خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد وجميع المواضيع / فقه الحياة (جميع المواضيع) / فقه الأسرة والأحوال الشخصية / المرأة، أسلوب الحياة، وبناء الحضارة الإسلامية الحديثة / فضه خاتمي
المرأة-الحضارة-الإسلامية

المرأة، أسلوب الحياة، وبناء الحضارة الإسلامية الحديثة / فضه خاتمي

خاص الاجتهاد: مع طرح قضية «أسلوب الحياة» ودورها في بناء الحضارة الإسلامية الحديثة من قبل سماحة قائد الثورة الإسلامية {الشهيد}، واجه الباحثون تساؤلات عديدة حول هذا الموضوع؛ ومن جملتها: دور المرأة المسلمة في تحقيق الحضارة الإسلامية الحديثة. نسعى في هذا المقال إلى تقديم تحليل لدور المرأة في بناء الحضارة الإسلامية الحديثة، من خلال دراسة أدوارها الاجتماعية والأسرية في المجتمع الإيراني؛ نظراً لأن تحليل المجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعناصره ومكوناته، وبما أن المرأة تُعدّ عنصراً أساسياً من عناصر المجتمع، فإن دراسة مكانتها وتأثيرها في المجتمع تُعد أمراً ضرورياً لتحليل ذلك المجتمع بصورة دقيقة.

أسلوب الحياة والحضارة
يُقصد بـ«أسلوب الحياة» تلك المجموعة المتناسقة تقريباً من جميع سلوكيات الفرد وأنشطته في الحياة اليومية، والتي تتطلب إلى حد ما منظومة من العادات والتوجهات التي تتمتع بنوع من الانسجام، وتؤمن الترابط بين الخيارات الفرعية الموجودة ضمن نمط منتظم نسبياً (غيدنز، 2003م، ص 121). وبعبارة أخرى، يمكن القول إن أسلوب الحياة هو مجموعة السلوكيات التي يختارها الفرد لتلبية احتياجاته اليومية، ولتحقيق هويته وبنائها.

يخضع أسلوب الحياة لتأثير مؤشرات ومكونات مختلفة مثل: الثقافة، والزي، والعمل، والتعليم، والفن والأدب، والعمارة، وكل ما يساهم في تشكيل الأسس الثقافية والاجتماعية للمجتمع. كما تتدخل في تشكيل أسلوب الحياة عوامل متعددة كالعلم، والتكنولوجيا، والتاريخ، والآداب والسنن، والأعراف. ونظراً لأن هذه المكونات متغيرة، فإنه يمكن القول بأن أسلوب الحياة ليس مقولة ثابتة أو جامدة. في الواقع، يرتبط تقدم المجتمعات أو تخلفها ارتباطاً وثيقاً بأسلوب حياتها؛ ولذلك، ومن أجل دراسة الوضع الراهن للمجتمع والتنبؤ باتجاهاته المستقبلية، يجب رصد أسلوب الحياة باستمرار. ويمكن القول إن أسلوب الحياة يُعدّ من المؤشرات المهمة والمؤثرة في المجتمع، ولما كان أمراً ديناميكياً ومتغيراً، فإن تغيره يؤدي بالضرورة إلى تغير الحضارة. بعبارة أخرى، إن العلاقة القائمة بين الحضارة وأسلوب الحياة ليست علاقة خطية، بل هي علاقة دائرية تفاعلية يؤثر فيها كل منهما في الآخر.

في المباحث النظرية للدراسات الحضارية، تُطرح تساؤلات من قبيل: ما هي الحضارة؟ وما هي العملية المطلوبة لتحقيقها؟ يقدّم «فوكوتساوا یوکیچی»، بوصفه أحد أبرز التنظيريين في مجال الحضارة، تعريفيْن للحضارة؛ ففي التعريف الأول، يطرح الحضارة بوصفها أمراً محدوداً، ويعني بذلك: زيادة ما يستهلكه الإنسان؛ أي تعزيز الجانب المادي للحضارة.

أما في التعريف الثاني، فيعرّف الحضارة بمعناها الواسع: حيث يلتفت إلى جانب الرفاهية في الضروريات اليومية، وإلى تهذيب المعرفة وتنمية الفضائل بالشكل الذي يرتقي بالحياة البشرية إلى مرتبة أسمى؛ أي إنه يرى للحضارة مستويين: مستوى مادي، ومستوى معنوي يُعد بمثابة البنية الأساسية لتحقق الحضارة، ويعمل بمثابة المحرك الأساسي لها، ليقوم بتشكيل المظاهر المادية للحضارة بناءً على الاحتياجات القائمة (يوكيچی، 2000م، ص 119).

