الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / ما هو دور نهضة الإمام الحسين علیه السلام في تربية المجتمعات المختلفة؟
نهضة الإمام الحسين

ما هو دور نهضة الإمام الحسين علیه السلام في تربية المجتمعات المختلفة؟

إن جميع الثورات الإسلامية التي هزّت عروش الظالمين منذ منتصف القرن الأول وحتى القرن الحاضر، وعلى طول الأرض الإسلامية من الهند إلى مراكش المغرب، والتي استطاعت توجيه ضربات قاصمة إلى الحكومات اليزيدية والقدرات الظالمة، واستطاعت أن تحفظ مصالح الإسلام والمسلمين ولو نسبيّاً، فإنها في حقيقتها مظاهر وانعكاسات المدرسة الإمام الحسين علیه السلام الخالدة. بقلم: السيد علي الحسيني الفرجي

الاجتهاد: الوثائق التاريخية تثبت أنّ نهضة الإمام الحسين علیه السلام وخاصة مع شخصيته العظيمة وكيفية تضحياته الجذابة، كان لها دور مهم في إيقاظ ضمائر المسلمين، و تربية نفوسهم، وجعلت الكثير منهم يتحولون تحولاً ثورياً، ومن هذا الطريق استطاع علیه السلام أن يوجد سدّاً منيعاً أمام إفساد الحكام الأمويين وأمثالهم وتلاعبهم بمصير الناس والمجتمع الإسلامي، وإسقاطهم في النهاية كما رأينا في الفصل الرابع.

بل كما يقول المحققون المنصفون أمثال العقاد المصري – الذي نقلنا بعضاً من كلامه في الفصل الرابع – يقولون: إن جميع الثورات الإسلامية التي هزّت عروش الظالمين منذ منتصف القرن الأول وحتى القرن الحاضر، وعلى طول الأرض الإسلامية من الهند إلى مراكش المغرب، والتي استطاعت توجيه ضربات قاصمة إلى الحكومات اليزيدية والقدرات الظالمة، واستطاعت أن تحفظ مصالح الإسلام والمسلمين ولو نسبيّاً، فإنها في حقيقتها مظاهر وانعكاسات المدرسة الإمام الحسين علیه السلام الخالدة، حيث تحققت بيد أناس تربّوا في هذه المدرسة الدامية والمتصدية للظلم والظالمين أو تأثروا بها واستلهموا مبادئهم منها.

وفي الحقيقة فقد امتدت الثورات الإسلامية كالسيل المفعم بأمواج كربلاء، وعمت في جميع البسيطة زماناً و مکاناً ، فلولا نهضة الإمام الحسين علیه السلام الصارخة واستشهاده في كربلاء، لما وجدت الثورات الإسلامية الأخر طريقها إلى الوجود، أو أنّها كانت محدودة جدّاً، والنتيجة ستكون تضاعف طغيان حكام الجور الفاسدين أكثر وأكثر، وبالتبع تعرّض مصالح المجتمعات الإسلامية إلى الخطر أكثر فأكثر.

أمّا الحديث عن نفس الثورات الحسينية الكثيرة المنبثقة عن نهضة الإمام الحسين علیه السلام، فخارجة عن وسع هذا الكتاب، إلّا أنّنا نشير هنا إلى أصل تأثير نهضة الإمام الحسين علیه السلام السياسي والثوري بين الناس على أساس تحولهم الروحي والفكري، باتجاههم و بالتالي سوقهم إلى إيجاد الحركات الإسلامية الأصيلة، التي أقضّت مضاجع الحكومات المستبدة،

