خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / خاص بالموقع / 22 تقرير خبري خاص / خاص / فلسفة علم الأصول .. الفرق بين علم الأصول وفلسفة علم الأصول (2) ..الأستاذ مجتبى إلهي خراساني
مجتبى إلهي الخراساني

خاص / فلسفة علم الأصول .. الفرق بين علم الأصول وفلسفة علم الأصول (2) ..الأستاذ مجتبى إلهي خراساني

خاص الاجتهاد: ما نقدمه هو تقرير لمباحث ورشة فلسفة علم الأصول بعنوان: فلسفة علم الأصول: الماهية، والضرورة، والبنية، التي قام الأستاذ حجة الإسلام الشيخ مجتبى إلهي خراساني؛ أستاذ البحث الخارج في حوزة مشهد العلمية وعضو الهيئة العلمية في مركز الآخوند الخراساني للدراسات العليا في مكتب التبليغ الإسلامي قبل فترة في الدورة الأولى من سلسلة ورش تعليمية وبحثية تخصصية بعنوان فلسفة علم الأصول التي عقدت بإشراف لجنة الفقه ومباني الاجتهاد لمركز الآخوند الخراساني للدراسات العليا وكذلك لجنة الفقه التطبيقي البحثية التابع لمعهد الإسلام الحضاري.

تاريخ دراسات “معرفة العلم”

في مدة من الزمن كان تاريخ دراسات معرفة العلم عبارة عن دراسة ” الرؤوس الثمانية للعلم” التي تعتبر بقايا المنطق الأرسطي، وهي: موضوع العلم، غاية العلم، فائدة العلم، تعريف العلم، تاريخ العلم، مؤلف العلم، أبواب العلم، أساليب العلم التعليمية وأقسامها.

الملفت جداً “رتبة العلم” إذا لاحظنا بحث رتبة العلم في المقدمات الكلامية والأصولية يُعبَّر عنها باصطلاح “شرف العلم”، ثمّ يسعى متخصّصو كلّ علم لإثبات أن هذا علمهم أشرف وأعلى من جميع العلوم أو من أكثرها.

يُعبر اليوم عن رتبة العلم هذه في فلسفة العلم بتبيين العلاقة بين العلم وسائر العلوم، وليست بحثاً عن الشرف الذاتي للعلم، البحث الحالي يبين الارتباط الطولي والعرضي للعلم مع سائر العلوم.

إذا دققنا في مبحث غاية وغرض العلم نجد أنه اصطلح عليه في القرنيين السابع والثامن بمبحث فائدة العلم، وكلما تقدمنا في الزمن نلاحظ استعمال مصطلح غرض أو غاية العلم أكثر، ويميّز بين الفائدة المقصودة والغرض وبين الفائدة غير المقصودة، لذا يجب علينا أن نفصل بينهما، علينا في بداية دراسة العلم أن نعرف فائدته الأساسية، وأما الفوائد الثانوية فليست مهمة.

عندما طرحت الرؤوس الثمانية كان دورها غالباً تعليمياً، لذا إذا أردنا البحث عن الرؤوس الثمانية نجدها في الكتب الدراسية العلمية ككتب الأصول الدراسية، وكتب الفلسفة الدراسية، وكتب الكلام والفقه و..

شيئاً فشيئاً بدأ الإحساس بأن الرؤوس الثمانية ليست ضرورية جميعها. ومن هنا اكتفوا بثلاثة منها، وصارت الرؤوس الثلاثة، وفي القرن الأخير صار يبحث في أصول الفقه عن تعريف العلم، وموضوع العلم، والغرض منه فقط.

عملياً بقي من الرؤوس الثمانية ثلاثة مباحث، وبقية المباحث تطرح بشكل مستقل في أماكن أخرى؛ مثلا المرحوم آقابزرك الطهراني ألف كتاباً بعنوان” تاريخ وحصر الاجتهاد” -رسالة صغيرة وهي في الحقيقة نوع من تاريخ الفقه-ولكنه لم يكتبها في بداية كتاب أصولي، والمرحوم الشيخ علي كاشف الغطاء ألف كتاباً بعنوان” أدوار علم الفقه وأطواره” مع أن لديه كتاباً فقهياً وكان بإمكانه أن يبحث ذلك فيه، وبحث المرحوم الشيخ البهائي في “زبدة الأصول” الرؤوس الثمانية تقريبا مع جميع المبادئ، أي تقدم في المرحلة الثانية من مبادئ العلم.

في مبادئ العلم تدرس القضايا التي يتوقف البحث في ذلك العلم عليها، فمبادئ العلم هي التصورات والتصديقات التي إذا لم يسلم بها لا يمكن التصديق بمباحث العلم. يقول علماء التصورات والتصديقات بأن مبادئ العلم هي التي يتوقف تصديق العلم أو تصديق مسائل العلم عليها، بالطبع شيئاً فشيئاً تحولت مبادئ العلوم إلى المبادئ التصديقية، وفرضوا قسم المبادئ التصورية ” مصطلحات للعلم”.

لذلك تلاحظون أن كتب “مصطلح الحديث” تزايدت كثيراً منذ القرن السادس والسابع، وهذه الكتب عبارة عن المبادئ التصورية لعلوم الحديث، في عصرنا الحالي أي قبل حوالي ستة أو سبعة عقود – كما اعتقد -كتب المرحوم آية الله المشكيني كتاب “مصطلحات الفقه” وله كتاب آخر تحت عنوان “اصطلاحات الأصول” وهو كتاب فريد في نوعه، وهو من أوائل الكتب التي تبيّن المصطلحات الأصولية فقط، دون التعرض لإثباتها، فمثلاً تحدث عن معنى مصطلح الأمارة؟ وما هو الأصل؟

واليوم تكتب وتُنشر كتباً أكثر تفصيلا في هذا المجال، بالطبع هناك اختلاف حول أنّ مبادئ العلوم هي الرؤوس الثمانية أم أن هناك اختلاف بين هذين المصطلحين.

