الرئيسية / أخبار مميزة / مصافحة الأجنبية المسلمة، آية الله الشيخ جعفر السبحاني
آية الله سبحاني

مصافحة الأجنبية المسلمة، آية الله الشيخ جعفر السبحاني

إذا كان بين الرجل الأجنبي والمرأة الأجنبية صلة وتعارف فإذا تقابلا ينظر الرجل إلى المرأة ويصافحها، فلو غضّ الرجل البصر عنها ولم يصافحها، تتلقّى ذلك الأمر إهانة لها، فعلى ذلك الفرض هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها ومصافحتها؟

موقع الاجتهاد: قد طرحت في هذه الأيّام مسألة مصافحة الرجل الأجنبي، المرأةَ الأجنبية المسلمة بالشكل التالي:
مرأة مسلمة تربّت في بيئات غربية وتأثرت بثقافتها، وهي مسلمة معتقدة بأحكام الشرع وفروعه من الصلاة والصوم والحجاب، ولكن البيئة فرضت عليها الأمر الآتي:

إذا كان بين الرجل الأجنبي والمرأة الأجنبية صلة وتعارف فإذا تقابلا ينظر الرجل إلى المرأة ويصافحها، فلو غضّ الرجل البصر عنها ولم يصافحها، تتلقّى ذلك الأمر إهانة لها، فعلى ذلك الفرض هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها ومصافحتها؟
هذا هو السؤال، وقد أجاب عنه بعض المعاصرين بالجواز قائلاً: بأنّ حرمة مسّ المرأة الأجنبية والنظر إليها لأجل تكريمها وحفظ حرمتها، فإذا افترضنا أنّ المرأة ترفض تلك الكرامة، وتتلقّى عدم النظر والمصافحة إهانة لها، فيجوز النظر والمصافحة بشرط عدم الالتذاذ وعدم قصده.
وقد أثارت هذه الفتوى استغراب الآخرين، فعادوا يُفتون بالحرمة بجدّ وحماس.
ومن جانبنا فقد طرحنا المسألة على صعيد البحث متجرّداً عن رأي مسبق أو خضوع للعاطفة أو نزوع إلى فئة دون فئة، وغير ذلك من النوازع النفسانية، الّتي تحجز عن إصابة الحقّ.
أقول: يقع الكلام في محاور ثلاثة:
1. أقوال الفقهاء.
2. الروايات الواردة.
3. تحليل ما استند إليه المجيب.

المحور الأوّل: أقوال الفقهاء

ولنذكر أوّلاً آراء أهل السنّة:

1. ذهبت الحنفية والحنابلة إلى حرمة مصافحة الرجل للمرأة إلاّ العجوز الّتي لا تشتهي ولا تُشتهى، وكذلك مصافحة المرأة للرجل العجوز الذي لا يشتهي ولا يُشتهى، ومصافحة الرجل العجوز للمرأة العجوز.
فاستدلّوا بأنّ الحرمة لخوف الفتنة، فإذا كان أحد المتصافحين ممّن لا يشتهي ولا يُشتهى، فخوف الفتنة معدوم أو نادر.(1)

2. ذهبت المالكية إلى تحريم مصافحة المرأة الأجنبية وإن كانت متجالّة وهي العجوز الفانية التي لا إرب للرجال فيها، أخذاً بعموم الأدلّة المثبتة للتحريم.(2)

3. والظاهر من الشافعية هو نفس ما ذهب إليه مالك، لعدم استثنائه العجوز.(3)

واستدلّ أهل السنّة بحديث عائشة قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يُمحتن بقول اللّه عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبَايِعْنَكَ عَلى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ)(4)قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة، وكان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلقن فقد بايعتكن، ولا واللّه ما مسّت يد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يد امرأة قط غير أنّه يبايعهنّ بالكلام.

