خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / الضبط / 4 حوار / حوار مجلة فقه أهل البيت”ع” مع آية الله السيد حسين الشمس الخراساني “رحمه الله”
السيد ضياء الخباز

حوار مجلة فقه أهل البيت”ع” مع آية الله السيد حسين الشمس الخراساني “رحمه الله”

الاجتهاد: إنّ جميع مسائل علم الاُصول – ما عدا مسألة حتمية أن يكون لكل علم موضوع الذي يقع مقدمة للبحث في علم الاُصول، وكذا مسألة انسداد باب العلم والعلمي لإثبات حجّية الظن المطلق إذ سبقها البحث عن الظنون الخاصة – غير خارجة عن علم الاُصول، وكل من يدعي خروج مسألة منه فإنّه لا يمكن لغيره الإذعان بذلك ما لم يقم دليل لديه؛ لكون المسألة نظرية تحتاج إلى الدليل نفياً وإثباتاً ./ إنّ كثيراً ممّن يطلق الدعوة إلى تهذيب وتشذيب علم الاُصول ـ بمعنى حذف بعض المسائل إمّا لدعوى عدم ارتباطها بعلم الاُصول أو لدعوى عدم جدواها وفائدتها ـ لا ينطلق من استدلال علمي على ذلك بل ينطلق من حالة التبعية والتقليد للغير، مع أنّ المسألة نظرية تحتاج إلى الدليل.

نشكركم على إتاحتكم الفرصة للحوار معكم حول بعض القضايا العلمية، واستطلاع رأيكم في شؤون الدراسة والمناهج في الحوزات العلمية . . ولكن قبل ذلك حبذا تحدثوننا عن لمحة موجزة من سيرتكم الذاتية والعلمية .

بدأت دراستي الدينية في مدينة مشهد المقدسة حيث مرقد الإمام الثامن من أئمة أهل البيت علي بن موسى الرضا (عليه ‏السلام) ، وقد أتممت فيها المرحلة التمهيدية « المقدمات » و « السطوح » وشطرا من الدراسات العليا « البحث الخارج » .

ثمّ انتقلت إلى العاصمة طهران لدراسة المعقول فمكثت فيها سنتين، ثمّ انتقلت إلى مدينة قم المقدسة وبقيت فيها سنة وبضعة أشهر حضرت خلالها الفقه على آية اللّه‏ العظمى البروجردي (قدس‏ سره) والاُصول على الإمام الخميني (قدس‏ سره)، ودرس الفلسفة على العلاّمة الطباطبائي (قدس‏ سره)، ثمّ أقفلت راجعاً إلى مشهد بقصد الزواج فصادف رجوعي مجي ء آية اللّه‏ العظمى الميلاني من كربلاء المقدسة للإقامة في مشهد، فعزمت على البقاء لمعرفتي بمقامه العلمي الشامخ وشهادة العلماء والحوزات له بذلك بما فيها الحوزة النجفية، وقد مكث (قدس‏ سره) في مدينة مشهد إلى آخر عمره بما يقرب من عشرين عاما وقد رافقته مشتغلاً بأمر الدراسة والتدريس إلى انتصار الثورة الإسلامية، حيث قررت الرجوع إلى مدينة قم وإلى الآن أشتغل بالتدريس فيها .

ذكرتم أنّكم كنتم من حضّار درس آية اللّه‏ السيد البروجردي (قدس‏ سره)، فما هي أهم الخصائص التي كان يتصف بها درسه (قدس‏ سره)؟

الجواب: لم تكن مدة حضوري في درسه طويلة، حيث كانت عبارة عن سنة وبضعة أشهر، وكان سماحته في تلك الفترة يدرّس الفقه ولم يكن يدرّس الاُصول.

وقد كانت له طريقة خاصة في التدريس، فكان يبدأ باستعراض الروايات الواردة في الباب الذي يبحثه أوّلاً ، ثمّ يتطرق للجانب الرجالي فيه فيبحث في أحوال الرواة وطبقاتهم. وقد كان (قدس‏ سره) محيطا بالبحوث التأريخية والرجالية، ثمّ يأخذ بعد ذلك في بيان مضامين الأحاديث ومداليلها وأقوال القدماء في المسألة .

وكان يعير أقوال القدماء عناية خاصة؛ لقربهم من عصر صدور الأحاديث، فيمكن أن تتوفر لديهم قرائن لفهم الروايات والإفتاء على ضوئها؛ ولذا كان يقبل شهرة القدماء ويعوّل عليها .

لقد كان السيد البروجردي (قدس‏ سره) عالما فذّا؛ يتمتع بحافظة متميزة، وأذكر أنّه كان يستحضر أشعار السيوطي التي تقرأ عادة في المقدمات وهو يدرّس البحث الخارج، كما كان بارعا في البحوث الرجالية، ومتبحرا في المعقول والفلسفة على ما سمعته، وبشكل عام ، لقد كان للسيد البروجردي شخصية علمية ممتازة .

ما هي ابتكارات السيد البروجردي (قدس‏ سره) العلمية ؟

الجواب: لم تسمح لي فترة حضوري القصيرة عليه من رصد ابتكاراته العلمية، ولست أنفي ذلك في الواقع، ولكنه كان مشهودا له بالإحاطة والتسلط في الفقه والاُصول .

من هم الفقهاء القدماء الذي كان السيد البروجردي (قدس‏ سره) يكثر النقل عنهم ويعتني بأقوالهم ؟

الجواب: كان السيد (قدس‏ سره) ينقل عن الشيخ الطوسي والمحقق وغيرهم ، وكان يدفع بعض الاستشكالات على الشيخ الطوسي التي يثيرها البعض ويقول: إنّ الشيخ كان مهتما بأمر التأليف والإكثار فيه حتى أنّه لو أردنا تقسيم عمره الشريف على مؤلفاته ومسائله لكانت كل مسألة تستغرق خمس دقائق من وقته، فلم تكن له الفرصة الكافية من وفرة التصنيف . وعلى كل حال ، فقد كان (قدس‏ سره) يهتم بأقوال المتقدمين ، ويشجع من ينقل عنهم أقوالهم وآراءهم .