مثلا المرحوم الشهراني في كتابه “المدخل إلى عذب المنهل” الذي هو مبادئ علم الأصول _ولا يوجد إلى اليوم غيره كتاب في مجال مبادئ علم الأصول_ يبحث أولا بعضاً من الرؤوس الثمانية في علم الأصول، وبعد ذلك يبدأ البحث حول المبادئ.

ويصرّح المرحوم المحقق الأصفهاني في مقدمة كتابه ” علم الأصول على النهج الحديث” أن الرؤوس الثمانية للعلم تختلف عن مبادئ العلم، وعلينا فصلهما عن بعضهما البعض.

وهناك من يقول: أن مبادئ العلم هي إحدى الرؤوس الثمانية. ويوجد اختلاف في هذه النقطة إلا أنّه يمكننا القول بأنّه في الحد الأدنى الأفضل فصل المبادئ التصديقية للعلم عن الرؤوس الثمانية، بالتأكيد يمكن البحث في المبادئ التصورية للعلم، ولكن المبادئ التصديقية يجب أن تكون مستقلة، وهذه مرحلة أخرى من المراحل.

في مرحلة تدوين المبادئ دوّنت هذه المبادئ في كتاب ” زبدة الأصول” للشيخ البهائي، وكتاب ” الأصول الأصلية” للمرحوم شبر، كما يحتوي أيضا كتاب ” المدخل إلى عذب المنهل” المتأثر كثيراً بكتاب” زبدة الأصول” على هذه المبادئ؛ أي أنه فصل المبادئ التصديقية.

يوجد اختلاف أيضاً في علوم الأصول في تحديد هذه المبادئ، وفي كيفية تقسيمها، البعض قسمها على الشكل التالي:

قسم منها يتعلق بالمبادئ العقلية أي يتعلق بالفلسفة والمنطق والكلام؛ وقسم هو مبادئ لغوية مثلا: ما هو الوضع؟ ما هي الدلالة؟ وبدون أن نعرف الإجابة عن هذه الأسئلة لا نستطيع الوصول إلى نتيجة في باب المفاهيم، أو في باب المطلق والمقيد، أو العام والخاص. فإذا ما أردنا إذن بحث ماهية الوضع والدلالة فهذا يعني أننا نبحث المبادئ اللغوية لعلم الأصول.

ومن هنا تطرّق الآخوند الخراساني (ره) في قسم كبير من المقدمات الثلاث عشرة الموجودة في بداية علم الأصول إلى هذه المسائل: الوضع، الدلالة، المجاز والحقيقة و…

وكان قسم من الأبحاث أيضا حول مبادئ الأحكام التي يبحث فيها علم الأصول حول الأساليب وأدلة استنباط الحكم الشرعي؛ ولكن ما هو الحكم الشرعي؟ ما هي أقسام الحكم الشرعي؟ من هو الحاكم؟ ما هو المحكوم عليه؟ هذه المطالب يجب أن يتم بحثها،

ولكن لماذا لا تبحث داخل علم الأصول؟

يجيبون بأن علم الأصول يبحث حول أدلة الأحكام، بالتالي يكون موضوع قضايا علم الأصول أدلة الأحكام ومحمول هذه القضايا الحجة أيضا؛ فمعرفة الحكم ليست جزءً من موضوعات علم الأصول ولا من محمولاته.

بعبارة أخرى قالوا: إنّ علم الأصول يتحدث حول مناهج استنباط الأحكام، أي يحدد ماذا يجب أن نفعل لاستنباط الأحكام. أمّا الأسئلة من قبيل ما هو الاستنباط؟ ما هي الأحكام؟ هذه المسائل تدور حول الموضوع من باب مفاد ” كان التامة”، ومن أمثلتها: هل يوجد أصلا حكم شرعي أم لا؟

بالنسبة لمعرفة وتصور الموضوع، يمكننا أن نتصور موضوعاً ليس داخلا بالكامل في أحد العلوم، مثلا نقول موضوع علم الفقه هو فعل المكلف، أمّا السؤل: ما هو فعل المكلف؟ فهذا لا يرتبط بعلم الفقه، علينا أن نجد الجواب قبل ذلك في مكان آخر.

لذا من هذا الباب قيل إنّ مباحث معرفة الحكم يجب أن تُفصل عن علم الأصول، ويجب تشكيل باب بعنوان مبادئ الأحكام.

هذا الاقتراح كان رائعاً لدرجة أن الأصل في مجلدات الكتب التي يؤلفها العلماء المعاصرون حول فلسفة علم الأصول طبقا للفهارس اليوم هو حول ” مبادئ الأحكام” فتكون هذه أيضاً مرحلة من مباحث دراسات معرفة العلم.

مرحلة أخرى أيضاً هي مرحلة فلسفة العلم، هدف فلسفة العلم في الحقيقة هو القيام بتحليل ماهية العلم وموضوعه، وتعريفه، ونطاقه، وإطار ارتباطاته، والخصائص المتعلقة بقضايا ذلك العلم” ما هي ماهيته؟ روابطه؟ هيكليته؟ و…

قال بعض العلماء: فلسفة العلم هي بحث الرؤوس الثمانية، وقال البعض الآخر: فلسفة العلم هي مبادئ العلم، فقط مبادئ العلم بحث أو بحثان من الرؤوس الثمانية أضيفت إليها،

علينا أن ننظر هل الأمر حقاً هكذا؟ هل فلسفة علم الأصول هي المبادئ الثمانية لعلم الأصول مع بسطها وتفصيلها؟ أو أنها مبادئ علم الأصول أضيف إليها ثلاث من المبادئ الثمانية؟ أي التعريف والموضوع والغرض مضافاً لمبادئ العلم التصديقية.

