خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 5 مذكرة / مصير الفقه الإسلامي في ضوء إشكالية العلاقة بين الإيمان والأفعال
مصير الفقه الإسلامي في ضوء إشكالية العلاقة بين الإيمان والأفعال

مصير الفقه الإسلامي في ضوء إشكالية العلاقة بين الإيمان والأفعال

يواجِه الفقه من جانب هيمنة اعتبار المدني، امتحانا عظيما، ذلك أن أحكام النظام القانوني الحديث متعلقة بأفعال المدنيين. ويميز هذا النظام في أحكامه بين المدني وغيره لا بين المؤمن وغيره. فُرض على المسلمين أن يستوردوا نظام القوانين الحديثة ومسطرة إنتاجها؛ إذ هو الأنسب لما فُرض عليهم من تأسيس دول ـ أمم حديثة، وما فُرض عليهم من نظام العيش الحديث.

موقع الاجتهاد: ليس المشكل في اتساع دائرة تحديد الأفعال في الفقه الإسلامي (وهي أفعال تنتمي إلى أزمنة مختلفة)، بل في فتح الباب واسعا على تأويلات تجعل الكثير من الأفعال المحددة، وقد انتُزعت من سياقات ورود أحكامها؛ ترتقي إلى مقام الإيمان، وتكتسب قيمة إلزامية كإلزاميته. إن القداسة تُعدي وتتعدى حدودها، فيُتوهم اتصال الأفعال صغيرها وكبيرها به

1- رأيان في علاقة الإيمان بالأفعال

للدين أي دين مُكوِّنان هما إيمان وأفعال[1]. واختص الفقه في الملة الإسلامية باستكمال تحديد الأفعال التي رسمتها مصادر التشريع الأولى، وهي القرآن والسنة. لما كانت هذه الأفعال محددة ضمن الدين، فإن إشكالا سيواجه الفقهاء خاصّاً بعلاقة تلك الأفعال بالإيمان. الإيمان هو الأصل، وهو المتبوع والأفعال تابعة. ولكن ما قيمة الأفعال خارج الإيمان؟

نجد من جانب من رأى أن الأفعال لا قيمة لها خارج الإيمان، وهم جمهور الحنفية، إلا أن تكون قيمة مدنية؛ مما يجعل للإيمان وحده قيمة مطلقة، فبه تصح أو تبطل الأعمال. يتميز هذا الرأي بالسماحة تجاه الأفعال، ذلك أنه يسامح غير المؤمن إذا آمن، فلا يطالبه بقضاء الأعمال في فترة عدم إيمانه. وإنه يوسع من دائرة التعامل المدني. وتتسع هذه الدائرة، وفق منطق هذا الرأي، لتشمل الأفعال التي هي في تبعية شديدة للإيمان (الصلاة مثلا). ذلك أن غير المؤمن لا يُطالَب بها ما دام الإيمان هو المتبوع مطلقا، وأن أعمال غير المؤمن التي لا توافق ما أمر الدين بفعله (شرب الخمر مثلا) مقبولة (مدنيا) ما دامت إنجازا للإيمان في دينه أو في ما يقوم مقامه.

ومن جانب آخر، نجد من رأى أن للأفعال قيمة مستقلة عن الإيمان، وهو رأي ظاهر مذهب الإمام مالك؛ فغير المؤمن مخاطب بالأفعال. ويتراكم دَين غير المؤمن من الأفعال في فترة عدم إيمانه، ويقضيه إذا آمن[2]. ولكن يُواجِه هذا الرأي مشكلة تحديد الأفعال التي تكتسب قيمة دينية، فقد يوسع من دائرة الأفعال التابعة للإيمان، فتفقد قيمتها إن لم تتأسس عليه، ويضيق إمكان التعايش المدني بين المؤمنين وغير المؤمنين.