قالت عائشة: واللّه ما أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)النساء قط إلاّ بما أمره اللّه تعالى، وما مسّت كف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كف امرأة قط، وكان يقول لهنّ إذا أخذ عليهنّ: «قد بايعتكنّ» كلاماً.(5)

وأمّا فقهاء الشيعة فقد اتّفقوا على حرمة المسّ والمصافحة بقول مطلق، وإليك بعض كلماتهم:
قال العلاّمة: وأمّا مصافحة الرجل للمرأة فإن كانت أجنبية لم يجز إلاّ من وراء الثياب مع أمن الافتتان به وعدم الشهوة، لما رواه الصدوق عن أبي بصير أنّه سأل الصادق(عليه السلام)هل يصافح الرجل المرأة ليست له بذي محرم؟ قال: «لا إلاّ من وراء الثياب».(6)

وقال المحقّق الثاني: وأمّا مصافحة الرجل للمرأة فإن كانت أجنبية لم يجز، إلاّ من وراء الثياب مع أمن الافتتان وعدم الشهوة.(7)
وقال الشيخ النجفي: لا بأس بمصافحة الامرأة الأجنبية للرجل من وراء الثياب وبالعكس.(8)
وقال السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى»: لا تجوز مصافحة الأجنبية، نعم لا بأس بها من وراء الثوب.(9)
وقال أيضاً في مسألة أُخرى: لا تلازم بين جواز النظر وجواز المسّ، فلو قلنا بجواز النظر إلى الوجه والكفّين من الأجنبية لا يجوز مسّها إلاّ من وراء الثوب.(10)
وليس للمعاصرين على كلام صاحب العروة أيّ تعليقة أو استثناء ممّا يدلّ على أنّ الحرمة أمر مسلّم بين الفقهاء، وقد اكتفينا بهذا المقدارالقليل.

المحور الثاني: الروايات الواردة

1. روى الصدوق في حديث المناهي قال: ومن صافح امرأة تحرم عليه فقد باء بسخط من اللّه عزّ وجلّ، ومن التزم امرأة حراماً قرن في سلسلة من نار مع شيطان فيقذفان في النار.(11)
2. روى الكليني عن يزيد بن حمّاد وغيره، عن أبي جميلة، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام)قالا في حديث: «وزنا الفم القُبلة ، وزنا اليدين اللمس».(12)
3. روى الكليني عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قلت له: هل يصافح الرجل المرأة ليس بذات محرم؟ فقال: «لا إلاّ من وراء ثوب».(13)
4. وروى الكليني عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن مصافحة الرجل المرأة؟ قال: «لا يحلّ للرجل أن يصافح المرأة إلاّ امرأة يحرم عليه أن يتزوّجها.
وأمّا المرأة التي يحلّ له أن يتزوّجها فلا يصافحها إلاّ من وراء الثوب ولا يغمز يدها».(14)

5. روى الصدوق في «الفقيه» عن الصادق(عليه السلام)لمّا سُئل عن مصافحة المرأة الأجنبية: «لا إلاّ من وراء الثوب».(15)
6. روى المجلسي في «البحار» عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يجوز للمرأة أن تصافح غير ذي محرم إلاّ من وراء ثوبها، ولا تبايع إلاّ من وراء ثوبها».(16)
7. وقد روى الفريقان كيفية بيعة النساء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعبارات مفصّلة ملخّصها ما جاء في رواية المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : كيف ماسح رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)النساء حين بايعهنّ؟ فقال: «دعا بمركنه الّذي كان يتوضأ فيه فصب فيه ماء ثمّ غمس فيه يده اليمنى، فكلّما بايع واحدة منهن قال: اغمسي يدك فتغمس كما غمس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان هذا مماسحته إياهنّ».(17)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي يعثر عليها المتتبّع في مختلف الأبواب وفيها الصحيح والموثّق، ولذلك لا ترى أيّ خلاف في المسألة بين الفقهاء لأجل هذه الروايات، والسيرة المستمرة بين المسلمين.