ما تطرقت إليه، ليست وجوهاً بل أقوالاً وكما يقول الأصوليون نريد أن ننقدها.

نناقش أولاً الرؤوس الثمانية: الفرق بين فلسفة علم الأصول والرؤوس الثمانية في الأصول.

أولاً بينهما من حيث المسائل عموم وخصوص من وجه؛ لأنك في الرؤوس الثمانية للعلم تبحث عن مؤسس العلم، وفي أصول العلم لا تتطرق لذلك، في فلسفة علم الأصول يجب البحث حول ماهية الاخبار الأصولية ولا علاقة للرؤوس الثمانية بذلك، ووفقا لرأي البعض يجب ألا تناقش فلسفة علم الأصول المباحث التاريخية، وهذه برأيي صحيح ولكن هناك قسم معتبر من الرؤوس الثمانية للعلم هو تاريخ ذلك العلم؛ مما يشمل مؤسس العلم ومراحله و…

ثانيا الفلسفات المضافة، ينبغي القول أنّ فلسفة العلم بشكل مطلق، أو فلسفة بعض العلوم مثل فلسفة علم الأصول تمثل منظومة معرفيّة، على الأقل فلسفة العلم هي علم مستقل قطعاً، وليست فقط منظومة معرفية؛ هي علم معروف وفرع علمي ذو ملامح واضحة، ولكن الرؤوس الثمانية ليست علماً بل هي مجموعة من المعلومات المتفرقة.

الرؤوس الثمانية ليست ذات إطار وموضوع واحد، ولكن في فلسفة كل علم _مثلا فلسفة علم الأصول_ علينا فرض موضوع واحد وغاية وغرض، حتى وفقاً للقائلين بعدم ضرورة وجود موضوع واحد لكل علم؛ يجب أن يكون لفلسفة العلم وفلسفة علم الأصول موضوع واحد؛

لأن القائلين بعدم ضرورة أن يكون للعلم موضوع واحد أكثرهم يعتقدون أن العلوم مقسّمة إلى قسمين: علوم برهانية وعلوم غير برهانية (أو اعتبارية)، وضرورة وجود الموضوع الواحد هي للعلوم البرهانية والحقيقية، لأن موضوعاتها الموجودات أو الموجودات الحقيقية، ويمكن أخذ عامل مشترك حقيقي بينها؛ أما العلم الذي تكون قضاياه اعتبارية فموضوعه وقضاياه اعتبارية، فكيف يمكن أخذ قاسم مشترك بين الاعتباريات؟

ولا يصح هذا الكلام في بحث فلسفة العلم وفلسفة الأصول؛ لأن هذه العلوم هي بالتأكيد علوم حقيقية، الذين قالوا هذا الكلام هم من الفلاسفة ولا يقبلون أن تكون الفلسفة وعلومهم الفلسفية بدون موضوع واحد. وعليه فلسفة العلم أو فلسفة علم الأصول لها موضوع واحد منسجم، والرؤوس الثمانية لا انسجام بينها.

كذلك تختلف فلسفة علم الأصول عن مبادئ علم الأصول، إذ بينهما من حيث المسائل عموم وخصوص من وجه؛ لأننا عندما نتحدث حول مبادئ العلوم نتحدث عن مبادئ العلم الأعم من المبادئ الخارجة عن العلم والمبادئ الداخلة فيه؛ أي أن بعض القضايا التي يكون تصديق مسائل ذلك العلم متوقفا عليها، هي قضايا يتوقف عليها كل علم؛ مثلا إذا لم نقبل بوجود شريعة، ونحن ملزمون في الوقت الحاضر بتلك الشريعة يصبح كل البحث الأصولي والفقهي بلا معنى.

كل علم الفقه وكل علم الأصول مبني على التصديق بهذه القضية، يجب أن تصدق بأن الباري تعالى هو المشرّع الأول والحقيقي؛ إذا لم نصدّق بذلك في البداية يكون كل علم الفقه والأصول متزلزلاً. هذه قضايا مبادئ خارج العلم؛ أي ليست هذه المسألة وتلك المسألة متوقفة عليها فقط؛ بل كل قضايا العلم متوقفة على إثباتها والتصديق بها، كل هوية العلم متوقفة عليها.

هناك بعض المبادئ مبادئ لمسائل خاصة، مثلاً إذا أردت أن تقول الأمر يدل على الوجوب عليك أن تقول ما هي الدلالة؛ ولكن مباحث الأصول العملية لا ربط لها ببحث الدلالة، مثلاً إذا لم تعلم ما هي الدلالة ألا تستطيع استنباط الملازمات العقلية؟ نعم تستطيع.

إذن فقط مبحث أدلة الألفاظ متوقف على هذا المبدأ التصديقي الذي يقول ما هي الدلالة، أي جزء المبادئ التصديقية، هذه المباحث مبادئ أجزاء العلوم ليست مبادئ كل العلم، إذن المبادئ التصديقية نوعين: مبادئ تصديقية لكل العلم، ومبادئ تصديقية لأجزاء منه، وأما فلسفة العلم فهي تتطرق للمبادئ التصديقية التي تشمل كل العلم، وإلا لن تكون تحليلاً ماهوياً بل تحليلاً جزئياً، هذه نقطة من نقاط الاختلاف بيننا وبين بعض المتخصصين.

