الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / تاريخ المواكب الحسينية… الشيخ عبد الحافظ البغدادي
تاريخ مواكب الحسينية

تاريخ المواكب الحسينية… الشيخ عبد الحافظ البغدادي

المصادر التي وثقت المواكب الحسينية جاءت كلها في التاريخ الحديث , بعضها حددها المعنيون من رواية, مثلا:عزاء طويريج لم يوثق أهل المدينة تاريخ موكبهم بصورة محددة, ولكن رواية تقول إن السيد مهدي بحر العلوم{قدسره} شارك فيه,هذا يعني إن الموكب تأسس قبل فترة مرجعية السيد التي كانت قبل 250 سنة تقريبا .. ولكن لا يوجد تاريخ صحيح للتأسيس.

الاجتهاد: حين نكتب عن تاريخ المواكب الحسينية لا يمكن أن نعزل المناسبات والشعائر الحسينية عن تاريخ العراق السياسي , وتاريخ العراق رسم بطريقين هما الطريق السياسي والطريق الشعبي الديني , فبقدر ما لعب السياسيون دورا في رسم صورة العراق وشكل نظامه وتوجهاته , رسمت الشعائر الحسينية آثاراً واضحةً على مجمل السياسات وعلى خارطة العراق الاجتماعية والسياسية والدينية , وكل السياسيين العراقيين بدون استثناء ينظرون للتراث الحسيني الشعائر والمواكب نظرة لا تخلو من نظرة عدائية طائفية أحياناً,أو ولائية رجاء الضم التعبوي أو الكسب لصالح غايات حزبية…

هذا جعل تاريخ المواكب الحسينية في رحم الأحداث, ومنذ انطلاقها لحد اليوم تعبر عن الطريقين تماما ,تعلن وقوفها أو رفضها لحالة سياسية ظالمة ,ومرة عقائدية دينية وشعبية على مستوى العراق والوطن العربي والعالم… هذا هو الفضاء العام , هذه ثقافة المواكب الحسينية في العراق وتاريخها السياسي ضد كل الحكام الظلمة والطغاة في الداخل وعلى المستوى الإقليمي والعالمي , تاريخ الشعارات والردات تبين وقوفها بقوة مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة في دفاعه عن أرضه , وقد هدرت أصوات المعزين بالتضامن مع الشعب العربي أيام الاعتداء الثلاثي على مصر الحبيبة, وتأييد الثورة الجزائرية , والتنديد بالممارسات الطائفية لآل سعود لشيعة الحجاز وخنق الحريات ,واستنكرت المواقف المتخاذلة للأنظمة العربية من قضية فلسطين … الخ , وفي هذه الفترة وقفت المواكب الحسينية بقوة تعلن ولائها لثورات الربيع العربي وخاصة ثورة البحرين …

هذه المواقف لم تمر بسلام ,لأنها مواقف حسينية مبدئية غير متزحزحة , كلفت أصحاب المواكب والمشاركين والمساهمين ضريبة باهظة من الدماء والأرواح , قدمها العراقيون وغيرهم قربانا على مذبح الحرية منذ اندلاع ثورات ” يا لثارات الحسين”, ابتدأت أولا بضريبة قطع الأيدي زمن المعتصم إلى قطع الآذان واللسان زمن البكر وصدام , يضاف لها سيل الاتهامات الظالمة وإشاعات كاذبة تقول إن الشعائر الحسينية { من أصل فارسي} متناسين حقيقة تاريخية قول الإمامين الصادقين الباقرين{ع}” احيوا أمرنا رحم الله من أحيى أمرنا” كأن الفرس ليسو مسلمين شيعة لهم كل الحق في ممارسة شعائرهم الحسينية ..

تضاف قضية أخرى مهمة جدا , هي إن الشيعة لم يكتبوا تاريخهم الفقهي والروائي والحديثي إلا بعد 250 سنة مما كتبه الأمويون بسبب حالة لست بصدد تناولها, فقد وثق الأمويون تاريخ الإسلام ما بين عام 70-75هـ , بينما أول من كتب من الشيعة الكليني المتوفى عام 328هـ , وبعدها كتب الصدوق بعد60 سنة , ثم جاء الشيخ الطوسي رحمه الله, ….. وجملة الحوادث السياسية في تاريخ العراق تبين إن الشيعة بعد ملحمة الطف ومن قبلها , ووصول طغاة الأرض للحكم أمثال معاوية وزياد ابن أبيه وابن عقبة , ثم الحجاج وعبد الله القسري وأمثالهم , وصلت الحال يرضى الإنسان أن تقول له ” يا زنديق يا كافر” أهون من أن تقول له ” يا شيعي “

في هذه الأجواء كيف يكتب مؤرخ تاريخ العزاء والمجالس الحسينية وكيف يذكر اسم المنطقة والمعزين, فيصح أن نعتبر فترة الشعراء الحسينيين فترة نواة انعقاد المجالس دون شعائر المواكب واللطم , فجاءت الروايات مرسلة والأحاديث تحث الشيعة على التمسك بالموروث الحسيني رغم القتل والذبح والنفي..