أضف إلى تلك الروايات أنّ الأصل الأوّلي في باب النظر إلى المرأة هو الحرمة والجواز بحاجة إلى دليل، شأن كلّ موضوع يكون الحكم الأوّلي فيه الحرمة، وهذا كالدماء والأعراض والأموال الّتي نقل الشيخ الأنصاري إجماع الفقهاء على لزوم الاحتياط فيها، وما ذلك إلاّ لأنّ الأصل الأوّلي فيها الحرمة، ولا يختص لزوم الاجتناب بالأُمور الثلاثة الواردة في كلامه، بل يعمّ اللحوم المشتبهة حكماً أو موضوعاً، وبيع الأوقاف، وغير ذلك.

ومورد البحث داخل تحت هذه القاعدة، ولذلك يقول العلاّمة الحلّي: المرأة كلّها عورة، وهذا قول كلّ من يُحفظ عنه العلم، وهو ما حكاه سيد المحقّقين في درسه الشريف عند البحث عن ستر المرأة في الصلاة، ومع ذلك فالروايات المذكورة تُدعِمُ القاعدة وتؤكدها.

المحور الثالث: تحليل ما استند إليه المجيب

المصافحة في اللغة: الأخذ باليد كالتصافح، قال في «تاج العروس»: الرجل يصافح الرجل: إذا وضع صفح كفه في صفح كفه. وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف، وإقبال الوجه بالوجه.

وقد عرفت تضافر الفتاوى والروايات على حرمة مصافحة الرجل المرأة الأجنبية، إنّما الكلام في استثناء المرأة المسلمة الّتي تتلقّى عدم التصافح إهانة الّذي ورد في السؤال، فقد جوّزه المجيب باستناد أنّ حرمة المسّ لأجل تكريمها وحفظ حرمتها، فإذا افترضنا أنّ المرأة ترفض تلك الكرامة وتتلقّى عدم النظر والمصافحة إهانة لها، فيجوز النظر والمصافحة، لأجل فقدان ملاك الحرمة، بشرط عدم الالتذاذ وعدم قصده.

أقول: الّذي يمكن أن يستند إليه القائل في تنقيح المناط، الأمران التاليان:

الأمر الأوّل

قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً).(18)
ذكر المفسرون أنّ أهل الريبة كانوا يمازحون الإماء، وربّما يتجاوز المنافقون إلى ممازحة الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك قالوا حسبناهنّ إماءً، فقطع اللّه عذرهم فأمر الحرائر بالستر حتى يُعرفن بذلك فلا يؤذين.
فلعلّ المجيب انتزع من هذا التعليل أنّ حرمة النظر إلى الأجنبية لأجل تكريمها، فإذا رفضت وارتفعت العلّة ارتفع الحكم.

يلاحظ عليه بأُمور:
أوّلاً: لم يكن في أذهان المسلمين يوم نزلت آية الغضّ شيءٌ سوى أنّ تحريم النظر وإيجاب الغض لأجل صيانة الناظر عن المفاسد المختلفة الّتي تترتب عليه، كما جاء ذلك صريحاً في رواية سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن، فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: واللّه لآتينّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولأخبرنّه، فأتاه فلمّا رآه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل(عليه السلام)بهذه الآية:(قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبيرٌ بِمَا يَصْنَعُون)(19). (20)

ترى: أنّ إيجاب الغضّ لأجل صالح الناظر دون غيره، وما جاء في الرواية شيء من المضاعفات التي يستعقبها النظر وليس فيها أيّ إيماء إلى أنّ إيجاب الغض لغاية صيانة كرامة المرأة.

ويؤيد ما ذكرنا، أي أنّ الملاك هو حفظ مصالح الناظر ومنها تحديد شهوته والحدّ من فورانها، ما ورد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «إذا جلست المرأة مجلساً فقامت عنه فلا يجلس في مجلسها رجل حتى يبرد».(21)

ولذلك نرى أنّ الشعراء الواعين قد لخّصوا هذه الحالات في شعرهم يقول الشاعر المصري:
نظرة، فإبتسامة، فسلام *** فـكلام، فموعد، فلقـاء
وكأنّه يشعر بأنّ النظر بعدها غمزة وبعد الغمزة إبتسامة وبعدها دنوّ وسلام، وبعدها كلام يُختم بالوعد واللقاء، وهكذا ينفتح باب الفساد. وسيوافيك في آخر المقال ما يدعم ما اخترناه فانتظر.

وأمّا حفظ كرامتهن فهو من الدواعي الجانبية للتشريع الإسلامي.

ثانياً: أنّ المتبادر من الآية أنّ صيانتهنّ عن أذى أهل الريبة والمنافقين وقطع العذر عنهم سبب لإيجاب الستر و الحجاب، حتّى يُعرفن بالستر أنّهنّ حرائر لا إماء، وأمّا كون الصيانة سبباً لحرمة النظر والمسّ فلا تدلّ عليه الآية، وبعبارة أُخرى: حفظ كرامتهنّ علّة لإيجاب الستر وليس علّة لحرمة النظر والمس، حتّى ينتفيا بانتفائه.

ثالثاً: سلّمنا أنّ حفظ كرامتهنّ هو الملاك لحرمة النظر، وأمّا كونه هو الملاك لحرمة المسّ فلا يستفاد من الآية، لأنّ الكلام فيها يدور حول النظر، لا المسّ.
رابعاً: نفترض جواز النظر عند ارتفاع ملاكه وهو رفض المرأة كرامتها، ولكنّه لايكون دليلاً على جواز المسّ، لأنّ النظر أضعف من المسّ، والجواز في الأضعف لا يكون دليلاً على الجواز في الأقوى، ولذلك يقول العلاّمة في «التذكرة»: كلّ موضع يحرم فيه النظر فتحريم المسّ أولى، لأنّه أقوى وأشدّ في التلذذ والاستمتاع من النظر.(22)
وقال في «الجواهر»: ثمّ لا يخفى عليك أنّ على موضع حكمنا فيه بتحريم النظر فتحريم اللمسّ فيه أولى كما صرّح به بعضهم، ولا أجد فيه خلافاً.(23)
والغرض من نقل الكلمتين هو إثبات أنّ الحرمة في المسّ أغلظ وآكد، فلا يُستدل بالجواز في الأضعف على الجواز في الأقوى.

الأمر الثاني

الأمر الثاني الّذي يمكن أن يكون قد استند إليه المجيب هو الروايات الواردة في خصوص جواز النظر إلى شعور نساء أهل الذمّة وأيديهنّ وشعور نساء الأعراب.

1. روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن يُنظر إلى شعورهنّ وأيديهن».(24)
2. في «قرب الإسناد» ما رواه الحميري عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)قال:«لا بأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل الذمّة».(25)
3. ما رواه الكليني عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج، لأنّهم إذا نُهوا لا ينتهون(26) ـ قال ـ : والمجنونة والمغلوبة على عقلها لا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها ما لم يتعمد ذلك».(27)

يلاحظ على الاستدلال بها أُمور:
1. أنّ الروايات وإن كانت تعلّل جواز النظر بعدم الحرمة لنساء أهل الذمّة تارةً وعدم انتهائهنّ بالنهي ثانياً، لكن لو أخذنا بعموم التعليل يلزم إسراء الحكم (جواز النظر) إلى غير الموارد المذكورة; كالمسلمة السافرة الّتي إذا نهيت لا تنتهي. وأمّا إسراء الحكم إلى المسّ فلا، لأنّه من مقولة القياس وإسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر.

2. من أين عُلِم أنّ ما ذكر في الآية والرواية علّة الحكم، إذ من المحتمل
أنّه حكمة للحكم، وإنّما يؤخذ بعموم العلّة لا بالحكمة، مثلاً: (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَّبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ…)(28)، فالمتبادر من الآية أنّ سبب
التربّص لأجل الاطمئنان على وجود أو عدم وجود الحمل في الرحم، ومع ذلك فالاطمئنان حكمة الحكم لا علّته، ولذلك يجب التربّص على المرأة العقيم، والّتي لم يمسّها الزوج عدّة أشهر إلى غير ذلك. فإثبات أنّ ما ذكر علّة لا حكمة يحتاج إلى دليل.