وعليه نحن نعتقد بأن العمل الذي يقومون به من فصل وإخراج مبادئ كافة أجزاء علم الأصول وتحويلها إلى فلسفة علم الأصول هو خطأ منهجي.

من بعد الآخوند ثلث الكتب الأصولية الحالية كلها مبادئ العلم؛ سواء تلك التي جاءت بعنوان “التمهيد” في أول علم الأصول، أو التي تتخلل المباحث وتكون بعنوان تمهيد أو مقدمة، أو التي تذكر تحت عنوان “في أول البحث لابد من بيان أمور”، هذه هي مباحث المبادئ التصديقية لذلك الباب.

إذا أردت أن تعرف ماذا يقول الشهيد الصدر حول المبادئ التصديقية لعلم الأصول أو المبادئ التصديقية لمسائل علم الأصول يكفي أن تجمع كل ما هو تحت عنوان “تمهيد” من أول الحلقات إلى آخرها، وهذا برأي البعض يعتبر من فلسفة العلم.

أما النقطة الأخرى فهي أنّ المبادئ التصديقية في بحث المبادئ تهدف إلى إثبات المسائل، ولا غرض آخر لها. ولكن نحن عندما ندرس المبادئ في فلسفة العلم ندرسها بهدف النظرة الخارجية المهمة بالنسبة لنا؛ أي من جهة نريد حساب الارتباط بين ذلك العلم مع ما هو خارج عنه، ومقايسة ذلك. وليس هناك أية أهمية لإثبات مسائل العلم عند فيلسوف العلم، فهو يريد اكتشاف العلاقات والروابط.

هؤلاء ليسوا من القدماء جدا؛ ففي عصرنا الحالي، قبل 20 -30 سنة، المرحوم العلامة الفضلي كتب هذه الأبحاث، وكان ذلك الكتاب كتاباً دراسياً. ذكر في مقدمته _بنفس أسلوب شرح التجريد_ المبادئ الفلسفية لعلم الكلام التصويرية منها والتصديقية، وبعد ذلك دخل في بحث علم الكلام، وعليه فلسفة العلم تختلف عن مبادئ العلم.

ماهية فلسفة العلم

هناك اختلاف في ماهية فلسفة العلم، وقد عرض كتاب جان لازي ” مقدمة في فلسفة العلم” قدرا من هذا الاختلاف؛ حيث ذكر أربعة آراء حول فلسفة العلم، أعتقد أن واحداً منها على الأقل ينافي الصواب لأنه خلط فيه بين فلسفة العلم والفلسفة العلمية، ولكن الآراء الثلاثة الأخرى آراء مشهورة حول فلسفة العلم.

والسبب في ذلك أنّ منشأ ظهور فلسفة العلم يرجع إلى أمور مختلفة؛ فقسم منها أن للعلماء فرضيات في العلوم لا يصرحون بها، والظاهر أنهم يدخلون في البحث بالاعتماد عليها، “كوبر نيك” سعى لاجتناب المسلمات التي مخفية في الهيئة ومن هنا توصّل إلى علم هيئة جديد؛

فقال مثلا: الفرض غير المذكور في هيئتنا أنهم يريدون حفظ النص المقدس وآرائه حول علم الفلك والهيئة؛ لأن لديهم هذا الافتراض أن كل هذه الآراء دقيقة، وسماوية، وتتطابق مع الواقع، ولم يتدخل بها أحد، لذا يسعون إلى تقديم نظريات في تفسير الفلك والمجرات تتوافق وتنسجم قطعا مع هذه الفرضيات، وعليه كانت ثورة “كوبر نيك” بسبب تشخيص الفرضيات المسبقة وعزلها، وقيامه بالبحث بشكل مستقل عنها.

هذا الجانب من العلم مهم عند الكثير من فلاسفة العلم؛ أي أن معرفة فرضيات العلماء والسعي لفصلها عن العلم ثم البحث للكشف عن صحة هذه الفرضيات، وهل هي واقع، ويمكن التصديق بها أم لا؟

عند البعض نفس دراسات التعرف على العلم هذه، مهمة، عندهم مسائل ” ما هو هذا العلم؟ ماهي مسائله؟ ما هي هيكليته؟ ما هو موضوعه؟ مسائل مهمة، لذلك يوجد اختلاف حول تعريف فلسفة العلم.

إذا أردنا إعطاء نتيجة عامة وتعريف واسع لفلسفة العلم يمكن أن نقول أنّها تعني: “تبيين وتحليل خصائص العلوم بصورة عامة.” مثل التصورات والتصديقات المفروضة سابقا، والمفاهيم، والأساليب، وارتباط العلوم ببعضها، والقوانين والنظريات، ومجالات تطبيق العلوم.

اليوم تعدّ فلسفة العلم في العالم علماً مستقلاً، ولكننا أحياناً نضيف فلسفة العلم إلى علم محدد؛ فنقول فلسفة علم الأصول؛ أي الدراسات التي هي من نوع فلسفة العلم ولكن في نطاق أضيق، فلسفة العلم بشكل مطلق حول أي شيء تريد بحثه يجب أن تبحث بشكل يرتبط ويتعلق بكل العلوم، ولكن فلسفة علم خاص تبحث مثلاً حول علم الأصول أو الفقه أو علم آخر؛ فبدلاً من تبيين وتعيين خصائص العلوم علينا أن نقوم بتبيين وتعيين خصائص علم الأصول والفقه و… الخصائص التي تشمل التصورات، والتصديقات، والأسلوب، والمصادر المعرفية، والعلاقات والروابط مع العلوم الأخرى و…

الخلاف حول نطاق فلسفة العلم

يُقال: إذا كان من المقرر أن تكون فلسفة العلم على هذا الشكل فيجب أن تضم جميع المناهج والآراء في دراسات معرفة العلم، الأشخاص المؤيدون لهذا الرأي غالباً ما يكونون قلقين على تقسيم وتفريع العلوم. هم يقولون إن فلسفة العلم يجب أن تتكفل بدراسات الدرجة الثانية.