من جهة أخرى، تُعتبر الحضارات أموراً ديناميكية تنشأ نتيجة العلاقة بين البُعدين المادي والمعنوي؛ لذا، وللحفاظ على ديناميكية الحضارة، يجب صيانة حركيتها في كلا البُعدين المادي والمعنوي (مقصودي وتيشه‌یار، 2009م، ص 158). بعبارة أخرى، تُطلق الحضارة على حالة التطور في حياة الإنسان التي تشمل التطور الفكري، والثقافي، والمادي، فضلاً عن التطور العلمي والفني. ويؤدي هذا التطور في المجالات المذكورة إلى تشكيل المؤسسات السياسية والمنظمات الاجتماعية. بناءً عليه، يمكن النظر إلى الحضارة باعتبارها ثقافة أو مجتمعاً يظهر في منطقة جغرافية خاصة أو في حقبة زمنية محددة.

وفي تعريفه للحضارة، يقول الدكتور علي شريعتي: «الحضارة بمعناها العام عبارة عن مجموع المنجزات والمخرجات المادية والمعنوية للمجتمع الإنساني… يجب تغيير الإنسان، لا تحديث وسائل عيشه فحسب. عندما تتغير الوسائل، ونتيجة التكيف والاستعداد لاستهلاك تلك السلع، فإن الإنسان يتغير لا محالة إلى حد ما؛ بيد أن رؤيته وبصيرته لا تتغير، بل يتغير ذوقه الاستهلاكي فقط. فكل مجتمع متحضّر يمتلك الآلات، والكهرباء، والتلفاز، والطائرات، والأسلحة؛ ولكن ليس كل مجتمع يمتلك هذه الأشياء يُعد بالضرورة مجتمعاً متححضراً» (شريعتي، 1989م، ص 8). وتبدأ الحضارة بتغيير روح أفراد المجتمع فرداً فرداً، وهو ما ينعكس بدوره على الروح الكلية للمجتمع كأمة. ونتيجة لذلك، يمكن القول إنه مادامت هذه الحركة مستمرة، فإن بناء الحضارة سيستمر أيضاً.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين المرأة والحضارة، يقال: «تقريباً في جميع المباحث التي تُطرح بشأن الحضارة، تُعتبر مكانة المرأة ووضعها معيياراً لقياس مستوى الحضارة» (مازليش، 2004م، ص 157). وعند دراسة دور المرأة في صلته بالحضارة، تؤدي الثقافة دوراً حاسماً. بعبارة أخرى، ليست الحضارة هي التي تفرض الأدوار على النساء، بل إن الثقافة التي ينتمين إليها هي التي تملي عليهن الأدوار، ووفقاً لتلك الأدوار المُمْلاَة من قِبل الثقافة تحدد النساء أسلوب حياتهن. وبناءً عليه، يمكن القول إن الأدوار النسوية تُعدّ من المتغيرات المؤثرة في بناء الحضارة.

الأدوار النسوية وبناء الحضارة الإسلامية
إن أسلوب الحياة والحضارة أمران ديناميكيان، ومع ظهور الاحتياجات الجديدة، يتغير أسلوب حياة أفراد المجتمع ويسعى للاستجابة لتلك المتطلبات المستجدة. ومع تغير أسلوب الحياة، تُسند إلى الأفراد أدوار جديدة؛ وبناءً عليه، يمكن القول إن الأفراد يستجيبون للتغيرات الاجتماعية من خلال أداء أدوار جديدة. وقد تتولى المرأة أيضاً، باعتبارها جزءاً من مكونات المجتمع، أدواراً مختلفة في هذه العملية. وقد تتوافق هذه الأدوار الجديدة مع المعايير والمثل العليا التي تحددها المرجعيات الحضارية، أو قد تتعارض معها. ولن يتقدم المجتمع الإسلامي نحو أهدافه المتمثلة في التحول إلى حضارة إسلامية، إلا إذا كانت الأدوار الجديدة للأفراد منسجمة مع بنية الحضارة الحديثة.

في الخطوة الأولى، يتمثل الدور الأهم الذي ألقاه الإسلام على عاتق المرأة -والذي تستطيع من خلال أدائه ضمان البنية الأساسية لبناء حضارة إسلامية حديثة- في الدور التربوي الذي يتجسد ويختزل في كلمة «الأمومة» المقدسة. ويُؤدّى هذا الدور داخل مؤسسة الأسرة، وتحديداً جنباً إلى جنب مع أدوار أخرى مثل الزوجية. وفي هذا السياق، يقول الإمام الخمینی (ره) حول هذا الدور للمرأة: «المرأة بتربيتها الصحيحة تصنع الإنسان، وبتدبيرها وتربيتها الصحيحة تعمر البلاد». وفي المجتمع المعاصر الحديث الذي يشهد تغيراً وتحولاً مستمراً في أسلوب الحياة نتيجة لشبكات الاتصال الواسعة، أصبحت الأدوار المُسندة إلى النساء أكثر تنوعاً مقارنة بالماضي، نظراً لكونهن عضواً في المجتمع يمكن لأسلوب حياته أن يؤثر بدرجة كبيرة على أسلوب حياة المجتمع ككل. ومن جهة أخرى، فإن التغير في أسلوب حياة المجتمع يؤثر بدوره على أسلوب حياة المرأة، وهذه العلاقة هي علاقة تبادلية ودورية.

وبعبارة أخرى، لقد خلق المجتمع ظروفاً تستطيع المرأة من خلالها تولي أدوار جديدة وأكبر في بيئة المجتمع الكبرى؛ وهي أدوار قد لا تتناسب في كثير من الأحيان مع الروح النسوية اللطيفة؛ وهو الأمر الذي قد يتسبب تدريجياً في ابتعاد المرأة عن اللطف والرقّة التي قدرها الله لها، بحيث تعجز بعد ذلك عن أداء وظيفتها الأمومية وتنشئة الأجيال بالشكل اللائق بها.

لذا، فإن ما يجب إيلاؤه أهمية قصوى في عملية بناء الحضارة ومراعاة أسلوب الحياة المتناسب مع الثقافة الإيرانية، هو الأدوار التي يجب أن تضطلع بها المرأة في مسار الوصول إلى الحضارة. ومن هذا المنطلق، فإنه لبناء الحضارة الإسلامية، من الضروري أن تتم إعادة إنتاج الهوية الحضارية وتعزيزها باستمرار في مسار التعالي والتكامل، ولا يمكن الأمل في الوصول إلى حضارة تختلف عن الحضارة الغربية وسائر الحضارات إلا من خلال هذا الطريق، ولا تتبلور هذه الهوية بشكلها الصحيح إلا إذا كانت متجذرة في القيم الإسلامية الإيرانية.

الخاتمة
تُعدّ المرأة عنصراً بانياً وفاعلاً في المجتمع، وإلى جانب أدوارها الاجتماعية، فإنها تضطلع بمسؤولية تربية الأجيال والتأثير فيها، مما يجعلها تحدث أثراً بالغاً في مجتمعاتها، بل وتستطيع التأثير في المسار التاريخي للمجتمع وتغيير اتجاهه. لقد حُدّدت أدوار المرأة في الإسلام بوضوح؛ فوظيفتها الأساسية هي تنشئة الأجيال والوفاء للزوج. وهناك علاقة تبادلية بين أسلوب الحياة ودور المرأة في المجتمع؛ فحيناً يقتصر دور المرأة داخل نطاق المنزل، وحيناً آخر يتسع ليشمل قطاعاً من البيئة الأوسع لتتولى الأدوار الاجتماعية خارج المنزل.

وهذا التغير في الأدوار يغير أسلوب الحياة، وأحياناً يحدث العكس حيث يغير أسلوب الحياة دورها. وفي أسلوب الحياة الحديث، يتم تفويض جزء من أنشطة المرأة إلى المؤسسات الاجتماعية مما يغذي التحولات الجديدة. وتتجلى حصيلة هذا التغير في أسلوب الحياة داخل الحضارة لتؤدي في النهاية إلى تغييرها. وعند تحليل دور المرأة في بناء الحضارة الإسلامية الحديثة، ينبغي إدراك طبيعة دور المرأة في المجتمع، مع الالتفات إلى أن التغيرات الحاصلة في المجتمع تنتج نمطاً جديداً تتغير تبعاً له الحضارة أيضاً.

 

المصادر:

غيدنز، آنتونی (1382 هـ.ش)، تجدد و تشخص (الحداثة وتوحد الذات)، ترجمة: ناصر موفقيان، طهران: نشر نی، الطبعة الثانية.

یوکیچی، فوکوتساوا (1379 هـ.ش)، نظریه تمدن (نظرية الحضارة)، ترجمة: چنگیز پهلوان، طهران: نشر گیو، الطبعة الثانية.

مقصودي، مجتبی وتیشه ‎یار، ماندانا (1388 هـ.ش)، تمدن ایرانی فراسوی مرزها (الحضارة الإيرانية عبر الحدود)، طهران: نشر تمدن ایرانی.

شریعتی، علی (1368 هـ.ش)، تاریخ تمدن (تاريخ الحضارة)، طهران: نشر قلم.

Mazlish, Bruce (2004), Civilization and its Contents. Stanford, CA: Stanford University Press.

 

 

 

المصدر:

مجلة: پيام زن (بالفارسية)

المقالة 1، المجلد 23، العدد 267، خرداد 1393 هـ.ش (يونيو 2014)

الباحثة: فضه خاتمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *