الرئيسية / الضبط / 5 مذكرة / المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء.. المفكر الإسلامي جمال البنا
المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء

المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء.. المفكر الإسلامي جمال البنا

بالنسبة إلى قضية الزي فإن الكتاب لا يركز الأهمية على الحجاب ويرى أنه من الآداب وليس من العبادات، ولا يجوز الخلط في هذه المسألة كما فعلت كثير من التيارات والمدارس الفكرية المعاصرة وجعلته القضية المحورية في شئون المرأة المسلمة المعاصرة، ولكنه يؤكد ملاحظة الحشمة ومرونة مظهر هذه الحشمة بعدم تحويل لباس المرأة المسلمة إلى «زي» واحد ملزم للكافة

الاجتهاد: من المسلّم به أن الإسلام كرَّم المرأة وأعلى منزلتها، ولكن الواقع في المجتمعات الإسلامية نقيض ذلك فهي منتقصة الحقوق مغيبة من المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية واتخاذ القرار. وهكذا نجد أنفسنا في مفارقة، وهذا الكتاب يحاول أن يقدم تفسيرا لهذه المفارقة.

وتنبع أهمية هذا الكتاب ” المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء” من كون مؤلفه هو جمال البنا، أحد المفكرين الإسلاميين الذين يتميزون بالرصانة والدأب، إذ قضى عمره في التأليف والترجمة، لقرابة مئة كتاب في القضايا الإسلامية المختلفة، فضلا عن مؤلفاته في مجال الحركة العمالية والنقابية، والاقتصاد، والفكر الغربي ومدارسه.

ويعد هذا الكتاب جزءا من مشروعه الفكري الضخم لصوغ ملامح فقه جديد، ويأتي بعد دراسته الأخيرة عن دور السنة في هذا الفقه الجديد والتي أثارت الجدل، وقد يجد القارئ نفسه متفقا أو مختلفا مع الكاتب، لكن من يعرفه عن قرب يعرف عنه إخلاصه ويلمس اجتهاده في الفهم والإصغاء إلى وجهات النظر المختلفة، وحرصه على نهضة الأمة. ولاشك في أن كتابا له في هذا الموضوع موضع الجدل يستحق القراءة والمطالعة المتأنية.

الفكرة الرئيسية لدى الكاتب هي أن القرآن الكريم، وكذلك الرسول (ص)، أرادا تحرير المرأة، ووضعا الأصول لذلك، ولكن الفقهاء في نظر الكاتب أرادوا – وتمكنوا فعلا – من تقييدها بمختلف القيود لأنهم كانوا يحكمون بروح عصرهم وضروراته وهم أيضا – باعتبارهم مقننين – حماة الأمن والنظام. فضلا عما تعرضت له التفسيرات من دس الإسرائيليات، والسُّنة من وضع وتحريف مما كان في بعض الأحيان سندهم في أحكامهم.

ولما كان الكتَّاب المعاصرون، وكذلك المستشرقون، يرجعون إلى أحكام الفقهاء، إذ هم «الجهة المختصة» و«أهل الذكر»، فإن الصورة السيئة التي كانت وليدة بعض ضرورات العصر القديم، والأحكام التي تحيف على المرأة، أصبحت هي الصورة المقررة للمرأة المسلمة، ويراد تطبيقها اليوم.

وبعد مقدمة يشرح فيها المؤلف هذه الفكرة يبدأ الفصل الأول بعنوان: «القرآن يحرر المرأة» فيتحدث عن الموضع المتدني للمرأة في الجاهلية وكيف نهض بها القرآن فاعترف بإنسانيتها وأنها ليست مجرد أنثى، وكأي إنسان لها – كالرجل – حقوق وعليها واجبات فهي بهذا تتساوى معه في التكاليف والثواب والعقاب، كما أن الآية الفريدة «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله» (التربة 71) تفتح آفاق المجتمع، والعمل فيه أمام المرأة كالرجل سواء بسواء.

وتحدث الفصل عن حقها في الملكية، وتقلد المناصب، وأبرز أن مؤهل المناصب هو الكفاءة وليس الجنس، فإذا توافرت الكفاءة للمرأة فمن حقها تقلد المناصب تبعا لكفايتها. وتعرض لما يتعلق بمسألتي الإرث والشهادة من شبهات وفنّدها.

وانتقل الفصل من صفتها كإنسان إلى صفتها كأنثى فتحدث عن الزي والحجاب، ثم انتقل إلى الزواج ونظرة الإسلام إليه وحقوق المرأة وواجباتها وعالج عددا من المسائل الشائكة مثل تعدد الزوجات والنشوز والسماح بضرب المرأة ضربا غير مبرح بعد استنفاد كل وسائل الاسترضاء وبمعالجة يختلف فيها تماما عن منهج التبرير التقليدي أو الرفض الإنكاري…

ثم انتقل إلى الطلاق وما وضعه القرآن من ضمانات تم إهدارها لأن بعض الفقهاء تناسوا الآيات التي تقررها… مثل تعيين حكمين عند خشية الشقاق، ومثل الاشهاد عند الطلاق ومثل الخلع، وكذلك آية اللعان التي تضع حلا حضاريا لأشد المشكلات حساسية، عندما يتهم زوج زوجته بالزنا من دون أن يكون له شاهد سواه.