وكان تأثیر نهضته علیه السلام في هداية و تنویر الناس – من الشدة والعظمة – إلى درجة أن بعض السلاطين الحمقى أمثال المتوكل، اضطروا إلى مواجهة رفات الإمام الحسين علیه السلام وإعلان الحرب حتى على قبره الشريف، وذلك لتثبيت عروشهم المهزوزة بسبب عمليات المنجذبين لمدرسة الثورة لأهل البيت، خاصة الحسين علیه السلام ، فكان أنّ جنّ جنونهم لهذا الجذب الساحر لقلوب المحبين والموالين من المسلمين إلى هذه الشخصية العظيمة – حتى وهي في رمسها – الأمر الذي حدا بالمتوكل إلى تخریب وهدم القبر الشريف، وحرث تلك الأرض الطاهرة، لإخفاء قبره عن أنظار محبّيه وإبعادهم عنه(۱)، حيث كان القبر الشريف بمثابة متراس جذاب من متاريس التصدي للظالمين، و شعلة تضيء درب السالكين، و سراجاً منيراً للأحرار والثوّار علی کرور الأيام وتوالي السنين، ولهذا أمر المتوكل الطاغية بإنزال العقاب القاسي والشديد بكل زائر للقبر الشريف.

والعجيب هنا أنّه مع سعي المتوكل وأمثاله، بل جميع قوى الظلم والفساد في كل زمان، لإطفاء النور الحسيني، إلّا أنّ اسم الحسين علیه السلام، وطريق الحسين، وهدف الحسين علیه السلام كان يزداد يوماً بعد يوم امتداداً ورسوخاً في ضمير المؤمنين بصورته المقدّسة ولمباركة والهادية، وكان له دور أساسي طبعاً في تربية المسلمين تربية ثورية، و تحريكهم للتصدي والوقوف بوجه قوى الظلم على مر الزمان.

وأحد النماذج من الآلاف المؤلّفة لهذه التربية الثورية هو العالم الكبير (ابن السكّيت)، الذي وقف أمام ذلك السفّاك بكامل الجرأة والشهامة الحسينية، وقال كلمة الحق دون أن يهتم بقوة أمثال المتوكل العظيمة وبطشه.
كان (ابن السكّيت) معلمة لأولاد المتوكل، وموضع عنايته الخاصة، وفي أحد الأيام سأله المتوكل إمبراطور الدنيا في ذلك الوقت: أيهم أفضل، أبنائي أم الحسن والحسين أبناء علیّ؟

فأجابه ابن السكيت بشجاعة فائقة، قائلاً : إنّ قنبر خادم الإمام علي أفضل من أبنائك، فلمّا سمع المتوكل هذا الجواب القاطع والحاسم ازداد جنوناً، وأمر بابن السكيت فأخرجوا لسانه من قفاه فاستشهد رحمة الله عليه(۲)، ولكن هل استطاعت هذه الأساليب الوحشية والإرهابية أن تزلزل إيمان هذا العالم المذكور أو سائر أتباع الحسين الشهيد؟

المثال الآخر (الفرزدق)، فبالرغم من أنّه كان من شعراء البلاط الأموي، ولم يكن يتمتع بالشجاعة الكافية، مع هذا، فقد تأثّر كثيراً بنهضة الإمام الحسين علیه السلام كبقية المسلمين، بحيث وقف بشجاعة عظيمة أمام الأموي السفاك (هشام بن عبدالملك) ، ومدح بقصيدته المعروفة الخالدة الإمام علي بن الحسين علیه السلام الشهيد، وذكر فيها جملة من فضائله وفضائل أهل بيته، وتعرّض فيها لهشام وأعوانه وجهاً لوجه وفي مقابل الملأ من الناس، فما كان من هشام إلا أن أودعه السجن، فارسل إليه الإمام بهدايا إلى السجن ولكنّه أبی استلامها وقال: لم أقل تلك القصيدة ولم اعرّض نفسي إلى السجن والخطر من أجل المال والدنيا، بل إني قلتها من أجل الدفاع عن الحق و مبدأ أهل البيت وفضح الظالمين(٣)، ومخلص لله رب العالمين.

(دعبل) أيضا من الشعراء الذين تربوا في مدرسة الإمام الحسين عليه السلام، حيث كان ينظّم الشعر في مدح الإمام الحسين عليه السلام وأولاده وذم قاتليه وأعدائه، بالرغم من كثرة المشكلات والمصائب في هذا الطريق، حتى إنه كان يصرّح بأنّني حملت أعوادي على أكتافي منذ أربعين سنة ولم أترك طريق الحسين وأهل بيت النبي.

