خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 44 حوار خاص / عن استقلالية الحوزة ونظامها وجوانبها العلمية والسياسية.. حوار مع آية الله الحائري
السيد علي أكبر الحائري

عن استقلالية الحوزة ونظامها وجوانبها العلمية والسياسية.. حوار مع آية الله الحائري

خاص الاجتهاد: السيد الحائري: للتلاحم بين الحوزتین ينبغي أن يحصل أمران مهمان جدا وأنا کثیرا ما أذكر هذین الأمرين وأؤكد عليهما في بعض المجالات وعند بعض الشخصیات التي أحتمل تأثيرها:أحدهما: إيجاد مدیریة علیا للحوزة العلمیة في النجف الأشرف.الثاني: والذي ضروري أيضا هو إيجاد جماعة علمیة منظمة وتنظیم علمائي دون المرجعیة.

——————————

السید علي أكبر بن السيّد علي بن السيّد جليل بن السيّد إبراهيم الحسينيّ الحائريّ. ولد في النجف الأشرف وطوى مراحله العلمية بها وتربى عند الفطاحل من علمائها منهم الشهيد السيد محمد باقر الصدر وأستاذ الفقهاء السيد أبوالقاسم الخوئي وأخيه الأكبر آية الله السيد كاظم الحائري حفظه الله.

له خمسة أشقّاء توفّي اثنان منهم في سنّ الطفولة، واستشهد واحد منهم في سجون النظام البعثيّ البائد تحت التعذيب، وهو الشهيد سماحة آية الله السيّد محمّد علي الحسينيّ الحائريّ (رحمه الله)، والباقي اثنان، وهما: سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمّدحسين الحسينيّ الحائريّ. وسماحة آية الله السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ حفظهما الله.

ما هي أهم مميزات حوزة النجف وقم؟ ما هي الأصعدة التي تتمکن فيها الحوزتان لتطوير علاقتهما ببعضهما؟ ما ذا عن إيجاد مدیریة علیا للحوزة العلمیة في النجف الأشرف؟ … أسئلة تشكل المحاور الرئيسة للحوار الذي أجرينا مع أستاذ البحث الخارج في حوزة النجف الأشرف آية الله السيّد علي أكبر الحائري قبل مدة في النجف الأشرف حول موضوعات تخص الحوزتين النجف وقم.

بسم الله الرحمن الرحیم.
نشکرکم سماحة السید علي أكبر الحائري علی قبولکم لهذا اللقاء و أرجو من سماحتکم أن نبدأ الحوار بذکرکم عن تاریخکم ودراستكم في النجف ورجوعکم إلى قم ومرة أخری إلى النجف کمدرس وأستاذ للبحث الخارج في النجف الأشرف.

السيد الحائري: بسم الله الرحمن الرحیم الحمدلله رب العالمین والصلاة والسلام علی خیر خلقه محمد وآله الطیبین الطاهرین.

انا أحقر عناصر الحوزة العلمیة ومولود في النجف الأشرف عام 1954م / 1333هـ ش. وکبرت في النجف الأشرف ودرست عند أصحاب العلم والفضيلة والأساتذة الکبار في النجف الأشرف.

أهم أساتذتي في السطوح أخي الأكبر سماحة آية الله السيد الكاظم الحائري”حفظه الله” وأهم أساتذتي في البحث الخارج أستاذنا الشهید آية الله العظمى الإمام السيد محمد باقر الصدر “رضوان الله تعالی علیه” الذي درست عنده أكثر من خمس سنوات وأيضا درست فترة عند آية الله السید أبوالقاسم الخوئي “رحمه الله”.

وبدأت بتدريس المقدمات والسطوح في النجف الأشرف قبل أن أهاجر إلى إيران. ثم هاجرت أو هُجّرت بالأحرى إلى إيران وسکنت قم المقدسة واستمررت في بحث الخارج عند أخي الأكبر سماحة السید كاظم الحائری، وحضرت قليلا أيضا (سنة دراسية واحدة) عند سماحة آیة الله العظمی الشيخ الوحيد الخراساني “حفظه الله”.