ويكشف الفصل الثاني عن دور للرسول (ص) نصيرا للمرأة وداعيا للحب والجمال ويعرض جوانب قد تكون خافية من شخصية الرسول، وكيف أنه بالإضافة إلى مناصرته لقضية المرأة، فإنه غرس بذرة الحب في المجتمع الجاهلي القاحل وحاول إشاعة حاسة الجمال…

وتناول الفصل بالتحليل بعض الأحاديث كحديث «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» وهو سند الفقهاء في تحريم المناصب العليا على المرأة، ومثل حديث «المرأة عورة» وهو سندهم في الحجاب والنقاب، ومثل رواية أن الرسول (ص) لم يبايع النساء مصافحة وهو سندهم في تحريم مصافحة المرأة.

وخصص المؤلف الفصل الثالث للمرأة في المجتمع الإسلامي الأول، أثبت فيه مشاركة المرأة في العمل السياسي، وفي العمل العسكري، كمشاركتها في الغزوات في عهد الرسول (ص) ومشاركة نصيرات الإمام علي (ع) في معركة صفين ومشاركة نساء الخوارج. ثم تحدث عن الحياة الاجتماعية في الحجاز…

أما الفصل الرابع فهو عن الفقهاء وعهد القيود والسدود. وهو يبدأ بمقدمة عن الملابسات التي أدت إلى قيام هذا العهد، ويقسم الفقهاء إلى قسمين رئيسيين قدامى ومعاصرين، والقدامى يضمون الأئمة الذين وضعوا أصول الفقه والتفسير والحديث، ثم فقهاء الفروع بعد إغلاق باب الاجتهاد.

ويسرد شواهد كثيرة مدسوسة في كتب التفسير والحديث تعزز الفكرة المتدنية عن المرأة كما جاءت في تفسير ابن كثير والطبري والبخاري، فضلا عن مقتطفات من كتب فقه الفروع تثير التساؤل وتمثل مدى انحطاط تصورهم للمرأة،

ثم ينتقل إلى الفقهاء المعاصرين ويتحدث عن موقفهم من قضيتين بارزتين:

الأولى، المرأة والنشاط السياسي، التي ثارت في الخمسينات عندما بدأت الدعوة إلى السماح للمرأة بالانتخاب والترشيح وعرض وجهة نظر الهيئات الإسلامية كما يورد نص فتوى مطولة من الأزهر تعارض اشتغال المرأة بالسياسة، ويعرض كتابات لبعض الهيئات والتيارات الإسلامية المتشددة، وعنى بعرض وجهة نظر حزب التحرير والإخوان المسلمون، كما يورد أحدث وثائقهم عن هذا الموضوع.

أما القضية الثانية، التي شغلت الفقهاء المعاصرين فهي قضية الحجاب والنقاب. وعرض للاتجاهات ما بين تأييد الحجاب – أي إباحة كشف الوجه والكفين – وما بين التمسك بالنقاب الذي يغطي الوجه ويترك ثقبا للعينين. كما عالج حقيقة الاختلاط والمصافحة، وعرض في هذا الصدد أقوال الكتاب الإسلاميين المعاصرين المودودي والقرضاوي والسيد محمد حسين فضل الله.

ويختم الكتاب بخاتمة مهمة عن «معالجة قضية المرأة في ضوء فقه جديد» عرض فيه عرضا مكثفا ومركزيا لبعض أصول الفقه الجديد قد يراها البعض بالغة الجرأة مثل عدم الاعتداد بالتفاسير لما تطرق إليها من إسرائيليات ونُقول وآراء ذاتية وتأثر بروح عصرها، وضرورة ضبط السنة بمعيار القرآن، وأن الحديث – حتى لو صح – فليس له تأييد القرآن الكريم وأن من السنة ما لا يدخل في التشريع، وما سبق على سبيل التذكرة أو تعزيز حاسة الإيمان أو الترهيب والترغيب.

وذهب إلى أن المعالجة التقليدية لا خير فيها، وأن المعالجة الحاسمة هي ما تتم في ضوء فقه جديد لا يلتزم ضرورة بآراء المفسرين والمحدثين والفقهاء من قدامى ومعاصرين، ولكنه يتمسك بالقرآن الكريم والقيم التي تتمحور عليها توجهاته والتي تمثل روح الإسلام، وكذلك الصحيح الثابت من أفعال الرسول (ص) ومواقفه.

وبالنسبة إلى قضية الزي فإن الكتاب لا يركز الأهمية على الحجاب ويرى أنه من الآداب وليس من العبادات، ولا يجوز الخلط في هذه المسألة كما فعلت كثير من التيارات والمدارس الفكرية المعاصرة وجعلته القضية المحورية في شئون المرأة المسلمة المعاصرة، ولكنه يؤكد ملاحظة الحشمة ومرونة مظهر هذه الحشمة بعدم تحويل لباس المرأة المسلمة إلى «زي» واحد ملزم للكافة، كما أنه يدعو إلى تغيير جذري في علاقات الزواج والطلاق ليجعل الأول خاضعا لإرادة الطرفين، كما يشترط في الطلاق ما اشترط في الزواج، من اتفاق وتوثيق وإشهاد الخ… ولا يعطي أية قيم لأيمان الطلاق المرسلة.

ويؤخذ عليه نقده لأحاديث في البخاري لما رآه قدحا في المتن عند رده للقرآن، أو قدحا في سندها لم يلتفت إليه الفقهاء، وهذا من الأمور الشائكة التي قد تدفع البعض إلى مهاجمة فكره على رغم وجاهة وأهمية الكثير من أطروحاته، وهو ما شهدناه سابقا في الموضوع نفسه مع الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – في كتاباته الأخيرة عن المرأة التي أثارت جدلا واسعا في حينها وتشابهت مع أفكار جمال البنا هذه.

 

رابط تحميل الكتاب

عن arabi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Google Analytics Alternative