فأول تفسير لفلسفة العلم التفسير العام الذي يقول: فلسفة العلم هي دراسات معرفة العلم، وهنا يبحث عن تاريخ العلم ودراسات العلم الاجتماعية وتحليل المسائل عقلياً وتاريخياً واجتماعياً ونفسياً أيضا؛ فمثلاً تطرح أسئلة حول الأخطاء التي يتأثر بها العلماء، هل هي ذات منشأ نفسي؟ يقولون ” الحب يعمي ويصم”، وفي العمل العلمي يمكن أن تأثر المحبة.

تحليل هذه المسألة تحليل نفسي، هذه النظرة عامة جداً أي يجب أن نقول أنّ فلسفة العلم تعني القيام بدراسات جديدة في معرفة العلم؛ تضم تاريخ العلم ومعارف العلم الاجتماعية، يقول هذا الفريق حتى يحتفظ بنظرته لفلسفة العلم: علينا ألا ندخل في التفاصيل، أي يجب أن تكون قضايانا كلية النظرة، مثلا لا نبحث في تاريخ المسألة الفلانية؛ فهذا لا علاقة له بفلسفة العلم.

فمثلا علينا ألا نبحث حول تاريخ الاستصحاب لأن هذه المسألة ليست من مسائل فلسفة علم الأصول، علينا ألا ندخل في الجزئيات، وألا نبحث مبادئ ذلك العلم بكامل تفاصيله التي يتوقف عليها؛ لأن هذا يخرج الموضوع عن شمول فلسفة العلم.

وعليه نرى القائلين بالرأي الكلي العام يعملون على حفظ النظرة الشمولية لقضايا فلسفة العلم، ولا يتقيدون بشرط عدم دخول فلسفة العلم إلى الاتجاهات غير العقلية؛ أي: التاريخية، والاجتماعية، أو الاتجاهات غير الفلسفية.

لذا كلمة فلسفة العلم تصبح اسماً لنفس الفلسفة التي هي حب العلم، نتساءل عن العلاقة في ذلك؟ أليس في فلسفة العلم حب للعلم؟ وضع هذا الاسم لهذا العلم في زمان وبقي له بعد ذلك بشكل توقيفي.

ما هو علم الكلام؟ هل نحن نبحث فقط حول الكلام؟ بالطبع نحن لا نبحث حول النبوة والمعاد ولكن بقي اسمه بدون تغيير؛ لا دخل لنا بمعناه اللغوي، فلذا يبدو أن كلمة فلسفة العلم بنظرهم اصطلاح توقيفي كان يستعمل في معناه اللغوي عند نشأته، ولكن مع مرور الزمن صار بمعنى دراسات التعرف على العلم.

فلماذا إذن يقولون فلسفة العلم؟ حتى تفصل عن مراحل دراسات معرفة العلم السابقة؛ ولا تدمج مع تاريخ العلم أو الدراسات الاجتماعية للعلم أو الرؤوس الثمانية، وتُسمّى لذلك دراسات معرفة العلم الحديثة؛ إذن بنظرهم فلسفة العلم تعني دراسات التعرف على العلم الكلية في المرحلة الجديدة.

رأي آخر يقول: لا يجوز تجاهل كلمة “فلسفة”، لأن لها لوازم؛ أولها الشمولية وثانيها ألا نخرج عن التحليل الماهوي والعقلي، وعليه هم يقولون الفلسفة التي قلنا فيها إلزامات يجب أن تكون ماهوية وعقلية، ونوع تحليلاتنا وأسلوبنا يجب أن يكون عقليا، ويجب إخراج المباحث الفلسفية عن تاريخ العلم.

وهذه الرؤية أكثر رواجاً في البلدان الإسلامية، ومنها الجمهورية الاسلامية الإيرانية، وذلك لأن الفلسفة في بلدنا علم عقلي محض؛ أي المدرسة الفلسفية عندنا مدرسة عقلية وبرهانية بشكل كامل، ومن هنا إذا لم يكن البحث برهانياً وعقلياً كاملا، لا يقال عنه بحث فلسفي.

لأن الفلسفة التي نلتزم بها والمنظومة الفلسفية معرفية للغاية، لذا يوجد ميل لهذا المعنى داخل إيران، وعليه لا أحد يتطرق لمباحث تاريخ العلم، ومباحث العلم الاجتماعية.

(ونستثني هنا أحد فلاسفة العلم عندنا (في إيران) والذي صنّف في فلسفة علم الأصول، وأعتقد أنّه تأثر بنيوتن اسميت وذكر النطاق الأخير لنيوتن اسميت: “التأثيرات الاجتماعية لعلم الأصول على العلوم الأخرى.”

إلا أن هذا البحث غير موجود في فهرس كتبه، وظاهراً عند التأليف لم يرغب الخروج عن الاصطلاح المحبوب في إيران لذا لم يذكر في فهرس المواضيع الذي أراد طرحه، الأمر الخامس الذي يجب أن يبحث في فلسفة علم الأصول).

إذن في الرأي الثاني يجب ألا يوجد بحث تاريخي واجتماعي في فلسفة علم الأصول، فإذا أردنا الحديث وفقا للرأي الثاني حول “فلسفة علم الأصول” في مسألة ارتباطات علم الأصول علينا أن نبحث الروابط الماهوية لعلم الأصول؛ أي الروابط التي يقتضيها علم الأصول ذاتا، وأما بحث الارتباطات الواقعة على مرّ التاريخ فهي لا تتعلق بفلسفة علم الأصول كما هو الحال في تأثيرات علم الأصول الاجتماعية، هذا هو الرأي الثاني.