3. لو سلمنا أنّه علّة لكن من أين ثبت أنّه تمام العلّة، إذ يحتمل أن يكون جزء العلّة والجزء الآخر لحرمة المسّ والنظر هو صيانة المصافح عن إثارة الشهوة وعدم الافتتان، كما هو الظاهر من قوله سبحانه:(وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).(29)

4. المتبادر من الروايات أنّ السبب الوحيد أو الجزء الأقوى لإيجاب الحجاب والستر وحرمة النظر والمسّ هو صيانة المجتمع من فوران الشهوة، وإذا كنت في شكّ من ذلك فلاحظ الروايات التالية:
1. روى الكليني عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سمعته يقول: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة».(3)
2. وروى في «الوسائل» عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها للّه عزّ وجلّ لا لغيره أعقبه اللّه أمناً وإيماناً يجد طعمه».(31)
إلى غير ذلك من الروايات في هذا المضمار.

هذا ونكمل المقال بذكر أمرين:
الأوّل: أنّ ما ذكره من التحليل لو صحّ فإنّما يتم في المجتمعات الغربية حيث إنّ المرأة لها تلك الذهنية، وأمّا المرأة المسلمة الّتي تعيش في المجتمعات الإسلامية فليس لها تلك الذهنية إلاّ الشاذة من النساء، ومن المعلوم أنّ سلوك الشواذ لا يعطي للموضوع عرفيّة عامة حتّى يكون تلقّيها لعدم المصافحة إهانة سبباً لانقلاب الحرمة إلى الجواز.
الثاني: الرجاء من المجيب المحترم التأمّل في ما كتبته وقدّمته إليه فإن وجد فيه هفوة فليعلمني به، وإن وجده حقّاً فليعمل على ضوء وظيفته بإخبار الآخرين بتبدّل رأيه.

_________________________
1. بدائع الصنائع: 123.
2. كفاية الطالب: 2/ 437.
3. مغني المحتاج:3/132; انظر الموسوعة الفقهية الكويتية: 37 / 358 ـ 359، مادة « مصافحة».
4. الممتحنة: 12 .
5. صحيح مسلم:6/29، دار الفكر، بيروت; فتح الباري في شرح صحيح البخاري:5/ 312.
6. تذكرة الفقهاء: 2/575، الطبعة الحجرية.
7. جامع المقاصد:12/ 44.
8. جواهر الكلام:29/ 99.
9. العروة الوثقى، كتاب النكاح، المسألة 40.
11. العروة الوثقى، كتاب النكاح، المسألة 47.
12. الوسائل: ج 14 ، الباب105 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
13. الوسائل: ج 14 ، الباب104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
14. الوسائل: ج 14 ، الباب115 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 .
15. نفس المصدر، الحديث 2.
16. الفقيه:3/469، الحديث 4635.
17. البحار: 103/256، الحديث 1.
18. الوسائل: ج 14 ، الباب115 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
19. الأحزاب: 59.
20. النور: 30.
21. الوسائل: ج 14 ، الباب104 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.
22. الوسائل: ج 14 ، الباب14 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
23. تذكرة الفقهاء:2/575، الطبعة الحجرية.
25. الجواهر:29/ 100.
26. الوسائل: ج 14 ، الباب112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
27. الوسائل: ج 14 ، الباب112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
28. تذكير الضمائر باعتبار (أهل تهامة).
29. الوسائل: ج 14 ، الباب113 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
30. البقرة: 228.
31. الأحزاب: 53.
32. الوسائل: ج 14 ، الباب104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
33. الوسائل: ج 14 ، الباب104 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث5

موقع سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السبحاني مُدّ ظِلّه العالي

عن arabi

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Web Statistics