خرید فالوور اینستاگرام خرید لایک اینستاگرام قالب صحیفه
الرئيسية / موقع الاجتهاد و جميع المواضيع / جميع الأبحاث والأحداث / حوارات ومذکّرات / 4 حوار / السيد محمد باقر الصدر والمرحلة الراهنة “حوار مع الشيخ حيدر حب الله
السيد محمد باقر الصدر والمرحلة الراهنة

السيد محمد باقر الصدر والمرحلة الراهنة “حوار مع الشيخ حيدر حب الله

ما يميّز السيد الشهيد هو الاهتمام بالمشاكل المعاصرة للمجتمع، والتواضع الروحي والعقلي، إلى جانب ما يتمتّع به من أخلاق التضحية والفداء والتفاني الحقيقي والجادّ في إيمانه الروحي، واعتباره المرجعيّة والفقاهة وما إلى ذلك من الاعتبارات والمناصب وسيلةً لا غاية.

الشيخ-حيدر-حب-اللهموقع الاجتهاد: سماحة الأستاذ والمحقق الشيخ حيدر حبّ الله من المدرّسين والمحقّقين البارزين في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة. ولد سماحته عام 1973م في مدينة صور الواقعة في جنوب لبنان. درس مرحلة المقدّمات في لبنان؛ ليهاجر بعد ذلك عام 1995 إلى الحوزة العلميّة في قم؛ لغرض إكمال دراساته وتحقيقاته الحوزوية، فدرس عند كبار المراجع فيها. وتولّى إدارة وتحرير عدد من المجلات العلميّة والتخصصيّة مثل: (المنهاج)، و(نصوص معاصرة)، و(الاجتهاد والتجديد) وهي من المجلات الفكرية والفقهيّة المعروفة على مستوى العالم الإسلامي. كما قام بترجمة الكثير من الكتب الفارسيّة إلى العربية ونشرها في العالم العربي، وأسهم في تدوين موسوعة الفقه الإسلامي بإشراف آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، كما يشهد سجله الفكري مجموعةً من النظريّات إلى جانب تأليف عدد من الكتب في مختلف حقول الفكر الإسلامي. وقد أمضى أكثر من خمسة عشر عاماً في تدريس مختلف كتب آية الله السيد الشهيد محمد باقر الصدر في المراكز العلميّة المتقدّمة في الحوزة والجامعة، وقد كتب الكثير من المقالات في بيان آراء وأفكار الشهيد الصدر رحمه الله. وفي هذا الإطار كان لصحيفة القدس فرصة التحاور مع سماحته في هذا الشأن:

س1: هل لك أن تعرّفنا بشخصك على نحو الإجمال؟

حبّ الله: أستاذ في الحوزة العلمية، ومتخصّص في علوم القرآن والحديث، وأشغل رئاسة تحرير مجلة (الاجتهاد والتجديد)، وكذلك مجلة (نصوص معاصرة)، ولديّ أيضاً بعض المؤلّفات العلميّة في الفقه والأصول والرجال والحديث والكلام المعاصر.

س2: كيف تعرّفتم على السيد الشهيد الصدر؟

الشيخ-حيدر-حب-اللهحبّ الله: بدأت معرفتي بالسيّد الشهيد الصدر من خلال بعض كتبه، مثل: فلسفتنا، واقتصادنا، والمدرسة القرآنية، والمدرسة الإسلامية. وبعد بلوغ مرحلة السطوح العالية في الحوزة العلميّة ودراستي لحلقاته الأصوليّة الثلاث، ازدادت معرفتي بمنهجه الفكري، وخاصّة في حقل العلوم الإسلاميّة. ويصنّف السيد الشهيد الصدر بين أبناء جيلنا في لبنان وفي سائر البلدان العربيّة بوصفه مرجعاً علمياً وملاذاً فكرياً وخطّاً تنظيرياً متقدّماً لمواجهة التيارات الفكريّة الماركسيّة والاشتراكيّة والعلمانية وغيرها.

