحيح ومنطقي.

2- الاستفادة: لم يستفد من الفقه الاسلامي بما فيه الفقه الشيعي على مرّ القرون سوى في الأحوال الشّخصيّة والمدنيّة وما يرتبط بالمسلم، وبعد تأسيس الجمهورية الاسلامية صار الفقه الشيعي بأكمله في معرض عمل المجتمع الايراني، واقترب الفقه في سائر المذاهب الاسلامية من مكانة التقنين في بعض الدول من جهة تهوية وتمايل شعوبهم الى الإسلام.

ومع ذلك لم يستطع الفقه حلّ معضلات الحياة بالنسبة للفرد والمجتمع، بل بقي مجهولاً أحياناً. انّ المظاهر والمستجدّات جعلت الحياة يوماً بعد آخر في معرض السؤال والاستفتاء من الفقه الاسلامي، ولا بدّ من جواب مقنع وحكم مستدل، مضافاً الى أنّ الفقه المعاصر الذي يمتاز بتعقيد في الاستدلال مقروناً برصانة واستحكام يمكن الاستفادة منه في تكميل وتطوّر علم الحقوق(القانون)، وبامكانه أن يفتح آفاقاً أمام الباحثين في المراكز القانونية في العالم.

3- التكميل والتوسعة: مع هذا التطوّر العلمي للانسان الذي ترك بصمة على جميع شؤون حياته، والذي ازدادت سرعة الحوادث والظواهر الجديدة فيه أضعافاً قياساً بالعصر القديم، وقد ازداد عدد الموضوعات التي تتطلّب جواباً فقهياً وحكماً شرعياً بنفس النسبة، ولا شك في كفاية العين الصافية للفقه، وكذا مناهج الفقاهة في فهم حكم هذه الموضوعات، لكن المعرفة الموضوعية لها والدقّة اللّازمة لتطبيق الموضوع مع العناوين الكلّية في الفقه والاستدلال المناسب،

وبعبارة اُخرى: أفضل طريق لدرك الحكم الشرعي لها يتطلّب وقتاً طويلاً، فكم من موضوعات حكمها واضح لكنّ موضوعها تحوّل وتطوّر بشكل بحيث لا يمكن بيان حكمها بهذه البساطة، فعلى فقهاء العصر في مثل هذه الموارد التعامل معها بجدّ وبصيرة واحاطة علمية مع الالتزام بالمنهج الفقاهتي من جهة، وحرّية الرأي والشجاعة العلمية من جهة اُخرى، وعليهم أن يعرضوا مفاهيم وأحكام جديدة في الفقه استناداً الى الكتاب والسنّة،

وهذا هو التكميل والتوسعة في الفقه، مضافاً الى سلوك طرق جديدة في كتابة وتصنيف كتب ورسائل فقهية عاّمة وتخصّصية، وكذا لا بدّ من الاستفادة من المناهج البحثية العلمية الحديثة والمتطوّرة والوسائل العصرية التي لها دور مؤثّر في تسهيل العمل العلمي، فانّ جميع ذلك يساعد في تكميل الفقه وتوسعته”.

وعلى كلّ حال، نظراً لما تقدّم فانّ المكانة الخاصة والواسعة للفقه والفقاهة التي تصبّ في قالب الاجتهاد الفاعل والخلّاق تتبلور بوضوح بحسب عنصر الزمان والمكان في المجتمع الديني وفي التعامل مع المجتمعات الأخرى في مختلف المجالات، فانّ ضرورة الاستفادة من هذا العلم الشريف على ترامي أطرافه لا تخفى على أحد. وبشكل عام، الغرض من علم الفقه عبارة عن تشخيص الوظيفة العملية للمكلّف والوصول الى الحكم العملي الفرعي، وهذه الأحكام الشرعية موجودة في كلّ فعل وترك وثابتة.