حصيلة تاريخ تشكل الفقه هي اتساع دائرة تحديد الأفعال، أو تحديد الأحكام المتعلقة بها. وكان ذلك عن طريق استخدام قياس التمثيل الذي يستخرج الحكم الشرعي في الأفعال المستجدة قياساً على الحكم الشرعي في الأفعال التي ورد ذكر حكمها في المصادر الأولى. إن الأفعال التي حُددت ليست سواء في اكتسابها قيمة إلزامية، وليست المذاهب الفقهية متفقة في الأفعال التابعة تبعية شديدة للإيمان، ودائرة الاختلاف واسعة. واتسعت دائرة الأفعال التي روعي في تحديدها المعيار المدني أيضاً. وليس الأمر مقتصرا على تحديد الأحكام، بل تجاوزها إلى إنشاء عالم ممكن من ممكنات العيش الإنساني.

وليس المشكل في اتساع دائرة تحديد الأفعال في الفقه الإسلامي (وهي أفعال تنتمي إلى أزمنة مختلفة)، بل في فتح الباب واسعا على تأويلات تجعل الكثير من الأفعال المحددة وقد انتُزعت من سياقات ورود أحكامها؛ ترتقي إلى مقام الإيمان، وتكتسب قيمة إلزامية كإلزاميته. إن القداسة تُعدي وتتعدى حدودها، فيُتوهم اتصال الأفعال صغيرها وكبيرها بها.

2- الفقه الإسلامي والقانون الكنسي

لو قمنا بالمقارنة بين الفقه الإسلامي في ما يعترضه من تحديات والقانون في الكنيسة (الكاثوليكية) Droit canonique لوقفنا على بعض التماثلات. ونريد أن نشير إلى أن إشكال العلاقة بين الإيمان والأفعال، والجدل حوله في الإصلاح الأخير للقانون، وهو الذي صادق عليه البابا بولس الثاني عام 1983 طفا إلى السطح. نجد من جانب من التفت إلى قيمة القانون الكنسي، باعتباره قانونا كغيره من أنواع القانون كالقانون الروماني مثلا، فقام بفك استراتيجي للارتباط بين الأحكام في هذا القانون وبين الإيمان، وهذا ما اصطُلح عليه بتجريد الإيمان من البعد القانوني وتجريد القانون من البعد الإيماني Détheologisation، وهو مشروع مجلة Concilium. ومن جانب آخر هناك من يحرص على حفظ القيمة الإيمانية لذلك القانون.

3- تجربتان في الحاضر لجعل الأفعال ملازمة للإيمان: الرؤية السلفية وولاية الفقيه

3-1- الرؤية السلفية

وإذا كانت القوانين في الدول الغربية قد استغنت منذ زمان عن أن يكون القانون الديني هو الحاكم، مستبدلة مكانه قانونا مدنيا لا يتأسس على معيار الانتماء الديني؛ فإن إنشاء الدول الأمم الحديثة في العالم الإسلامي قد أتاح الفرصة للبعض، لمحاولة جعل القوانين دينية؛ أي يراعى فيها الاشتراك في العقيدة مع ضم الأفعال إليها وجعلهما جسما واحدا.

صيرت تجربة الرؤية السلفية التشريع والقضاء داخل حدود الدولة وفي مجالات واسعة مستنِدا إلى مذهب فقهي بعينه (المذهب الحنبلي)، ونجد للفقيه مكانة خاصة، إذ يُستشار من القاضي الذي يستند أيضا إلى أحكام “الشريعة” في حكمه. ولرئيس هيأة الإفتاء الحسم في حكم استؤنف لدى قاضي الاستئناف أو الوزير الأول أو الملك. ولكن لا يبلغ الأمر في هذا النظام (نظريا على الأقل) أن يجمع الحاكم السلطة الزمنية والروحية معا. فالحاكم الزمني خاضع أيضا لحكم “الشريعة”، وهو وإن كان رئيس السلطة القضائية (ويُستأنف لديه الحكم) قد يَمثُل أمام القضاء خاضعا لحكم “الشريعة”.