وفي طول المدة التي کنت في قم المقدسة واستقرّت تقریبا ثلاث وعشرین سنة أو اربع وعشرین سنة، كنت أدرّس السطوح العالیة إلى جنب دراستي، وبدأت بتدریس الخارج في قم المقدسة في السنة الأخيرة من تواجدي فيها.

ثم بعد سقوط النظام البائد في العراق رجعت إلى النجف الأشرف وسكنت فيها وبدأت بنشاطي العلمي، والآن یمضي عليَّ حوالي ثلاث عشرة سنة أو أكثر منذ رجعت إلى النجف. وصدّرت بعض الکراسات العلمية وأيضا عندما كنت في قم كتبت شرحاً على “الحلقة الثالثة” لأستاذنا الشهید سماحة آية الله الإمام السيد محمد باقر الصدر “رضوان الله تعالی علیه”.

والآن لازلت مشغولاً بتدریس بحث الخارج في الفقه والأصول في النجف الأشرف. هذه خلاصة عن وضعي في النجف وفي إيران.

الاجتهاد: بما أنكم أدركتم الجو العلمي في قم والنجف ولکم معرفة کاملة بالنجف الأشرف وحوزته والدراسة فیها و کذلک قم المقدسة، من فضلکم تفضلوا ما هي میزات حوزة النجف وحوزة قم وکیف يمكن استخدام هذه الميزات في سبیل تفاعل الحوزتین وتطویر علاقاتهما و حرکتهما نحو الأهداف الإسلامیة العالية؟

السيد الحائري: هناک امتیازات علمیة لکل من هاتین الحوزتین وإن کان نحن علی الإجمال لانفرّق بین الحوزتین من حیث الأسس والمبادئ العامة. لأنها مشترکة، وأساسا الحوزات العلمیة الشیعیة أينما کانت فهي تشع إشعاعاً علمیاً لکل العالم الإسلامي. نحن نعتبر کلا من النجف وقم، مصدر إشعاع النور والهدایة والتوعیة لکل العالم الإسلامي ولابد من وصول هذه الإشعاعات إلى کل العالم أيضا لا فقط إلى العالم الإسلامي إن شاء الله تبارک وتعالی.

 ولکن من حیث الامتيازات العلمیة، أهم الامتیازات العلمیة للنجف الأشرف کون الحرکة العلمیة فيها مبتنیة أكثر علی علم الأصول، ویهتمون علماء النجف بعلم الأصول أكثر من اهتمامهم بعلم الرجال. بینما تجد أنه في حوزة قم المقدسة الاهتمام بعلم الرجال أكثر من علم الأصول، وكلا العلمين ضروریان للتّوصل إلى استنباط الأحكام الشرعیة و للتوصل إلى الأهداف المشترکة.

هاتان الحوزتان کل منهما تکمل الأخرى فينبغي أن يتمّ نوع من التلفيق بین النَّفَس العلمي النجفي والنَّفَس العلمي القمي لو صح التعبیر. فالنَّفَس العلمي النجفي ترکز علی علم الأصول أكثر والنَّفَس العلمي القمي ترکز علی علم الرجال والتراجم أکثر. والأسباب التاریخیة غير معروفة، لعله باعتبار أن علماء النجف الیوم هم تلامذة (ولو بالواسطة) لصاحب الکفایة “رضوان الله تعالی علیه”.

أهم تلامذة صاحب الكفاية عبارة عن الشیخ النائیني والشيخ العراقي والشيخ الأصفهاني. هولاء الفحول الثلاثة کانوا من طلاب صاحب الكفاية المعروف بالمحقق الخراساني. فهؤلاء صاروا بعد صاحب الکفایة أساتذة النجف. والمراجع بعد هؤلاء کانوا من طلاب هؤلاء الثلاثة. مثلا المراجع الذین نحن أدركناهم من قبیل المرحوم السید الحکیم “رضوان الله تعالی علیه” والمرحوم السید الشاهرودي “رضوان الله تعالی علیه” والمرحوم السید الخوئي “رضوان الله تعالی علیه” كانوا من طلاب بعض هؤلاء الثلاث. فالخط الأصولي امتد من صاحب الکفایة إلى تلامذته ثم من تلامذته إلى تلامذتهم وإلى یومنا هذا. وأستاذنا الشهید الصدر أيضا کان من طلاب السید الخوئي “رضوان الله تعالی علیهما”.