ما هي المدة التي حضرتم فيها على آية اللّه‏ الميلاني (قدس‏ سره) وكيف كانت علاقتكم به؟

الجواب: حضرت عليه ما يقرب من عشرين عاما في مدينة مشهد، وقد كانت علاقتي به خاصة، وكان يغمرني هو في المقابل بعواطفه. لقد كان للسيد شخصية قوية وحصيفة ومؤدبة، وكان كتوما قليل الكلام فطنا، ويتمتع بذهنية ثاقبة وتشخيص صائب ودقيق للاُمور، حتى قال بعض رجال السياسة: إنّ الجميع يعرف الداء ولكن السيد الميلاني يعرف الداء والدواء معا.

وبرأيي أنّه كان أكثر دقة من السيد البروجردي (قدس‏ سره) بالرغم من سعة تتبع السيد، ولكن السيد الميلاني كان أدق علماء عصره ، فقد حضر (قدس‏ سره) على مثل الشيخ محمّد حسين الأصفهاني مدة ( 23) سنة، وعلى الميرزا النائيني مدة (14) سنة، وكان أفضل طلاب الشيخ الأصفهاني باعتراف الشيخ نفسه .

نظرا للمدة الطويلة لحضوركم على السيد الميلاني، ما هي الخصوصيات التي يتمتع بها درسه ؟

الجواب: كان بحث السيد (قدس‏ سره) يتصف بالدقة والعمق، فقد كان دقيقا في الفقه والاُصول، وكان متضلعا في العرفان أيضا، حتى أنّ بعض الأصدقاء سأل العلاّمة الطباطبائي عن دراسة العرفان وعند من يحضر؟ فقال له: احضر على السيد الميلاني. إلاّ أنّ السيد الميلاني كان يصبّ اهتمامه على الفقه والاُصول ولم يكن يدرّس باقي العلوم .

ما هي المنهجية التي يتبعها السيد الميلاني في دروسه وبحوثه ؟

الجواب: كان أكثر تعرّضه لأقوال الشيخ محمّد حسين الأصفهاني والميرز النائيني، فقد كانت أنظارهما محور البحث في درسه سيما الشيخ الأصفهاني، حيث كان السيد معتمدا لديه وكان أكثر قدرة على فهم آرائه وبيانها، وكان هذا الأمر مشهودا له، وكان يجلّه عند ذكره إجلالاً كبيرا، ويعبر عنه بـ « الشيخ الاُستاذ »، وكذلك كان يعبر عن الميرزا النائيني بـ « الميرزا الاُستاذ ».

ولا بأس هنا بذكر ما نقله نجل السيد الميلاني في علاقة والده بالشيخ الأصفهاني حيث يقول: « بعد أن درس والدي في النجف الأشرف سكن كربلاء المقدسة، وكان الشيخ الأصفهاني عندما يأتي إلى كربلاء للزيارة ينزل في بيت والدي، وكانت سيرة اُستاذه الشيخ طوال إقامته في منزل الوالد أن يتوضأ ويخرج إلى حرم العباس (عليه ‏السلام) ويقيم صلاة المغرب والعشاء جماعة على سطح الحرم، وكان الوالد يتابعه في الخروج، وكان يتأخر عنه في المشي ويقتدي به في الصلاة، وهكذا يفعل عند الرجوع، مع أنّه كان قد نال درجة الاجتهاد آنذاك.

وعلى كل حال، فقد كان السيد دقيقا في فهمه لآراء الشيخ الأصفهاني، ودقيقا في بيانها أيضا، كما كانت سيرته طيبة مع طلابه، ولكن المستفيدين من علمه قلّة، حتى أنّه كان يقول: إني اُدرّس ثلاثة فقط » .

ما هي الابتكارات والإبداعات في بحوث السيد الميلاني (قدس‏ سره) الفقهية والاُصولية ؟

الجواب: لقد كان السيد ضليعا في فقه المعاملات ـ إضافة لتفوقه في باقي الأبواب الفقهية ـ سيما في بحث « الإجارة » ؛ لأنّه درسه على الشيخ الأصفهاني ودرّسه أيضا في العراق، ثمّ لما قدم إلى مشهد أعاد تدريسه.

ومن إبداعاته وآرائه الخاصة في الاُصول: رأيه في مسألة الشك في المكلّف به وتردده بين الأقل والأكثر، فإنّ أكثر الاُصوليين يعتبرون الأقل والأكثر قسيمين للمتباينين؛ لأنّ المتباينين إمّا متباينان بتمام الذات أو ببعض الذات أو بنحو الأقل والأكثر، لكن الأقل مقيد بعدم الزائد على الأقل؛ أي أنّه بشرط لا بالنسبة إلى الزائد، وأمّا في الأقل والأكثر فإنّ الأقل هو لا بشرط بالنسبة للزائد على الأقل؛ بمعنى أنّ الأقل إذا كان في مقام جعله متعلق للحكم فإنّ الزائد عليه لا يكون جزءاً من متعلق الحكم ولا هو أقل مقيداً بعدمه، فالأقل إذا وقع متعلقا للحكم يكون لا بشرط بالنسبة للزائد في مقام الجعل، وعليه، فإذا كان الأقل لا بشرط فإنّ الأقل والأكثر يكونان قسيمين للمتباينين لا قسمين له.

ولكن رأي السيد الميلاني هو أنّ الزائد على الأقل وإن كان لا يعتبر جزءاً للأقل حتى يكون بشرط شيء وليس مقيدا بعدمه حتى يكون بشرط لا، إلاّ أنّ الأقل في مقام الجعل وتعلق الوجوب به هو بشرط لا بالنسبة للزائد؛ بمعنى أنّ دخالته في متعلق الحكم تمنع من وجود الواجب الأقل المستقل بحيث يكون متعلقا تاما للوجوب الصادر عن المولى ومقوما تاما له (1).

ومن الاُمور التي نودّ ذكرها في حق السيد الميلاني (قدس‏ سره) أنّه كان ممن يرى أهمية علم الاُصول وضرورته، ولطالما كان يردد: « من لا اُصول له لا فقه له »، وكان يقول: ليس ثمّة مسألة اُصولية إلاّ وتتفرع عليها مسألة في الفقه.