ولأجل خروج المكلّف عن عهدة المسؤولية الشرعية واطاعة الله تعالى لا بدّ من معرفة تلك الأحكام التي في اطاعتها وامتثالها ضمان جميع المنافع البشرية ومصالح العباد، وقد جعل الشارع المقدّس طريق العدالة الاجتماعية للبشرية وسعادتها في هذا المسير، هذا هو الغرض الأصلي والنهائي لعلم الفقه باختصار،

أمّا تفصيله فهو أكثر من ذلك، لشمول الوظيفة العملية التي هي موضوع علم الفقه لجميع الأفعال والتروك في جميع مجالات الحياة البشرية، حيث بدأت هذه الأحكام قبل ولادة الانسان وهي سارية الى ما بعد وفاته، وتشمل جميع مرافق حياة الانسان( الفردية، الاجتماعية، العبادية، الثقافية، الاقتصادية، السياسية، الحكومية، الأخلاقية، الأمنية، التجارية، العلاقات الدولية، وغيرها الكثير)، وفي كلّ منها حكم شرعي وهو يبيّن سرّ ولغز بقاء هذا العلم الشريف، ومن الواضح أنّه يمكن أحياناً بل قد يلزم في بعض الموارد الاستفادة من العلوم الأخرى في اتخاذ المنهج، ومن ذلك يتّضح مدى مسؤولية العلماء والمختصّين بهذا الفن بالنسبة لهذا العلم.

ما هي مسؤولية الحوزات العلمية والعلماء والباحثين أزاء هذا الموروث العلمي والمعنوي العظيم الذي تركته الشريعة ودين الاسلام المبين؟

بشكل عام يمكن تقسيم هذه الوظائف والمسؤوليات الى عدّة أقسام كلّية:

1- الاستنباط، بيان وتعميق تعاليم الاسلام والمدرسة الشيعية في مختلف مجالات العلوم والمعارف الاسلامية، خصوصاً الفقه.

2- الصيانة المنهجية مع ذكاء وعن تبصر للاسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في مقابل الشبهات والبدع والخرافات والالتقاط والفكر المنحرف.

3- ارشاد المجتمع المسلم اعتماداً على التعاليم الدينية، تعميق وتوسعة دائرة المعنوية، الأخلاق والسلوك الاسلامي.

4- الاهتمام بتحقّق الحضارة الاسلامية على أساس تعاليم القرآن الكريم ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

5- حماية النظام الاسلامي والدفاع عنه وترسيخ دعائمه.

6- التنظير وايجاد العلم في مختلف مجالات العلوم الاسلامية والبشرية.

7- تربية واعداد جيل جديد من أجل رفع الحاجة الدينية للمجتمع والنظام الاسلامي والحوزات العلمية.

8- بيان المعارف ونشرها في سبيل توسعة رقعة التديّن ودفاع عن قيم الإسلامية ومعالم الوحياني.

9- تبليغ وترويج المعارف الاسلامية على المستوى الداخلي والخارجي.

10- التقريب بين المذاهب الاسلامية وترسيخ الوحدة بين المسلمين من خلال التأكيد على المشتركات الدينية، والاجتناب عن اهانة المقدّسات الاسلامية.

11- تقوية الجوّ الفكري الحرّ من أجل التنوّر والتقييم والنقد العلمي لسياسة وطريقة العمل في الماضي والحاضر لغرض التصحيح المستمر لها وحفظ مسيرة الثورة الاسلامية.

نحن نعتقد أنّ حكومة الأنبياء (عليهم السلام) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) والفقهاء تتمتع بمشروعية دينية، كيف توجّهون ملاك ومبنى هذه المشروعية؟

يمكن الاجابة عن هذا السؤال من خلال عدّة وجوه قرآنية وروائية بل عقلية وعقلائية، وذلك يتطلّب بحثاً مفصّلاً، لكن ما يمكن قوله في هذا المجال والمقال هو أنّ الله تعالى يقول: (انّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيّون الذين أسلموا للذين هادوا والربّانيون والأحبار بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الكافرون) (المائدة: 44.)، ذكروا للأنبياء(النبيّون) وأوصيائهم الذين هم الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ووكلائهم الذين هم علماء الدين (الأحبار) فقهاء مدرسة الأنبياء والأئمة الأطهار(عليهم السلام) ثلاثة وظائف أساسية وهامّة،

وبيان ذلك: أنّ الله تعالى قال في صدر الآية أنّه أنزل التوراة ـ الذي كان قبل الاسلام كتاباً سماوياً وشريعة نافذة، حتى أنّه كان مقبولاً في دين المسيحية، وكانت بعض أحكامه منسوخة فقط والباقي معمولاً به من قبل عيسى (عليه السلام)، وكان التوراة في نبوة عيسى (عليه السلام) كتاباً لأهمّ الشرائع الالهيّة ـ لكي يكون للأنبياء (النبيّون) وأوصياء الأنبياء (الربّانيون) وعلماء الدين (الأحبار) مسؤوليات ووظائف ثلاث، أولاً: أن يحكموا بتلك الأحكام (يحكم بها النبيّون).

