خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 5 مذكرة / ذكريات من رحلة آية الله البروجردي إلى مدينة مشهد يرويها الأستاذ واعظ زادة الخراساني”ره”
السيد-البروجردي

ذكريات من رحلة آية الله البروجردي إلى مدينة مشهد يرويها الأستاذ واعظ زادة الخراساني”ره”

الاجتهاد: سافر سيدنا البروجردي إلى مشهد في صيف تلك السنة ( 1365هـ) هرباً من جو قم القائظ، فاستقبله أهالي المدينة ولاسيما العلماء والطلاب استقبالاً حاراً، وشاركتُ أنا شخصياً في مراسم الاستقبال، وأنا طالب يافع في المرحلة الوسطى من الدراسة الحوزوية،

فذهبت مع المستقبلين مسافة ثلاثة فراسخ عن المدينة حتى مقام ” الخواجة أبي الصلت» ورأيت بنفسي كيف أن العلماء من الطراز الأول في مشهد كانوا يكنّون له عظيم الاحترام والتقدير مثل المرجع الكبير آية الله السيد يونس الأردبيلي، وآية الله الكفائي وغيرهما.

أقام السيد البُروجردي في بيت موقر لتاجر يُدعى: (كوزه كناني)، وكنت أزوره في الزائرين في ذلك البيت باستمرار. وكان معه عدد من مدرسي الحوزة العلمية في قم، ومنهم: آية الله الداماد، وأية الله الشيخ مرتضى الحائري.

قضى السيد البروجردي ثلاثة أشهر في مشهد هي رجب وشعبان ورمضان وكان يقيم صلاة المغرب والعشاء جماعة قبل شهر رمضان في مقصورة مسجد (گوهرشاد) أما صلاة الظهر والعصر في شهر رمضان فكان يقيمها في رواق المرحوم آية الله النهاوندي. وكانت صلاة الجماعة {هذه} ليس لها مثيل حيث كان يشترك فيها الشيخ النهاوندي نفسه مع كبر سنه، والعلماء من الطراز الأول في مشهد، وأئمة الجماعة في أحياء المدينة، وعدد كبير من علماء المدن، ومدرسو الحوزة العلمية في قم، فكان الصف الأول والثاني مخصوصاً لهؤلاء المذكورين وصلاة بهذه المواصفات لم يكن لها مثيل.

وأقام في نفس ذلك المكان صلاة العيد (الفطر). وارتقى المنبر لإلقاء خطبة الصلاة بيد أن صوته كان لا يتجاوز الجالسين قريباً من المنبر. ووقعت حادثة لمعارضته في المكان الذي يصلي فيه، أتجنب ذكرها هنا.

قيل بأن ذلك الاحترام الفائق الذي أبداه المرحوم النهاوندي للسيد {البروجردي}، مع زهده ومنزلته المرموقة، أفضى إلى أنه عندما تشرف بزيارة العتبات المقدسة في العراق، تواضع له المرجع الكبير آية الله العظمی السيد أبو الحسن الإصفهاني، فأخلى له مكان صلاته في صحن الإمام علي – عليه السلام – وقيل للمرحوم النهاوندي في عالم الخلسة وهو جالس على سجادته في الصحن: (إحترمتَ ولدنا فاحترمناك)، وعندما عاد إلى ایران، نقل هذه الحادثة العجيبة إلى آية الله البروجردي في قم.

ذكرياتي الخاصة بهذه السفرة

أحتفظ بذكريات كثيرة حول هذه السفرة، وذلك لملازمتی المستمرة لآية الله البروجردي وحب الاستطلاع الذي أحمله بين جوانحي.

إن إحدى هذه الذكريات تتعلق بعمل علمي وثقافي محمود يخصّ فهرس المكتبة المركزية للآستانة الرضوية المقدسة. إذ كان القائمون على هذا العمل قد أعدوا ثلاثة أجزاء من الفهرس للمكتبة، في حين ظل القسم الأعظم من المخطوطات دون فهرسة.

وبعد زيارة قام بها سيدنا البروجردي للمكتبة، أصدر أوامره لنائب متولي الآستانة الرضوية المقدسة آنذاك لإنجاز ذلك المشروع الكبير وإعداد فهرس تام للمكتبة بأسرع وقت، وأكد عليه أن يرى نموذجاً منه وهو لا يزال في مشهد، وظل يتابع هذا المشروع بصورة منتظمة عدة سنين.