وهذا أمر صحيح وتام؛ إذ أنّ من لا يكون مجتهدا في الاُصول فهو مقلّد في الفقه؛ فإنّ علم الأصول هو العلم التصديقي الوحيد لعلم الفقه بالرغم من وجود باقي العلوم الاُخرى أيضا، إلاّ أنّ الاُصول أكثرها تأثيرا وتفاعلاً مع الفقه، فالمجتهد الواقعي هو من يستند إلى القواعد التي ثبتت صحتها لديه في مقام الاستنباط ولا يكون مقلدا في درك تلك القواعد؛ أي أنّه يستعين بالمبادئ التصديقية للفقه والتي هي عبارة عن القواعد الاُصولية في استنباط الأحكام من مصادرها المقررة، وكلما كان متضلعا في هذه المبادئ التصديقية كان حاذقا في الاستنباط، ولذا فإنّ من لا يكون مجتهدا في الاُصول فهو مقلد في الفقه .

تفضلتم أن السيد الميلاني كان يدرس الفقه والاُصول في مشهد، فأي الدرسين كان الحضور فيه أكثر ؟

الجواب: كثرة الحضور ليست معيارا في نجاح الدرس، بل أهمية الدرس تقاس بالحضور الكيفي لا الكمّي، وبما أنّ درس السيد الميلاني في الاُصول كان دقيقا وعميقا فلذا كان الحضور فيه أقل.

وكيف كان السيد الميلاني (قدس‏ سره) في المباحث الرجالية ؟

الجواب: لم يكن سماحته (قدس‏ سره) يتعرض في الدرس للمباحث الرجالية كما كان عليه السيد البروجردي (قدس‏ سره)، وهذا لا يعني عدم تمكنه من ذلك، ولكنه بمعنى قلّة التعرض لذلك، وهذا شأن كل من يأخذ بحجية « الشهرات العملية » كالأقا رضا الهمداني ـ فإنّه تقل حاجته إلى علم الرجال؛ لأنّ غالب المسائل مشهورة .

هل تتذكرون شيئا مما كان يذكره السيد الميلاني بحق اُستاذيه الشيخ الأصفهاني والنائيني ؟

الجواب: لقد كان (قدس‏ سره) ـ كما قلت ـ رجلاً كتوما وقليل الكلام، ولكني أذكر شيئا واحدا من تلك الذكريات: كنت قليل الإشكال في الدرس، وكنت أطرح الإشكالات بعد الدرس أو في الطريق عند الرجوع معه من الدرس، وذات يوم كنت جالسا بخدمته، فبادر قائلاً من دون أية مقدمة: إنّ اُستاذي الميرزا كان يقول: « لا أقول إنّ صلاة الليل من شرائط الاجتهاد ولكنها لا تخلو من دخل في ذلك » .

ما هي الخصائص التي يجب توفرها في مدرّسي الحوزة العلمية والباحثين فيها لكي يكون تدريسهم وبحوثهم وفق المواصفات المطلوبة ؟

الجواب: يجب توفر جملة مواصفات :

أوّلاً ـ الأهلية والجدارة العلمية والبيانية: لابد أن يكون الاُستاذ خبير ومتخصصا فيما يدرّس لكي يتمكن من بيان المطالب العلمية بشكل جيد ، ويجيب على الإشكالات ، ويوضح أبعاد البحث وجوانبه بشكل كامل .

ثانيـا ـ الإحاطة بمختلف العلوم: إنّ من يتخصص في علم واحد لا يستطيع أن يستقي معلوماته من المصادر الأصلية ، ففي علم التفسير مثلاً يلزم توفر عدّة علوم ، فمن يريد الدخول في ساحة التفسير لابدّ أن يجتهد في جملة علوم، فتفسير الميزان يعتبر تفسيرا ناجحا وموفقا؛ لأنّ مؤلفه مفسر ذو فنون عديدة.

لقد كان تفسير « مجمع البيان » هو أفضل تفسير عندن إلى ما قبل تأليف الميزان، ولكنه اُحادي البعد والاتجاه؛ فواضح أنّ اتجاهه أدبي، ولذا جاء قاصرا من الناحية الكلامية مثلاً.

ثالثـا ـ تزكية النفس: إنّ من يريد الانتفاع بعلمه عليه الاشتغال بتزكية النفس، وإلاّ لم ينتفع بعلمه بالشكل المطلوب مهما ألّف وحاضر وخرّج من الطلاب، فثمة فرق بين ما يكتب ويقال قربة للّه‏ ورجاء رضوانه، وبين ما يفعل كذلك لأغراض مادية وشخصية.

إنّ من يكتب للّه‏ يراعي في كتابته جانب التقوى والاحتياط ؛ فلا ينسب لأحد ما يعدّ افتراءً عليه، ولا يكتب ما يجهله، ويعترف بجهله إذا كان جاهلاً . . إلى غير ذلك. وعلى كلّ حال، فإنّ التهذيب أمر لازم للاُستاذ والمؤلف والداعية والمبلِّغ .

نعلم أنّ أكثر نشاطاتكم في مجال التدريس ، فهل لكم نشاط في مجال التأليف أيضا ؟

الجواب: لقد طبعت لي بعض التأليفات، وبعضها لا يزال مخطوطا، ومن المطبوع: كتاب في الكلام بعنوان « توحيد ناب ( = التوحيد الأصيل ) » الذي طبعه مكتب الإعلام الإسلامي .

ما هي الدوافع وراء تأليف هذا الكتاب ؟

الجواب: يعتبر التوحيد هو الأساس والقاعدة لكل اعتقاداتنا، ولكن قد لاحظت بعض الكتب المكتوبة في هذا الموضوع مما يعتبر خلاف الواقع، إضافة لوجود الشبهات المطروحة، فرأيت من اللازم الكتابة في هذا الموضوع لرفع الشبهات.

هل الشبهات التي عالجتها شبهات قديمة أو جديدة؟

الجواب: هناك شبهات قديمة وشبهات جديدة ذكرتها وقمت بمعالجتها، كم تعرضت لفكرة الجبر والتفويض وعالجتها باُسلوب حديث وطريقة جديدة، حيث نهجت فيها منهجا استدلاليا ومنطقيا، وأثبتّ برهانية المضامين الروائية الواردة عن أهل البيت (عليهم ‏السلام) .