والمصادر التي وثقت المواكب الحسينية جاءت كلها في التاريخ الحديث , بعضها حددها المعنيون من رواية, مثلا:عزاء طويريج لم يوثق أهل المدينة تاريخ موكبهم بصورة محددة, ولكن رواية تقول إن السيد مهدي بحر العلوم{قدسره} شارك فيه,هذا يعني إن الموكب تأسس قبل فترة مرجعية السيد التي كانت قبل 250 سنة تقريبا .. ولكن لا يوجد تاريخ صحيح للتأسيس.

ثم لعبت الحوادث السياسية بعد تأسيس الدولة العراقية دورا سلبيا ضد المواكب حين سيطر المذهب الواحد على مقدرات الحكم في العراق ولم يضع زعماء الشيعة برنامجا مقابل تمذهب الدولة التي حاربت الشعائر الحسينية , بالسر غالبا , وفي العلن أحيانا,وهذا أجج الموقف بين زعماء المواكب والجمهور الحسيني والدولة, وظهرت الردات تبين سوء العلاقة بين الشعب والحكومة القومجية , كان ولا زال الشيعة يمدون يد التقارب والوحدة الوطنية والدينية رغم شعورهم بغصة التفرقة الطائفية التي يمارسها ساسة العراق وقد حدث تلاحم شيعي سني عام 1920 م وأعطى ثماره في شهر رمضان في جلسات مشتركة تميزت بما اسماه ( علي الوردي في لمحاته ج5ص173) اسماه ” المولد – التعزية” لما أقيمت الجلسات الدينية في مساجد الشيعة والسنة , وأثمر ذلك دعما لحركة الثورة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي في الحجاز , فكتبوا أليه مطالبين تأسيس حكومة عربية دستورية في العراق , وقعها عدد كبير من علماء الدين وشيوخ العشائر , وحملها الشيخ محمد رضا الشبيبي إلى الحجاز ليسلمها أليه…

وفي أيار من عام 1920وقع الاختيار على عدد من الوجهاء لتشكيل هيئة عليا لتمثيل العراق في التفاوض مع المحتلين , وأرسل السيد محمد تقي الشيرازي رسائل إلى الشريف حسين والى الرئيس الأمريكي ولسن يعرب فيها عن مطالب العراق باعتبار الموصل جزء من العراق , وان يكون احد أنجال الشريف حسين ملكا على العراق , وتأسست الدولة بعد التضحيات الكبرى في ثورة العشرين ,

ولكن الروح الطائفية أبعدت الطيف الشيعي اقصاءً واحتقارا وظلما, في مأساة كلفت العراق دماء وأموالاً وتضحيات , ذكرها العلوي في كتاب { الشيعة والدولة القومية }بشكل مقرف للإنسانية فكانت خيبة الأمل من سياسات الحكومات العراقية قاطبة , وموقفها من الشعائر الحسينية وتضحيات رجال الشيعة في العراق …

ولم تسلم الحوزة الدينية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة من ممارسات الأنظمة الدكتاتورية ,ونالت حصتها من الظلم والتهميش بسبب علاقات السلطة العراقية سلبا وإيجابا بحكومة إيران او بسبب موقف الفقهاء وزعماء الحوزة , وآخرها ما لاقاه شيعة العراق بسبب الحرب التي قادها صدام المقبور ضد التجربة الثورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني{قدسره} وبعد احتلال الكويت وخروج صدام هاربا منها , وضرب المقدسات الشيعية بالصواريخ والمدافع بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991وغلق وتهديم أكثر من 1500 حسينية وجامع للشيعة في العراق , وهدم ومصادرة 90% ,من المدارس والمواكب التي بناها الشيعة في مدينتي كربلاء والنجف .

بعد حرب الخليج الأولى والثانية , ولم يسمح للشيعة ببناء مسجد أو حسينية في العراق لمدة 30 سنة الأخيرة من حكم البعث المقبور لغاية السقوط عام 2003 ..
هذه الحوادث لها تأثير مباشر على الشعائر الحسينية , وكأن الحسين أرادها أن تكون ثورة دائمة , وهي فعلا كذلك, فكان نشأة وتطور العزاء والمواكب وانتشارها مقرون بالمواقف بين السلطة العراقية والشيعة العراقيين, فالمجالس العلنية المجازة من الحكومة ابتدأت في زمن المختار بن أبي عبيدة الثقفي, جاءت بعد ثورة كبرى ضد ظلم الاموين عام 65هـ وهذا مؤكد من الروايات التي تقول إن المختار أرسل نادبات إلى شوارع الكوفة للندب على الحسين {ابن قتيبة- الإمامة والسياسة ج2 ص130} وكانت غايته تحريك الأجواء التعبوية ,