ولكن هل صحيح أن حكم الشريعة هو الحَكَم؟ وأي معنى للشريعة هنا؟ رغم أن النص قائم على أن القرآن والسنة دستور البلاد، مما يجعل من الانتماء إلى دين بعينه هو المُعتَبر في تحديد الأفعال؛ إلا أن الظاهر أن مذهبا بعينه هو المُستنَد في تحديدها، وأن تأويلا بعينه للمصادر الأولى للتشريع هو المعتمد. إن هذه التجربة مثال لجعل الأفعال جزءا لا يتجزأ من الإيمان (أفعال حدد الكثير منها مذهب من المذاهب الفقهية)، ثم إن التدبير المدني قائم على الإكراه على إتباع الإيمان بتلك الأفعال[3].

3-2- ولاية الفقيه

أما التجربة التي تجعل الفقيه مالكا لسلطة لا تعلوها سلطة، فتمثلها ولاية الفقيه في إيران؛ ذلك أن هذا النظام يجعل مرشد الثورة أعلى سلطة في البلد، وهو فقيه ينتخبه مجلس الخبراء المُشكَّل من ست وثمانين عضوا من الفقهاء المجتهدين. وتبين الصلاحيات التي يملكها المرشد مكانته في النظام السياسي الإيراني، فهو القائد الأعلى للجيش، ويصادق على تعيين رئيس الجمهورية، ويعين رئيسَ السلطة القضائية، ومديرَ الراديو والتلفزة، والأعضاءَ الستة لمجلس صيانة الدستور، وهم فقهاء، وأعضاءَ مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو مجلس وظيفته استشارية. وتجدر الإشارة إلى أن النظام السياسي في إيران، رغم تميزه بتوزيع السلط وبمحاولة إقامة توازن بينها حتى بين نوعيها: الزمني والروحي، فإنه ينبئ عن مكانة الفقيه، وذلك يظهر ببيان مكانة مجلس الخبراء فيه، ومكانة المرشد ونفوذه الواسع في تشكيل المجالس، خاصة مجلس صيانة الدستور الذي يقوم بالرقابة على مدى موافقة القوانين للدستور، ويراقب صلاحية العمليات الانتخابية.[4]

ليست تكتفي النظرية التي تستوحي منها هذه التجربة بجعل الأفعال جزءا لا يتجزأ من الإيمان، بل إنها تضيف ركنا من أركان الإيمان، وهو الإيمان بأن الله عين إماما وألزم الرسول بالإخبار به. وليست تصح الأفعال دينيا إن لم يُطَع الحاكم.

هذان المثالان ضمن أمثلة أخرى يبينان بعض ما يمكن أن يترتب عن تولية الفقيه ولاية عامة، وتوسيع دائرة اتباع الأفعال للإيمان مع الإلزام بها، في زمن صار فيه الاعتبار للمدني بدل الديني.

4- أوضاع الفقه في سياق تجربة التشريع الحديث

ويواجِه الفقه من جانب هيمنة اعتبار المدني، امتحانا عظيما، ذلك أن أحكام النظام القانوني الحديث متعلقة بأفعال المدنيين. ويميز هذا النظام في أحكامه بين المدني وغيره لا بين المؤمن وغيره. فُرض على المسلمين أن يستوردوا نظام القوانين الحديثة ومسطرة إنتاجها؛ إذ هو الأنسب لما فُرض عليهم من تأسيس دول ـ أمم حديثة، وما فُرض عليهم من نظام العيش الحديث.