هل تمارسون الآن إنجاز تحقيق علمي ؟

الجواب: من الاُمور التي آمل أن اُحقّقها تدوين وبحث المبادئ التصديقية العقلية لعلم الاُصول، وقد كتبت إلى الآن ثماني عشرة قاعدة من تلك المبادئ، وقد نشرت بعضها في الدوريات وبشكل مستقل، وهي جزء من كم كبير من تلك القواعد، وآمل أن أجمعها في كتاب واحد.

فمن تلك القواعد مثلاً ـ مسألة أن عدم الضدّ مقدمة لوجود الضدّ الآخر أو بالعكس، فثمّة تلازم بين عدم الضد وبين وجود الضد الآخر، فهذا بحث عقلي مطروح في الاُصول، ولكن يجب أن يسبق هذا البحث الكلام في أنّ العدم هل يمكن أن يكون منشأ للتأثير أم لا ؟ لا شك أنّ العدم سواء كان مطلقا أو مضافا هو عدم لا واقعية له في الخارج ، فكيف يمكن أن يكون له دخل في وجود شيء ما ؟ !

هل تطرحون تعريفا جديدا لعلم الاُصول؟

الجواب: أجل، ثمّة تعريف لعلم الاُصول أقترحه، وقد أشار إليه المحقق الأصفهاني، ولكنه قد يختلف معه ويغايره، وهذا التعريف عبارة عن: القواعد الدخيلة في إيجاد القدرة العلمية لدى الإنسان على إقامة الحجة تنجيزا أو تعذيرا على المسائل والفروع الفقهية استنادا لهذه القواعد الاُصولية، شريطة ألاّ تكون هذه القواعد ـ الاُصولية ـ مبحوثة في علم آخر ، فمثلاً مسألة المشتق مسألة اُصولية ؛ لأنّها وإن كانت مبحوثة في علم الصرف ولكنها لم تبحث فيه من الزاوية التي بحثت منها اُصوليا ، وهي كون المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ أو الأعم ممن تلبس وانقضى عنه .

فإذاً ، علم الاُصول هو مجموع القواعد التي تخلق القدرة لدى الإنسان على استنباط الحكم الشرعي من مصادره بإقامة الحجة عليه تنجيزا أو تعذيرا ولم تكن قد بحثت في علم آخر غير الاُصول . وهذا التعريف المقترح لم أجد من تعرّض له .

ألا يُخرج هذا التعريف شيئا من مباحث علم الاُصول ؟

الجواب: إنّ هذا التعريف لا يخرج شيئا من بحوث علم الاُصول؛ فإنّه ينضوي تحته حتى مثل الظهورات التي تشكل صغرى الحجّية والظهور الأفرادي والمجموعي، وحتى التبادر؛ وذلك لأنّا إذا اعتبرنا التبادر علامة الوضع فإنّه يساعد حينئذٍ في خلق الظهور الأفرادي.

لقد بُحث « العام والخاص » في المنطق، فكيف يتم إدخاله في علم الاُصول طبق هذا التعريف ؟

الجواب: إنّ هذا البحث يطرح في الاُصول من زاوية اُخرى، ففي المنطق يقع البحث عن رفع الإيجاب الكلي والسلب الكلي، كما أنّ البحث فيه معنوي لا لفظي، بينما في الاُصول البحث لفظي، فهو نظير بحث المشتق الذي يبحث في علم الصرف، إلاّ أنّه اُصوليا يبحث من زاوية اُخرى، ونظير مادتي الأمر والنهي اللتين تبحثان بحثا لغويا في الاُصول من حيث دلالتهما على الوجوب والاستعلاء أو التحريم.

هل تعتبرون جميع البحوث الموجودة في علم الاُصول ـ ابتداءً بمباحث الألفاظ إلى الاُصول العملية ـ من البحوث الاُصولية أو هي من البحوث الضرورية البديهية ؟

الجواب: إنّ جميع المسائل الاُصولية هي مسائل نظرية وليست بديهية ؛ لأنّ جميع مسائل العلوم هي مسائل ليست بديهية ، ولذا فإنّ المسائل الاُصولية تتفاوت في أصل مدخليتها في المسائل الفقهية وفي مقدار ذلك بحسب تفاوت الأنظار في ذلك، فمسألة الحقيقة الشرعية مسألة نظرية ولكنها قد يختلف بشأنها في دخالتها في المسألة الفقهية، وعليه، فإنّ جميع المسائل الاُصولية هي مسائل نظرية تحتاج إلى الدليل نفيا أو إثباتا، فهي ليست بديهية.

نعم، تطبيقاتها وتأثيراتها في الفقه متفاوتة وليست على حدٍّ واحد، فمسألة المشتق لا تؤثر إلاّ في مسألة أو مسألتين، ولكن مسائل من قبيل المطلق والمقيد والعام والخاص والمفاهيم والنهي في المعاملات والعبادات لها تطبيقات في دائرة أكبر في الفقه، كما أنها متفاوتة فيما بينها في مدى مدخليتها في الفقه ، إلاّ أنها تتساوى في أصل المدخلية.

نستنتج من كلامكم أنكم لا توافقون على الفكرة التي تدعو إلى تشذيب علم الاُصول بحذف بعض مباحثه الزائدة التي لا يترتب عليها أثر فقهي ول هي من علم الاُصول ؟

الجواب: ذكرتم في إطار فكرة تشذيب علم الاُصول مسألة حذف بعض المسائل الاُصولية أو إخراج ما ليس منه، ولكن لم تشيروا إلى المسألة التي تكون من أحد هذين القبيلين .

أمّا القسم الأوّل: فقد تقدم الجواب عنه، وهو أنّ مسائل علم الاُصول اُمور نظرية ، فعدم ترتب الأثر الفقهي على مسألة اُصولية ما مسألة نظرية تحتاج إلى الاستدلال والبرهان، وعليه، فما لم يثبت أوّلاً عدم جدوى مسألة ما في الفقه فإنّه لا يجوز مصادرتها بشكل مبدئي، واحتمال فائدتها مبرر لبحثها حينئذٍ، بل حتى لو كان عدم جدواها وفائدتها في الفقه أمراً مجمعاً عليه فإنّه يجب البحث في مدى فائدتها ، وإلاّ كان الحكم بإخراجه تقليدا محضا لا مبرر له.