س3: ما هي الأسباب التي جعلت السيد الشهيد الصدر يتقدّم على الفضاء الفكري السائد في النجف الأشرف لما يقرب من عدّة عقود؟

حب الله: بالإضافة إلى امتيازاته الشخصية، أرى أنّ العالم الكبير عندما يفكّر في معاناة المجتمع الإسلامي، ويجعل ذلك من أكبر اهتماماته وهمومه، فإنّه سيضع إصلاح الواقع الفكري والاجتماعي للأمة الإسلامية المعاصرة في سُلّم أولوياته. فلو مكث الفقيه مائة سنة في قوقعة الحوزة العلميّة المباركة دون أن يلمس المشاكل الحقيقيّة التي تعصف بالمجتمع، أو لا يعيرها أهميّةً، فلن يستطيع تنظيم أولويّاته تجاه مجتمعه أبداً. وعليه، فإنّ المسألة ترتبط بتحديد الأولويات، وتبويب المشاكل والمسؤوليات.

س4: هل لك أن تعدّد لنا امتيازات المنظومة الفكريّة لدى السيد الشهيد الصدر؟

حب الله: يتمتّع السيد الشهيد الصدر بالكثير من المزايا، من قبيل: الإنصاف الفكري في التعاطي مع الخصوم ومن يخالفه في الرأي والتفكير، وتنظيم سلسلة الأفكار والمقدّمات، والبعد عن الإسفاف أو الإسراف الفكري، ومراعاته للأولويّات الفكرية، واحترام النظريّات العلمية للآخرين وحمله لها على محمل الجد، واهتمامه بالنمط والمنطق الفكري للآخرين، وانتهاجه المنهج المنطقي والتفكيكي في التفكير والتأمّل، وعدم الخلط بين العرفان والفلسفة، وقيام فهمه للنصوص الدينية على الركيزة الروحيّة والاجتماعية، فلم يكن فهمه لها فهماً أصولياً تقليدياً ملّائياً (إذا لم يخذلني التعبير).

س5: ما هي أهم خصوصيّة تُميّز السيد الشهيد الصدر من وجهة نظرك؟

حبّ الله: أرى أنّ أهم خصوصيّة تميّز السيد الشهيد الصدر هي جمعه بين العبقرية الفذّة والعقليّة الكبيرة، وبين الروح المتسامية والأخلاقية المتواضعة. فعادة عندما يتضخّم العقل تتراجع القيم الأخلاقية في نفس الإنسان؛ حيث يشعر المرء بعظمته وعلوّ شأنه، ويترتّب على هذه الحالة الشائعة استخفافٌ بالنمط الفكري لدى الطرف الآخر، والتسرّع في إصدار الحكم بشأنه وعدم إنصافه، بل واحتقاره والسخرية منه. وعليه فإنّ الجمع بين العبقرية العقليّة والتواضع العلمي يعدّ أمراً في غاية التعقيد والصعوبة، كما أنّه في الوقت نفسه مؤثّر جداً في الإنتاج الصحيح للعلم.

س6: ما الذي يميّز السيد الشهيد الصدر عن العلماء المعاصرين له؟

حبّ الله: ما يميّزه هو الاهتمام بالمشاكل المعاصرة للمجتمع، والتواضع الروحي والعقلي، إلى جانب ما يتمتّع به من أخلاق التضحية والفداء والتفاني الحقيقي والجادّ في إيمانه الروحي الذي يصل إلى حدّ الموت وقطع الوتين، والترفّع عن التنافس داخل النطاق الحوزوي الضيّق، واعتباره المرجعيّة والفقاهة وما إلى ذلك من الاعتبارات والمناصب وسيلةً لا غاية، واعتقاده القاطع بأنّ الإسلام دينٌ يصلح لبناء الدنيا والآخرة، وأنّه دينٌ للفرد والمجتمع.

بالإضافة إلى رؤيته الجادّة لعناصر نهضة المسلمين في العصر الراهن، من قبيل: الاقتصاد والعقلانية الفلسفيّة المتوازنة، ونظرته للنصوص الإسلامية الأصيلة (المتمثلة في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة) برؤية اجتماعية غير فردية وكلّية غير تجزيئية.