وتأسست المجالس العزائية ولكنها تحديدا حول قبور الأئمة{ع} ثم تطورت إلى بيوت الأئمة وأنصارهم يقيمون النياحة على أهل البيت{ع}, وكانوا يسمون الخطيب {نائح} لان المجلس لا يعدو النياحة والشعر والبكاء , واكبر قفزة عند الشيعة في القراءة الحسينية عندما كتب الشيخ{ ابن نما} أول مقتل ” كتاب جمع فيه روايات يوم عاشوراء” ثم تلاه السيد { ابن طاووس} فأصبح عند الشيعة كتابين للقراءة فكان الذي يجلس على المنبر يقرا من هذين الكتابين يسمي قراء الحسين…

وفي القرن السابع للهجرة أصبح قراءة المقتل عادة متبعة للشيعة , وأول من منع القراءة يوم العاشر الخليفة العباسي المستنصر بالله عام 640هـ- 1223م وهو أول منع علني من حاكم عباسي بعد انتشار المجالس حول صحن الإمامين الكاظمين {ع}في بغداد.. ويذكر ابن الجوزي (ج7 ص23) إن اللطم جرى في صحن الإمام الكاظم {ع}يوم العاشر في القرن الخامس الهجري- الحادي عشر ميلادي , وهذا تاريخ آخر يوثق المواكب واللطم..

ورغم محاولات الأمويين والعباسيين لمنع زيارة قبر الحسين {ع} وتشديد الإجراءات الظالمة وقتل وتهجير أصحاب المواكب إلا إن تلك الزيارات لم تتوقف ولم تنقطع( وقد عاصرنا صدام وظلمه وأجهزته وحزبه عندما أراد القضاء على الشعائر الحسينية و منع زيارة الحسين ) ولكنها تحولت بإصرار شيعة العراق إلى زيارة مليونية في زمانه , ثم انفجرت بشكل لا يوصف حين توجه عدد لا يزيد على ألف شخص من البصرة إلى كربلاء مشيا على الأقدام عام 2003 بعد سقوط صنم العراق ,

وقد نقلت وكالات الأنباء هذا الحدث بغرابة أن يسير أفراد مسافة تزيد على 540كم على الأقدام.. وفي عام 2004 انطلقت محافظات الجنوب البصرة والعمارة والناصرية بمد بشري يزيد على ثلاثة ملايين زائر رجال ونساء وأطفال توجهوا نحو كربلاء الحسين {ع} إضافة لمسيرات الراجلة من كل المحافظات العراقية تتمثل بذروتها في طريق كربلاء – نجف وطريق حلة – كربلاء – وطريق بغداد كربلاء…

وعلى أثرها قامت زمر التكفير بقصف الزوار أحيانا, وإلقاء السم في الطعام وزرع المفخخات والسيارات المفخخة والانتحاريين الحاقدين , في محاول لوقف مد مواكب التسونامي الحسيني إلى كربلاء..

وكانت الحكومات العراقية قبل 1968 في حال الموافقة على سفر المواكب إلى كربلاء يشترطون جملة من الشروط المهينة في محاولة لإذلال الشيعة, وتتعمد الدولة عدم تقديم خدمات للزوار والمواكب, فكان الاعتماد الذاتي لخدام الحسين وتحمل مصاريف الخدمة كاملا منذ ذلك الوقت …, أما بعد هذا التاريخ كان زبانية صدام إضافة لجميع المظالم الواقعة على الشيعة ,يضغطون عليهم لضمهم إلى صفوفهم إعلاميا يشترطون حين منه {{ إجازة قراءة }} أن يدعو الخطباء وأصحاب الحسينيات لصدام وحزبه ولكنهم خابت ظنونهم ولم يحقق صدام إلا الخزي والعار…

ومن الحكومات العراقية التي منعت المواكب الحسينية من التوجه إلى كربلاء في العصر الحديث حكومة رئيس الوزراء طه الهاشمي عام 1934م الذي اصدر أمراً مشددا يمنع جميع المواكب الحسينية وعدم السماح للقوافل الحسينية التوجه إلى كربلاء, فقرر الناس ترك دوابهم ومن يمتلك منهم سيارة وتوجهوا إلى كربلاء سيرا على الأقدام , وهي أول بادرة حكومية في العصر الحديث من القرن العشرين … ولا يفوتني إن السيد رئيس الوزراء طه الهاشمي آنذاك هو جد أم السيد طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الحالي الهارب بسبب قتل وتفجير الشيعة العراقيين ..

المصدر: كتابات

عن arabi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Google Analytics Alternative