وأمّا القسم الثاني من الجواب: فإنّ جميع مسائل علم الاُصول ـ ما عد مسألة حتمية أن يكون لكل علم موضوع الذي يقع مقدمة للبحث في علم الاُصول، وكذا مسألة انسداد باب العلم والعلمي لإثبات حجّية الظن المطلق إذ سبقها البحث عن الظنون الخاصة ـ غير خارجة عن علم الاُصول، وكل من يدعي خروج مسألة منه فإنّه لا يمكن لغيره الإذعان بذلك ما لم يقم دليل لديه؛ لكون المسألة نظرية تحتاج إلى الدليل نفيا وإثباتا .

إنّ كثيرا ممّن يطلق الدعوة إلى تهذيب وتشذيب علم الاُصول ـ بمعنى حذف بعض المسائل إمّا لدعوى عدم ارتباطها بعلم الاُصول أو لدعوى عدم جدواها وفائدتها ـ لا ينطلق من استدلال علمي على ذلك بل ينطلق من حالة التبعية والتقليد للغير، مع أنّ المسألة نظرية تحتاج إلى الدليل كم قلنا .

برأيكم ما هي البحوث التي يلزم دراستها بشكل معمق من قبل الباحثين في الدراسات الدينية ؟

الجواب: لقد ذكرت أنّ مسائل كل علم من العلوم هي نظرية لا بديهية للباحثين فيها وإلاّ كان البحث فيها لغوا لا طائل تحته، وعلم الفقه هو من العلوم النظرية التي تحتاج مسائلها نفيا وإثباتا إلى الدليل، والدليل على كل مسألة إمّا بديهي أو نظري ، وإذا كان نظرياً فلابدّ من الاستدلال عليها في مرحلة سابقة وإثباتها، وعلم الفقه له مبادئه التصديقية التي يجب أن تبحث في محلها، ويأتي على رأسها مسائل علم الاُصول التي يجب بحثها بشكل معمق ودقيق بنحو يمكن الاستدلال بها على نفي أو إثبات المسألة الفقهية من مصادرها المقررة، وكلما كان الاستدلال والبحث في الاُصول أعمق كانت القدرة على الاستنباط أوفر وأفضل وأكثر إحرازا للحكم الواقعي أو الظاهري .

وأمّا المسائل الفقهية، فإنّه يجب على من يريد بحثها والخوض فيها مضافا إلى اتصافه بأن يكون من أهل الاستدلال ـ بذل قصارى جهده في طلب الدليل على المسألة بحيث يخرج من حدّ التقصير، ومن الواضح أنّه كلما بذل جهداً أكثر كان أكثر اطمئنانا بإحراز الحكم والوظيفة، ولا أقل من أن يكون معذورا، هذا من جهة.

ومن جهة اُخرى، فإنّ من الجدير بل الواجب على كل من يتمكن من البحث أن يتصدّى للمسائل الابتلائية التي تعرض للمجتمع سيما المسائل المستحدثة مع رعاية الأهم فالأهم؛ لأنّ إدراك الجميع مشكل إن لم يكن ممتنعا عادةً. وكما قلنا فإنّ البحث كلما اتصف بالعمق والدقة كان أقرب إلى إحراز الوظيفة سيما إذا اقترن بتبادل الرأي والبحث مع أهل الاختصاص .

ثمّة شبهات تثار بوجه فكرة ولاية الفقيه حتى أنّ المسألة بحثت على صعيد مجلس خبراء القانون الأساسي، وقد توصلوا لإثبات ولاية الفقيه بعد بحث ونقاش، كما طرحت المسألة أيضا في تتميم القانون الأساسي لإثبات « الولاية المطلقة للفقيه »، وقد اُثيرت أسئلة كثيرة وقدّم الباحثون الأجوبة على ذلك بعد بحث المسألة بشكل دقيق. السؤال هنا : ما هو رأيكم بهذ الخصوص ؟ وما هو الاستدلال الذي ترونه أنتم في المسألة ؟

الجواب: تعتبر مسألة ولاية الفقيه مسألة نظرية ، إلاّ أنّ أصل هذه الفكرة أمر متفق عليه بين الجميع، ولكن الخلاف في سعتها وضيقها؛ أي في تحديد دائرتها وحدودها، والقدر المتيقن من هذه الولاية هو الاُمور الحسبية التي لا يتصدى لها ـ عادةً ـ شخص بعينه ، فيكون التصدي فيها للفقيه. نعم ، الخلاف في تحديد المصاديق الحسبية هل أنها منحصرة باُمور الأيتام والقصّر وأموال الغيّب أو أنها تتسع لتشمل إدارة الحكم والبلاد من جهة المصالح العامّة، كحفظ الأمن، والحفاظ على النفوس والأموال، وحفظ استقلال البلاد، ومنع نفوذ الأجانب في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وصيانة بيت المال، وإجراء الحدود الإلهية، كل ذلك يدخل في الاُمور الحسبية .

كم يستعان لإثبات ذلك أيضا من الوجوه العقلية التي يستدل بها لإثبات ولاية الأئمة (عليهم ‏السلام)، وكذا التعليلات الواردة في النصوص لإثبات إمامتهم (عليهم ‏السلام)، بل يمكن أن يعضد ذلك ببعض الآيات والروايات الواردة في باب الولاية مقرونة ببعض القرائن العقلية والنقلية، والأئمة (عليهم ‏السلام) هم الأفراد والمصاديق الأفضل للآية بحيث مع وجودهم لا تصل النوبة لغيرهم من المصاديق؛ لأنّ ما يترتب على منصب الإمامة من الأغراض لا ينحصر بوقت حضورهم حتى يلزم تعطيل تلك الأغراض في زمن غيبتهم وتصدّي غير الفقيه العادل الجامع للشرائط ممن هو ليس أهلاً للتصدي وربما كان من أعداء الدين والمستعمرين.