س7: ما هو القالب الذهني الذي كان يؤطّر السيد الشهيد الصدر؟ فهل كان فهمه للإسلام فهماً فلسفياً أم تاريخياً أم أصولياً أم كلامياً أم..؟

حبّ الله: أرى أنّ بالإمكان القول: إنّ فهم السيد الشهيد الصدر للإسلام هو فهم فلسفي عقلاني حضاري ـ بالمعنى العام للفلسفة الشامل للفلسفة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، وليس مجرّد فلسفةٍ وجودية ـ شاملٌ لمنظومة الأبعاد الاجتماعية والسياسية؛ ولذلك نجده يطرح مقترحاتٍ وأمور من قبيل: (فقه النظريّة)، و(التفسير الموضوعي)، و(الفهم الاجتماعي للنص)، و(التمييز بين العقل النظري المحض والعقل العملي التطبيقي الاجتماعي)، ويؤلّف كتباً من قبيل: (فلسفتنا)، و(الأسس المنطقية للاستقراء)، و(اقتصادنا)، و(مجتمعنا) الذي لم تسعفه الظروف لإتمامه مع الأسف الشديد.

س8: ما هي خصوصيّة السيد الشهيد الصدر التي جعلته يُبدع نظرية جديدة في كلّ حقل يطرقه من حقول الدين؟

حبّ الله: إنّها خصوصيةّ الإبداع، والإيمان الكبير بأهميّة الإنتاج العلمي والمعرفي، والاعتقاد الراسخ بعدم الاكتفاء بتراث القدماء في معالجة مشاكل العصر الراهن رغم أهميّة وضرورة هذا التراث.

إنّ هذا النوع من الاعتقاد عندما يترسّخ في وعي شخصٍ مبدع وفذّ تكون نتيجته خلق فضاء معرفي جديد في كلّ موضوع يطرقه، فلا يكتفي بمجرّد شرح نصوص القدماء أو مجرّد الاحتفاظ بالتراث.

وعلاوة على ذلك، فإن ّالسيد الشهيد لم يكن يكتفي بالموروث الثقافي لدى المسلمين فقط، وإنّما كان اعتقاده يقوم على ضرورة الاستفادة من المنجزات العلميّة والعملية التي أبدعها الآخرون بما لا يضرّ بمجتمعنا وديننا وقيمنا.

إنّ هذا (الانفتاح الفكري)، وهذه (الرؤية التقدّمية) بالإضافة إلى الخصائص التي ذكرناها في معرض الإجابة عن الأسئلة المتقدّمة، تكفي لكي تقدّم لنا مُبدعاً من الطراز الأوّل.

س9: هل لك أن تعرّفنا بكتابٍ يعكس لنا خلاصة أو بنات أفكار السيد الشهيد الصدر؟

حبّ الله: يبدو أنّ كتاب (الشهيد الصدر: السيرة والمسيرة) الذي ألّفه أخونا سماحة الشيخ أحمد أبو زيد العاملي في سرد حياة السيد الشهيد الصدر ومسيرته الفكرية في خمسة مجلّدات، من أفضل الأعمال التي كتبت في هذا المجال.

وهناك كتب أخرى أيضاً، ولكنها تناولت شخصيّة السيد الشهيد من زاوية أو موضوع محدّد.

س10: ما هو أهم إنجاز حقّقه السيد الشهيد الصدر من وجهة نظركم؟

الشيخ-حيدر-حب-الله2حبّ الله: إنّ أهمّ إنجاز حقّقه السيد الشهيد الصدر يكمن في تأصيله للمفاهيم والقيم والمسؤوليّات الإسلامية في المجتمع الإسلامي بشكل عقلاني وواقعي وحيوي، بل وعملي، ولذلك نجده فور إدراكه لقيام النظام الإسلامي بقيادة الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) يسارع إلى تأييده ومباركته ويضع نفسه في تصرّف هذه التجربة الوليدة ويدعو إلى نصرتها ومؤازرتها.

س11: لقد مضى على استشهاد آية الله السيد محمد باقر الصدر أكثر من ثلاثة عقود، ما الذي يلزم على الحوزات العلمية والنظام الإسلامي والتشيّع من ضرورة إعادة قراءة أفكار وآراء السيد الشهيد الصدر في الظروف الراهنة من وجهة نظركم؟

حبّ الله: من وجهة نظري فإنّ الاتزان والاعتدال الفكري، والابتعاد عن الإفراط والتفريط والتطرّف، وانتهاج السياسة الأبويّة والواقعيّة والقريبة من المجتمع الإسلامي الكبير، وعدم الابتعاد عن تطلّعات المجتمع، وأخذ المشاكل الاجتماعية بجدّية، والعمل على تبويب الأولويات، والخروج من الفضاء المذهبي المغلق كمقدمة للدخول في رحاب فضاء ديني أوسع لتحويل الآفاق المذهبية الضيّقة إلى آفاق إيمانية تتسع لجميع العالم، من خلال التواصل مع سائر المدارس الفكرية، وتسجيل حضورنا في المحافل العلمية في العالم، وعدم الإنغلاق على أنفسنا.. هذه الأمور كلّها كانت تشكّل هاجساً لدى السيد الشهيد وحُلماً يتطلّع إلى تحقيقه.