ونجد بأن الحوزة العلمية النجفیة يوجد فيها النفس الأصولي أكثر من النفس الرجالي. بينما تاريخياً مؤسس الحوزة العلمیة في قم المقدسة الشیخ عبدالکریم الحائري کان یهتم بالجانب الرجالي.

ومعروف أن السيد البروجردي “رضوان الله تعالی علیه” کان یهتم بالجانب الرجالي أيضاً وله منهجیة خاصة في علم الرجال وله أتباع إلى یومنا هذا واستمر هذا النفس الرجالي في قم المقدسة إلى یومنا هذا.

طبعا في الآونة الأخيرة اندمجت الحوزتان وجاء بعض أساتذة قم إلى النجف وذهب بعض أساتذة النجف إلى قم. فمثلاً أخيرا تجد بأنه الشیخ میرزا جواد التبریزي “رحمة الله علیه” و الشیخ الوحيد الخراساني “حفظه الله تعالى” هذان صارا من المراجع في قم و إن كانت مدرستهم العلمیة مدرسة نجفیة وقد تربّیا في النجف الأشرف وکان نفسهما نفساً أصولياً وانتقلا إلى قم و فيها بلغوا مرتبة المرجعیة.

من جانب آخر عندما جاء الإمام الخميني “رضوان الله تعالی علیه” إلى النجف، وعاش فيها خمس عشرة سنة، لعله نفسه نفس قمي في الاهتمام بالجانب الرجالي، ولعله أثّر علی الحوزة العلمیة في النجف الأشرف خلال هذه المدة. فالتبادل يكون تبادل وجهات النظر وتبادل تأثیر النفس الأصولي في النجف علی قم والنفس الرجالی في قم علی النجف، فهذا التبادل جمیل بین الحوزتین.

ولو أردنا أن نتکلم حول الجوانب الأخرى، كجانب الوعي السياسي وجانب ما یکون علی الحوزة العلمیة وعلی المرجعیات الشیعیة في الحوزات العلمیة من عمل علی الصعید الاجتماعي وعلی الصعید السياسي، نجد أيضاً بأنه يوجد کثیر من التبادل بین النجف وقم.

فقبل أن ينفي الشاه في ایران الإمام الخميني “رحمة الله عليه” من ایران إلى تركيا ثم إلى العراق، أرسل علماء و مراجع النجف برقیات وتدخلوا إعلامياً وبرقیاً دعماً للإمام الخميني “رحمة الله عليه” لكي یمنعون الشاه لإيصال الأذی إلى السید الخميني”رحمة الله عليه”.

کما أن علماء قم تدخلوا في الظُّلَم التي صارت علی الحوزة العلمیة في النجف عندما استشهد جملة من رموز العلم والعمل في العراق، من قبیل الشهيد المرحوم الشيخ عارف البصري، والشهيد المرحوم السید عزالدین القبانجي، والسید عماد التبریزي.

هؤلاء عندما كانوا في سجون البعثیة الرهيبة أرسل علماء إيران رسالة وتدخلوا في هذا الجانب. فالتبادل الواسع یوجد بین النجف وقم في القضایا السیاسیة والاجتماعیة.

ولکن بصورة عامة إذا أردنا أن نقیّم الحوزتین من ناحیة الوعي الاجتماعي والسياسي لاشک أن الحوزة العلمیة في قم المقدسة تقدّمت في هذا الجانب وفي جانب الاهتمام بإقامة الحکومة الإسلامية وجانب الاهتمام بقضایا المسلمین عامة. هذه الأمور في قم أكثر مما هو علیه في النجف الأشرف.

ومن علماء النجف أول من نادی بالحکومة الإسلامية هو الإمام الخميني “رحمة الله عليه” عندما کان یدرّس في النجف الأشرف، وهذا ما فرح به كثيراً أستاذنا الشهيد الصدر ” رضوان الله تعالی علیه” فهو کان يهتمّ جداً بهذا الجانب، وهو أن مرجعاً من مراجع الدین نادی باسم الحکومة الإسلامية وبضرورة إقامة حکومة إسلامية.