لقد صار الدين في هذا النظام شأنا خاصا، وصار الإيمان تجربة فردية ذاتية يجد له مأوى أخيرا في الضمائر، وصارت الأفعال خاضعة لحكم القانون المدني. لنقل إن الأفعال الدينية ذاتها صارت مدنية، وأن أعلى قانون يحكم الدولة الوثيقة هو الدستور، إذ لا يجد المسلمون مناصا من التنصيص في الدساتير على ما يشير فقط إلى أن دين الدولة الإسلام، أو أن السيادة للشريعة أيضا[5]. أزمة تجعل من السيادة التي يشترط أن تكون واحدة سيادتين. وتتنوع الإشارات الدالة على حرص شديد على الجمع بين ما لا يجتمع. مما يجعل الاشتباه يبلغ مبالغ عظيمة. لا مهرب من جعل الدين شأنا من الشؤون المدنية يُخصَّص له مجلس من المجالس (المجلس العلمي الأعلى في المغرب مثلا) يملك قيمة دستورية وتخصص له وزارة للتنفيذ. لا مفر من إخضاع التعليم الديني أيضا لما يستلزمه التعليم المدني من المتطلبات، ومن توظيف الدولة الفقيه ليقوم بوظائف مدنية. رغم ذلك، فالفقيه ما زال يحتفظ بوظائف اجتماعية وما زال الكثير من أفراد المجتمع يشعر بالحاجة إلى أن تتحدد أفعاله دينيا، وتلتحم أفعاله بإيمانه.

ولذلك ما زال يُلتمس من الفقيه أن يبين أحكام الأفعال الشرعية. لنقل إن في خارج الدولة مساحة واسعة يجد فيها القانون المدني نفسه، وقد عزلته الأعراف الاجتماعية التي تنسج علاقات خاصة بين الإيمان والأفعال. ولكن ماذا عن القانون المدني؟ ليس يكاد يُفلت من صياغة القوانين بالطريقة الحديثة سوى قانون الأسرة الذي تضمن أحكاما فقهية تنتمي إلى مذهب من المذاهب الفقهية، وبعض المواد التي يُدَّعى فيها أنها أحكام شرعية تُضمَّن في جسم القوانين، وقد انتزعت من سياقها الأصلي، ولم يراع فيها السياق الجديد، أو ضُمِّنت لتوهم بالانسجام بين ما أشار الدستور من أن دين الدولة الإسلام، وبين تلك القوانين[6].

وإذا كان الحرص على أن تعود السيادة للشريعة هو الحافز الذي يحفز لاستنقاذ بعض الأفعال، لتصير مقدرة تقديرا دينيا مع وجود الخلاف في كونها حقا مقدرة تقديرا دينيا ومنسجمة مع الإيمان؛ فإن نتيجة الصراع هو بعثرة الأفعال وتمزيقها وإفقادها نسقيتها، وهو في الحقيقة خسارة لتلك السيادة واختزال للشريعة في عناوين أحكام صارت الشريعة لا تذكر إلا مقترنة بها: للذكر مثل حظ الأنثيين، تشريع التعدد، الإلزام بعدم تغيير الدين (حكم المرتد) الحكم بعقوبات في صورة محددة حرفية. واعتُبرت هذه الأحكام قطعية فقط، لأن في القرآن أو السنة نص عليها.

وحتى المدافعون عن أن الاعتبار في الشريعة لمقاصدها، لا يراعون المقاصد في هذه الأحكام التي هي أمثلة فقط، فينقلون القيمة التي لها لصورها ويُلزمون بتحقيق المقاصد من تلك الصور فقط، وكان ينبغي أن تكون المقاصد هي الغاية ويجتهدوا في طلب أكثر الوسائل فعالية لتحقيقها. قد يُتمسك بتلك الأشكال لكونها فعالة في زمن ما، ولكن متى تبين أنها لم تعد كذلك، طُلب غيرها.

للدولة ـ الأمة الحديثة منطقها ومفهومها الخاص للسيادة؛ فالسيادة للأمة. والأمة تملك السلطة بأنواعها الثلاثة. نريد أن نبين أن إنجاز تلك السلطة في جانبها التشريعي يسبقه تشكيل مؤسسة تشريعية هي البرلمان. ولتشكيلها يُختار نواب يخضع اختيارهم لقانون مُنظِّم. وليس النواب في الحقيقة هم الوسطاء الحقيقيون، بل الأحزاب أو القوى السياسية التي يمثلونها. هذه القوى السياسية تتحول بعد تشكل المؤسسة التشريعية إلى مجموعات (الفرق البرلمانية)، وإرادة التشريع إنما هي لهذه المجموعات تبعا لقوة كل مجموعة.