من هنا، يأتي الجواب عن سؤالكم حول ضرورة قراءة أفكاره من قبل الحوزات العلميّة والنظام الإسلامي والتشيّع.

س12: يواجه المجتمع الإسلامي ـ الشيعي في إيران والمنطقة الكثير من المخاطر والتحدّيات. ما هي الأفكار الجوهريّة التي كان ينشدها السيد الشهيد الصدر لبناء المجتمع والنظام الإسلامي المطلوب؟

حبّ الله: إنّ الخطر الأكبر الذي يهدّد العالم الإسلامي في اللحظة الراهنة يتمثل بالفتنة المذهبيّة والطائفية. وعليه يجب أن يكون خطابنا الديني خطاباً وحدويّاً يترفّع على الحدود المذهبية الضيّقة. إنّ الانسجام والتناغم بين الحوزات العلمية والحكومة الإسلاميّة وبين الناس يمثل مفتاح الحلّ لجميع المشاكل التي نعاني منها.

إنّ العالم المعاصر ينظر إلينا، فإذا أمكن لنا أن نقدّم هذه التجربة الإسلامية العظيمة ـ التي نجحنا نسبيّاً في تقديمها إلى العالم حتى الآن ـ بوصفها تجربة متكاملة للعلاقة المثالية بين الدين والأمة، وبين النظام الإسلامي والحوزة العلميّة، وبين النظام الديني الحديث والحوزة والشعب، عندها نستطيع أن نتفاءل بأنّ تأثيرنا على مختلف طبقات المجتمعات الإسلامية والعربيّة سيكون أقوى بكثير مما كان عليه سابقاً.

س13: تعيش المنطقة والعالم الإسلامي والعربي ظروفاً قاسية وحرجة، ما هي المعالم الفكرية للسيد الشهيد الصدر التي يمكن لها أن تأخذ بيد الشيعة والمسلمين للخروج من المأزق الراهن؟

الشيخ حيدر حب الل

حبّ الله: إنّ المنهج الفكري للسيد الشهيد الصدر يحدّثنا بأنّ على الشيعة اليوم ـ وخاصّة في العالم العربي ـ أن يندمجوا ويتحدوا ويمتزجوا بالمجتمع غير الشيعي، وعليهم أن لا يعيشوا عزلةً بعيدة عن مشاكل أوطانهم، بل يُفترض بهم كذلك أن يسجّلوا حضورهم الدائم في القضيّة الفلسطينية، وأن يكون لهم نشاط فاعل في حلّ الأزمات والمشاكل الاقتصادية في بلدانهم، وأن لا يكرّسوا كلّ همّهم وطاقاتهم في مجرّد الشعائر والطقوس المذهبيّة.

يجب أن تكون لدينا رؤية متوازنة ومعتدلة، فعندما نعيش وسط أمّة مؤلّفة من مليار مسلم ينتمون إلى المذهب السنّي و.. ويكون كل همّنا وسط هذا العدد الكبير من النفوس البشرية منحصراً بشعائرنا وطقوسنا المذهبية الخاصة، فهذا يعني أننا نكتب على أنفسنا العزلة والانفصال عن المجتمع الإسلامي الكبير. فعلى الشيعة إذا أرادوا أن يكون لهم حضور جادّ فعليهم التفكير في القضايا العامة للمجتمع الإسلامي، وأن تكون لنا مساهمة في حلّ مشاكل هذا المجتمع، هذا مع الحفاظ على هويتهم وأحكامهم المذهبية من دون شك.

أجري الحوار بتاريخ: الإثنين 14 / 4 / 2014 م، وتمّ نشره في العدد: 7524، من السنة السابعة والعشرين، من صحيفة (قدس) الإيرانيّة. وترجم الحوار إلى اللغة العربيّة: حسن مطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Slider by webdesign