وقد ورد أن الإمام علي بن موسی الرضا أهدى إليه جبّته وبعض الأموال لقصيدته التائية الشهيرة، فلمّا وصل إلى قم أراد أهل قم شراء تلك الجبة بأضعاف قيمتها، ليتبركوا بقطعة من جبة ابن الحسين الشهيد عليه السلام، ولكنّ دعبلاً رفض ذلك العرض، فما كان من أهالي قم إلّا أن انتزعوها منه رغماً، وأعطوه الثمن أضعافاً مضاعفة، وقطّعوها قطعة قطعة و تقاسموها بينهم، وهم في غاية الفرح والسرور على حصول قطع صغيرة من هذه الجبة(٤).

ورأينا فيما سبق أيضا أن أهالي خراسان حتى في زمان حكومة الأمويين الجبارة عملوا من سلاسل الشهيد يحیی بن زید بن علي بن الحسين عليه السلام ، خواتيم لهم يلبسونها للتبرك، وكل واحد منهم يفتخر بأنّه حصل على قطعة صغيرة من الحديد الذي كان علی یحیی بن زيد في سجنه (٥)

هذه نماذج من ملايين النماذج في التاريخ، التي لو جمعت وأودعت الصحف، الملأت مجلدات ضخمة من الكتب، بل لعلّ الإحصاءات اليوم تعطينا أن مجموع ما ألّف لحد الآن حول الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره وأحبائه وأتباعه وأبعاد نهضته، بلغ آلاف الكتب، ومئات الآلاف من الرسائل والمقالات والخطب والقصائد، وهو مجموع ما وصل إلينا طبعاً. أما ما لم نطلّع عليه، والذي أتلفته عوادي الدهر و حوادث الأيام، فهو أكثر بكثير من الكثير الموجود بأيدينا. على أننا سنجد ضمن هذه الجمهرة الكثيرة ما هو بغير العربية؛ وما هو بغير الأفلام الإسلامية، ويمكن دعوى القطع بأن الثقافة البشرية لم تر إلى الآن معشار ما قيل في الإمام الحسين عليه السلام قد قيل بحق أحد من ولد آدم.

كل تلك الآثار الثورية والرثائية تثبت بوضوح أنّ هناك اتفاقاً – لا يحدّه الزمان والمكان – على عظمة الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره في سلوكهم صراط الحق، وكذلك على حقارة يزيد وأعوانه في سلوكهم صراط الباطل.

و قد رأينا من خلال نوافذ التاريخ الإسلامي أيضاً أنّه قد حدث تحوّل عظيم في أفكار و أوضاع الكثير من الجماهير في كثير من الأمكنة و الأزمنة في ضوء نهضة كربلاء الحسين عليه السلام بحيث إنّها تحركت على خطه الثوري ، و ثارت ضد الحكومات الفاسدة، و دافعت عن مصالح الأمة الإسلامية، و قد صرّح الحسين عليه السلام بمثل هذه الآثار العملية آيضاً في إخباراته الغيبية، التي أشير إلى بعضها في الفصل الثالث.

 

الهوامش

1- تاريخ الطبري، ج7، ص 365: الكامل في التاريخ،ج7، ص55.

2 – الإعلام للزركلي،ج8،ص195؛ الكنى والألقاب، ج1، ص314؛ سير أعللام النبلاء، ج12، ص18.

3-  الكنى والألقاب، ج3، ص20 ، والأغاني في ترجمة الفرزدق.

4 – الأغاني في ترجمة دعبل.

5- مقاتل الطالبين، ص104.

 

المصدر: النهضة الحسينية دراسة تحليل الصفحة:566. / السيد علي الحسيني الفرجي. /الناشر: المجع العالمي لأهل البيت ع

عن عربی (arabi)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Real Time Web Analytics