ثانياً: يحفظون الشريعة وكتاب الدين من التحريف (بما استُحفظوا من كتاب الله).

وثالثاً: كونهم أحياء وشهداء على الناس (وكانوا عليه شهداء)، والشهداء والشهيد في القرآن بمعنى كونهم حجّة، والشهادة على الأعمال، وهي منطبقة على جميع الأديان الالهيّة، فانّه وان كان صدر الآية يرتبط بالتوراة لكن المراد مطلق الكتب والشرائع الالهيّة، ومورد نزول الآية التي تحكم بالتوراة وعلماء اليهود لا خصوصية لها، لمجرد كون التوراة كتاباً الهيّاً وشريعة قبل الاسلام، فكأنّه تعالى يقول: انّا أنزلنا كتباً سماوية وشريعة لكي يحكم بها ويعمل، وبالغاء الخصوصية تكون شريعة الاسلام والقرآن الكريم كسائر الشرائع.

لذا ورد في ذيل الآية الشريفة عن أبي عمرو الزبيري عن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: “انّ ممّا استحقت به الامامة التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة الني توجب النار ثمّ العلم المنوّر بجميع ما تحتاج اليه الاُمة… من حلالها وحرامها والعلم بكتابها خاصّه وعامّه، والمحكم والمتشابه، ودقائق علمه وغرائب تأويله، وناسخه ومنسوخه”، قلت: وما الحجّة؟… بأنّ الامام لا يكون الّا عالماً بهذه الأشياء الذي ذكرت، قال:

” قول الله فيمن أذن الله لهم في الحكومة… وجعلهم أهلها (انّا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيّون الذين أسلموا للذين هادوا والربّانيون والأحبار) فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يربّون الناس بعلمهم، وأمّا الأحبار فهم العلماء دون الربّانيين، ثمّ أخبر فقال:(بما استُحفظوا من كتاب الله… وكانوا عليه شهداء) ولم يقل : بما حملوا منه” (تفسير العياشي1: 322.) .

انّ هذه الرواية الشريفة ذكرت أنّ شرط امامة الاُمة الاسلامية هو المعرفة الدقيقة للدين، واستناداً الى الآية الشريفة أشرك العلماء أيضاً في أمر امامة الاُمة مع التحفّظ على هاتين النكتتين: (بما استحفظوا من كتاب الله) و( وكانوا عليه شهداء).

وعنوان (الربّانيون) عطف على (النبيّون)، وبقرينة ذكر الأنبياء والأحبار في طرفيها يكون الظاهر أنّ المراد أوصياء الأنبياء، أي الذين يحصل علمهم عن طريق الارتباط بالله والأنبياء، وقد اُشير الى هذه النكتة في تفسير العياشي أيضاً، حيث قال الامام (عليه السلام): “نحن الربّانيون، وفينا نزلت الآية”،

ومعنى ذلك: أنّ علماء الشريعة وأحبارهم تبعاً للأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بعهدتهم هذه المسؤوليات الثلاثة: أحدها: الحكم بالشريعة، والآخر: حفظ الشريعة، والثالث: الشاهد والحجّة على الناس، وحيث انّ سياق الآية ظهور بيان الغرض الالهي من البعثة وانزال الكتب في الأمر، فالآية في الحقيقة تبيّن ثلاثة أوامر وثلاثة مطالب أساسية وهامّة من بعثة الأنبياء وانزال الكتب، حيث يستفاد منها الوجوب في المرتبة العالية منه، لأنّ الشارع في مقام بيان الغرض الأساسي من الدين،

فمن اللّازم أخذ بعض الاُمّة الدين والشريعة من الأنبياء والأوصياء الربّانيين، ولهم وظيفة اُخرى وهي الحكم بالشريعة وحفظها من التحريف، وأن يكونوا شهداء على ذلك وعلى أعمال الناس ومرجعاً لهم في أحكام الدين والمعارف،