ذهبت إلى قم سنة 1369هـ لمواصلة الدرس، وكنت أتردد على مشهد في فصل الصيف، وفي إحدى سفراتي بَشّرني العاملون في المكتبة بطبع الجزء الخامس من الفهرس، فأخبرت سیدنا البروجردي بذلك في قم (لا زال العمل بهذا المشروع قائماً، وبلغ عدد الأجزاء أكثر من عشرة، ولابد أن نعدّ هذا المشروع من ذكريات ذلك الرجل العظيم وبركاته). وعندما أخبرته، قلت: الجزء الخامس، فقال: الجزء الرابع وهكذا تبادلنا الحديث حول هذا الموضوع، فاتضح لي أنه كان يواكب العمل بدقة، ويضبط تعداد الأجزاء.

ظفر السيّد في سفرته هذه بنسخة من كتاب الرجال للشيخ الطوسي كانت موجودة في مكتبة الآستانة. وكان قبل ذلك يفيد من “رجال المامقاني”، في أعماله العلمية والرجالية، فجعل منقولات المامقاني في مجموعة واحدة، فهيّأ لنفسه «رجال الشيخ الطوسي». بعد ذلك طابق كتابه مع تلك النسخة، فتطابق معها إلاّ في بعض المواضع.

هذا نموذج من جهوده المضنية في طلب العلم، ولاسيما علم الرجال الذي كان صاحب مدرسة فيه وسأتعرض إلى ذلك لاحقاً.

ومن ذكريات تلك الفترة أنه تشرف لدى وروده مدينة مشهد بزيارة الحرم الرضوي الشريف بمعية عدد من العلماء والمستقبلين، فشاهد أحد الزوار يقبل عتبة الروضة الرضوية المقدسة، فامتعض من هذا العمل احتجاجاً «بأنه يصبح ذريعة بيد الآخرين لاتهامنا بأننا نعبد الإمام ونسجد له، ونحن بالفعل متّهمون بذلك مع أننا لا نقوم بهذه الأعمال، فكيف إذا قمنا بها وشاهدها الآخرون. إذن لا نستطيع أن نبریء أنفسنا مهما أتينا بالدليل». فرحّب المتدينون الواعون المنفتحون بكلامه هذا في حين لم يستسغه المتنسكون التقليديون. بيد أنه – على كل حال – أصبح منطلقا فكرياً للعلماء، وشاع خبره في كلّ مكان.

ثمة شيء آخر مماثل لذلك، حدث في ذكرى ميلاد الإمام الحسين “عليه السلام” حيث أقامت الهيئات الدينية للإمام الحسين عليه السلام – وكانت ذات نظام خاص في مشهد لا يوجد في غيره – مجلساً فخماً في بيت كبير كان سابقاً لنائب متولي الآستانة، الواقع في محلة (چهار باغ) والذي تحول إلى حسينية باسم (حسينية الرضويين) حالياً، أقامت الهيئات ذلك المجلس بشكل جماعي، لكي يقوم السيّد بزيارتها ويطّلع على أعمالها ونشاطاتها.

وكان العلماء الكبار وجمع من الطلاب والفضلاء والوعاظ حاضرين في ذلك المجلس، فارتقى أحد الوعاظ المنبر، وتطرق إلى ذكر مناقب الإمام الحسين – عليه السلام – ومما قاله أن قماط الإمام رفع إلى العرش فوضع الله يده على رأسه »

كنت جالسا إلى أحد الجدران على بعد أمتار عن آية الله البروجردي، وهو كان جالسا إلى جدار آخر فسمعت همسات من الجالسين حوله. وبعد لحظات قام المرحوم آية الله الميرزا على أكبر النوقانی صاحب کتاب (ثلاث مقالات)، وكان من العلماء البارزين المتكلمين، وكثير الملازمة للسيد الأستاذ في تلك السفرة، قام وخاطب المتحدث الذي كان يدعي: “مُدقق” قائلا: «سماحة السيد البروجردي يقول: ليس لله يد، فوضح للناس أن المقصود من اليد هنا هو الرحمة والعناية الإلهية الخاصة.»

فلم بخجل المتحدث، وتفاعل مع الموقف قائلا: يا سلام! لقد استفدنا، يقول سماحة السيد: ليس لله يد، والمقصود هو العناية الإلهية بالإمام الحسين عليه السلام.

فمثل هذه اللفتات، وردود الفعل تعكس حسن المتابعة والإستطلاع، والنظرة الواقعية، والصراحة التامة، وروح الدعوة إلى الاصلاح، التي كان عليها سيدنا البروجردي، بالرغم من أن المتحجرين لا يستسيغون ذلك.

ذكرى أخرى، في عصر يوم من الأيام أقام عدد من المدرسین، والطلاب مجلسا في مدرسة «سلیمان خان» التي كانت مركز الحوزة تقريباً، وكانت تحت إشراف زعيم الحوزة آنذاك المرحوم آیة الله الميرزا احمد الكفائي الخراساني نجل الآخوند الخراساني. أقاموا ذلك المجلس تكريما للسيد البروجردي حيث يأتي لزيارتهم وحضره العلماء البارزون في المدينة، وعدد كبير من طلاب مشهد، وجمع من فضلاء قم والمدن الأخرى.