وتأتي المبادرة بالتشريع من هذه المجموعات أو من ممثلين أفراد لا قوة لهم تضاهي قوة المجموعة. ويمكن القول إن التشريع سيكون في الغالب من إرادة ممزقة بين هذه المجموعات التي قد تكون المبادرة بالتشريع أو التشريع ذاته خادما لمصلحتها الخاصة أو لمصلحة القوة السياسية التي يمثلونها. إذا كانت المؤسسة التشريعية عبارة عن تمثيل للقوى السياسية، فإن اللجان التشريعية تتشكل بتمثيل تمثيلها (تمثيل الفرق داخل اللجنة)[7]؛ إذ تتشكل اللجان من أعضاء يمثلون القوى السياسية الممثلة في المؤسسة. وعلى قدر قوة المجموعة تكون التمثيلية في اللجان. لسنا نريد أن نخوض أكثر في تفاصيل العمل التشريعي الحديث.

ولكن نريد أن نبين أن الاعتبار في سياق التشريع الحديث ليس لموافقة الأفعال الإيمان بدين من الأديان. وأولئك الذين يشرعون إنما يُختارون ليمثلوا إرادة الأمة وسيادتها (افتراضيا) وليس يراعى فيهم علمهم بالأحكام الشرعية أو الأفعال المرسومة في الدين. وحتى إن كان أحد الممثلين فقيها اتفاقا، فليس يجد لغة الفقه التي قد يستخدمها في مقامات التشريع الحديثة إلا غريبة. وفي كل الأحوال، سيجد نفسه مُلزَماً باستخدام لغة التشريع الحديثة، مستمدا حججه لتشريع أفعال من النصوص التشريعية، وفي توليد نصوص تشريعية من موافقتها لنصوص تشريعية تعلوها قيمة. وإن كان من معان تتعالى على النصوص، فهي مقاصد التشريع الحديث التي تجعل الإنسان لا الدين هو مقصد المقاصد. وحتى إن كان موضوع الجدل قانون تظهر صلته بالدين مباشرة، فسيجد الفقيه نفسه في لجنة طرفا من الأطراف، وتلك الأطراف جميعها تدعي بأن رأيها هو الموافق للشريعة[8]، حينئذ لن تكون الغلبة إلا لمن كانت حجته بالغة[9].

5- تجديد الإيمان لتجديد الأفعال

هل سيحتفظ الفقه ببعده الإيماني، فتكون أحكامه خاصة بالمنتمين إلى الدين نفسه؛ أي بأمة المؤمنين الافتراضية، ويُنجز أحكامه في عالم افتراضي، وسيجد نفسه ومن يخاطبه معزولا؟ ونسأل هل يمكن أن نتفق على أي الأفعال يستلزمها الإيمان فنقف عند نهاية ما؟ وهل الأفعال الخارجية هي المعيار في الحكم بالإيمان، وهي أفعال تُفرض على الإنسان من خارج، وأسوأ ما يمكن تخيله أن تفرض من سلطة سياسية؛ أم أن للإيمان قوة داخلية، وهو تجربة ذاتية وحية تؤتي ثمارها أفعالا ليس من الضرورة أن تنحصر في أشكال بعينها؟

لا مناص من مواجهة هذه الأسئلة أو سؤال العلاقة بين الإيمان والأفعال داخل الدين. وبشأن الملة الإسلامية سؤال العلاقة بين الإيمان وبين الفروع أو الأفعال المقدرة التي يطلب الفقهاء كمالها.

وبخصوص موقع الفقه في سياق التشريع الحديث، حيث نجد الاعتبار المدني هو الغالب نتساءل: هل سيضطر الفقه إلى تمييز ما فيه من البعد القانوني الإنساني ذي القيمة الدنيوية، ويصلح للمناظرة في مقامات التشريع الحديثة؟ ولكن كيف يمكنه أن ينافس القانون المدني الحديث، وهو الأنسب لنمط العيش الذي نحياه؟

قد يحتاج الأمر لقراءة الفقه قراءة تجرده من الأساس الذي أُسس عليه، وهو الإيمان، فلا يخص بأحكامه المؤمنين فقط، فيقع إجماع الناس المؤمنين وغيرهم على قيمته الدنيوية أيضاً. وليس يمكن ذلك إلا باعتباره علما إنسانيا واجتهادا بشريا ينتمي إلى الزمن لا إلى ما وراءه. فإذا اعتُبر فيه الإمكان أمكن استنباط الضروري فيه. وإذا ميزنا آفاقه التاريخية استطعنا أن نحدد قدرته على الجواب عن أسئلة زماننا أو عجزه عن ذلك. ولكن هل تجريد الفقه من الإيمان الذي كان علة وجوده وبقائه، يفقده جوهره؟ أوليس الفقه الإسلامي، في حد ذاته، رؤية للعالم Weltanschauung ؟ أو لم يكن فاعلا في خلق عالم خاص من العيش المدني لم تبق الآن إلا آثاره؟

قد لا يكون الحل هو فك الارتباط بين الإيمان والعمل، فيصير الإيمان مادة بلا شكل، أو يصير العمل شكلا بدون روح، أو ربط الإيمان بأشكال محددة من الأفعال يقع الإلزام بها. ومصير الفقه الإسلامي يقرره تجديد فهمنا للإيمان وبحثنا له عن أماكن مناسبة تزرع فيه بذوره، ليثمر عملا حيا يَخرج من شرانق الأفعال البالية.

*- نشر هذا المقال في مجلة ذوات، العدد 16.

[1]- يستعمل الفارابي مصطلحي الآراء والأفعال، الفارابي، كتاب الملة ونصوص أخرى، تحقيق محسن مهدي، الطبعة الثانية، دار المشرق، بيروت، 1991، ص 43

[2]- انظر هذه الآراء وأصحابها في القرافي، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، دار الفكر، بيروت، 2004، ص ص 129ـ131

[3]- Samir Shamma,”Law and Lawyers in Saudi Arabia”, In The International and Comparative Law Quarterly, Vol. 14, No. 3 (Jul., 1965), pp.1034-1039

[4]- Seyed Reza Mousavi, «La religion et le système politique en Iran, étude comparative des révolutions de 1906 et 1979», In Canadian Journal of Political Science, Vol. 32, No. 2 (Jun., 1999), pp. 347-366, p. 358

[5]- جاء في المادة الثانية من الدستور المصري: “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع”.

[6]ـ لنأخذ مثالا على ذلك ما ورد في القانون الجنائي المغربي بشأن العقوبات التي تمس المعتنق للدين الإسلامي والمجاهر بالإفطار في نهار رمضان، وذلك في الفصل 222

[7]- Pierre Avril et Jean Gicquel, Droit parlementaire, Montchrestien, Paris, 1988, p.78

[8]- Jean Philippe Bras, «La shari’a comme droit: cas de figure de la combinaison entre normativité juridique et normativité islamique», In Entre théologie et politique, Les origines théologiques cachés de la pensée politique contemporaine dans les pays de la Méditeranée, sous la direction de Paola Gandolfi et Giovanni Levi, Cafoscarina, Venise, 2010, pp 88-89

[9]ـ ونمثل لبعض ما يمكن أن يستشار فيه الفقيه دليلا على الانتقائية بما ورد من ضرورة مراقبة موافقة أعمال البنوك التشاركية للشريعة من قبل المجلس العلمي الأعلى في المغرب، ينظر المواد: 62، 63، 64 من القانون 103.12، المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، في الرابط الآتي:

file: ///C: /Users/TOSHIBA/Desktop/Projet_loi_103.12-NV_Ar.pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Slider by webdesign