وببيان آخر: لهذه الآية دلالة التزامية على وجوب التفقّه في الدين، لذا نظراً الى هذا المعنى والنكتة المهمّة يتّضح جيّداً مبنى وملاك مشروعية حاكمية علماء الدين ومرجعيتهم الدينية، مضافاً الى دلالتها على الصلاحيات والوظائف الأخرى للفقهاء، وتدلّ في الحقيقة على ولاية الفقيه، لأنّ عبارة (يحكم بها) أعم من الحكم في باب القضاء وسائر الشؤونات والأحكام الولائية، بل تتضح وظيفتهم أيضاً من سياق عطف العلماء على الأنبياء والربّانيين، أي أنّ الولاية والرسالة الثابتة للأنبياء والأوصياء ثابتة أيضاً للعلماء والأحبار،

لذا فانّ لدلالة هذه الآية فيما يرتبط بدور علماء الدين مفاهيم سامية ومعاني دقيقة ومهمّة، وكذا فيما يرتبط بالحكم بالشريعة في جميع الشؤون والأحكام الحكومية والولائية، وكذا ما يرتبط بحفظ وتبليغ الشريعة، المرجع في أحكام الدين والمعارف، كونهم حجّة وشاهداً على أعمال الناس.

لذا فانّ الفقيه والمجتهد الذي يصل عن طريق بذل الوسع وتحمّل الكثير من المشاق الى الفهم العميق لزوايا القرآن والاسلام وكلمات أهل البيت(عليهم السلام) في مختلف المجالات والذي يلبّي حاجات البشرية، وهو منصوب من الله تعالى، ومن الامام(عليه السلام) بالنصب العام، وأنّه اختير لامامة الاُمة وولاية اُمور المجتمع المسلم، وهذه الموهبة الالهيّة ـ بحسب كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) ـ لا تحصل الّا لذوي البصيرة والعدل، قال:”

لا يحمل هذا العلم الا أهل البصر والصبر والعلم بمواضع (بمواقع) الحق، فامضوا لما تؤمرون به، وقفوا عند ما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتى تتبيّنوا، فانّ لنا في كلّ أمر تنكرونه غيرا…” (نهج البلاغة، الخطبة173.).

ولا يخفى أنّ الناس يرجعون الى الفقهاء ـ الذين تتوفّر فيهم هكذا خصائص وصفات ـ في أخذ المعالم، المعارف، أحكام الدين والشرع، وكما قال الامام الحسن العسكري (عليه السلام):” وأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون الّا لبعض فقهاء الشيعة لا كلّهم” (وسائل الشيعة، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20.).

فالامام (عليه السلام) هنا في مقام اعطاء قاعدة كلّية لرجوع الناس الى فقهاء زمانهم في اُمورهم وأحكام دينهم، ولا يخفى أنّ بيان الامام(عليه السلام) معطوف ومذيّل بذيل، وهو أنّه (عليه السلام) لا يرى جميع الفقهاء واجدون للشرائط والصفات المذكورة كما في النص.

بناءً على ذلك، بالاجتهاد في الفقه تُحفظ الشريعة من التحريف، والاُمّة الاسلامية من الانحراف والضلالة، وبالاجتهاد احياء الدين والشريعة الالهيّة في المجتمع، فانّ دور الفقهاء العظام منذ عصر الغيبة الكبرى الى يومنا الحاضر كان على هذا المنوال، وانتهت بحمد الله هذه المرحلة بعد تأسيس النظام الاسلامي والنهضة والصحوة في الاُمّة الاسلامية بقيادة الفقهاء وجهاد علماء الشيعة، وهي تسير بحول من الله نحو الفلاح والنجاح، ونأمل أن تكون مقرونة بتمهيدات ولي الشريعة والاُمّة، أعني صاحب الأمر إمام الزمان( عجل الله فرجه الشريف) ان شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سماحة الأستاذ المعظم في الختام نشكركم على تلبية الدعوة ومشاركتكم في هذا اللقاء المثمر والمفيد.

وأنا أيضاً أشكركم على تمهيد هذا اللقاء واسأل الله تعالى أن يوفقنا لخدمة الدّين الحنيف والشّريعة الغرّاء والثورة الإسلامية.

 

المصدر: صحيفة الوفاق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Slider by webdesign