كنت حينئذ طالباً يافعاً، ناعم العود، مشغولاً في دراسة «الكفاية» بينما كنت جالساً هناك، فوجئت بالمرحوم الشيخ حسين البجستانی مساعد آية الله الكفائي في إدارة شؤون الحوزة، وقد أخذ بيدي منطلقاً بی صوب سماحة السيد الكبير قائلاً له: «هذا الطالب ابن الشيخ مهدي الواعظ، وهو أحد طلاب المدرسة. نرجو من سماحتكم أن تسألوه.»

بعد ذلك جلست أمام السيد، وكان يجلس حواليه عدد من مدرسي مشهد وقم، منهم: أستاذنا في درس (الكفاية) المرحوم آية الله الشيخ هاشم القزويني، وكان أستاذاً حاذقاً، فصيح البيان ذا فكر نيّر.

سألني آية الله البروجردی: ما تدرس؟ قلت: الكفاية. أي مبحث؟ قلت: مبحث النواهي. عرّف النهی. قلت: العلماء – عادةً – يقولون بأن النهي هو طلب ترك الفعل، بيد أن أستاذنا سماحة الشيخ هاشم القزويني يقول: الصواب هو أن النهي ليس طلباً بل زجراً، وردعاً عن الفعل. فهو يقابل الأمر تماماً.»

لما بلغت هذه النقطة، ارتفعت الأصوات والهمسات من المحيطين به، فظهر لي فيما بعد أن رأيه يطابق رأي أستاذنا القزويني، وكان قد طرحه في دروسه. بعد مضي لحظات كان يتباحث فيها الجالسون، وأنا كنت جالساً أمام السيد العظيم مصغياً لهم سمعي، قال لي: حسناً، تفضّل. فقمت وعدت إلى مكاني.

ومن ذكرياتي الأخرى في هذه السفرة، زيارة قام بها السيد البروجردي لوالدي المرحوم الشيخ مهدي الواعظ الخراساني في ليلة من ليالي شهر رمضان، وكان والدي قد أخبر المرحوم آية الله السيد يونس الأردبيلي سلفاً بهذه الزيارة.

فلا أنسى تلك الليلة حيث جلس المرجعان الكبيران جنباً إلى جنب وسط فناء دارنا والجو حار. کان المرحوم الأردبیلی ينقل كرامة بلهجته التركية، والسيد يصغي إليه، بعد ذلك قاما وذهبا من بيتنا إلى الشارع ماشيَين، ومعهما أحد الخدم يحمل لُكساً للإضاءة واصطحبتهما لأخذ اللُّكس.

“وقال له بعض من معه: نجل الشيخ الواعظ يسير خلفنا” فالتفت السيد وطلب مني الرجوع. فوقفت قليلاً حتى ذهبا. بعد ذلك أخذت اللُّكس ورجعت إلى البيت.

ذكرى أخرى، ذهب السيد ذات يوم لزيارة المرحوم آیة الله الشيخ محمد رضا الكلباسي (أحد علماء مشهد، ومن زملاء سيدنا البروجردي في إصفهان. كان يقول – كما مرّ بنا – أنا دعوته إلى درس الفلسفة، وكان يشكرني حتى آخر حياته) وكنت جالسا في غرفة أخرى فلم أر السيد، بيد أني كنت أسمع حديثه إذ كان يقول: «لقد ألّف الشيخ الطوسي كل كتاب من كتبه الفقهية لهدف خاص، قألّف «النهاية» للوسط الشيعي أما «الخلاف» و«المبسوط» فقد ألفهما للوسط الإسلامي العام.» وكان يشرح هذا الموضوع. وشهدته مراراً – بعد حضوري درسه في قم – يُثني على الشيخ الطوسي، ويعبر عن وده للشيخ واهتمامه بشخصيته.

لم أعهد من ذي قبل أن طالباً يافعاً مثلي يألف هذا اللون من التبحّر العلمي والفكر الإصلاحي الذي يدل على ذهنية وقّادة متفتّحة ومعلومات غزيرة ومن ثَمّ قد أحدث كلامه وكلام غيره من الأساتذة الكبار بقم ثورة في فكري وأفكار الطلاب الآخرين، وهو ما سأتحدث عنه لاحقاً.

عاد سيدنا البروجردي إلى قم عند انقضاء شهر رمضان بعد إقامة صيفية مؤقتة قضاها في مشهد عام 1365هـ

 

المصدر: كتاب: حياة الإمام البروجردي وآثاره العلمية واتجاهه في الفقه والحديث والرجال، للأستاذ الراحل محمد واعظ زادة الخراساني  “ره”. الصفحة 66

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Slider by webdesign