هل تذهبون إلى لزوم مبايعة الشعب للفقيه ؟ وهل يلزم على الفقيه التصدي لأمر الزعامة ؟

الجواب: أجل ، يجب عليهم قطعا؛ لأنّ بيعة الناس شرط لتصدّيه، قال أمير المؤمنين (عليه ‏السلام) : « لولا حضور الحاضر » ، فالبيعة شرط لفعلية الولاية، والإمام (عليه ‏السلام) وإن كان وليّا في واقع الأمر ولكن لولا بيعة الاُمّة له لم تصدّى لذلك، فلابدّ من بيعة الاُمّة ومساندتها حتى يقام القسط؛ {ليقوم الناس بالقسط} (2)، ومن إقامة القسط أن يبايعوا الفقيه ليتأتى شرط القيام .

والمتحصل : أنّ الولاية على الغير ـ في غير ولايته تعالى ـ أمر اعتباري مجعول بالعرض لا بالذات؛ ولذا فإنّ من له الولاية بالذات له أن يجعل الولاية لغيره جعلاً مباشرا أو بالواسطة ليترتب على هذا الجعل الأحكام التكليفية أو الوضعية، فالولاية هي كسائر العناوين الاعتبارية الاُخرى ـ كالملكية والزوجية ـ التي تقع موضوعا لجملة من الأحكام التكليفية والوضعية ،

وجعل هذه الولاية تارة يكون لأفراد معيّنين كولاية الأئمة (عليهم ‏السلام)، وتارة يكون لعنوان كلي منوط بشروط خاصة ، فكل من يقع مصداقا لذلك العنوان الكلي وتتوفر فيه الشروط اللازمة ، من باب اتحاد العنوان الكلي مع الفرد الخارجي ، فإنّه تثبت له الولاية في زمان الغيبة ،

وعليه، فإنّ الجاعل هو اللّه‏ تعالى لا الناس ، فانتخاب الناس ليس هو جعلاً للولاية ؛ إذ ليس لهم جعلها ولا هي بيدهم، وليس هو شرطاً في جعلها، فالولاية ثابتة لمن تجعل وتثبت له إمّا بنحو التعيين للمصداق أو تعيين الكلي المتحد مع أفراده في الخارج، سواء عرفه الناس أو جهلوه، وسواء انتخبوه أو لم ينتخبوه .

نعم، البيعة والانتخاب كلاهما شرط في تحقق القدرة لدى الولي على أداء وظائفه وواجباته؛ لأنّ كل تكليف منوط عقلاً بالقدرة، والبيعة تعني إعلان الاُمّة وفاءها للولي ومظاهرته على أداء واجباته وتصديه وقيامه بالأمر، فتكون البيعة واجبا كفائيا على الاُمّة؛ ليتسنّى من خلال البيعة إقامة العدل والقسط الذي يمثل هدف الأنبياء والرسل في بعثتهم، {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (3)، والبيعة لولي الأمر هي من أبرز مصاديق إقامة القسط بنحو الوجوب الكفائي، ولا معنى للبيعة في الفكر الإمامي غير م ذكرناه، ولا اعتبار له ولا دليل عليه. نعم، أهل السنّة والجماعة يعتبرون تعيين الولي ومبايعته واجبا على الاُمّة بنحو يكون رأيهم ورأي أهل الحلّ والعقد دخيلين في أصل انعقاد الولاية له لا في فعليّتها . ومناقشة هذا الرأي متروك إلى مجاله الخاص .

نظرا لأهمية هذا البحث نرجو مزيدا من الإيضاح .

الجواب: إنّه وفقا لنظرية الإمامية ، في الإمامة فإنّ الإمامة تكون لأئمة أهل البيت (عليهم ‏السلام) في زمان حضورهم لقيادة المجتمع وإصلاح أمره من الناحية المعنوية والمادية والسياسية والاقتصادية والثقافية ، وأمّا في زمان غيبتهم فيوكل الأمر لمن تتوفر فيه المواصفات المؤثرة في إصلاح المجتمع وإدارته، ولكن لمّا كان أمر إدارة المجتمع أمراً جماعياً بحاجة إلى مساعدة الآخرين ومشاركتهم،

فإنّه من الضروري أن يعين الولي أهل الكفاءة العلمية والأخلاقية والعملية كما كان يفعل أمير المؤمنين (عليه ‏السلام) حيث كان له صلاحية العزل والنصب المطلق ، وهكذا الفقيه بيده العزل والنصب ، وكل من يتصدى لأمر من دون نصبه ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ فلا مشروعية لتصرفاته ولا يترتب عليها أيّ أثر شرعي . وبالطبع ، فإنّ النصب والعزل لابدّ أن يكون بمعيار العدالة ومطابقين لمصالح المجتمع ، وإلاّ لزم نقض الغرض المطلوب .

ومن مواصفات المتصدّي التي يلزم توفرها فيه ولها مدخلية في إصلاح الاُمور : أن يكون مقتدرا وحازما ؛ فربّما لا تجدي الموعظة والنصيحة مع البعض في إصلاح المجتمع ، فلابدّ من الحزم والقوة ؛ فإنّ الموارد تختلف شدةً ولينا ، وهكذا كانت سيرة الرسول الأعظم (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وأمير المؤمنين (عليه ‏السلام) في أمر الحكومة . إذاً ، لابد من توفر الصفات التي تؤدي إلى تحقق الإصلاح في اتجاهاته الثلاثة : السياسية والثقافية والاقتصادية .

يحاول البعض أن يثير فكرة تعدد القراءات بوجه ولاية الفقيه، فما هو رأيكم بهذا الخصوص ؟

الجواب: إنّ إثارة هذه الفكرة دعوة جاهلة ومغرضة وليس المقصود منه البحث العلمي ؛ إذ ليس وراء هذا العنوان « تعدد القراءات » سوى المغالطة والتعتيم على الحقيقة ؛ وذلك لأنّ تعدد القراءات إنّما يصح فيما لو كانت المسألة نظرية وتبحث من قبل المعنيين وأهل الفن والاختصاص لا أدعياء العلم وأنصاف العلماء ؛ بديهة أنّ كل علم له متخصصون وخبراء لا يجوز لغيرهم البحث في مسائله وتعاطي أفكاره، وكأنّ هذه القاعدة تصح في كل علم إلاّ الدين فإنّه شرعة لكل وارد !