بقية الآراء ليست مهمة في بحثنا، لأنه لا مؤيد لها في فلسفة علم الأصول، لذا لن نتطرق لها، بالطبع الخلط بين فلسفة العلم والرؤوس الثمانية، وبين فلسفة الأصول والمبادئ مازال له مؤيدون في إيران أي أنهم يعتبرونه توسعاً في الرؤوس الثمانية أو المبادئ.

وفق نظر الذين يقولون بشمولية فلسفة العلم يكون الحد الفاصل بين فلسفة العلم والفلسفة بمعناها الأساس واضح جداً، على الأقل مع الفلسفة التي نسميها فلسفة ما وراء الطبيعة؛ أي علم التحليل الماهوي الذي يبحث عن الموجود بما هو موجود بأسلوب عقلي برهاني.

وعليه تكون مسائل الفلسفة الأولى هي قضايا حقيقية وطبيعية كلية؛ يجب طرحها وإثباتها وردها بأسلوب عقلي، ومسائل فلسفة العلم وفق النظرة الأولى يمكن أن تكون تاريخية أو اجتماعية، وبهذا يتضح أن نطاق ومجالات فلسفة العلم أضيق من الفلسفة بمعناها الأولي، لأنه عندما جاء في فلسفة العلم قضايا غير القضايا الفلسفية صارت العلاقة بينهما عموماً وخصوصاً من وجه؛ لأن الفلسفة الأولى تبحث عن الموجود بما هو موجود، أي أنّ سعة موضوع الفلسفة الأولى أكبر من فلسفة العلم من هذه الجهة؛ لأنها يمكن أن تحلل العلم وسائر الموجودات، وتبقى فلسفة العلم من جهة أنها لا تقتصر على التحليل الماهوي البرهاني أكثر أهمية.

وعلى التفسير الثاني لفلسفة العلم، القائل بأنها محصورة في الأسلوب العقلي والبرهاني، يصعب قليلا الفصل بينها وبين الفلسفة الأولى؛ لأن كل أسلوب معتبر بحثت فيه بداية الحكمة ونهاية الحكمة والأسفار في الفلسفة الأولى، لا تخرج عنه فلسفة العلم.

من هذا المنظار تظهر الرغبة في اعتبار فلسفة العلم فرعاً من الفلسفة الأولى؛ لذا يقال لا ضرورة لطرح فلسفة العلم بشكل مستقل عن الفلسفة.

ويقول البعض أيضاً _بناء على هذه النظرة_: نحن لا نقبل الفلسفة المضافة مطلقاً، لماذا لا نقبلها؟

يقولون: الشيء إمّا أن يكون فسلفياً أو لا، فإذا ما كانت فسلفة العلم فلسفةً؛ فهي إذن جزء من الفلسفة، فكما أننا لا نفصل بين “فلسفة الجوهر”، و”فلسفة الأعراض”، و”فلسفة العليّة” _وهي من الفلسفة الأولى_ ونسميها جميعاً فلسفةً؛ أيضا يمكن أن نذكر من أبواب الفلسفة: “فلسفة المعرفة”، و”فلسفة العلم”، و”فلسفة النفس”،

يمكن القيام بدراسات فلسفية في كلّ واحد من المجالات السابقة، ومنها مجال العلم، مع الانتباه إلى أنّ العلاقة بين الفلسفة الأولى والنظرة الحالية الرائجة في بلدنا حول “فلسفة العلم” وفق التعبير الثاني؛ هي علاقة العموم والخصوص المطلق، أي أنّ فلسفة العلم هي فرع من أفرع الفلسفة.

فإذاً لماذا نتحدث عنها بشكل مستقل؟ يقولون: لأنّه لم تطرح عادة هذه المسائل في الفلسفة، فالمصلحة الاجتماعية تقتضي أن نبحثها وندرسها بشكل مستقل حتى تتطور وتتوسع، وعندما تتطور وتكبر نسلمها إلى أمّها، فهي الآن عند المرضعة.

هذه كانت إشارة للنسبة بين فلسفة العلم والفلسفة الأولى، ونحن هنا لن نحكم في الموضوع، لأننا تناولنا المسألة وفقا للمبنى المختار، فلا نحتاج للحكيم، أو لإبداء الرأي النهائي، وأنتم يمكنكم أن تختاروا المبنى الذي يقنعكم أكثر من بين المباني الموجودة.

ومن الواضح أنّه إذا اعتبر أحدهم أنّ نفس الفلسفة الأولى غير منطبقة على التعريف الداخلي، فإنّ هيئة المسألة والبحث سوف تتغير تماماً، فهو سيكون مؤمناً بوجود فلسفات؛ لا فلسفة واحدة، يعني أنّه سوف يكون لدينا فيما بعد فلسفات، سواء من حيث المدرسة أو من حيث الجغرافيا، سوف يكون هناك: فلسفة العلم، وفلسفة الذهن، وفلسفة الإلهيات.

سؤال: فيما يتعلق بكون الفلسفة الأولى فلسفة فرعية، ألا يمكن القول بما أننا نبحث في هذه الفلسفة حول الموجود باعتبار ما له من تعين خاص؛ فكذلك فلسفة العلم يمكن أن تكون علماً مستقلاً يدرس لوحده؟ وأولئك الذين يقولون بوجود الفلسفات المضافة؛ فهل يقولون أيضا أنّ فلسفة الذهن مثلا والفلسفة المضافة لها تعين خاص؟

الجواب: منطقياً يجب ألا يقبلوا من هذا الباب؛ لأنّ ذات المشكل سوف يظهر في “فلسفة النفس”، فنحن كيف يمكن أن ندرس فلسفة النفس؟ وهل العوارض الإمكانية والوجوبية (أي عوارض الممكن والواجب) أو أحوال المحمولات التي تحمل على الواجب هل هي موجودٌ مطلق؟ عندما نقول الممكن؛ فنعني “الموجود الممكن”، وكلّ تعبير موجود هناك يجب أن نأخذ به هاهنا فإذن النتيجة واحدة.

الفرق بين علم الأصول وفلسفة علم الأصول

مما سبق يتضح تقريباً الفروق والتمايزات بين أصول الفقه وبين فلسفة الأصول، فلسفة علم الأصول تبحث في الأصول وتدرسها من موقع خارجي، أمّا أصول الفقه تقوم بذات العمل ولكن من داخل الأصول.

وهناك أمرٌ في علم الأصول ينبغي الالتفات إليه، وهو أنّه بالإضافة إلى كون هذا العلم برهانياً وعقلياً، وبغض النظر عن الفروق بين فلسفة العلم وبين الفلسفة الأولى والمبادئ الثمانية فهناك سؤال يطرح نفسه هو: هل أنّ فلسفة العلم تُقرِر فقط أم يحق لها إطلاق الأحكام؟ هذا أمر مختلفٌ فيه.

هل تعتبر فلسفة العلم فقط علماً توصيفياً؟ أي أنّها فقط تبين “ماهية علم الأصول”، و”ارتباطه بسائر العلوم”، وتبين “موضوعه”، أم أنّها يمكن أن تقدم توصيات أيضا؟ تعود الإجابة عن هذا السؤال إلى نظرتنا إلى فلسفة العلم؛ هل نعتبرها علماً معيارياً أم علماً توصيفياً؟

البعض يتصور أنّ هذا البحث مرتبط بمسألة قبلية أو بعدية فلسفة العلم، ولكن أنا أعتقد أنّه تصور خاطئ تماماً، على أيّ حال فلسفات العلوم متأخرة عموماً عن نفس تلك العلوم، وهذا الأمر ليس له أي ارتباط ببحثنا، أي أنّه سواء أردت أن تصف العلم فقط، أو أن تصفه وتقدم التوصيات وتطلق الأحكام عليه؛ ففي كلا الحالتين سوف تكون فلسفة هذا العلم متأخرة عنهُ رتبةً،

بينما ظنّ البعض أنّه لو قلنا أنّ فلسفة العلم توصيفية فهذا يعني أنّها متأخرة، وإذا قلنا أنها تقدم التوصيات فهذا يعني أنّها مُقدَمة،

فنقول: لماذا يجب أن تكون مقدمة؛ فيجيبون: هذه الفلسفة توصي بأن يكون العلم بالشكل الفلاني، فيجب أن يكون لها هوية قبل هذا العلم لكي تتمكن من تقديم التوصيات، فهؤلاء في الواقع قد خلطوا بين الوظيفة وبين رتبة نفس العلم؛ يمكن في الوظائف أن يحصل هناك تخلخل في كثير من الرتب، ولكن لا علاقة لهذا الأمر برتبة العلم.

على كلّ حال هذا الأمر راجع إلى اعتبارنا فلسفة العلم علماً توصيفياً أم علمَ توصيةٍ وإطلاق أحكام، الذين يفضلون الفلسفة الأولى لن يقبلوا مطلقاً بأن ينظروا إلى فلسفة العلم كمجرد فرع علمي توصيفي، ولذلك ليس أنّهم فقط يعتبرون وظيفة فلسفة العلم هي التوصية وإطلاق الأحكام؛ بل يبرزون هذا الدور ويضخّمونه،

ولذلك يقولون أنّ لفلسفة العلم ثلاث وظائف:

1. تقرير العلم، وطبعاً بشكل ماهوي، وشمولي، ووفق نظم خاص،

2. التقييم؛ بأن تقول مثلاً أنّ القضية الفلانية أو الأسلوب الفلاني غير معتبر في علم الأصول، والنهج الفلاني الآخر معتبر فيه.

وهنا يُطرح السؤال التالي: إذا كان الأمر، كذلك فما هو موقع علم الأصول؟ إذا كانت وظيفة فلسفة علم الأصول أن تقول القضية الفلانية والنهج الفلاني معتبر أو لا، وأن تقول “الشهرة” و” الاستصحاب” معتبران أم لا؛ فيجيبون: فلسفة العلم تفعل ذلك من نظرة خارجية، وعلم الأصول من نظرة داخلية، أي وفقا لأطر وضوابط علم الأصول يتحدث عن اعتبار الحجج، أمّأ فلسفة العلم فتفعل ذلك عبر نظرة خارجية، وضمن أطر فلسفية،

وهذه تعتبر خدمة لعالم الأصول بأن يقوم فيلسوف بالالتفات إلى علومه من الخارج ونقدها، وذلك لأنّ الأول ينظر الأمور فقط من خلال أطر علم الأصول وقواعده، فيثبت مثلاً حجية “الشهرة”، أمّا الفيلسوف فيمكن أن يعتبر وفقاً لقواعده أنّ هذه المسألة خاطئة.

وأنّ هذا الأسلوب لا يتناسب مع الأساليب العامة المعتبرة في العلوم، وعليه هم يقولون بوظيفة ومرتبة ثالثة لفسلة العلم، وهي:

3. الإيصائية، أي أنها تقدم المقترحات للعلم، وتقول مثلا نحن نوصي عالم الأصول باعتبارنا فلاسفة علم أن يحذف مثلا هذه الفصول من علم الأصول، وأن يتجنب دراستها والبحث فيها، أو أنّ علم الأصول فيه ثغرات ونواقص، ويجب إضافة المسائل الفلانية على أبحاثه، وعليه هذه النظرة التي تؤمن بحد أعلى من وظيفة فلسفة العلم تقول أنّ هذه الفلسفة مهمتها التوصيف، والإيصاء والنقد، أي أنّ لها ثلاث وظائف أساس:

1- تقرير العلم ووصفه وتقديم تحليل عميق له.
2- تقييم العلم وتحديد نقاط الضعف والقصور فيه وتقييم القضايا والمسائل الأساس المكونة له.
3- تقديم التوصيات والاقتراحات لتحسين وتطوير العلم.

نحن لا نريد أن نفتح هذا الملف، ولكنّ هذه النظرة مرتبطة إلى حدٍ ما برؤيتنا العامة في باب العلم، أي فيما يتعلق بمنهجيات العلم هل نحن إثباتيون، أم تحليليون؟ وهل نقبل المدرسة النقدية؟

لا اريد أن أتوسع في البحث في هذا المجال، لذلك أريد أن أعود قليلاً إلى تلك الأبحاث، ونعود لنسأل هل نتوقع من فلسفة العلم أن تكون توصيفية محضّة أم أن تتعهد النقد والإيصاء كذلك؟

جزء من الآراء الرائجة في دنيا العلم من الناحية المنهجية تميل أكثر إلى جهة التقرير والوصف، ويقولون أن الأيصاء والاقتراح في كلّ علم إنما يتولّاه علماء ذلك الفرع العلمي والمتخصصون فيه، وهو ناتج عن نشاطاتهم وأبحاثهم، وذاتياً لا تتولى فلسفة العلم عملية الإيصاء، لذلك لا يقدم هؤلاء المقترحات لعلماء الأصول، يمكنهم أن يقولوا لهم إذا لم تحذف المسائل والأبحاث الفلانية فإنّه وفقا لآرائنا كخبراء في معرفة العلوم وفلسفتها سوف يتعطل علمكم بعد ثلاثة عقود، أو أنهم يقولون إن لم تحذفوا الأبحاث الزائدة، سوف يتعرض علمكم لأزمة هويّة.

أصول الفقه تعمل داخلياً وفلسفة أصول الفقه تعمل خارجياً

مع هذا التمايز نعلم أنّ أبحاثنا في فلسفة الأصول لا تنتهي إلى توصيات ومقترحات، ووفقا لهذا المبنى ستنتهي بمقترحات وتوصيات عامة، في النهاية لن تقرر مسير ومنهج العمل في مسير دراسة علم الأصول.

ما هو الفرق بين فلسفة الفقه، وفلسفة أصول الفقه؟ لماذا يجب أن يكون بينهما مشتركات؟

فلسفة كلّ علم تتمايز وتختلف عن فلسفة غيره من العلوم، وهل نحن نسأل عن الفرق بين فلسفة علم الكيمياء وفلسفة علم الفيزياء؟! لا يوجد أي تشارك بينهم، ويجب دوماً أن نسأل هذا السؤال من ناحيتين:

1. أولاً جميع فلسفات العلوم المعيّنة هي أفرع لفلسفة العلم، وعليه يمكن وجود روابط وصلات بين هذه الأفرع المتعددة، كما أنّه يوجد بالتأكيد رابط بين كل فرع منها وبين نفس فلسفة العلم.

2. هناك روابط طولية بين بعض العلوم، لذلك عندما تريد أن تبين فلسفة ما عن طريق ذلك العلم وعن طريق الرابط الطولي لابدّ وأن تتعرض لذلك العلم المتأخر، لأنّ لهذا العلم تأثير بالعلم الذي يليه، فنحن لدينا علم الفقه، وعلم أصول الفقه، والأصول علم يبحث في تحديد السُّبل والأدلة والأساليب التي يمكن عبرها استنباط الأحكام الفقهية، فإذن؛ إذا ما احتاج علم الفقه إلى مجموعة من الأساليب والأدلة ليستنبط الأحكام الشرعية، فإلى أيّ علم سوف نلجأ؟ بالتأكيد إلى علم أصول الفقه.

من جهة أخرى نقول أنّه لدينا فلسفة فقه تبحث في ماهية علم الفقه، وفي مبادئه، وغاياته، وأغراضه، وبعض الأمور التي تبحث في فلسفة علم الفقه هي مبادئ هذا العلم وفرضياته،

هنا يُطرح السؤال التالي: بعض هذه المبادئ والفرضيات لا تختص بعلم الفقه، بل هي مبادئ وفرضيات لعلم الأصول أيضاً، فكيف يجب التعامل معها؟ فإذن يجب أن نذكر التفاوت والتمايز بين فلسفة أصول الفقه، وفلسفة علم الفقه،

مثلاً “تعيين الشارع” هو أحد المبادئ الهامة في الفقه، وكذا في الأصول، فإذن كلا العلمان يبنيان على هذا المبدأ، وذلك لأنّ “تبيين الشارع” يستخدم في تبيين الحجج في علم الأصول، وكذا في تبيين الأحكام في علم الفقه، وكذا الحال في قضية “ديمومة الشريعة أو انقطاعها” فهو من مبادئ كل من الأصول والفقه.

يتبع..

 

خاص / فلسفة علم الأصول وماهيتها .. لماذا يجب علينا أن ندرس أصول الفقه؟ (1) .. الأستاذ مجتبى إلهي خراساني

 

خاص / فلسفة علم الأصول .. الأسباب التي تجعل تعلّم فلسفة أصول الفقه أمرا ضرورياً (3) .. الأستاذ مجتبى إلهي خراساني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Slider by webdesign