خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
محمد تاج عبدالرحمن العروسي

الفكر الاقتصادي في الحضارة الإسلامية

الفكر الاقتصادي الإسلامي إن لم يكن لـه دور ملموس في أرض الواقع، وذلك لأمور خارجـة لا تمت إلى واقع الفكر الاقتصادي إلا أنه خرج الآن عن سلبية الصمت، وظهر في ميادين مختلفة، حيث يدرس في الجامعات المختلفة، والمعاهد الخاصة، وعقدت مؤتمرات وندوات حول الاقتصاد الإسلامي.     للدكتور محمد تاج عبدالرحمن العروسي

موقع الاجتهاد: يقصد بالفكر الاقتصادي دراسة وتقصي الخطوات الارتقائية التي خطاها الإنسان للكشف عن القوانين الحاكمة للظواهر الاقتصادية، ودراسة مواقف العلماء والباحثين عن الظواهر المادية.

ظهر الاقتصاد الإسلامي منذ ظهور الإسلام، ويتميز بكون مصدره القرآن والسنة، وهما مصدران أساسيان للشريعة، والاقتصاد الإسلامي جزء من الشريعة الإسلامية الشاملة لشتى فروع الحياة، وليس علما مستقلا على غرار (علم الاقتصاد السياسي).

وخير دليل على ذلك مانراه من امتزاج البحوث الاقتصادية ببحوث الفقه، والأخلاق، والتفسير، والحديث، والأدب، والتاريخ منذ القرون الأولى حتى اليوم، وإن كان هذا العطاء يتفاوت بتفاوت العصور، فيوم أن كانت الدولة الإسلامية تعيش عصرها الذهبي واستقلالها الفكري واعتمادها على العباقرة من أبنائها في حل مشكلاتها كان هذا العطاء وفيرا، والإسهام غزيرا،

ولما تفككت الدولة الإسلامية إلى دويلات وتشاغلت عن التنمية الاقتصادية بالمنازعات التي انتهت بها بالوقوع في براثن الدول الأوروبية تضاءل هذا الفكر، وغلب على الفقهاء والمفكرين التركيز على المسائل الفقهية، وأيا كان الأمر فالشيء الذي لا يختلف فيه أن العطاء الإسلامي لم ينقطع طوال هذه القرون، وإن اتصف بالغزارة في عصر، والإقلال في عصر آخر نتيجة لنهضة الدولة الإسلامية وتخلفها، فلا يخلو مؤلف فقهي من تناول الجانب الاقتصادي للمجتمع الإسلامي إذ الفقه الإسلامي شرح لشريعة الإسلام التي تحكم مختلف جوانب الحياة.

فمن الكتب التي ألفت في القرون المختلفة وتشتمل على المبادئ الاقتصادية في الإسلام إلى جانب تحدثها عن الأحكام الفقهية المختلفة ” بداية المجتهد لابن رشد الحفيد في القرن السادس ، وتحفة الفقهاء للإمام علاء الدين السمرقندي وشرحه بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين الكاساني في القرن السادس أيضا، والمجموع للنووي والمغني لابن قدام كلاهما في القرن السابع وكتاب السياسة الشرعية لابن تيمية في القرن السابع.

ومقدمة ابن خلدون في القرن الثامن الهجري، ويعتبر كتابه من أفضل ما كتب في هذا المجال، وهو يفوق دراسات آدم سميث الذي يعرف بأبي الاقتصاد الغربي وصاحب كتاب ( ثروة الأمم ) ويسبقه ابن خلدون بأربعة قرون ، فقد قدم ابن خلدون دراسة مستفيضة في نمو الثروة وأسبابه، وفي مقومات الحضارة ونشوئها، ونظريات القيمة وتوزيع السكان.

ولذا يعتبر البعض ما قدمه ابن خلدون من بحث اقتصادي ( النموذج التحليلي ) لتطور المجتمع، وكتاب الاستخراج في أحكام الخراج لابن رجب الحنبلي في القرن الثامن الهجري أيضا، وإعلام الموقعين والطرق الحكمية في السياسة الشرعية وكلاهما لابن القيم كتبا في القرن الثامن الهجري أيضا، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للإمام شمس الدين الرملي كتب في القرن العاشر، والشرح الكبير للإمام الدر ديري كتب في القرن الثاني عشر الهجري، وغيرها من المؤلفات مثل المحلى لابن حزم الظاهر ” .

فلو استخلصت الجوانب الاقتصادية من بين ثنايا الكتب الفقهية ودونت في أبحاث مستقلة لتوفر لدينا ما نسميه ( الاقتصادي الإسلامي ) بما يتضمنه من دراسات عميقة سواء في مجال الكشف عن المبادئ الاقتصادية التي جاء بها الإسلام، أو في مجال بيان حلول الإسلام لمشاكل ذلك العصر وكيفية إعمال مبادئه الاقتصادية ، وإلى جانب الدراسات الاقتصادية والإنمائية التي تضمنتها فصول ومباحث الكتب الفقهية المذكورة، فإن بعض هؤلاء الفقهاء قام بإفراد الدراسات الاقتصادية بمؤلفات خاصة بها لا تشتمل إلا عليها مثل :

كتاب الخراج للإمام أبي يوسف، وكتاب الخراج للإمام يحيى بن آدم القرشي، وكلاهما ظهرا خلال القرن الثاني من الهجرة ، ويشتملان على فكر إنمائي متقدم، ويقدمان محاولة بشرية لأفراد الفكر الاقتصادي بالتآليف المستقلة، وفي الثلث الأول من القرن الثالث كتب عدد من المفكرين في هذا المجال ومنهم محمد بن الحسن الشيباني، فقد ألف كتابه ” الاكتساب في الرزق المستطاب ” والإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ألف ” كتاب الأموال ” ، ويعتبر كتابه أوسع كتاب وأجمعه لكل ما يتعلق بالأموال في الدولة الإسلامية، وفي القرن الرابع صدرت كتب تتحدث بصفة أساسية عن سياسة الدولة ودورها في الحياة الاقتصادية ، منها كتاب ” الأحكام السلطانية أو الحسبة ” للإمام الماوردي الشافعي، والأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي.

واستمرت سلسلة العطاء للفكر الاقتصادي الإسلامي إلى أن جاء القرن الرابع عشر الهجري الموافق القرن العشرين الميلادي الذي ظهرت فيه النهضة الاقتصادية الحديثة، فظهرت إسهامات جديدة للفقهاء في هذا العصر أيضا سواء في ميدان التنمية الاقتصادية ، أوفي الحضارة وأسباب الثروة وقيام العمران، وتحقق التنمية الاقتصادية،

حيث شارك عدد من المفكرين، والفقهاء، ورجال والتاريخ في هذه الميادين بأفكارهم وأقلامهم، أمثال الأستاذ عبد القادر عودة في كتابه : “المال والحكم في الإسلام”، وأفاد منه كل من كتب في الاقتصاد الإسلامي بعد ذلك، وفي مقدمتهم الدكتور محمد عبد الله العربي، والسيد قطب رحمهما الله تعالى، ومن هذه المدرسة تفجرت بداية الصحوة للجهود الفكرية المتدفقة في مجال الاقتصاد الإسلامي،

وبرز الكثيرون في هذا المجال على تفاوت في الدرجات، أمثال الدكتور عيسى عبده، وأبو الأعلى المودودي، والشيخ تقي في باكستان،والسيد الندوي في الهند، والدكتور صديق الضرير والدكتور حسن عبد الله الأمين في السودان، والسيد الباقر (محمد باقر الصدر) في العراق،ومالك نبي في الجزائر، والدكتور مصطفى السباعي في سوريا، والدكتور يوسف القرضاوي في قطر، والدكتور سامي حمدون بالأردن، والدكتور رفيق المصري بباريس وغيرهم من علماء العصر الذين ساهموا بفكرهم وقلمهم في بيان خصائص الاقتصاد الإسلامي وأهميته وطالبوا بضرورة رجوع الأمة الإسلامية إليه.

ومن الكتب المشهورة في ذلك ( فقه الزكاة، وخصائص الاقتصاد الإسلامي، ومشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للشيخ القرضاوي”، و” ذاتية السياسة الاقتصادية الإسلامية، والإسلام والمشكلة الاقتصادية، والمدخل إلى الاقتصاد الإسلامي، والمذهب الاقتصادي الإسلامي للدكتور شوقي الفنجري “، و” الإسلام والأوضاع الاقتصادية، وظلام من الغرب للشيخ محمد الغزالي ” ، و”الإسلام والقضايا الاقتصادية للدكتور أحمد الشلبي” ، و” نظرية التنمية الاقتصادية، والنظم الاقتصادية المعاصرة، ومحددات التنمية الاقتصادية للدكتور صلاح نامق “

و”مقدمة الاقتصاد الدولي،واقتصاديات النقود للدكتور عبد الرحمن يسري “، و” الإسلام في حل مشكلات المجتمعات الإسلامية المعاصرة، والفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، والثروة في ظل الإسلام للدكتور محمد البهي “، و” المقارنة بين الشيوعية والرأسمالية والإسلام للشيخ بدر الدين جاد” وغيرهم من العلماء ممن كانت لهم إسهامات تأليفا وتدريسا . (انظر: المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية د. يوسف إبراهيم ص 131، 146، والإسلام والتنمية الاقتصادية .أ شوقي أحمد دنيا ص 59 .)

والفكر الاقتصادي الإسلامي إن لم يكن لـه دور ملموس في أرض الواقع، وذلك لأمور خارجـة لا تمت إلى واقع الفكر الاقتصادي إلا أنه خرج الآن عن سلبية الصمت، وظهر في ميادين مختلفة، حيث يدرس في الجامعات المختلفة، والمعاهد الخاصة، وعقدت مؤتمرات وندوات حول الاقتصاد الإسلامي أهمها:( المؤتمرات التي عقدها مجمع البحوث الإسلامية في الفترة ما بين عام 1964م، إلى عام 1977م ) ونوقشت فيها عدد من البحوث التي تعالج القضايا الاقتصادية، وكان من نتائج هذه المؤتمرات إنشاء بنوك إسلامية في عدد من الدول الإسلامية،

ومن المؤتمرات التي عقدت لدراسة الاقتصاد الإسلامي ( المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي ) المنعقد بمكة تحت إشراف جامعة الملك عبد العزيز عام 1395 هـ ، الموافق 1976م . شارك فيه جميع الباحثين في الاقتصاد الإسلامي من مختلف أنحاء العالم، و(المؤتمر الاقتصاد الإسلامي ) المنعقد بلندن تحت إشراف المجلس الأوربي شارك فيه كذلك علماء مسلمون ومستشرقون أجانب، وعدد من المفكرين من علماء النهضة الإسلامية الحديثة وكانت لهم جهود طيبة في إنشاء عدد من البنوك الإسلامية، وتدريس الاقتصاد الإسلامي في الجامعات.

مقتطف من مقالة” الفكر الاقتصادي ومساهمة المسلمين فيه قديما وحديثاً 1-2″ للدكتور محمد تاج عبدالرحمن العروسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Slider by webdesign