هذا الشيء کان مهمّاً جدا في النجف الأشرف ولم يكن معهودا قبل الإمام الخميني “رحمة الله عليه” من مراجع الدین في النجف أن ينادي أحد منهم بإقامة دولة إسلامية أو إقامة حکومة إسلامية أو أنه في زمان غیبة الإمام الحجة یمکن اقامة حکومة اسلامیة! لعل الکثیرين کانوا یتخیلون بانه لا تقوم حکومة إسلامية إلا علی ید الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه.

عمليا أو نظرياً؟
السيد الحائري: لعلّهم قد تمسکوا ببعض الروایات التي قد یستفاد منها شيء من هذا القبیل. وغالبا الحوزة العلمیة في النجف لايتدخل في قضایا الحکومة وتنتظر الإمام الحجة الذي هو یقیم الحکومة الإسلامية. بینما حوزة قم والإمام الخميني “رحمة الله عليه” عندما کان في النجف کانوا يؤكدون علی ضرورة إقامة حکومة إسلامية قبل ظهور الإمام الحجة “عجل الله تعالی فرجه الشریف”.

ونحن من واجبنا أن نقوم بهذا الأمر إلى أن نسلّم الحکومة الإسلامية إلى ید الإمام الحجة “عجل الله تعالی فرجه الشریف. ولیس هذا بمعنی ادعاء الإمامة أو ادعاء القيادة الإسلامية الذاتية کما في الإمام المعصوم، حتی یقال بأن هذا علی خلاف ضروریات المذهب، وإنما بعنوان النیابة عن الإمام المعصوم لا بعنوان الإمامة الأصلية. فهذا الوعي سری من قم إلى النجف .

وعلی کل حال نحن الآن نشکر الله تبارک و تعالی علی أن هذا الوعي أصبح مشترکا ولكن لازال هذا الوعي في قم أقوى منه في النجف الأشرف.

هل لکم نماذج من الحضور السياسي النجفي قبل مسألة حضور الإمام الخميني”ره” وأمثال الشهید الصدر في النجف الأشرف؟

السيد الحائري: رغم ما قلنا من أن الوعي السياسي والاجتماعي في حوزة النجف کان أقل من حوزة قم ولکنها أيضاً عمیقة في هذا الجانب.

الحوزة العلمیة في النجف الأشرف كانت عمیقة في التدخل في القضايا السیاسیة، منذ قضیة التنباک التي تدخل فیها الميرزا الشيرازي الکبیر من سامراء وحرّم التنباک علی أساس أن شاه إيران منح شركة إنكليزية امتیاز بيع وشراء التنباک في إيران.

فکان التنباک منفعته الاقتصادیة یذهب إلى إنكليز. فالمیرزا الشيرازي الکبیر حرم التنباک”. فهذه کانت حرکةً سياسية کبیرة، والمستعمرون عرفوا بأن المرجعیة الشیعیة لها تأثير کبیر في الجانب السياسي.

ثم ما ادرکناها زمان السید الحکیم “رضوان الله تعالی علیه”. وهو کثیراً ما، کان یتدخل في القضایا السیاسیة إلى أن اتهموا إبنه السيد مهدي بتهمة التجسس. ثم بعد وفات السيد الحكيم وفي تشييع وفواتح السید الحکیم، الجماهیر العراقیة كانوا ينادون علی ضد تلک التهمة و الإشاعة الكاذبة وصاروا ینادون أن السيد مهدي ليس جاسوسا.

كما أن فتوى السيد الحکیم ضد الشیوعیة معروفة. فقد أفتی بأن الشیوعیة کفر والحاد وهذا سبّب انکسار الشیوعیة في العراق في وقتها.

والشیوعیة کان آنذاک مسألة سیاسیة أم فكرية؟

السيد الحائري: لا، هم کانوا یهدفون أن يتوصّلوا إلى الحکم، وبالفعل وفي أيام عبدالکریم قاسم أثروا نوعا ما في الحکم وتمایل الأخير إلى الحزب الشيوعي و فتح لهم المجال.و بهذا، السید الحکیم صدر فتواه المعروفة بأن الشیوعیة کفر والحاد.

فهذه التدخلات السیاسیة کانت من مراجع الدین منذ القدم. ولکن قلت بأن هذا الوعي الإسلامي الموجود في قم كان علی مستوی المناداة بمطالبة الحكومة الإسلامية.

ماهي الأصعدة التي تتمکن فيها الحوزتان لتطوير علاقتهما ببعضهما وجعل الحوزتین أكثر التحاما وأكثر تفاعلا؟

السيد الحائري: للتلاحم بين الحوزتین ينبغي أن يحصل أمران مهمان جدا وأنا کثیرا ما أذكر هذین الأمرين وأؤكد عليهما في بعض المجالات وعند بعض الشخصیات التي أحتمل تأثيرها.

أحدهما: إيجاد مدیریة علیا للحوزة العلمیة في النجف الأشرف.
لازالت الحوزة العلمیة في النجف الأشرف تعوزها المديرية المركزية. وهذا ما یمکنهم أن یأخذوا فيه درساً ویأخذوا تجربة من الحوزة العلمیة في قم المقدسة.

انا أذكر لبعضهم أنه بامکانکم أن تأخذوا النظام الأساسي للحوزة العلمیة في قم، والنظام الأساسي للمدیریة المرکزیة لحوزة قم وتقوموا بإعمال التغييرات والتعديلات التي تعتقدون بها وتستفیدون منها لتأسيس مدیریة مركزية في النجف الأشرف وتحت إشراف مراجع الدين وهذا شیء ضروری، حتی یمکن منع دخول المتسلقین ودخول الاختراقات في الحوزة وتأثر الحوزة بالعناصر المشبوهة الذين يدّعون المرجعية بدون أرضية وبدون رصید علمي إلى غیر ذلک من هذه الأمور.

الثاني: والذي ضروري أيضا هو إيجاد جماعة علمیة منظمة وتنظیم علمائي دون المرجعیة. کما أنه یوجد في قم “جماعة المدرسین”، في النجف ضروري أيضا تشکیل علمائي من هذا القبیل بدرجة أقل من المرجعیة.

جماعة العلماء في النجف لم یکن نفس الشيء؟
السيد الحائري: جماعة العلماء في زمن السید الحكيم “رضوان الله تعالی علیه” كانت مبادرة جيدة جدا. کان هناک علماء من قبیل أستاذنا الشهید الصدر “رحمه الله”،  والشیخ آل یاسین والسید العلامة العسکری “رضوان الله تعالی عليهما” ومجموعة من هذا القبیل الذين شكّلوا جماعة العلماء في ذلك الوقت. وکان عندهم مجلة بإسم “مجلة الاضواء” واستمرت هذه المجلة وانا أدركت الأعداد الآخیرة من هذه المجلة وکان یشرف علیها المرحوم الشیخ کاظم الحلفي “رضوان الله تعالی علیه”.

والآن في زماننا هذا نحن أحوج إلى شيء من هذا القبیل. الان مادام أن المرجعیة في النجف الأشرف أصبحت وجها لوجه مع الدواعش والقاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى وتدخلت وأصدر سماحة السید السيستاني الجهاد الكفائي. في ظرف من هذا القبیل، ضروري جدا أن تکون هناک تشكيلة علمائیة أقل مستوی من المرجعیة. لأن كثيرا ما المرجعیة تتحرج من الدخول في بعض الجزئیات. المرجعیة تضطر إلى السکوت کما أن بالفعل السید السيستاني یضطر بالسکوت في کثیر من القضایا.

فمن الذي یتکلم في النقاط التي تری المرجعیة من المصلحة أن تسکت؟! فتشکیل هيئة علمائیة ضروري و یصیر سنداً ودعما لمواقف المرجعية ومقامها.

ثم المرجعیة أحياناً بحاجة إلى مشاورین وبحاجة إلى لجنة استشارية فهذا التشکیل العلمائي تصلح أن تکون کلجنة استشاریة حول المرجعیة إلى غیر ذلك. و هذا ما حصل في إيران وفي قم المقدسة، وهذا ما طرحتُه علی بعضهم واکدتُ علی ذلک ولكن كان عندهم بعض المحاذیر.

وانا أبذل جهدي لإنجاح هذین الأمرين ولو في المستقبل البعید. وتكلمت مع المرحوم الشیخ الآصفي “رضوان الله تعالی علیه” وکنا مشترکین في هذه الأمور وکان یوجد بیننا تفاهم. والآخرون طبعاً بعضهم موافقین وعند بعضهم محاذير و… . نحن من واجبنا أن نسعی. ومن جملة أهدافي لبقائي في النجف الأشرف هو أن استطيع ان ألعب دوراً في هذه المهمة ونسأل التوفیق من الله تعالى.

سیدنا بصراحة، يعتبر البعض هذا الموضوع الأخير والذي اعتبرته سماحتكم نقطة امتياز لحوزة قم، یعتبرونه نقطة ضعف لها ویعتبرونه نقطة قوة لحوزة النجف. یعتبرون أن عدم وجود نظام حوزوي خاص لحوزة النجف الأشرف کنقطة قوة ویقولون أن هذا یجعل الحوزة حراً و ما حدث في إيران جعلت حوزة قم وطلابها مأطرين بأطر خاصة مدروسة وفي الواقع مبرمجة، ما هو رأیکم تجاه هذا؟

السيد الحائري: هذه نظریة خاطئة جدا لأن هذه الحریة التي یشعرون بها في الحوزة العلمیة ضررها أكثر من نفعها بکثیر . لأن الحوزة العلمیة اذا صارت حرة تتعرض لاختراقات کثیرة ونفوذ الفاسدین وکل يعمل برأيه والان هل تعلم بأنه یوجد کثیرون ممن یدعون المرجعیة وهم مدعومون من الدول الکبری.

وتوجد الآن خطة استعمارية لإيجاد مراجع للمستقبل. هناك خطة لأخذ المرجعیة من أيدي الصالحین وإعطاءها لرجالٍ تحت ایدیهم. وعندنا نماذج من هذا القبیل. الان بدأ عدة أشخاص یدعون المرجعیة في حین ليس عندهم علمیة ولا عندهم التقوی بالدرجة الکاملة ولا عندهم أهداف إسلامية صالحة و إنما هم مبعوثون ومدعومون ومرتزقة للدول العظمی ولو بالواسطة.

یعنی هناک حرکة في الامارات وبعض الدول العربية وعندهم تجار الشیعة یدعمون دعماً مالياً کبیراً وعظیماً لهؤلاء الذین أخيرا یدعون المرجعیة في النجف الأشرف، وهذا ولو بالوسائط یصل إلى آمریکا واسرائیل قطعا. وهذه الخطة خطر جدا وهذا بسبب عدم وجود نظم في الحوزة.

فما دام الحوزة حرة یمکنهم أن یخترقوا الحوزة بهذه الطریقة وهذا خطر جدا ولا یمکن أن نقف أمام هذه الحرکة الخطیرة إلا بإيجاد مدیریة مرکزیة للحوزة. فهذا من السذاجة جدا أن یقال بأن امتیاز الحوزة أن تکون حرة. بالعکس هذه الحوزة إذا کانت حرة کل هذه الخطورات تأتی إلى الحوزة وبالأخص في زماننا هذا.

لعل في زمان قديم کان البعض يدعي أن نظم الحوزة في عدم نظمها ولعل ذلك كان بسبب أنها ما کانت علیها هذه الخطورات. ولكن في زماننا هذا الحوزة مستهدفة من قبل الدول العظمی ومستهدفة بالمحاربة وبالتخطیط ضدها وبکسرها وبالأخص عندما وجدوا عظمة المرجعیة الشیعیة بفتوی الجهاد الكفائي. فعندما رأوا هذه العظمة بدأوا یخططون للمستقبل البعید لتحریف مسار المرجعیة. فنحن كيف يمکن أن نمنع عن تحریف مسار المرجعیة؟ لا یمکن ذلک إلا بایجاد مدیریة مرکزیة و تنظیم الحوزة.

وفي الطرف الآخر، هل هذا النظام الحوزوی في قم سبب نوعاً من التأطير للفکر الحوزوي، وأخذ هذا النظام الحریة الفکریة والعلمیة والبحثیة من الحوزة؟

السيد الحائري: الحوزة العلمیة مستواها العلمي مبتنٍ علی الکوادر العلمیة. وليس مبتنيا علی حریة النظم في الحوزة. عدم وجود النظام لا یزید في الجانب العلمي. والنظام لا یقلّل من الجانب العلمي. الجانب العلمي یبتني علی وجود الکوادر واهتماماتهم ومدی اهتمامهم وهذا لا علاقة له بالجانب النظمي. النظم ضروري في محلها والنظم لا یمنع عن الجانب العلمي بل یمنع عن تدخلات الأجانب وتخطیطات الأجانب والأخطار وغیر ذلک.

انا لا أدعو إلى کون الحوزة العلمیة في النجف بید الحکومة في العراق، حتی یقال أن هذا خطر آخر على الحوزة، لأن الحکومة في العراق لیست إسلامية ولیس من الصالح أن یصیر الحوزة العلمیة بید الحکومة. نحن لا نجعل الحوزة العلمیة حکومیة کحوزات السنة. علماء السنة وحوزات السنة تلاشت بسبب كونها حکومیة حتی في مصر.

فأنا لا أدعو إلى ذلک. فالحوزة يجب أن تبقی مستقلة عن الحکومة في العراق وأن تكون لها نظام علی ید المراجع لا علی ید الحکومة، حتی یستطيع المراجع أن یمنعوا عن نفوذ المخترقین ویمنعوا عن هذه الاخطار التي أشرت الیها.

وهذا ما حصل في قم المقدسة الحمدلله وغایة الأمر أنه حصل في قم نوعا ما. حتى في قم الحوزة العلمیة لیست بید الحکومة رغم أن الحکومة إسلامية الحمدلله في إيران وعلی رأسها الإمام الخميني المرجع الدیني وبعده خلفه الصالح الإمام الخامنئي حفظه الله، لکن بالرغم من ذلک، الحوزة العلمیة مستقلة عن الدولة.

وحتی الإمام الخامنئي “حفظه الله” عندما يعطي بعض النصائح وبعض الإرشادات للحوزة العلمیة لیست نصائحه إجبارية. وأنا أتذكر أنه نصح الموثرین في الحوزة العلمیة، أظنها في خطاب عام کان في أوساط الحوزة العلمیة، نصح وأكد علی أن یجعلون حلقات الأصول لأستاذنا الشهید الصدر کتابا درسیا في الحوزة العلمیة. مدیریة الحوزة العلمیة ما لبت هذا الطلب، وهذا دلیل علی أن الحوزة العلمیة مستقلة عن الحکومة رغم أن الحکومة إسلامية في إيران.

أشرتم إلى أن الدول المستكبرة والدول غیر الإسلامية بما أنهم رأوا قدرة المرجعیة وتأثيرها في الشعب فنری الآن في الإعلام الغربي نوعاً من المحاولة لإيجاد التفرقة بین النجف وقم، وكأنّ هناك حزبین وليست حوزتین، لو تتفضل رأیکم بهذه المحاولة؟

السيد الحائري: الاستكبار العالمي يعملون علی قدم وساق بفکرة وبخطة (فرّق تسد) هم یطبقون هذه الفكرة في کل المجالات، بین السنة والشیعة، بین الشیعة أنفسهم، بین عراق و إيران، بین شیعة العراق وشيعة إيران، وبین حوزة قم وحوزة النجف، إلى غير ذلك. کل هذه التفریقات خطط استعمارية استکباریة لإسقاط کل الأطراف الشيعية بل إسقاط النظام جميعا. هؤلاء الذین یتخیلون بأنه إذا رکزنا علی التشيع وصرنا ضد السنة مثلا وأعلنا عدائنا علی السنة، ربحنا. لا، بل هم في الحقيقة یحبون سقوط کلا الطرفین.