وعلى كلّ حال، فإنّ الغرض تصدّي الفقيه لإصلاح المجتمع، ولا يتم ذلك إلاّ بتصدّي الخبراء العدول الذين يستعين بهم الفقيه في إدارة الاُمور، وإن لم يكونوا بهذه الصفة لزم أن يكونوا عارفين بوظائفهم ويشرف عليهم من ذوي العدالة من يراقبهم، فإذا لم يكن المشرف عليهم بهذه الصفة لزم التسلسل؛ ممّا يؤدي إلى فشل الهدف وعقم النتيجة أو قلّة أثرها وفائدتها، فلابدّ حينئذٍ من تدخل الاُمّة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة القسط، والرقابة على المسؤولين، والنصيحة لأئمة المسلمين بقصد الإصلاح، وإقامة العدل، والحدّ من هدر بيت المال، والتقليص من مظاهر التمييز بين الطبقات والأفراد.

في الختام ، إذا كانت لديكم بعض التوجيهات أو الاقتراحات التي تودون إبداءها ، فتفضلوا ببيانها .

الجواب: في الحقيقة لابدّ من إيجاد حركة في الحوزة العلمية في البعد العلمي والعقائدي والأخلاقي في الفقه وفي الاُصول وفي الجوانب العملية والسلوكية ، ولابد من إيجاد نهضة أوّلاً في أمر الدراسة ؛ وذلك بأن تتفرغ جماعة للدراسة وتهيّئ لهم الاُمور بشكل جيّد .

الأمر الآخر هو لزوم تهذيب النفس والأخلاق لطالب العلم، وعملية التهذيب عبارة عن كسب كرائم الأخلاق وفضائلها أو تقويتها، واجتناب الرذائل التي من الممكن أن تكون دخيلة في كل عمل من أعمالنا الفردية أو الاجتماعية، الكبيرة منها أو الصغيرة، وفي المجالات كافة: السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية؛

فإنّ النفس هي ظرف العلم والفضائل، والبدن والجوارح آلة ووسيلة، وهذه الفضائل والرذائل هي التي تصقل شخصية الإنسان، وتكوّن معدنه، وتحدد مسار سعادته أو شقاوته في الدنيا والآخرة، وعليه، فإنّ شقاء الإنسان وسعادته يتحدّدان على ضوء شخصية الإنسان التي هي عبارة عن مجمع الفضائل أو الرذائل، وسوف يكون ما يصدر منه من أعمال وسلوكيات متجانساً مع تلك الفضائل والرذائل ومطابقا لها بحيث تكون تلك الفضائل أو الرذائل ملكات ثابتة ودائمة في جميع الأوقات والحالات، ولذا فإنّ تهذيب النفس له دخل كبير في طلب العلم وفي الدعوة والتبليغ وفي الإفتاء والاستنباط .

إنّ هدف الطالب المهذب هو فهم الدين من مصادره ، وغايته من وراء هذ الهدف هو تكامل ذاته الحاصل من تبعيته للعقائد والأخلاق والتشريع، ومن تكميل غيره بعد تكامل ذاته،

ولذا فإنّ على طالب العلم أن يعدَّ نفسه ويشتغل بإزالة الموانع وتهيئة الأرضية، وهذا ما يحتاج إلى عزيمة وهمّة واستقامة وثبات، وانصراف عن الإفراط في اللذائذ الآنيّة، ورعاية الأهم فالمهم، والحرص على عدم تفويت الفرص المؤثرة في بناء الذات، ورعاية التقوى في إتيان الواجبات وترك المحرمات، وأن ينشط لأداء بعض النوافل والمستحبات المهمة ـ كنافلة الليل ـ إذا لم يضر ذلك بتحصيله للعلم؛ فإنّ ذلك يوجب التسديد والتوفيق، وهي وصية النبي (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لأمير المؤمنين (عليه ‏السلام)،

وفوق كل ذلك ذكر اللّه‏ إذا خُيّر بين أمرين أحدهما للّه‏ والآخر لإرضاء هواه فيحفظ كرامة نفسه وشرفها، ولا يدنسها ويشينها بسيّئ الأعمال وحقير الفعال، ولا يبيعها بثمن بخس؛ فإنّ من يحقق ذلك يظفر بنعمة كبرى تضمن له الآخرة والاُولى وينال شرف الدارين .

كما يلزم أن يكون قصده من تحصيل العلوم هو فهمها وليس مجرّد الدراسة، والتصديق بها لا حفظ ألفاظها ومفاهيمها بدون تصديق بها كما هو الغالب، ولذا نجد ارتقاء المراتب العالية قليلاً جدا.

إنّ المحصّل والدارس الحوزوي لا يبحث عن الشهادات، بل يبحث عن طلب العلم إلى أن يصل إلى رتبة فهم المطالب من مصادرها من الكتاب وسنّة الرسول (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) والأئمة الطاهرين (عليهم ‏السلام) والعقل ، فإذا بلغ ذلك وحصّله صار عنصرا نافعا لمجتمعه في أي موقع من مواقع الإفتاء أو الدعوة والتبليغ أو التأليف،

وإذا بلغ رتبة الإفتاء أدّى ما يراه وظيفته وواجبا عليه بعيدا عن الأغراض الدنيوية، ولا يطرح نفسه ولا يتصدّى لأمر إلاّ إذا رأى أنّ الوظيفة تلزمه به، فلو رأى قيام من به الكفاية بالأمر فلا داعي للتصدّي لتبقى نعمة المرجعية في المذهب الإمامي التي تستمد قوتها من هيمنتها على القلوب متمركزة بثقلها في جهة واحدة تحمي الكيان من الهجمات والاعتداء كما كانت عليه سيرة السلف الصالح، وألاّ يسمح بتصدّع صفوف المؤمنين وتشتتها، وألاّ يضيع ولا يفتت هذه القدرة المعنوية الآخذة بمجامع قلوب الناس والمؤمنين وهي قدرة المرجعية والزعامة الدينية، الأمر الذي يثلج قلوب الأعداء الذين نالوا ما نالوا لحدّ الآن من هذه الزعامة، والتأريخ خير شاهد على ما نقول.