فهم عندما یفرقون بین حوزة قم وحوزة النجف هدفهم أن یسقطوا کلتا الحوزتین. وهذه خطة استعمارية استکباریة عالمیة في عدة مجالات. وهذا طبيعي بالنسبة لهم وهذا من أهدافهم الاستراتيجية. ونحن لابد أن نکون حذرین ونعرف هذه الخطة الاستعمارية. فحوزة قم والنجف مشتركتان في الأهداف وفي الموازین والجوانب العلمیة والخطوط العامة.

بما أنكم حضرتم حضورا محیطا وکاملا أحداث الثور ة الإسلامية وکنتم في العراق في تلک الآونة مع السید الشهید الصدر، لو تحکون لنا ذکریات من تلك الأيام و ما وقع في النجف من الدعم وأحداث قبل الثورة الإسلامية في إيران و ما ذلک.

السيد الحائري: عندما تحرك الإمام الخميني “رضوان الله تعالی علیه” لاقامة الحکومة الاسلامیة في إيران والشعب الإيراني خرجوا للمظاهرات في شتی المحافظات الإيرانية دعما لنداء الإمام الخميني “رضوان الله تعالی علیه” والاستمرار في هذه الحركة، خرج الإمام الخميني “ره” من العراق وذهب إلى باريس و سكن هناك مدة قصیرة في فرنسا،

فی تلک الآونة وجدنا بأن أستاذنا الشهيد “رضوان الله تعالی علیه” الذي کان من المراجع ولکن في الدرجة الثانیة وکان المرجع الاعلی السید الخوئی رضوان الله تعالی علیه فی ذاک العهد،

فالشهید الصدر “رضوان الله تعالی علیه” وضع کل جهده و کل ثقله في سبیل دعم حرکة الإمام الخميني و أعطى بیانیات وإعلاميات عدیدة لدعم الثورة الاسلامیة في إيران و لدعم الامام الخميني “رضوان الله تعالی علیه” وعندما حصل الإنتصار في يوم الثاني والعشرين من شهر بهمن وكان قد انتقل الامام الخميني إلى إيران وشکل اللجنة العلیا للثورة، الشهید الصدر في ذلك الیوم حضر مجلس بحثه وأعلن فی مجلس البحث بان في هذا الیوم حصلت أو تحققت حلم الأنبياء علی ید مرجع من مراجع الدین.

وبدّل الدرس تلک اللیلة بالمحاضرة وبالأخیر قال انه بهذه المناسبة نعطل الدرس في هذه اللیلة. فاستاذنا الشهيد “رضوان الله تعالی علیه” کان یدعم بکل ثقله وبکل قدرته وبکل إمكانياته الجمهورية الاسلامیة، قبل انتصارها وبعد انتصارها.

والسید الخوئي کان یشعر بحالة التقیة وسکت، وإلا السید الخوئي أيضا کان مؤيدا من صمیم قلبه، ولکن سکوته کان ینبع من إحساسه بالتقیة أمام الحکومة الطاغیة في العراق.

وعندما استشهد الشهید الشیخ المطهري رضوان الله تعالی علیه في الأشهر الأولى من إنتصار الجمهوریة الاسلامیة وبالضبط بعد أربعة أشهر علی ید “فرقة فرقان”، أقام أستاذنا الشهید في النجف فاتحة علانیة علی روح الشيخ المطهري في مسجد الطوسي، رغم علمه بأن عناصر الأمن الحكومي من قبل البعثیین یحضرون ویطّلعون علی أن هذا الشخص یدعم الجمهوریة الاسلامیة و یتحرک تحکرات من هذا القبیل لصالح الجمهوریة الاسلامیة.

هذا وإلى غیر ذلک من القرائن والأسباب تدل كلها علی أن حوزة النجف الحمدلله ما قصرت ولو بوجود أستاذنا الشهيد في دعم الجمهوریة الاسلامیة في إيران.

شکرا لسماحة الأستاذ السید الحائري حفظه الله على هذا الحوار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Slider by webdesign