ولطالما كان السيد البروجردي (قدس‏ سره) ينصح تلامذته، وكان يؤكد على أن ينصح الاُستاذ طلبته فيما يخص الدراسة وتزكية النفس في ابتداء درسه أو آخره؛ وذلك ليخرجهم من حال الغفلة. وأنا أذكر لكم بعض تلك النصائح:

ـ في أحد الأيّام جاء (قدس‏ سره) إلى مجلس الدرس وارتقى المنبر، ونظر إلى الجمع الغفير من الحاضرين فقال : « لقد شاهدنا في مدة عمرنا كثيرا من أمثال هذ الحضور في أمثال درس الآخوند الخراساني، حيث كان يحضر درسه م يفوق الألف طالب، ولكن الذين كانوا يفهمون مراده لا يتجاوزون المئة وخمسين شخصا ، والذين يناقشون ويُشكلون بشكل صحيح لا يتجاوزون الثلاثين، مع أنّ المشهور والمعروف في الأوساط العلمية أنّ المجتهدين من حضّار درسه كانوا أربعمئة مجتهد » .

ـ ومن تأكيداته ونصائحه أيضا قوله (قدس‏ سره) : « إنني منذ شروعي في الدراسة وإلى الآن لم أتوانَ في أمر تحصيل العلم ، وقد وصلت إلى ما وصلت إليه، فكيف بكم أنتم الذين تدرسون ولكن من غير تفرّغ وانكباب في الدراسة وطلب العلم، فإلى أين تريدون الوصول ؟ ! » . وهكذا هو أمر الحوزة اليوم ، الكثير يدرس ولكن من غير تفرّغ وانشغال تامّين في الدرس .

ـ ومما كان يذكره أيضا قوله (قدس‏ سره) : « إنّ حقيقة الإسلام هي التي حفظت الإسلام وتحفظه ، وأمّا نحن فلم نقدّم للإسلام شيئا » .

إنّ من العجب أن يسارع أحدنا فيما لو مرض هو أو أحد أبنائه إلى علاجه ، ولكننا نغفل عن علاج أنفسنا ، فكلنا مرضى ، وقلّما يتفق لغير المعصوم ألاّ يكون مبتلى بأحد الأمراض الروحية ، وكل من يتنكر لذلك فإنّه لم يعرف نفسه ، وهو مغرور وجاهل جهلاً مركبا . لا أقول كم هو عدد الكمّل وأهل التهذيب والتزكية !

ولكني أقول: كم هو عدد من يفكر بتزكية نفسه وعلاج روحه ! فإنّ المنشأ في تمام مصائب الدنيا ـ ولا أقول مجتمعنا ـ هو هذه الأمراض الروحية . . طلب القدرة . . طلب السيادة . . طلب الجاه . . طلب الثروة والاستئثار بها. وللّه‏ درّ ذلك العبد الصالح الذي كان يتلو {وابتغِ فيما آتاك اللّه‏ الدار الآخرة . . .} ؛ أي اِبتغِ فيما آتاك اللّه‏ من العلم والمال والعزّة والمقام وغير ذلك، اِبتغِ بذلك الدار الآخرة واجعلها وسيلة لها لا غير.

وكما قلت فإنّ تزكية النفس دخيلة في كل شيء؛ في طلب العلم وفي التبليغ والدعوة وفي الإفتاء، وهكذا في القضاء لابدّ أن يكون القاضي عزيز النفس، ويعرف ماذا يريد أن يقول، وكيف يريد أن يقضي، لا يرتشي وليُخدع .

إنّ إصلاح أمر القضاء لا يكون أصلاً وأبدا إلاّ بتزكية النفس لا غير، الخوف من اللّه‏ هو الذي يردع القاضي من أن يفكر ويخطط في الليل كيف يرتشي غدا ويبطل حقا ويضيّعه، فالوازع الداخلي خير ضمانة في السرّ والعلانية لإجراء التكاليف الإلهية، وهذا الوازع ينشأ من الاعتقاد الحقيقي بالمبد الأعلى ومن تصفية النفس وتهذيبها من الرذائل التي هي المنشأ في كثير من المعاصي.

إذاً، لابدّ من نهضة وحركة وسعي في الحوزة العلمية في المجال العلمي والاعتقادي والأخلاقي، وإلاّ ستفشل كثير من الأعمال. إنّ طالب العلم إذا كان مهذّبا فإنّه سوف يجدُّ في دراسته ولا يهدر وقته، ويكون قانعا لا يطلب المال لأجل المال، فالمال عنده ليس هو الهدف النهائي ، هدف الطالب المهذب هو هداية الناس وتعليمهم، والعلم والمال كلاهما وسيلة للهداية، ولكنه لابدّ أن يكسب المال حتى يحفظ حياته ويؤدي دوره في التبليغ، فما يكسبه أو يحصّله من مال إنّما هو وسيلة لا غاية.

إنّ أمر التزكية دخيل في كل مجال وصعيد ؛ في التبليغ وفي الإفتاء وفي غير ذلك . إنّ من يبلغ درجة الاجتهاد لا ينبغي له أن يعجل في التصدّي ، بل لابدّ أن يلحظ حاجة الناس ؛ لأنّ في التصدي ارتكاب الخطأ الذي هو في غنىً عنه ، فليس المنصب إلاّ أن تأخذ من هذا وتعطي لهذا ، وفي كل ذلك حساب وسؤال ، فما بال اللبيب أن يلقي بنفسه في مثل هذه المخمصة ؟ !

في الختام نشكر لكم مشاركتكم في هذا الحوار .

شكراً جزيلاً .

(1)ذكر سماحته بيانا مفصلاً لتوضيح رأي السيد الميلاني (قدس‏ سره) في هذا المقام تحاشينا ذكره للاختصار، فمن شاء التفصيل فليراجع النص المنشور في مجلة « پژوهش وحوزه (= التحقيق والحوزة) » ، العدد الثامن ، السنة الثانية .

(2) الحديد :25.

(3) الحديد :25.

 

المصدر: مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام العدد 36 السنة التاسعة 1425هـ حــوار مـع آية اللّه‏ السيد حسين شمس

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *